[الباب الأول]
في جواز القراض ووجع العمل به
[فصل 1 - في جواز القراض] قال الليث -رحمه الله-: كان القراض في الجاهلية فأقر وصار سنة في الإسلام, وعمل به عمر وعثمان رضي الله عنهما وصدر الأمة, واتبع فيه خلف الأمة سلفها وهو كالذي كان سن رسول الله في المساقاة سواء, وذلك مستخرج بالرخصة من الإجارة المجهولة, وكاستخراج بيع العرية والشركة والتولية في الطعام, والعمل على ما جرى من سنته, ما لم يغير بفساد عقد أو شرط زيادة فيخرجه عن حد رخصته.
قال القاضي عبد الوهاب: ولا خلاف في جوازه بين الأمة, وإن اختلفوا في كثير من شروطه وأحكامه؛ ولأن الضرورة داعية إليه لحاجة الناس إلى التصرف في أموالهم وتنميتها والتجارة فيها, وليس كل أحد يقدر على ذلك بنفسه, وربما لم يدخل العامل في ذلك بأجرة معلومة؛ لأن العادة جرت من عهد الجاهلية إلى هذا الوقت بأن يعمل العامل بجزء من الربح, فلما كان الأمر كذلك أرخص فيه على ما أرخص في المساقاة.
[فصل - فيما يجوز القراض به]
ولا خلاف في جوازه بالدنانير والدراهم؛ لأنهما أصول الأثمان, وبهما يقوَّم ما عداهما من العروض وسائر المتلفات.
ومن المدونة, قال مالك -رحمه الله- لا تصلح المقارضة إلا بالدنانير والدراهم.
قال ابن القاسم: وقد ذكر بعض أصحابنا أن مالكاً سهل في القراض بِنَقْرِ الذهب والفضة, فسألت مالكاً عن ذلك فقال: لا يجوز.
وروى ابن وهب: أن مالكاً اختلف قوله في إجازة القراض به, وأجازه ابن وهب, وكرهه الليث وشدّد فيه.
قال القاضي عبد الوهاب: فوجه قوله في جواز القراض بهما؛ فلأنهما عين كالدنانير والدراهم؛ ولأن كل حكم تعلق بهما إذا كانا مسكوكين فإنه يعلق بهما إذا كانا تِبْرين من منع التفاضل في الجنس الواحد, ومنع الافتراق في الصرف, واتفاق حكمهما في الزكاة, فوجب أن يستوي حكمهما أيضاً في القراض.
ووجه قوله في المنع: أن عادة الناس لا يتصرفون في الشراء بها دون أن تضرب أو تباع, فأشبهت العروض, فإذا ثبت تعذر التعامل فيها وهي على ما هي عليه, احتاج العامل أن يبيعها بالدنانير أو بالدراهم ليحصل رأس المال من غيرهما, فلا يخلو أن يكون ذلك بأجرة أو بغير أجرة.
فإن كان بغير أجرة كان ذلك زيادة ازدادها رب المال على العامل, وذلك غير جائز في القراض؛ لأن من سنته التساوي, وعلى رب المال أن يسلم المال إلى العامل على وجه يمكنه التجارة به.
وإن كان بأجرة كان ذلك زيادة ازدادها العامل على رب المال من غير نماء المال, وحصل كأنه قارضه واستأجره بعقد واحد وذلك في الوجهين باطل؛ لأن
القراض أصل منقول عن بابه, فيجوز للضرورة, فلا يجوز أن يضم إليه عقد غيره؛ لأنه يخرج عن باب رخصته, ويصير إجارة مجهولة, فهذا وجه هذه الرواية.
قال ابن المواز/ عن ابن القاسم: فإن نزل القراض بالنَّقَار وعمل به, فربح أو خسر, أمضيته على ما تقارضا.
وقال أصبغ: لا يفسخ إذا نزل عمل به أو لم يعمل.
يريد: لقوة الاختلاف فيه.
قال ابن حبيب: فإن عمل به أو أراد المفاصلة: رد مثلها إن عرف وزنها, وإن لم يعرف فرأس ماله فيها الثمن الذي بيعت به أو العدد الذي خرج في ضربها, إلا أن يكون قال له: بعها أو استضر بها, فرأس ماله على ما باعها به, أو ما خرج في الضرب, عرفا وزنها أو لم يعرفا, وللعامل أجرته في الصرف أو الضرب إن كان لذلك مؤونة, ثم هو فيما حصل على قراض مثله.
م: قال بعض القرويين: ما الفرق بين أن يشترط دافعها ضربها أو بيعها وبين أن يدفعها بغير شرط ومآل أمرهما إلى ذلك؟ فيحتمل أن يريد: أن من شرَط بيعها
أو ضربها إنما أراد أن القراض إنما يكون بعد نضوض المال, ومن دفعها ولم يشترط ذلك جعلها قراضاً يوم دفعت, ومثلها لا تتغير ولا تختلف أسواقها فلا يفسد القراض.
وأجاز ابن القاسم القراض بها في البلد الذي يدار فيها التبر.
م: ليس بخلاف لقوله في المدونة؛ لأنه إذا كان يجوز البيع بها والشراء كالدنانير والدراهم فلا فرق بينهما.
[فصل 3 - القراض بالفلوس]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ولا يجوز القراض بالفلوس؛ لأنها تحول إلى الكساد والفساد, وليست عند مالك بالسَّكة البينة كالعين, وقد أخبرني عبد الرحيم: أن مالكاً كان يجيز شراءها بالدنانير والدراهم نظرة ثم رجع فكرهه, ولم يره كتحريم الدراهم بالدنانير, فلذلك كرهت القراض بالفلوس.
قال ابن حبيب: فإن نزل: مضى ورد فلوساً مثلها, إلا أن يكون شرط عليه أن يصرفها دراهم, ويعمل بالدراهم فيأخذ أجرة صرفه, ثم هو على قراض مثله في الدراهم.
ووقع في أمهات أشهب: أنه أجاز القراض بالفلوس؛ لأنها لما ضربت صارت بسبيل العين فيه.
قال ابن المواز: وأخبرني الحارث عن أشهب أنه لم يجز القراض بالفلوس.
قال ابن المواز: النَّقار أخف ولا يجوز بالفلوس وهي كالمعروض.
[فصل 4 - القراض لا يصح إلا بالنقد]
[المسألة الأولى: القراض بالطعام والعروض]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ولا خير في القراض بطعام أو عرض, كان مما يكال أو يوزن أو لا, للغرر بتغير الأسواق عند المفاصلة, ويفسخ ذلك, وإن بيع ما لم يعمل بالثمن, فإن عمل فله أجر مثله في بيعه وقراض مثله في الثمن, ولا ينظر إلى ما شرط له من الربح.
[المسألة الثانية: القراض على أن يشتري سلعة معينة]
وكذلك إن دفعت إليه مالاً قراضاً على النصف, على أن يشتري به عبد فلان, ثم يشتري بعد ما يبيعه ما شاء, فهو أجير في شرائه وبيعه, وفيما بعد ذلك له قراض مثله.
[المسألة الثالثة: القراض على أن يصرف هذه الدنانير ويعمل بها]
وكذلك إن دفعت إليه دنانير على أن يصرفها ثم يعمل بها, أو على أن يقتضي من غريمك ديناً ثم يعمل به, فله أجر الصرف أو التقاضي وقراض مثله إن عمل, وهو كمن ساقي نخلة وفيها ثمرة قد طابت, فله أجرة سقيه ونفقته في هذه الثمرة, وهي لربها, وفيما عمل بعد ذلك مساقاة مثله.
قال ابن حبيب: وسواء قال له: خذ هذا العرض قراضاً أو بعه واعمل به قراضاً, وله أجره في البيع والتقاضي وقراض مثله في الثمن.
وكذلك في كتاب محمد.
قال ابن حبيب: فإن باع المقارض ذلك العرض بعرض, ثم باع الثاني بعين ثم عمل, فإن كان إنما قال له: بعه واعمل به قراضاً, فرأس ماله الأكثر من قيمة العرض الأول أو من ثمن الثاني, وله أجرة في بيع الأول لا في الثاني.
قال أبو محمد: إنما له أجرة في البيع الأول عندي إذا أجاز بيعه إياه بالعرض, واختار ثمن الثاني, إذ هو أوفر من القيمة, وأما إن اختار قيمة الأول إذ هي أوفر فلا أجر له, لأنه تعدى.
قال ابن حبيب: ولو كان قال له: خذه واعمل به قراضاً والمسألة بحالها فرأس ماله قيمة العرض الأول.
م: يريد يوم باعه بالعرض.
قال: وله أجره في بيعه الأول, ولا/ ينظر في الثاني إلى ثمن ولا قيمة؛ لأنه من تجارتهما بعد.
قال أبو محمد: وهذا إذا باع الثاني بأكثر من قيمة الأول, فأما لو باعه بمثل قيمة الأول أو أقل لم يضمن شيئاً, وكان رأس المال ما باع به الثاني.
م: قال بعض فقهائنا القرويين: إذا وجب عنده أن يكون قيمته هي رأس مال القراض فلماذا جعل له أجرة في بيعه؟
م: يريد لأنه متعد في بيعه العرض الأول بالعرض الثاني.
فلذلك ألزمه قيمته, فكان يجب أن لا أجر له في بيعه.
[المسألة الرابعة: المقارض يدفع السَّلعة إلى العامل قائلاً إنها
قامت بكذا فما كان من ربح فبيننا]
ومن المدونة, قال عبد العزيز: لا تدفع إليه سلعتك وتقول: قامت علي بكذا فما كان من ربح بعد ذلك فبيني وبينك, وهذا له أجر مثله فيما عمل, وما كان في سلعتك من ربح أو وضيعة فلك أو عليك.
قال أبو محمد: يظهر لي في مسألة عبد العزيز: أنه إن كان قصد إلى أن يعمل بالثمن ويكون ما قامت به رأس المال عند مفاصلتها أنه أجير في كل شيء؛ لأنها زيادة مشروطة إما لرب المال وإما للعامل, بخلاف القراض بالعرض؛ لأنه يوقت له ثمناً.
وهذا على أصل ابن القاسم, وأما عبد العزيز فيرى في كل قرض فاسد أجر مثله.
فصل [5 - القراض بالدين والوديعة والعارية والرهن]
ومن المدونة, قال مالك: وإن كان عند رجل دين فقلت له: اعمل به قراض: لم يجز, وكذلك لو أحضر, فقلت له: خذه قراضاً: لم يجز, إلا أن تقبضه ثم تعيده إليه.
قال ابن القاسم: خوفاً أن يكون إنما اعتدى أن يؤخره بالدين ثم يزيده فيه.
والوديعة مثله؛ لأني أخاف أن يكون قد أنفق الوديعة فصارت عليه ديناً.
ابن المواز: وكره ابن القاسم القراض بالوديعة حتى يحضرها, ولا بأس به عندي.
م: وهذا خلاف للمدونة؛ لأنه جعلها في المدونة كالدين, والدين لو أحضره: لم يجز أن يقول له: اعمل به قراضاً حتى يقبضه منه ثم يعيده إليه.
وفي العتبية جعله إن نزل مضى.
فصار في ذلك ثلاثة أقوال:
-قول: أنه كالدين: لا يجوز القراض به وإن أحضره حتى يقبضه منه.
-وقول: أنه إن أحضره: جاز, وإن لم يقبضه.
-وقول: أنه إن نزل: مضى وإن لم يحضره.
قال ابن القاسم في العتبية: كان مالك يكره القراض بالوديعة, فإن وقع: مضى والربح بينهما, ويصدق في التلف, وإن نزل في الدين: فليس له إلا رأس ماله, وربحه ووضعيته للعامل وعليه, وهو ضامن للدين بحاله, فأما إن نزل في الوديعة كانا على قراضهما في الربح, وكانت الوضيعة على رب الوديعة حتى يعرف أنه حركها قبل ذلك وضمنها فيكون كالدين.
وقال غير ابن حبيب وروى عن أشهب في الدين أنه قال: إن نزل مضى.
م: قال بعض فقهائنا القرويين: ولم يصدقه أشهب لو قال: خسرت فيه, إذ لا تبرأ ذمته إلا ببينة, وقد كان يشبه على مذهب ابن القاسم أن تبرأ ذمته إذا ادعى الخسارة على قول في من أمرته أن يشتري بمال له في ذمته سلعة فقال: اشتريها وضاعت, أو قال: أنفق في الدار, فقال أنفقت.
وفي الدار أثر يصدق قوله: أنه يقبل قوله أنه محدثه مع يمينه.
فأما إذا جاء بربح فيتقي في ذلك الحرام أن يكون هذا عوضاً للتأخر, وأنه لم تربح شيئاً.
ابن المواز: ومن أعرته دنانير فلا تدفعها إليه قراضاً حتى تقبضها, ولو كان عوضاً: لم يجز.
ومن لك عنده دنانير رهناً فقارضته بها: لم يجز حتى يردها, وإن كانت بيد أمين فلا ينبغي أن تعطيها للأمين قراضاً, حتى تؤدي الحق إلى ربه.
[فصل 6 - اشتراط يد العامل في القراض]
ومن المدونة: ولا يجوز أن يشترط عمل يد العامل لخفاف أو صناعة أو غيرها, فإن نزل: كان أجيراً, والربح والوضيعة لرب المال وعليه.
قال بعض فقهائنا القرويين وذكر في كتاب محمد: أنهما يكونان على قراضهما, وهذا يؤدي إلى جواز إجارة الدابة بنصف كسبها؛ لأنه أجر صنعته بثمن مجهول وهو جزء من الربح, وقد يكون أو لا يكون.
قال: ويجب أن تكون الصنعة التي عمل/ له؛ لأنه باعها بيعاً فاسداً ويده عليها, كقوله في من دفع إلى رجل فضة على أن يزيده من عنده ويعمل له خلخالاً فعمله: أنه يكون شريكاً بقدر ما أخرج: إذ يده عل ذلك, وأشار أن غيره يخالفه؛ لأنه ليس بصنعة عين قائمة, فهي كتمويه اللَّجام وهذا لا يكون فيه شريكاً, ويرد عليه ما أسلفه وتكون عليه إجارته, وكذلك المقارض فيما عمل بيده.
م: وقد قال يحيى بن عمر يكون أحق بما عمل من الغرماء حتى يأخذ إجارته.
قال أبو محمد: يريد حتى يأخذ إجارته فيما عمل في القراض, ونحى بعض فقهائنا القرويين أنه أحق بما عمل حتى يأخذ إجارته فيما عمل في القراض.
قيل له: فابن المواز قال في المقارض إذا رد إلى الإجارة لا يكون أحق بالربح من الغرماء.
قال: الأشبه أن يكون أحق به, والذي في المدونة يحتمل أن يكون سلَّم ما بيده فلهذا قال إنه: لا يكون أحق بربح المال الذي بيده, فهذه إشارة أنه سلم ما بيده.
م: وظاهر المدونة وكتاب محمد: أه لا يكون أحق بالربح في إجارته القراض, وعلى هذا حمله أبو محمد, وهو أبين.
والله أعلم.
[الباب الثاني]
في المقارضة على الأجزاء والتداعي فيها
[فصل (1) المقارضة على الأجزاء]
[المسألة الأولى: الرجل يعطي الرجل مالاً يعمل
فيه قراضاً والربح للعامل]
قال ابن القاسم: وتجوز المقارضة عند مالك على النصف أو الخمس أو أكثر من ذلك أو أقل.
قلت: فإن أعطيته مالا قراضا على أن الربح للعامل قال: ذلك جائز.
وقد قال مالك في من أعطى مالاً يعمل به على أن الربح للعامل, ولا ضمان عليه: أنه لا بأس به, وكذلك إن أعطاه نخلاً مساقاة على أن جميع الثمرة للعامل فلا بأس به.
ابن المواز: إن قال رب المال للعامل حين دفع المال إليه: خذه قراضاً والربح لك: جاز, وكان الربح للعامل, ولا يضمن المال إن خسر أو تلف, والقول فيه قول العامل, وإن لم يقل له خذه قراضاً وإنما قال: خذه واعمل به والربح لك: جاز أيضاً؛ لأن الربح للعامل وهو ضامن لما خسر, يريد: إلا أن يشترط أن لا ضمان عليه فلا يضمن.
[المسألة الثانية: المقارض يدفع إلى العامل مالاً
ولم يسم ماله من الربح]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ومن دفع إلى رجل مالاً قراضاً ولم يسم ماله من الربح, وتصادقا على ذلك: فله قراض المثل إن عمل.
وكذلك إن قال له: لك شِرْك في المال ولم يسمه وتصادقا على ذلك: كان على قراض مثله إن عمل.
وقال غيره: إذا قال لك شرْك في المال ولم يسمه وتصادقا: فذلك النصف.
[المسألة الثالثة: المقارض يدفع مالاً للعامل على النصف ثم يجعلاه
على الثلثين]
قال ابن القاسم: وأن أعطيته قراضاً على النصف, ثم تراضيتما -بعد أن عمل- على أن يجعلاه على الثلثين لك أو له: جاز.
قال ابن حبيب: إن كان المال حين تراضيتما عيناً لا زيادة فيه ولا نقص, وقد حركة أو لم يحركه: فلا بأس به, وإن كان فيه زيادة أو نقص, أو كان في سلع: لم يجز.
م: وقول ابن القاسم أولى؛ لأن المال إن كان عيناً فكأنهما الآن ابتدآ بالعقد؛ لأن القراض لا يلزم بالعقد, ولمن شاء حله ما لم يُشغل المال في سلع, أو يظعن به في سفر, وإن كان المال في سلع فهي هبة, تطوَّع أحدهما بها لصاحبه, وهبة المجهول جائزة.
ووجه قول ابن حبيب: أنه إن كان المال عيناً وفيه ربح أو وضيعة فقد ملكا قَسْمَه, فكان أحدهما زاد الآخر لبقاء الأمر بينهما, وكذلك إن كان المال في سلع, إذ قد يدعو أحدهما إلى بيعها والمفاصلة فيها, فكأنه زاده في جزءه, ليماديه على القراض, والله أعلم.
م: قال بعض القرويين: إن كان بعد أن عمل, وكان لرب المال الثلثان فجعل لنفسه الثلث, فتلك هبة مقبوضة, مات رب المال أو أفلس, وإن كان للعامل الثلثان, فجعل لرب المال الثلثين, فهو هبة منه, فإن مات العامل أو أفلس قبل قبض/ رب المال ما وهبه: سقطت الهبة.
قال: ولا يجوز هدية رب المال للمقارض ولا للمقارض له.
قال: وقد أجاز محمد ترك العامل النفقة بعد اشتغال المال, وذلك هبة من العامل؛ لأن النفقة واجبة له بالسفر, ولم يجز تركه لذلك قبل اشتغال المال.
م: يريد لأنه يصير كأنه اشترط ترك النفقة في العقد فلم يجز ذلك.
[المسألة الرابعة: مقارضة رجلين لأحدهما ثلث الربح وللآخر سدسه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قارضت رجلين على أن لك نصف الربح, ولأحدهما الثلث, وللآخر السدس لم يجزكما لو اشترك العاملان على مثل هذا لم يجز؛ لأن أحدهما يأخذ بعض ربح صاحبه بغير شيء.
م: ويجب على هذا -إن كان رب المال اشترط ذلك عليهما-: أن يفسد القراض ويكون العاملان فيه أجيرين.
قال ابن المواز: قال أصبغ: فإن نزل ذلك: فسخ القراض بينهما, ما لم يعملا, فإن فات بالعمل: كان نصف الربح لرب المال والنصف بين العاملين على [ما] شرطا, ويرجع صاحب السدس على صاحب الثلث بإجارته في فضل جزئه.
وقاله ابن حبيب: إلا أن يكون ذلك أكثر مما فضله به من الربح.
قال ابن المواز: ولو شرطا العمل على قدر أجزائهما من الربح لكان مكروهاً, إلا أن ذلك إن نزل: مضى.
قيل: فإن خسرا, أيكون لهما أجر مثلهما على رب المال؟ قال: لا شيء على رب المال, وإنما الكلام فيما بين العاملين.
م: لعله أراد أن رب المال اشترط لنفسه نصف الربح, وتشاركا هما على أن لهما النصف على الثلث والثلثين, والعمل بينهما نصفان, فيكون إنما دخل الفساد في اشتراطهما لأنفسهما, فلذلك جعل أن لا أجر لهما إن خسرا, وأن الربح بينهما على شرطهما, ويرجع من له فضل على صاحبه كشركاء المال يشترطان ذلك فانظر.
[المسألة الخامسة: المتقارضان يشترطان ثلث الربح للمساكين]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: وإذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمساكين: جاز ذلك, ولا أحب لهما أن يرجعا فيه, ولا يقضي بذلك عليهما.
فصل [2 - المتقارضان يختلفان في أجزاء الربح]
قال ابن القاسم: ومن أخذ قراضاً على [الثلث] والثلثين ولم يبين لمن الثلثان: فالقول قول العامل أن الثلثين له والثلث لرب المال, كما لو ادعيا ثلثي ذلك: لكان القول قول العامل أن الثلثين له, فكذلك هذا.
قال ابن المواز: إذا أقرا أنهما لم يبينا لمن الثلثان: جعلته لمن يشبه أن يكون ذلك له, فإن كان يشبههما جميعاً: جعلته للعامل ويحلف إن أدعى ذلك.
م: وإنما يكون القول قول العامل إذا اختلفا بعد العمل, فقال العامل كان نيتي أن الثلثين لي, فالقول قوله ويحلف أنه كذلك نوى, فإن نكل حلف رب المال على ما نوى بمنزلة ما إذا تداعيا ذلك لفظاً.
م: وقال بعض فقهائنا القرويين: إذا أدعى كل واحد أنه فهم عن صاحبه أنه صيَّر له الثلثين, فذلك كتصريح الدعوى, والقول قول العامل إذا أشبه.
وأما إن قال كل واحد منهم: لم أفهم عن صاحبي شيئاً إلا أنَّي ظننت أنَّي ظننت أنَّي المَعْني بالثلثين: فكان يجب أن يكون الربح بينهما نصفين؛ لأن كل واحد قد سلم الثلث لصاحبه, واستوت دعوهما في الثلث الباقي, فيقسم بينهما نصفين.
م: ويلزم على هذا أن لو بيَّنا الدعوى لفظاً أن يقسم بينهم أيضا نصفين؛ لأن كل واحد قد سلم لصاحبه الثلث, واستوت دعواهما في الثلث الباقي, ولكن لما كان العامل حائزاً, وجب أن يكون القول قوله في تساوي الدعوى, كتساوي
البينتين أن القول قول الحائز, ولا فرق أيضاً بين قوله فهمت, ولا بين قوله: ظننت؛ لأنه لا يظن أنه المَعنَّي بالثلثين إلا بما فهم من قول صاحبه, والله أعلم.
ومن المدونة, وقال مالك: وإذا اختلف المتقارضان في أجزاء الربح قبل العمل, فقال رب المال دفعته على أن الثلث للعامل, وقال العامل: بل على الثلثين لي: رد المال إلا أن يرضى العامل بقول رب المال/, وإن اختلفا بعد العمل: فالقول قول العامل كالصانع إذا جاء بما يشبه, وإلا رد إلى قراض مثله.
قال ابن القاسم: وكذلك المساقاة.
وقال ابن حبيب عن مالك: القول قول العامل مع يمينه إن ادعى ما يشبه, وإن ادعى ما يستنكر: صدق رب المال ويحلف, فإن ادعى مستنكراً فللعامل قراض مثله.
وقاله أشهب.
قال: وقال الليث: إن لم يكن لهما بينة حملا على قراض المسلمين, وهو النصف.
ومن المدونة, قال مالك: وإن ادعى أحدهما ما لا يجوز, مثل أن يدعي: أن له من الربح مئة درهم ونصف ما بقي أو ثلثه, وادعى الآخر: أن له النصف أو الثلث من الجميع: صدق مدعي الحلال منهما إذا أتى بما يشبه.
م: ولو كان رأس المال أنفاً, فادعى العامل: أنه شرط ربح مئة له ونصف ربح ما بقي, وقال رب المال: بل النصف لك فقط: فالقول قول العامل إذا أتى بما يشبه؛ لأنه ادعى أن له عشر الربح ونصف تسعة أعشار ما بقي, وهو أن له أحد عشر جزءاً من الربح, ولرب المال تسعة أجزاء, فيكون لرب المال أربعة أعشار الربح ونصف عشرة, وللعامل خمسة أعشاره ونصف عشره, فيكون كمن ادعى الثلثين ورب المال للثلث.
ولو ادعى أنه له ربح مئة معينة ونصف ما بقي: لكان القول قول رب المال؛ لأنه مدعي الصحة والعامل مدعي الفساد, فهو كما لو ادعى ما لا يشبه؛ لأنه ادعى ربح مئة لا يخلطها مع بقية المال, وذلك فاسد, وبعد هذا باب فيه إيعاب هذا المعنى.
[الباب الثالث]
باب في نفقة العامل وكسوته
[فصل 1 - نفقة عامل القراض في السفر]
والقضاء: أن للعامل النفقة في مال القراض إذا شخص للسفر به لا قبل ذلك.
قال ربيعة: ولولا نفقته إذا شخص ما حل ذلك.
قال ابن المواز: ولا يأكل العامل من المال, وإن وقف على الخروج وقُرَّبت إليه دابته حتى يخرج, فحينئذٍ يأكل منه, قرب السفر أو بعد إن كان المال يحمل ذلك.
قال القاضي عبد الوهاب: وهي مسألة إجماع في سائر الأعصار إلى زمن الشافعي, فذكر بعض أصحابنا: أنه اختلف فيها قوله, فذهب في آخر أقواله وهو المشهور عنه: أن لا نفقة له في السفر, كما ليس له ذلك في الحضر.
قالوا: ولأن سفره بالمال ضرب من التصرف فيه, كتصرف الحاضر, فلا يستحق بذلك زيادة.
قالوا: ولأنا وجدنا كل من رضي من عمله بأجر, فلا يستحق نفقة, إلا أن يشترطها من ذلك الأجير والوكيل والصانع, فكذلك العامل.
قال عبد الوهاب: ودليلنا ما ذكرنا ما ذكرناه من الإجماع في سائر الأعصار, ولم يختلف فيه أحد من أهل العلم إلى زمن المخالف, وقد صار ذلك عرفاً بين الناس, والعرف كالشرط.
وقد اتفقنا: أن للعامل أن يستأجر من يكفيه مؤنه الحمولة والخدمة فكذلك يجوز أن ينفق منه على نفسه؛ لأن سفره لأجل تنمية المال, والفرق بينه وبين الحاضر أن: الحاضر لو لم يكن بيده قراض لم يكن له بد أن ينفق على نفسه وعياله, والمسافر قد التزم نفقة الخروج زيادة على ما يحتاج إليه في حضره.
م: وإن شئت قلت: العرف جرى ألا ينفق منه الحاضر وينفق منه المسافر, وهذه سنة القراض, وإنما أقر وأرخص فيه على ما كان في الجاهلية فمن اشترط خلاف ما كان عليه, فقد أحال القراض عن رخصته, وأخرجه عن بابه فيكون فيه أجيراً.
وبالله التوفيق.
[فصل 2 - نفقة عامل القراض في الحضر]
ومن المدونة, قال مالك: وإذا كان العامل مقيماً في أهله فلا نفقة له من المال ولا كسوة.
قال الليث: إلا أن يشغله البيع فيتغذى بالأفلس.
ابن المواز: وأباه مالك وقال: من اشتغل في الحضر في تجارة القراض فلا يأكل منه.
[فصل 3 - متى يبدأ المقارض في الإنفاق على نفسه من مال القراض إذا أراد السفر؟]
ومن المدونة, قال مالك: ولا ينفق/ منه في تجهيزة سفر حتى يظعن, فإذا شخص من بلده كانت نفقته في سفره من المال في طعامه, وفي ما يصلحه بالمعروف في غير سرف ذاهباً وراجعاً إن كان المال يحمل ذلك, ولا يحاسب في ربحه ولكن يلغي, وسواء في ذلك قرب السفر أو بعد, وإن يشتر شيئاً, وله أن يرد ما بقي بعد النفقة إلى صاحبه, فإذا وصل إلى مصره لم يأكل منه.
قال ابن المواز: ينفق في مسيره ورجوعه, رجع إلى بلده أو بلد رب المال.
[فصل 4 - كسوة عامل القراض]
ومن المدونة, قال مالك: وله أن يكتسي منه في بعيد السفر إن كان المال يحمل ذلك, ولا يكتسي في قريبه إلا أن يكون مقيماً بموضع إقامة يحتاج فيه إلى الكسوة.
قال ابن حبيب: من قول مالك: أنه ينفق في قريب السفر وبعيده, في ركوبه وطعامه, ولا يكتسي إلا في بعيدة.
قال عبد الوهاب: لأن الذي يستحق من ذلك قدر ما تدعوه الحاجة والسفر القريب لا يحتاج إلى كسوة, فلم يجز أن يأخذ ما لا يحتاج إليه, فإذا طال احتاج
إليها فأبيح له أخذها, وأما الطعام فهو محتاج إليه في قريب السفر وبعيده, ولو قلنا: أنه لا يستحق نفقة ولا كسوة, لأحاطت نفقته وكسوته في سفره بربحه المشترط فيذهب عناؤه باطلاً.
قال ابن حبيب: وذلك كله في كثرة المال, فإن كان المال, قليلاً فلا نفقة له ولا كسوة ولا ركوب.
قال ابن المواز: وليس في كثرة المال حد, غير أن الخمسين والأربعين عندي كثير.
[فصل 5 - هل لمن بعث لشراء بضاعة أو بيعها نفقة وكسوة؟]
قال ابن المواز: والبضاعة مثل القراض, ينفق منها كما ينفق من القراض إن كانت كثيرة, وأما القليلة فلا.
وكذلك هو في الكسوة مثل القراض, قيل: فإذا بعث معه بضاعة ليشتري له بها سلعة, أينفق منها قبل أن يشتري منها؟.
قال: نعم.
وكذلك لو بعث معه سلعة ليبيعها له فلينفق إن باع, وإن كان ذلك على وجه المعروف.
م: قد جرى العرف في النفقة والكسوة في القراض, وظاهر أمرهم في البضاعة أنه إن كان الخروج لها ومن أجلها فيجب أن يكون له نفقته وأجرته.
وإن كان إنما خرج لتجارة نفسه فبعث معه بضاعة أو مالاً لشراء سلعة, فالعرف عندنا أنه لا شيء له فيجب أن يحمل عليه.
[فصل 6 - العامل يقيم بغير بلده ويأخذ قراضاً هل له نفقة؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قدم الفسطاط, فأخذ مالاً قراضاً على أن يقيم يتجر بالفسطاط وليست ببلده, فإنه ينفق منه في مقامه؛ لأن المال حبسه بها إلا أن يوطنها أو ينتقل لسكناها.
وإن لم يكن له به أهل فلا نفقة له.
قال: ولو خرج بالمال إلى بلد فنكح بها, فإنه إذا دخل وأوطنها, فمن يومئذٍ تكون نفقته على نفسه.
ولو أخذ مالاً قراضاً بالفسطاط وله بها أهل, فخرج به إلى بلد له بها أهل: فلا نفقة له في ذهابه ولا في رجوعه؛ لأنه ذهب إلى أهله ورجع إلى أهله.
ولو أخذه في بلد ليس فيه أهله, ثم خرج إلى بلد فيه أهله, فتجر هنالك, فلا نفقة له في ذهابه إلى أهله ولا في إقامته عندهم, وله النفقة في رجوعه.
وروى البرقي عن أشهب في من أخذ قراضاً بالفسطاط, وله لها أهل وأهل بالإسكندرية, فخرج إلى الإسكندرية: أن له النفقة في ذهابه ورجوعه, ولا نفقة له في إقامته في أهله, وقال به البرقي.
قال سحنون: وليس للمقارض أن يسافر بالمال القليل سفراً بعيداً, إلا أن يأذن له رب المال.
[فصل 7 - في التاجر الحاج يأخذ مالاً قراضاً]
ومن المدونة, قيل لمالك: فإن عندنا تجاراً يأخذون المال قراضاً, يشترون به متاعاً يشهدون به الموسم, ولولا ذلك ما خرجوا.
هل لهم في المال نفقة؟, فقال: لا نفقة لهم ولا لحاج ولا لغاز في مال القراض في ذهاب ولا في رجوع.
قال ابن المواز: قال أصبغ: ولا في إقامته في الحج, إلا أن يقيم بعد انقضاء الحج للمال خاصة, فيكون له النفقة من يومئذٍ.
[فصل 8 - في المقارض يأخذ قراضين, أو يأخذ مع القراض مال نفسه]
ومن المدونة, قال مالك: ومن تجهز لسفر بمال أخذه قراضاً من رجل, واكترى
وتزود, ثم أخذ قراضاً ثانياً من غيره, فليحسب نفقته وركوبه على المالين بالحصص.
وكذلك إن أخذ مالاً/ قراضاً فسافر به, وبمال نفسه فالنفقة على المالين.
قال مالك: وإن خرج في حاجة لنفسه, فأعطاه رجل قراضاً؛ فله أن يَفضَّ النفقة على مبلغ قيمة نفقته في سفره ومبلغ القراض, فيأخذ من القراض حصته ويكون باقي النفقة عليه.
قال في كتاب ابن المواز والعتبية: ينظر قدر نفقته, فإن كانت مئة والقراض سبع مئة, فعلى المال سبعة أثمان النفقة.
قال ابن المواز: وهذا الاستحسان عن مالك, ونحن نقف عنه.
وأخبرنا ابن عبد الحكم بخلافه: أنه لا نفقة له, وذلك أحب إلينا كمن تجهز إلى أهله.
فصل [9 - في المقارض يستأجر الأجراء والبيوت وغيرها]
ومن المدونة, قال مالك: وللعامل أن يواجر أجراء للأعمال التي لا بد له من ذلك فيها, ويكتري البيوت والدواب لما يحمل أو يخزن, وله أن يواجر من مال
القراض من يخدمه في سفره إن كان المال كثيراً, وكان مثله لا يخدم نفسه.
وليس للعامل أن يهب من مال القراض شيئاً, ولا يولي ولا يعطي عطية, ولا يكافي -يكارم منه- فيه أحداً, فأما أن يأتي بطعام إلى قوم ويأتون بمثله فأرجوا أن يكون ذلك واسعاً له, إذا لم يتعمد أن يتفضل عليهم, فإن تعمد ذلك بغير إذن صاحبه فليتحلل صاحبه, فإن حلله فلا بأس له, وإن أبى فليكافئه بمثله إن كان شيئاً له مكافأة.
[فصل 10 -] في نفقة العامل من ماله وزيادته من عنده
في كراء أو صبغ أو قصارة
قال ابن القاسم: وإذا أنفق العامل في السفر من مال نفسه: رجع به في مال القراض, فإن هلك المال: لم يلزم رب المال شيء, وكذلك إن اشترى بجميع مال القراض سلعاً, أو اكترى له دواب من ماله, فإن أدى ذلك رب المال وإلا كان للعامل أن يأخذ من ثمن المبتاع كراءه مبدأ, لا حصة له من الربح, ولو
اغترق الكراء ثمن المبتاع: أخذه كله, ولو زاد الكراء على ثمنه لم يكن له على رب المال شيء في الزيادة, ولا يكون بالكراء شريكاً في السلع, يريد: فإن أدى الكراء رب المال لم يكن على الشركة ويرجع فيأخذه من مال القراض مبدأ.
قال ابن القاسم: وأما إن صبغ الثياب أو قصرها بمال من عنده فذلك كزيادة في ثمن السلع على السلف لرب المال, فإما دفع إليه رب المال ما ودّي وكانت على قراضه, وإلا كان العامل شريكاً بما ودَّي؛ لأن هذا عين قائمة بخلاف الكراء.
قال ابن المواز: إن زاد من ماله في ثمن السلعة على أن ذلك لنفسه, فهو بذلك شريك, ولا خيار فيه لرب المال, وكذلك إن زاد في الصبغ والقِصارة, وإن زاد ذلك سلفاً لرب المال فرب المال مخير كما هاهنا.
ومن المدونة وقال ابن القاسم: إن دفع إليه رب المال قيمة الصبغ لم يكن الصبغ على القراض, يريد: ولكن يكون فيه شريكاً, ولا يلزم العامل أن يعمل له فيه, فأما أن يقاسمه, أو يأتي بمن يعمل معه فيه.
قال غيره: لأن هذا كقراض ثان على أن يخلط بالأول بعد أن عمل بخلاف زيادة العامل على رأس المال في ثمن السلعة عند الشراء على السلف؛ لأن هذا كقراض ثان قبل اشتغال المال الأول, وذلك أنه إنما صبغ الثياب بعد الشراء, فإن أعطاه رب المال قيمة الصبغ لم يكن على القراض, وله أن لا يعطيه ذلك وأن يُضمَّنه قيمة الثياب, زاد في رواية سليمان بن سالم: فإن كان في القيمة فضل كان للعامل حصته منه, وإن أبى رب العامل أن يُضَمَّنه كان العامل شريكاً في الثياب بقيمة الصبغ من قيمة الثياب.
م: قال بعض فقهاء القرويين: وهذا على قول من ذهب إلى أن الغاضب إذا صبغ ثوباً غصبه: أن رب المال إن لم يشأ أن يضمن الغاصب قيمة ثوبه, ورغب في عين ثوبه, ولم يشأ أن يدفع قيمة الصبغ: أنه يكون شريكاً للغاصب, وليس هذا المعهود من القول, وإنما يقول ابن القاسم: أنه بالخيار إن شاء أغرمه قيمة ثوبه أو أخذه/ ودفع إليه قيمة الصبغ فقط, وأشهب يرى: أن يأخذ ثوبه ولا شيء للغاصب في صبغة كتبييض الدار, وخياطة الثوب.
[الباب الرابع]
باب في زكاة مال القراض
قال مالك: ولا يزكي العامل رأس مال القراض ولا ربحه, وإن أقام بيده أحوالاً حتى ينض المال ويحضر ربه فيقتسمانه؛ لأنه لا يدري أرب المال حي أم ميت؟ أم عليه دين؟ فإن كان العامل يدير زكَّيَا لكل سنة بقدر ما كان المال فيها من عين أو قيمة عرض, فإن كان في أول سنة قيمة المبتاع مئة, والسنة الثانية مئتين, والسنة الثالثة ثلاث مئة, زكى كل سنة قيمة ما كان يساوي المبتاع فيها إلا ما نقصت الزكاة كل عام.
قال ابن القاسم: وإن أخذ العام تسعة عشر ديناراً, فعمل بها يوماً وقد كان تم لهذه التسعة عشر ديناراً حولاً عند رب المال, ثم افترقا وقد ربحا ديناراً فلا زكاة عليهما؛ لأن رب المال لم يكن له في رأس ماله وربحه ما فيه الزكاة.
قال أشهب عن مالك: عليهما الزكاة, وقاله ابن الماجشون.
ومن المدونة, قال مالك: ولو أخذ قراضاً بعد ستة أشهر من يوم زكاه, فعمل به أربعة أشهر ثم تفاصَلا زكى رب المال لتمام حوله, ولا يزكي العامل حصة ربحه
حتى يتم حول من يوم اقتسماه, وفي ربحه عشرون ديناراً, إن كان له مال قبل ربحه, إذا أضافة إلى ربحه بلغ ما يجب فيه الزكاة, فليزكيه لتمام حول من يوم اقتسماه؛ لأن الفائدة الأولى تضم إلى حول الثانية, وقد تقدم إيعاب هذا في الزكاة.
[الباب الخامس]
في تلف المال بيد العامل وتجره فيما بقي
[فصل 1 - تلف بعض مال القراض بيد العامل ثم يعمل فيما بقي فيربح]
والقضاء في القراض ألا يقسم فيه ربح إلا بعد كمال رأس المال, وأن المقارض مؤتمن لا يضمن ما هلك بيده إلا أن يتعدى فيه.
قال مالك: وإذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده, أو خسره, أو أخذه اللصوص, أو العاشر ظلماً: لم يضمنه العامل إلا أنه إن عمل ببقية المال جبر بما فيه ربح أصل المال, فما بقي تمام رأس المال الأول كان بينهما على ما شرطا, ولو كان العامل قد قال لرب المال: لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس المال, ففعلا وأسقطا الخسارة, فهو أبداً على القراض الأول, وإن حاسبه وأحضره, ما لم يقبضه منه ثم يرده إليه.
قال أصبغ: على باب الصحة والبراءة.
وقال ابن حبيب: إذا لقي العامل رب العامل رب المال وأخبره بما نقص رأس المال, فقال له: اعمل بالذي بقي, فقد أسقطت عنك ما ذهب.
فهو قراض مؤتنف إذا
بيَّنه هكذا, أحضر المال أو لم يحضره, قبضه أو لم يقبضه ربه, وكذلك لو ربحا فاقتسما الربح, ثم قال اعمل بما بقي في يديك, كان قراضاً مؤتنفاً إن لم يقبض منه المال.
قاله ربيعة ومالك والليث ومطرف وابن الماجشون, ومن لقيته من أصحاب مالك إلا ابن القاسم فإنه قال: هما على القراض الأول.
قال أبو محمد بن أبي زيد: الذي ذكره ابن حبيب عن ابن القاسم هو قول ربيعة ومالك والليث, ذكره ابن المواز, وقل أخبرني أصحاب مالك عنه أنه قال: لا يجوز أن يتفاصلا حتى يحضر جميع المال ثم يقبض رأس المال ثم يقتسمانه الربح.
[فصل 2 - العامل يستهلك بعض مال القراض ثم يتاجر فيما بقي فيربح]
ومن المدونة, قال مالك: وليس ما استهلك العامل من المال مثل ما ذهب أو خسر؛ لأن ما استهلك قد ضمنه, ولا حصة لذلك من الربح؛ لأنه تمام رأس المال, وإن تسلف العامل نصف المال أو كله فالنصف الباقي رأس المال وربحه على ما شرطا, وعلى العامل غرم النصف فقط ولا ربح لذلك النصف.
وإن أخذ مئة قراضاً فربح فيها مئة, ثم أكل منها مئة, لم تجر في المئة الثانية/ فربح مالاً فمئة في ضمانه وما بقي في يده مع ما ربح بعد ذلك فهو بينهما على ما شرطا, ولو ضاع ذلك فلم يبق إلا المئة التي في ذمته: ضمنها لرب المال, ولا تعد ربحاً إلا بعد كمال رأس المال.
قال بعض فقهاء القرويين: هذا صواب كله ما لم يفلس العامل فإن فلس وقد كان أخذ مئة فأكل منها خمسين قبل أن يتجر, ثم تجر في الخمسين الباقية فصارت مئة ثم فلس, فيجب على مذهب ابن القاسم أن يكون أحق بالمئة من الغرماء ويبقى عنده خمسون فيحاص بها الغرماء؛ لأن الربح أولى أن يجبر به رأس المال من أن يكون للعامل, كما لو ضاع من المال خمسون فتجر في الخمسين الباقية فصارت مئة أن رب المال أولى بها, أو لا ترى أن ابن القاسم قال في الذي دفع إليه ثمانين فضاع منها أربعون فدفعها إلى غيره فتجر فيها فصارت مئة أن رب المال يأخذ ثمانين, ويكون أولى بها من العامل الثاني ثم يأخذ نصف الربح عشرة, والعامل الثاني هاهنا أكرى من الغرماء؛ لأنه هو الذي نَّمى المال فلم يجعله أحق بجزئه من الربح لما كان رب المال له خبر ما كان في ماله من الخسارة.
م: وقال غيره: بل يأخذ من المئة التي بيده خمسين رأس ماله وخمسة وعشرين حصته من الربح, ويُحاص في الخمسة والعشرين بقية الربح بالخمسين التي عليه وذلك بخلاف ضياع الخمسين؛ لأن رب المال لا مرجع له على الذي ضاعت له الخمسين, وله على الذي أكلها الرجوع بها فافترقا, وكذلك العامل في الأربعين له الرجوع على العامل الأول فلذلك كان رب المال أولى بجبر رأس المال منه.
م: والقول الأول أصوب لأن رب المال أولى بجبر رأس المال, وأما الذي دفع إليه مئة فيها فصارت مئتين, ثم أكل مئة ثم تجر في المئة الباقية فصارت مئتين
فعلى ما ذكرنا عن ابن القاسم: يجب أن يأخذ المئة فيكون أحق بها؛ لأنها رأس ماله, ويأخذ خمسين من المئة الباقية حصته من الربح, ويضرب بخمسين حصته من الربح من المئة التي أكل؛ لأنها صارت ربحاً فيضرب بها في الخمسين الباقية من الربح مع غرماء العامل.
وعلى التأويل الثاني: يجب أن يكون ما أكل نصفه من رأس المال ونصفه من الربح, فيكون الباقي من رأس المال خمسين فيأخذها, ويأخذ نصف ما بقي, وهو خمسة وسبعون حصته من الربح, ويضرب في الخمسة والسبعين الباقية رأس المال الذي أكل العامل وبنصف الخمسين الباقية مما أكل؛ لأنها حصته من الربح المأكول, فيضرب في هذه الخمسة والسبعين بهذه الخمسة والسبعين المستحقة قبل العامل مما أكل.
فاعلم ذلك.
[فصل 3 - مال القراض يُجني عليه جناية تنقصه]
ومن المدونة: وإن اشترى بالقراض وهو مئة دينار عبدا يساوي مئتين, فجني عليه رب المال جناية نقصته مئة وخمسين, ثم باعه العامل بخمسين, فعمل فيها فربح مالاً أو وضع لم يكن ذلك من رب المال قبضاً لرأس ماله وربحه حتى يحاسبه ويفاصله ويحسب عليه, فإذا لم يفعل فذلك دين على رب المال مضاف إلى هذا المال.
ابن المواز قال ابن القاسم: ولو أخذ مئة قراضاً, فأخذ اللصوص خمسين, فآداه ما بقي فأتم له المئة لتكون هي رأس المال, فإن رأس المال في هذه خمسون ومئة حتى
يقبض ما بقي على المفاصلة, وكذلك لو رضي أن يبقي ما بقي رأس المال: لم ينفع ذلك.
م: وعلى قول ابن حبيب ينفعه ذلك, ويكون ما بقي رأس المال على ما تراضيا عليه.
قال ابن المواز: فإن فضل بعد الخمسين ومئة شيء اقتسماه على شرطهما.
م: كأنه رأى لمَّا لم يحرك المال حتى أخذ منه اللصوص الخمسين: أن زيادة رب المال الخمسين لا يكون كقراض/ ثان فإنها مضافة إلى المئة, وكأنه اليوم دفع إليه بخمسين ومئة, فوجب ما ربح عليهما يجب قسمته.
وقال بعض فقهاء القرويين: إنما يصح هذا الجواب إذا صار رأس المال مئتين؛ لأنه إذا اتجر بالخمسين: وجب فض الربح عليها, فما قابل الخمسين الباقية بيده جبر به الخمسين الذاهبة, وما قابل الخمسين الذاهبة, وما قابل الخمسين الأخيرة قسماه, فإن ربح عشرين جبر بعشرة منها الخمسين الذاهبة فصارت ستين, وقسما عشرة حصة الخمسين الأخيرة, وكذلك لو ربح ثلاثين أو أربعين, وإن ربح مئة كانت خمسين جبراً للخمسين الذاهبة, ويقسمان الخمسين الباقية على شرطهما, فما ربح بعد ذلك قسماه بغير فضوض, ويصح جواب الكتاب.
م: وهو القياس, قال: وأما لو أخذ اللصوص جملة رأس المال, فأعطاه رب المال مالاً 'خر فلا جبر في ذلك, وهذا الثاني هو رأس المال, وإنما يصح الجبر إذا بقي من الأول شيء.
[فصل 4 - العامل في القراض يشتري سلعة ثم يضيع المال]
ومن المدونة: وإذا اشترى العامل سلعة ثم ضاع المال: خُيَّر رب المال في دفع ثمنها على القراض, فإن أبى: لزم العامل الثمن, وكانت له خاصة, فإن لم يكن له مال: بيعت عليه, فما ربح فله وما وضع فعليه, وإن نقد فيها رب المال كان ما نقد الآن رأس ماله دون الذاهب, وإن ضاعت السلعة والمال قبل النقد: فلا شيء على رب المال ويغرم العامل جميع الثمن.
م: وإنما قال: وإن نقد فيها رب المال كان ما نقد الآن رأس ماله دون الذاهب, ولم يضفه إلى رأس المال الأول؛ لأنه لما ضاع رأس المال الأول كله فقد انقطعت المعاملة بينهما, فإن دفع إليه الآن رب المال شيئاً فهو كابتداء قراض, ولو أنه إنما ضاع بعض المال, فأتم له رب المال بقية ثمن السلعة, فهاهنا يكون رأس المال جميع ما دفعه إليه أولاً وآخراً, ولا يسقط عنه ما ذهب؛ لأن المعاملة بينهما بعد قائمة لم يتفاصلا فيها, فهو بخلاف ذهاب جميع المال.
والله أعلم.
[الباب السادس]
باب ما يجوز للعامل أو لرب المال فعله في مال القراض أولا يجوز
[فصل 1 - هل للمقارض أن يخلط ماله بمال القراض؟]
قال مالك: وإذا خاف العامل أنه إن قدَّم ماله على مال القراض أو وخَّره وقع الرخص في ماله, فالصواب أن يخلطهما, ويكون ما اشترى بهما من السلع على القراض وعلى ما نقد فيها, فحصة القراض رأس مال القراض, وحصة العامل على ما نقد فيها, ولا يضمن العامل, إن خلطهما بغير شرط.
م: ولا ينبغي على شرط الخلط ولا على إن شاء خلطه.
قال أصبغ: وليس بحرام ولكنه من الذرائع, فإن فعله لم أفسخه وكان أشهب يخفف أن يشترط ذلك على المقارض أن يضم ماله إلى مال القراض, ويعمل على أن له نصف ربحهما والنصف لرب المال.
قال أصبغ: ولا يعجبنا هذا, إلا أن يقل مال العامل, مثل الخمسة دنانير والعشرة مما لا يغتري به كثرة البيع والشراء, فإن نزل أمضيته على قراضهما.
وفي كتاب ابن حبيب: ما لم يقصد فيه استغراق الربح لقلة مال القراض, فيكون كزيادة مشترطة داخلة في القراض, فيكون على قراض مثله على غير شرط بعد أن يقسم الربح على المالين.
قال بعض فقهاء القرويين: وما قاله أصبغ من أن مال العامل إذا كان يسيراً لا يقصد به كثرة المال حسن؛ لأن الكراهية إنما تقع في الخلط أنه يغتري في تكثير البيع والشراء إذا كثر المال فقد يكون له في ذلك انتفاع.
وأما قول أشهب: أن نصف ربحهما لرب المال ونصفه للعامل, وذلك يرجع إلى حد معلوم, فكيف يصح هذا إذا خلط العامل المال بمثله؟ فيصير قد عمل لرب المال باطلاً, لما أخذ رب المال نصف الربح رأس المال, وهو لا يجيز أن يخرج أحدهما مئة والآخر مئة, على أن يعمل أحدهما, ويكون عنده للعامل إجارة مثله في مئة/ صاحبه, في المعروف من قوله.