الجامع لمسائل المدونةصفحات 821-860

كتاب الضحايا من الجامع

صفحات 821-860

[الباب: الأول]

في وجوب الأضحية، ومن تلزمه، أو يلزمه أن يضحي عنه

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالذبح وهو لكم سنة".
قال مالك: والأضحية سنة واجبة لا ينبغي تركها لقادر عليها من أحرار المسلمين.

قال غيره: وليست واجبة وجوب الفرائض، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هن على فرض، ولكم تطوع: الوتر والأضحية، والسواك".
ومن المدونة: قال مالك: إلا الحاج، فليست عليهم أضحية، وإن كان من سكان منى بعد أن يكون حاجاً، ومن لم يشهد الموسم فهم في ضحاياهم كالأجنبيين.
م: وإنما لم تكن على الحاج؛ لأن ما ينحر بمنى إنما هو هدي؛ لأنه يوقف بعرفة؛ ولأن الحاج لم يخاطبوا بصلاة العيد لأجل حجهم فكذلك هذا في الأضحية.
ومن المدونة: قلت: فشراء الأضحية احب إلى مالك أم الصدقة بثمنها؟ قال: قال مالك: لا أحب ترك الأضحية لمن قدر عليها.

قال مالك: وهي على الصغار والكبار من ذكر أو أنثى حاضر أو مقيم أو مسافر.
قال ابن المواز: تعظيماً لله وشكراً لما أكمل لهم من دينهم في يومهم ذلك، وهو يوم الحج الأكبر، وهو اليوم الذي قال الله عز وجل فيه: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".
قال ابن حبيب: الأضحية سنة لا رخصة لأحدٍ في تركها، والفقير إن وجد ثمنها أو من يسلفه فليتسلف.
وقال غير واحد من أصحابنا البغداديين: إنها غير واجبة، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي"، فقوله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يضحي" يقتضي التخيير، وليس هذا من شرط الواجب.
م: فإن أراد أصحابنا أنها ليست بواجبة وجوب الفرائض فنعم، وإن أرادوا ليست بواجبة أصلاً، فليس الأمر كذلك، ولا حجة لهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن

يضحي"، ويكون معنى قوله "من اراد أن يضحي" أي من أراد أن يذبح أضحيته فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يذبحها، ويكون معنى قوله: "من أراد" أي من كان من أهل الضحايا إذ ثم من تسقط عنه، وهو الفقير الذي لا يجد ثمنها، والحاج، ومن فيه بقية رق.
والدليل على وجوبها: قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالنحر، وهو لكم سنة"، وقوله للذي ذبح أضحيته قبله: "عد أضحيتك" قال: ليس عندي إلا جذعة من المعز قال: "أذبحها ولن تجزي عن أحدٍ بعدك"، وهو أبو بردة بن نيار.
وقال ربيعة: هي من الأمر، اللازم، وهي افضل من صدقة سبعين ديناراً.
قال ابن حبيب: هي أفضل من العتق، ومن عظيم الصدقة؛ لأن إحياء السنن أفضل من التطوع.
وقال ابن القاسم، وابن حبيب: من تركه وهو قادر عليها/ فهو آثم.
قال في كتاب ابن المواز: من ترك ذبح أضحيته حتى زالت أيام مني فقد أساء في تعمده، وإن نسي فقد فاته خير كثير، فهذا كله يؤيد وجوبها إذ لا يأثم الإنسان إلا بترك الواجب: ابن المواز: وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل فقال له: "يا جبريل كيف رأيتم سنتنا في يومنا هذا استقامت؟ فقال: نعم، فقد استبشر بذبحكم أهل السماء، وقال:

يا محمد: الجذع من الضأن خير من السيد من المعز، يعني: العظيم المسن، وخير من السيد من البقر، ولو يعلم الله عز وجل ذبحاً أعظم وأفضل من ذبح إبراهيم أعطاكه".
قال: وما كان من ذبح إبراهيم هو الذي قرب ابن آدم، فهذا كله يؤيد أنها سنة واجبة.
ابن المواز: وروي أن معاذ بن جبل قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا يوم العيد أن نلبس أجود ما نجد من الثياب، وأن نخرج وعلينا السكينة والوقار، ويأمرنا أن نظهر التكبير، ويأمرنا أن نضحي بأسمن ما نجد، ويأمرنا أن لا نذبح حتى نرجع من المصلى، وكان يأمرنا أن نختار السليم من الضحايا، وكان ينهانا أن نضحي بالجذع من المعز، وكان يأمرنا أن نطعم منها الجار والسائل من كان".
وكان أبو هريرة يقول: "من لم يضح وهو يقدر فلا يشهد المصلى".

[الباب: الثاني]

ما يستحب من الضحايا، وأيها أفضل، وذكر أسنانها وما يتقى فيها من العيوب

قال أبو هريرة: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين أملحين أقرنين ويسمي ويكبر، ولقد رأيته يذبحها بيده واضعاً على صفاحهما قدمه".
ابن المواز: قال أبو العالية: كانوا يستحبون الكبش على النعجة، والنعجة على المعز، والعنز على التيس.
قال ابن المواز: حسنه.
قال مالك في المختصر وغره: وفحول الضأن في الضحايا أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر في الضحايا، فأما في الهدايا فالإبل والبقر أفضل.
ومن كتاب ابن القرطي: ثم ذكور الإبل في الضحايا ثم إناثها، ثم ذكور البقر،

ثم إناثها.
وقال عبد الوهاب: "أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إن الأفضل: الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، لأنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين"، وقوله: "خير الأضحية الكبش"؛ ولأن المراعي طيب لحمه ورطوبته دون كثرته بدليل ما رويناه من تضحية بالغنم وعدوله إليها، ولأنه يختص بها أهل البيت دون الفقراء بخلاف الهدايا.
ومن الواضحة: روى ابن وهب عن عدد من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يستحبون أن تكون الضحية بكبش عظيم سمين فحل أقرن أملح ينظر في سواد ويسمع بسواد ويشرب بسواد.

قال: والأملح: ما كان بياضه أكثر من سواده، والفحل أحب إليهم من الخصي، والخصي أحب إليهم من النعجة، والنعجة أحب إليهم من التيس والجليل السمين أحب إليهم من غيره.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستشراف العين والأذن، وقال: "دم عفراء أحب إلي من دم سواداوين"، ويقال: إن قربان ابني آدم كبشان فتقبل السمين، ولم يتقبل المهزول.
قال ابن حبيب: الخصي السمين أفضل من الفحل المهزول، والفحل السمين أفضل من الخصي.

وكره مالك في العتبية تغالي الناس في الأضحية، وقال: خير الهدي هدي محمد وأصحابه، وليشتر كاشتراء الناس وإن غلت، فأما أن يجد بعشرة، فيذهب يشتري بمائة فأنا أكرهه ويدخل على الناس مشقة.
فصل [1 - في السن المجزئ في الضحايا والهدايا] ومن المدونة: قال مالك: ولا يجزئ ما دون الثني من سائر الأنعام في الضحايا والهدايا إلا الضأن وحدها فإن جذعها يجزئ.
قال أبو محمد عبد الوهاب: أما الجذع من الضان فلا خلاف في جوازه، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا/ جذعة من الضأن"، فلا تجوز جذعة من غير الضأن لهذا الحديث؛ لأنه قصر الجذاع على جنس مخصوص فكان ما عداه مبقي على المنع، ولقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار، وقال: ما عندي إلا جذعة من المعز: "تجزيك ولا تجزئ عن أحد بعدك".
قال ابن حبيب: والجذع من الضأن والمعز ابن سنة تامة.
أبو محمد: وقيل: ابن عشرة أشهر، وقيل: ابن ثمانية أشهر، وقيل: ابن ستة أشهر.
قال ابن حبيب: والثني من المعز: ابن سنين، والثني: ابن ست سنين.

وقال أبو محمد عبد الوهاب: الثني من المعز: ما له سنة ودخل في الثانية، ومن البقر: ما له سنتان ودخل في الثالثة، ومن الإبل: ما له ست سنين؛ لأنه يلقي ثنيته.
فصل [2 - في العيوب المانعة من الإجزاء في الضحايا] قال ابن المواز: روى مالك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل: ماذا من الضحايا؟ فقال: "أربع: العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي".
ونهى صلى الله عليه وسلم أن نضحي بعضباء الأذن والقرن.
قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: ما العضب؟ قال: النصف فما فوقه.
قال معمر: لا نرى بعضباء القرن بأساً، وكرهه في الأذن.

قال أبو محمد عبد الوهاب: وينبغي في الجملة أن يتقى العيب وتتوخى السلامة؛ لأنه ذبح مقصود به القربة، فيجب أن يكون سليماً من النقص، لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾.
وأما العوراء: فلا نعلم خلافاً في منع الأضحية بها، وفي حديث علي، والبراء أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها؛ ولأن المرض يفسد اللحم، ويضر بمن يأكله، وكذلك العجفاء التي لا شحم فيها ولا مخ في عظمها.
وفي الحديث: "ولا العرجاء البين ضلعها"، وعند أبي حنيفة: تجوز الأضحية بها ما دامت تمشي.
ومن المدونة: قال: وتجزئ في الهدايا والضحايا المكسورة القرن إلا أن يكون يدمي فلا تجزئ؛ لأنه مرض.

قال ابن حبيب: إنما هذا إذا انكسر القرن الخارج، وكان القرن الداخل صحيحاً، وهو يسمى أقصم، والأنثى قصماء، فأما إذا انكسر القرن الداخل والخارج فلا تجوز الأضحية بها وإن لم يدم، وهو يسمى أعضب، والأنثى عضباء، وقد نهى النبي أن يضحى بالأعضب القرن والأذن.
وفي كتاب ابن المواز: قال مالك: لا بأس أن يضحي بالتي قد استؤصل قرناها من أصلهما حتى تصير كأنها جلحاء.
قال فيه، وفي المدونة: والشاة تخلق خلقاً ناقصاً لا تجزئ إلا أن تكون جلحاء، يريد: الجماء.
قال: أو سكاء، وهي الصغيرة الأذنين.
قال ابن القاسم: ونحن نسميها: الصمعاء، ولو خلقت بغير أذنين لم تجز.
قال مالك: وإذا كان في الأذن قطع صغير أو أثر الميسم أو شق يسير فلا بأس به، وما سمعت مالكاً يوقت في الأذن نصفاً من الثلث.
قال ابن المواز: والنصف عندي كثير من غير أن أحد فيه حداً.

وقال ابن حبيب: إذا قطع نصف الأذن، أو ثلثها لم تجز، وهي العضباء الأذن التي نُهي عنها والشق الكبير في الأذن لا تجزئ به، وهي تسمى الشرقاء، وتسمى- أيضاً-: القصواء.
والخرقاء: التي في أذنها خرق مستدير في مقدم الأذن أو مؤخرها، وربما ترك معلقا كأنه زنمة.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس في الهدايا والضحايا بالبياض وغيره في العين إن لم يكن على الناظر.
قال: ولا تجزئ العرجاء البين ضلعها، كما قال النبي "إلا أن يكون الشيء الخفيف الذي لا ينقص مشيها ولا تعب عليها به في سيرها بسير الغنم، وأراه خفيفاً.
قال: ولا تجزئ المريضة البين مرضها، ولا الحمرة، قال ابن القاسم: وهي البشمة يعني التي أصابتها التخمة من الأكل، لأن ذلك مرض لها.
قال: وكذلك الجربة إن كان ذلك مرضاً لها.

قال ابن المواز:/ قال مالك: ولا بأس بالتي تسقط أسنانها من كبر أو هرم أو حفى، وأما لغير ذلك فهو عيب، فلا يضحى بها.
قال أصبغ: ما لم تكن بينة الهرم.
قال ابن القاسم: وإن كان من إثغار فلا بأس به.
قال مالك: ولا بأس أن يضحى بما سقطت له سن واحدة وإن لم يكن من كبر، وقال- في الكبش يطول ذنبه فيقطع منه قدر قبضة-: أرى أن يجتنب في الضحايا إذا وجد غيره.
قال ابن المواز: أما القطع البين فمكروه، وأما اليسير فجائز، والثلث عندي كثير.
قال ابن المواز: ولا خير في شطور الضرع كله، وقد أخبرت عن طاوس أنه قال: إذا كانت إحدى أطبائها تحلب فإنها تجوز، وكان يكره الجداء المصطلمة ضرعها، وهي المصرمة الأطباء، ويكره الهتماء، وهي الذاهبة الأسنان.

فصل [3 - فيمن اشترى أضحية فنزل بها عيب قبل ذبحها] ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى أضحية سليمة فلم يذبحها حتى نزل بها عيب لا يجوز به في الضحايا لو اشتريت به عجفت أو عميت أو أعورت.
قال مالك: لا تجزئه وإن لم يصبها ذلك إلا بعد الشراء.
قال سحنون في التي أقعدها الشحم أنها تجزئ.
وأما من اشترى هدياً صحيحاً، يريد: فقلده وأشعره ثم عمي عنده فلينحره ويجزئه في الواجب والتطوع.
قال ابن القاسم: لأن الضحية لم تجب عليه كما وجب عليه الهدي، ألا ترى أن لو ضل هديه فأبدله، ونحر البدل، ثم وجد الأول لم يكن بد من نحره، ولم يكن ما أبدل يضع عنه نحره فات وقت الذبح أو لم يفت، ولو ضلت أضحيته فأبدلها ثم وجدها في أيام النحر لم يلزمه ذبحها، وكانت مالاً من ماله، ولو ضلت أضحيته فلم يبدلها ثم وجدها بعد أيام النحر فليصنع بها ما شاء، وليس على أحدٍ أن يضحي بعد أيام النحر، وهو بمنزلة من ترك الأضحية، وكذلك لو أشترى أضحيته فحبسها حتى مضت أيام النحر، فهذا والأول سواء، وهذا رجل آثم حيث لم يضح بها.

قال إسماعيل القاضي في المبسوط: والفرق بين الهدايا والضحايا: أن إشعار الهدي وتقليده وتجليله وسياقه إيجاب فيه بالنية والفعل فلا يجوز بدله، ولا يضره بعد ذلك عيب دخله، فإن عطب الواجب منه قبل بلوغ محله ونحوه كان عليه بدله، لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فكان عليه في الهدي أمران: أحدهما: إيجابه وهو مما يجوز أن يهدى، والآخر: أن يبلغ محله، والضحايا بخلاف ذلك؛ لأن صاحبها لم يؤمر أن يوجبها بشيء قبل ذبحها، وإنما هو رجل ينوي أن يضحي بها، فالنية لا توجبها، غير أنه يستحب له أن لا يبطل ما نوى فيها.
قال: ولو أن إنساناً اشترى أضحية، فقال بلسانه: قد أوجبتها لم يجز عندي أن يبدلها، يريد: ولا يضر عيب دخلها.
قال: لأنه أوجبها بالنية والقول.
م: قال نحوه غير واحدٍ من البغداديين، وهذا قول حسن، غير أن ظاهر كلام مالك خلافه، وقد قال مالك في كتاب ابن المواز فيمن اشترى أضحية سليمة فأوجبها فلم يذبحها حتى نزل بها عيب لا تجوز به في الضحايا أنها لا تجزئه، بخلاف الهدي يحدث به عيب بعد التقليد والإشعار، وذلك أن الضحايا لا تجب إلا بالذبح، والهدايا تجب بالتقليد، فقد نفى مالك أن تجب بغير الذبح؛ لأن الذبح فعل كالتقليد، وذلك أقوى من القول، وما قاله مالك إلا السنة عنده فيهما، ولا علمت لأصحابه فيه اختلافاً.
م: وإن كان القياس عندي: أن لا تجزئ الهدايا أيضاً حتى تبلغ محلها ثم تنحر وهي سليمة؛ لأنه إذا كان هلاك جميعها بعد التقليد وقبل بلوغ محلها لا تجزئ ربها،

وعليه بدلها فكذلك هلاك بعضها، ويكون حكم البعض كحكم الجميع، ألا ترى أن من باع عبداً ودلس فيه بعيب فهلك بسبب ذلك العيب، أنه من البائع، وكذلك لو هلك بعضه بسبب العيب أنه منه، وإن لم يكن مدلساً أن هلاكه كله أو هلاك بعضه من المشتري، وكذلك كان يجب في الهدي أنه لما كان/ هلاك الجميع من ربه، وعليه بدله، فكذلك البعض، وهذا في أصولهم كثير، ولكن قد قال مالك وأصحابه ما علمت، وهم أئمة الدين وأهدى للصواب، فوجب اتباعهم.
وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أضجع أضحيته للذبح فاضطربت فانكسرت رجلها أو أصابت السكين عينها ففقأتها لم تجزه.
قال ابن حبيب: وعليه بدلها، وله بيعها، وإن تمادى فذبحها بعد الذي أصابها لم تجزه، ولكن لا يبيع لحمها؛ لأنه قصد بها النسك، فلا يجوز بيعها.
قال: ولو أصابها ذلك بعد أن فرى الأوداج وقطع الحلقوم أجزأته، ولم يلزمه بدلها؛ لأنه لم يصبها ذلك إلا بعد فراغه من ذكاتها.
ومن المدونة: قال مالك: ومن سرقت أضحيته قبل الذبح أو ماتت أو ضلت فعليه البدل.

[الباب الثالث]

في وقت ذبح الضحايا، وذكر الأيام المعلومات، والمعدودات

قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فذكر الأيام دون الليالي، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من ضحى بليل فليعد".
والأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والمعدودات: أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام منى التي ترمى فيها الجمار، ولذلك سميت: معدودات، أي: معدودات في الرمي، فيوم النحر معلوم خاصة، واليومان اللذان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود خاصة لا ذبح فيه.
ابن حبيب: ورواه ابن وهب عن عمر، وابن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأنس، رضي الله عنهم.
وأفضل الذبح في هذه الأيام في أولها بعد ذبح الإمام.
ومن المدونة: قال مالك: والأيام التي يضحى فيها يوم النحر، ويومان بعده إلى غروب الشمس من آخرها، فإذا غابت الشمس من اليوم الثالث فقد انقضى الذبح وفاته.
قال سحنون: فإن قيل: فإن اسم اليوم يقتضي اليوم والليلة لقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾.

قيل: لم يذبح النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً ولا نحر ليلاً فكان في ذلك الفعل بيان ما أراده تعالى، وقد يقال: إن اسم اليوم الأخص به النهار وإن جاز أن يدخل فيه الليل مجازاً، فإذا لم يكن دليل يدل على دخوله بقي على النهار خاصة، ولا يضحي بليل في شيء من هذه الأيام.
قال ابن المواز: وقاله علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وكثير من التابعين رضي الله عنهم.
وأما ما روي عن عمر بن عبد العزيز وعن الحسن أن الأضحى ثلاثة أيام بعد يوم النحر فقد عيب ذلك، وقد قال يونس إن الحسن كان يقول: الشهر كله.
والذي قاله مالك هو الأمر المجتمع عليه.
قال مالك: ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر.
قال غيره: سمي الأكبر: لأن المشركين كان يقف بعضهم بعرفة، وبعضهم بالمشعر الحرام، ثم يأتي من بعرفة فيقف يوم النحر بالمشعر فصار فيه اجتماعهم فأمر أن ينذرهم

بسورة براءة في أكبر مجتمعهم، وشيء آخر: إن ليلة هذا اليوم من طلع عليه فجرها ولم يقف بعرفة فاته الحج، والليلة من اليوم.
قال ابن المواز: وأفضل الذبح في هذه الأيام الثلاثة اليوم الأول منها وقاله ابن عباس.
قال عبد الوهاب: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده كانوا يضحون فيه.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه النحر ثلاثة أيام أفضلها أولها، وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ صل العيد وانحر الأضحية.
قال ابن المواز: ووقت الذبح منه بعد صلاة العيد/ وبعد ذبح الإمام بيده، فمن ذبح قبل ذلك فلا اضحية له وتلزمه الإعادة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذبح قبله: "أعد"، فقال: لا أجد إلا جذعة من المعز فقال: "أذبحها ولا تجزئ عن أحد بعدك".
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يذبحن أحد قبل أن نذبح أو نصلي"، وقال: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي

ثم ننحر، فمن نحر قبل الصلاة فإنما تعجل لحماً لأهله".
ابن المواز: ولا يراعى في اليوم الثاني والثالث ذبح الإمام ولا غيره ولكن إذا ارتفعت الشمس وحلت الصلاة جاز له الذبح، ولو فعل ذلك بعد الفجر أجزأه في هذين اليومين.
ومن الواضحة: قال مالك: ووقت ذبح الضحايا في اليوم الأول من ضحى إلى زوال الشمس، ويكون بعد ذلك إلى العشي، فمن جهل فذبح حينئذٍ أجزأه، وكذلك اليوم الثاني يذبح من ضحى إلى زوال الشمس، فإن فاته أمر بالصبر إلى ضحى اليوم الثالث، وإن لم يضح إلى عشي اليوم الثالث فهذا يؤمر أن يضحي حينئذٍ إلى غياب الشمس.
م: وحكي لنا عن بعض فقهائنا القرويين قال: سمعت أبا الحسن ينكر قول ابن حبيب هذا، وقال: بل اليوم الأول كله، الذبح فيه أفضل من الثاني، والثاني أفضل

من الثالث، ورواية ابن المواز واختياره أحسن من هذا، والذي عند ابن المواز هو المعروف.
ومن المدونة: قال مالك: وجه الشأن: أن يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى فيبحها بعد الصلاة بيده، ثم يذبح الناس بعده.
قال أبو محمد عبد الوهاب: لأنه قد ثبت أن على الناس الاقتداء به فوجب أن يظهر أضحيته ليصل إلى الناس العلم بوقت ذبحه، فإن لم يفعل تحروا ذلك؛ لأنهم لا يقدرون على أكثر من ذلك، فإن تحروا فسبقوه فلا شيء عليهم؛ لأنهم اجتهدوا كالاجتهاد في القبلة مع الغيبة.
قال ابن المواز: كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من خطبته ونزل من منبره أتي بكبشه فذبحه بيده، ثم يذبح الناس بعده في منازلهم.
قال: فإن أخره الإمام إلى داره جاز له، والصواب: في المصلى.
ولو أن غير الإمام ذبح أضحيته في المصلى بعد ذبح الإمام جاز وكان صواباً، وقد فعله ابن عمر، ولو لم يذبح الإمام في المصلى ثم ذهب إلى منزله ليذبح فذبح رجل قبل ذبح الإمام في

وقت لو ذبح الإمام في المصلى كان هذا ذابحاً بعده لم يجزه إلا أن يتوانى الإمام بعد وصوله إلى داره، فمن ذبح في وقت لو لم يتوانى الإمام وذبح في داره كان هذا ذابحاً بعده أجزأه.
وقال أبو مصعب: إذا أخطأ الإمام فترك أن يذبح في مصلاه، فمن ذبح بعد ذلك فذلك له جائز.
ومن المدونة: قال مالك: ومن ذبح أضحيته من أهل المدائن قبل صلاة الإمام أو بعد صلاته وقبل ذبحه لم تجزه وأعاد.
قال: وليتحر أهل البوادي ومن لا إمام لهم من أهل القرى صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه فيذبحون بعده.
قال ابن القاسم: فإن تحروا فذبحوا قبله أجزأهم.
ابن المواز: وروى أشهب عن مالك أنه لا يجزئهم، وهو أحب إلينا.
قال ربيعة: من كان في غير جماعة حيث ليس ثم إمام يقتدى بذبحه فذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه، فإن ذبح بعد طلوعها أجزأه وإن كان قبل ذبح الإمام.

ابن المواز: وإن ذبح عن المسافر أهله فإنما يراعى ذبح إمامهم لا ذبح إمام البلدة التي هو فيها.
ابن المواز: ولا يؤتم في الهدايا بالإمام، وله أن ينحر قبله.

[الباب الرابع]

في الاشتراك في الأضحية، ومن يلزمك أن تدخله في أضحيتك أو تضحي عنه

قال مالك رحمه الله: ولا يشترك في الضحايا إلا أن يشتريها رجل فيضحي بها عن نفسه وعن أهل بيته/ فذلك جائز.
م: لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ولأن ذلك ليس بشركة في ملك اللحم، وإنما هي شركة في الثواب والبركة.
قال مالك: وإن ضحى بشاة أو بعير أو بقرة عنه وعن أهل بيته أجزأهم وإن كانوا أكثر من سبعة أنفس.
قيل لابن المواز: فما جاء في ذلك من الأحاديث أن ابن مسعود قال: تجزئ

البقرة عن سبعة أنفس، والجزور عن سبعة.
وقال ابن المسيب: الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة، وضحى حذيفة ببقرة عن سبعة، فقال: لا حجة في ذلك إذ ليس فيه أن ذلك بين الأجنبيين وينزل ذلك على الرجل في أهله.
قيل: فما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة كل بدنة عن سبعة، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ليشترك النفر منكم في الهدي"، قال: فما يؤمنك أن يكون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته لأنهم عياله، وأبين من ذلك: أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب: اشتريت بقرة لأضحي بها فولدت فما ترى فيها وفي ولدها؟ فقال: لا تحلبها إلا فضلاً عن ولدها واذبحها وولدها يوم النحر عن سبعة من أهلك.

قال ابن المواز: وهذا الشأن، وعليه العمل، غير أن ليس في ذلك توقيت عن سبعة ولا أكثر، وتجزئ الواحدة عنه وعن جميع أهل بيته.
قال عبد الوهاب: وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن البدنة تجزئ عن سبعة والبقرة عن سبعة.
ودليلنا: أن البدنة والبقرة حيوان يضحى به فلك تجز إلا عن واحد كالشاة، ولأن كل إنسان مخاطب بفعل ما يسمى أضحية، وذلك لا ينطلق على البعض.
ومن المدونة: قال مالك: وأحب إلي إن قدر أن يذبح عن كل نفس شاة، وأستحب مالك حديث ابن عمر لمن قدر عليه دون حديث أبي أيوب الأنصاري.
ابن المواز: وكان ابن عمر يقول: البدنة عن إنسان واحد، والبقرة عن إنسان واحد لا أعلم فيها شركاً.
قال هو وابن عباس: لم أشعر أن نفساً واحدة تجزئ عن أكثر من واحدة.

م: وقال بعض أصحابنا: وحديث أبي أيوب الأنصاري ذكر فيه: كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس فصارت مباهاة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن اشترى أضحيته عن نفسه ثم نوى أن يشرك فيها أهل بيته جاز ذلك بخلاف الهدي.
يريد: لحديث أبي أيوب الأنصاري، ولا حديث مفسر في الهدي.
قال مالك: وإن اشتراها فأراد أن يذبحها عنه وعن أجنبيين معه ولا يأخذ منهم ثمناً، يتطوع بذلك فلا ينبغي، وإنما ذلك لأهل البيت الواحد.
قيل لمالك: فإن كانوا رفقاء في سفر ونفقتهم واحدة قد تخارجوها فأرادوا أن يشتروا كبشاً من النفقة عن جميعهم؟ قال: لا يجزئهم ذلك.
قال مالك: وليس على الرجل أن يضحي عن زوجته بخلاف النفقة.
قال عنه ابن حبيب: إن أدخلها في أضحيته أجزأه وإياها، وإن لم يفعل فذلك عليها، بخلاف الفطرة.

قال بعض فقهائنا: والفرق: أن زكاة الفطر إنما هي زكاة أبدان فهي كالنفقة التي للأبدان فوجبت عليه لزوجته كوجوب نفقتها عليه.
والأضحية إنما هي قربة فلا يلزمه أن يتقرب عن زوجته، كما لا يلزمه أن يتصدق عنها، أو يعتق عنها.
قال ابن المواز: وقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة.
قال ابن حبيب: وعلى الرجل أن يضحي عن نفسه وعن أولاده الصغار الفقراء الذكور حتى يحتملوا، والإناث حتى يدخل بهم أزواجهن، ولو كانوا أملياء لم يلزمه ذلك عنهم إلا أن يشاء، ولو أدخل من لا تلزمه نفقته من ولده في أضحيته أجزأ الولد فقيراً كان الولد أو غنياً إذا كان في نفقة أبيه وفي بيته.
قال: ولو أدخل في أضحيته من قد ضمه إلى عياله من أخ وابن أخ أو قريب فذلك يجزئ عنهم، ولا يجزئ إدخال الشريك والمرافق في السفر/ ونحوه من الأجنبيين في أضحيته.
ابن المواز: قال مالك: ولا يدخل يتيمه في أضحيته، ولا يشرك بين يتيمين في أضحيته وإن كانا أخوين.
قال ابن المواز: يضحي عن أبويه إن كانا محاويج، يريد: بشاة واحدة.

قال: وإن كانا أملياء ضحى عن كل واحد بشاة، وأما جده وجدته فكالأجنبيين لا يضحي إلا عن كل واحد بشاة إلا أن تكون الجدة زوجة الجد فيدخلهما في شاة واحدة كمل لو بعثها إلى الجد فذبحها هو عنه وعن زوجته.
قال ابن ميسر: وذلك بإذن الجد.
قال ابن المواز: وكذلك إن ذبح عن جده وعمومته وعماته الصغار الذين يدخلهم الجد في أضحيته وهم من عياله يدخلهم الجد في أضحيته وهم من عياله فإنه يجزئه كما لو بعثها إلى الجد فضحى بها عنه وعن أولاده.
وهذا كله رأي محمد.
ومن المدونة: قال مالك: وليس على الحاج أضحية وإن كان من سكان منى بعد أن يكون حاجاً، ومن لم يكن حاجاً من أهل مكة أو منى فعليهم أن يضحوا.
قال: وليس على أمهات الأولاد أضحية.
قال ابن القاسم: والعبيد مما لا اختلاف فيه أنه ليس عليهم أضحية.
قال: ولا يضحي عن ما في البطن.
ابن المواز: وقاله ابن عمر.
قال: وليس العمل أن يضحي عن أبويه وقد ماتا، ولا يعجبني ذلك.

[الباب الخامس]

في بدل الأضحية وبيعها وبيع لحمها والحكم في ولدها وصوفها ولبنها وما يرجع به من عيبها

قال ابن القاسم: ومن اشترى أضحية وأراد أن يبدلها، قال مالك: لا يبدلها إلا بخير منها.
قلت: فإن باعها واشترى دونها ما يصنع بها وبفضلة الثمن؟ قال: قال مالك: لا يجوز له أن يستفضل من ثمنها شيئاً، وذكرت له الحديث الذي جاء في مثل ذلك فأنكره، وقال: يشتري بجميع الثمن شاة.
قال ابن القاسم: فإن لم يجد بالثمن شاة فليزد من عنده حتى يشتري مثلها.
قال ابن حبيب: إن باعها واشترى بدون الثمن مثلها أو خيراً منها أو دونها فليتصدق بما استفضل، وكذلك لو أبدلها بدونها فليتصدق بما بين الثمنين، فإن شح في الوجهين جميعاً صنع بالفضل ما أحب، وكذلك قال من لقيت من أصحاب مالك، وفي حديث حكيم بن حزام الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ليشتري له أضحية فابتاعها بدينار ثم باعها بدينارين، واشترى له أخرى بدينار وأتاه بها وبالدينار فتصدق به النبي صلى الله عليه وسلم ودعى

له بالبركة.
قال ابن القاسم: أنكر مالك هذا الحديث.
وقال ابن المواز: إذا اشترى من ثمنها مثلها أو خيراً منها واستفضل من الثمن شيئاً تصدق به؛ لأنه جعله لله.
م: وذكر ابن المواز حديث ابن حزام المتقدم على طريق الحجة به، ولم يذكر ما روى ابن القاسم من إنكار مالك له.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن اشترى أضحيته فقام عليه غريمة فله بيعها عليه في دينه، ولو ضحى بها لم تبع.
ابن المواز: قال مالك: وإن مات عن أضحيته قبل الذبح فإنها تورث، واستحب ابن القاسم أن يذبحها عنه الورثة ولا يلزمهم ذلك.
قال: وأنا اشتراؤه لغيره فإن أفرزه وأشهد عليه بتعمد الإشهاد فهي لمن أشهد

له بها، وكذلك إن حازها من اشتريت له في صحة المشتري.
قال ابن حبيب: فإن لم يكن إشهاد ولا حوز في صحة فهي تورث وتباع في دينه.
قال ابن المواز: قال مالك: وإن مات عن لحم أضحيته فلا يباع في دينه؛ لأنه نسك، وكل نسك/ سمى الله فلا يباع لغريم ولا غيره وليأكل اللحم ورثته ولا يقتسمونه على الميراث فيصير بيعاً.
وقال ابن حبيب: إذا أجمعوا على أكلها بعد أن يطعموا منها كما كان يطعم وإلا اقتسموها؛ لأنهم يرثون منها ما كان لهم، ثم ينهون عن بيع أنصبائهم، كذلك فسره مطرف، وابن الماجشون عن مالك.
فصل [1 - في حكم ولد الأضحية وصوفها ولبنها وبيع شيء منها] ومن المدونة: قال مالك: وإذا ولدت الأضحية فحسن أن يذبح ولدها معها، وإن تركه لم أر ذلك عليه واجباً؛ لأن عليه بدل أمه إن هلكت.
قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فقال: أمح واترك منها: إن ذبحه معها فحسن.

قال ابن القاسم: ولا أرى ذلك عليه واجباً.
ابن المواز: واستحب أشهب أن لا يذبحه معها.
قال ابن حبيب: ولو وجد في بطن الأضحية بعدما ذبحها جنيناً حياً وجب عليه ذبحه، كذلك البدنة بعد الإشعار.
ومن العتبية: قال أبو زيد: وقد ضحى ابن القاسم بنعجة حامل فركض ولدها في الذبح في بطنها فأمر بتركها حتى ماتت ثم شق عنه فأخرج فأمر السكين على حلقه فسال دمه فأمر أهله فشووا له منه.
قال عبد الوهاب: وكذلك إذا خرج ميتاً كامل الخلق نابت الشعر فهو ذكي بذكاة أمه، خلافاً لأبي حنيفة في منعه أكله.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، وفي بعض الحديث: وذلك إذا

نبت الشعر، ولذلك شرطنا نبات الشعر خلافاً للشافعي؛ ولأن ذلك علامة نفخ الروح فيه.
ومن العتبية وغيرها قال أشهب عن مالك في الذبيحة يخرج جنينها ميتاً، قال: يؤكل إذا تم خلقه ونبت شعره، قال: واستحب أن يمر السكين على حلقه ليخرج الدم من جوفه.
قال أبو محمد: لا يؤكل حتى يتم خلقه وينبت شعره فإن كان واحداً منهما لم يؤكل وإن خرج حياً.
وقال ابن حبيب في الجنين يخرج وبه حياة ضعيفة: يستحب ذبحه ويؤكل فإن لم يذبح أكل، وإن كان به من الحياة ما يرى أنه يعيش منها لو ترك، أو يشك في ذلك، فإن لم يذكى حتى مات فلا يؤكل.
قال أبو زيد عن ابن القاسم في بقرة أزلقت ولدها، فإن كان مثله يحي ويعيش فلا بأس بأكله إذا ذكي، قال ابن حبيب: إذا تم خلقه ونبت شعره.

قال ابن القاسم: وإن كان مثله لا يعيش لم يؤكل، وكذلك إن شك في ذلك لم يؤكل وإن ذكي.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يجوز أن يجز صوف الأضحية قبل الذبح.
قال ابن المواز: إلا في الوقت البعيد الذي ينبت فيه مثله قبل الذبح.
قال عنه ابن القاسم في العتبية: وله أن يجزه بعد الذبح.
قال: فإن جزه قبل الذبح، يريد: بالقرب، ثم ذبحها أجزأته وقد أساء، ولا يبيعه ولينتفع به.
قال سحنون: ولو باعه لم أر بأساً بأكل ثمنه إلا أن يجزه بعد الذبح فلا يبعه.
ابن المواز: قال أشهب: له ان يجزها قبل الذبح، وينتفع به، ويبيعه، ويصنع به ما شاء؛ لأنه لم يجب قبل الذبح، وخفف أصبغ بيعه إن جزه قبل الذبح.
ومن المدونة: قيل لابن القاسم: فجلد الأضحية وصوفها وشعرها هل يشتري به متاعاً للبيت أو يبيعه؟ قال: قال مالك: لا يشتري به شيئاً/ ولا يبيعه ولا يبدل جلدها بمثله ولا بخلافه ولكن يتصدق به، أو ينتفع به.

قال في الحج الثاني: ولا يعطي الجزار على جزره الهدايا والضحايا والنسك من لحومها ولا جلودها شيئاً، وكذلك خطمها وجلالها.
قال عبد الوهاب: وقال علي رضي الله عنه أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أعطي الجزار منها شيئاً.
ومن كتاب ابن المواز: ولا يتصدق بجلد أضحيته أو بلحمها على من يعلم أنه يبيعه، ومن تصدقت عليه به فلا يبعه ولا يبدله بمثله من جلد أضحيته أو غيرها، وكذلك لو وهبته لخادمك، قاله مالك.
وروى محمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا أهب الضحايا ولكن انتفعوا بها وتصدقوا".
قال أبو هريرة: من باع جلد أضحيته فلا أضحية له.
وروي عن سحنون فيمن باع جلد أضحيته أو شيئاً من لحمها أو صوفها فإن أدرك فسخ البيع وإلا فليجعل ثمن الجلد في ماعونه أو في طعامه، وثمن اللحم يشتري به

طعاماً يأكله.
وقال محمد بن عبد الحكم: من باع جلد أضحيته فليصنع بثمنه ما شاء.
قال ابن حبيب: وإن باعه جهلاً فلا يجوز أن ينتفع بثمنه وليتصدق به، وكذلك إن باعه عبده أو بعض أهله.
قال: ومن سرقت رؤس ضحاياه من الفرن فاستحب ابن القاسم أن لا يغرمه شيئاً وكأنه رآه بيعاً.
قال ابن حبيب: له أخذ القيمة ويصنع بها ما شاء من أكل أو صدقة أو شراء ما يحتاج إليه، وكذلك جلدها يضيع عند الزقاق أو يستهلك، وليس كالبيع، ألا ترى أن من حلف أن لا يبيع ثوبه فغضبه منه غاصب، أو استهلكه أحد فله أخذ قيمته ولا يحنث، وله أخذ جلد مثله من الزقاق ينتفع به، كما يأخذ عن اللحم المستهلك ما شاء من حيوان أو طعام، وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
قال ابن المواز: وإذا اختلطت رؤس الضحايا عند الشواء، كره لك اكل متاع غيرك، ولعل غيرك لا يأكل متاعك، أو متاعه خير، ولو اختلطت برؤس الشواء فهذا حفيف؛ لأنه ضامن كما يضمن لحم الأضاحي بتعد، وكما يضمن زرعاً لم يبد صلاحه، وقيمة كلب الغنم، وفطرة المسلمين بالتعدي.

م: فالمحصول من بيع الجلد ثلاثة أقاويل: قول سحنون: إن كان قائماً فسخ البيع، وإن فات جعل ثمنه في ماعونه أو طعامه، وقول ابن عبد الحكم: يصنع بها ما شاء، وقال ابن حبيب: لا يأكله ولتصدق به، وإن سرقت رؤس ضحاياه من الفرن فاستحب ابن القاسم أن لا يغرمه شيئاً؛ لأنه كالبيع، وقال ابن حبيب: له أن يغرمه القيمة وليس كالبيع.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولم أسمع من مالك في لبن الأضحية شيئاً إلا أنه كره لبن الهدي، وقد روي في الحديث: لا بأس بالشرب منها بعد؟؟؟؟ فصيلها، فأرى إن لم يكن للضحية ولد أن لا يشربه إلا أن يضر بها فيحلبه ويتصدق به، ولو أكله لم أر عليه شيئاً، وإنما منعته أن ينتفع بلبنها قبل ذبحها كما منعه مالك من ان يجز صوفها قبل ذبحها أو ينتفع به.
قال سحنون: ترك اللبن في ضروعها مضرة لها، وأما الصوف والقرن فهو من جمالها وتمام خلقتها، واللبن يأكله كما يأكل لبن الهدي.

فصل [2 - فيمن وجد عيباً في أضحيته بعد ذبحها] قال أصبغ في العتبية: وإذا وجد بضحيته عيباً بعد الذبح فيرجع بقيمته فإن كان مما لا تجزئ به وكان في أيام الذبح أعاد، وإن فاتت فلا شيء عليه، ويصنع بها ما شاء، وإن كان عيباً تجزئ بمثله/ تصدق بما أخذ، وكذلك ذكر ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم سواء.
قال: وذلك بخلاف ما يرجع به من قيمة عيب بعبد قد أعتقه، هذا يصنع به ما شاء وإن كان عيباً لا يجزئ بمثله.
م: يريد: إذا كان تطوعاً؛ لأنه يجوز عتق المعيب، ولا تجوز الضحية بالمعيب، وإنما فرق بين ما تجزئ به أو لا تجزئ إذا مضت أيام النحر؛ لأن الذي لا تجزئ به صار كمن لم يضح وإنما ذبح لأهله، فوجب أن يصنع بقيمة العيب ما شاء، والذي تجزئ به فقد تمت له أضحيته، وما يرجع به فهو كشيء منها، فوجب أن يتصدق به أو يأكله أو يشتري به ماعونه لينتفع به كما قال ابن حبيب فيما يرجع به على الفران من قيمة رؤس الضحايا.

جارٍ التحميل