قال أصبغ: ولا بأس أن يُسْتقضى المحدود في الزنا إذا تاب، ورضي حاله، وكان عالماً.
ويجوز حكمه في الزنا وإن كانت شهادته لا تجوز فيه؛ لأن الحكام المسخوطين تجوز أحكامهم ما لم يحكموا يجور أو خطأ، ولا تجوز شهادتهم.
قال أبو محمد: وأعرف لسحنون أنه لا يُجوز أم يُسْتقضى المعتق خوفاً أن تستحق رقبته فتذهب أحكام الناس.
فصل [6 - ما يقضي به القاضي من الأصول والاجتهاد
وفي مشورته للعلماء]
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحكام فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران» قال أبو محمدك وهذا - والله أعلم - إذا كان من أهل الاجتهاد فهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه من أهل الجنة» فيعذر بخطئه، وأما المكلف الذي ليس هو من أهل الاجتهاد فهو الذي قال فيه عليه السلام: «إنه من أهل النار».
وقال مالك: إذا كان ما يقضي فيه القاضي مما قد ظهر وعرف وأَحْكَمه الماضون قُضى به، وإن لم يتبين له وليس على ما وصفنا من ظهوره فلا يتعجل يثبت، وما قُضي به مما في كتاب الله عز وجل أو مما أحكمته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الحق لا شط فيه، وما كان من اجتهاد
الرأي فالله أعلم، قال مالك: وليحكم بما في كتاب الله تعالى فإن لم يكن فيه فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صحبته الأعمال، فإن صحب العمل غيره قضى بما صحبه العمل، فإن لم يجد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبما أتاه عن الصحابة إن اجتمعوا، فإن اختلفوا حكم بما صحبته الأعمال، ولا يخالفهم جميعاً ويبتدي شيئاً من رأيه، فإن لم يكن شيء من ذلك فيما ذكر اجتهد رأيه وقاسه بما أتاه عنهم ثم يقضي بما يجتمع عليه رأيه ويرى أنه الحق، فإن أشكل عليه شاور رهطاً من أهل الفقه ممن يستأهل أن يشاور في دينه ونظره وفهمه ومعرفته بأحكام من مضى وآثارهم، وقد شاور عمر وعثمان علياً رضي الله عنهم.
قال أشهب: وكان عثمان رضي الله عنه إذا جلس للقضاء أحضر أربعة من الصحابة ثم استشارهم فإذا رأوا ما رأى أمضاه، وقال: هؤلاء قضوا ليست أنا.
قال أشهب: وينبغي للقاضي إن قدر على ذلك أن لا يقضي إلا وعنده علماء من أهل الفقه يأمرهم بأن لا يشتغلوا عن / الفهم لما يُدْلي عنده من الحجج، ولما يقضي به فيما فهم من ذلك وفهموا، ولا ينبغي لمن حضره منهم إذا قضي بشيء زل فيه أن يدعه وأمضاه ليكلمه فيه بعد ذلك، ولكن يرده مكانه في لين ورفق لئلا
يفوت القضاء به فلا يقدر على رده، وإن خاف القاضي الحَصَر من جلوسهم عنده، أو يشتغل فلبه بهم وبالحذر منهم حتى يكون ذلك نقصاناً في فهمه فأحب إلي أن لا يجلسوا إليه.
وقال ابن سحنون عن أبيه: لا ينبغي للقاضي أن يكون معه في مجلسه من يشغله عن النظر كانوا أهل الفقه أو غيرهم فإن ذلك يدخل عليهم الحَصَر والاهتمام بمن معه.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون ولمن يتخذهم مشيرين إذا ارتفع عن مجلس قضائه، وكذلك كان يفعل عمر رضي الله عنه.
قال ابن المواز: لا يدع مشاورة أهل الفقه المستحقين للمشورة وذلك بعد أن يتوجه الحكم لأحد الخصمين.
قال سحنون: لا يستشير القاضي العالم في ما شهد به هذا العالم عنده.
[فصل 7 - في رفق القاضي ولينه وسياسته]
قال: وينبغي للقاضي أن يأمر أعوانه والقَّوام عليه بالرفق بالناس واللين والقرب لهم في غير ضعف.
قال محمد بن عبد الحكم: وأحب إليَّ أن يجعل القاضي رجالاً من إخوانه ممن يثق بهم وبصدقهم ومعرفتهم يخبرونه بما يقول الناس فيه من خلفه وما ينكرونه عليه من امرأوا حكم، ومن قبول شاهد أو رده فما عرفوه به من ذلك سأل عنه وفحص واستقصى فيه، فإن ذلك قوة له على أمره إن شاء الله.
فصل [8 - مكان القضاء]
ويستحب للقاضي أن يقضي في المسجد، وأحتج بعض أصحابنا على قضاء القاضي في المسجد بقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إلى قوله فَاحْكُمْ بَيْنَنَا﴾: ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المسجد، وقال مالك في غير كتاب: القضاء في المسجد من الحق والأمر القديم.
وكان ابن خَلْدَةَ وقاضي عمر بن عبد العزيز يقضيان في المسجد وأراه حسناً؛ لأنه يرضى بالدون من المجلس ويصل إليه الضعيف والمرأة، وهو أقرب على الناس في خصومتهم وشهودهم ولا يحجبون عنه وإذا احتجب لم يصل إليه الناس.
قال مالك: وكان من أمر من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد ليصل إليه اليهودي والنصراني والحائض والضعيف، وهو أقرب إلى التواضع لله عز وجل وحيث ما جلس القاضي المأمون فهو له جائز إن شاء الله تعالى، ولا بأس أن يقضى في منزله وحيث أحب، وأحسن ذلك من
غير تضييق المسجد الجامع إلا أن يعلم ضرر ذل بأهل الملل اليهودي والنصارى والنساء والحيَّض.
وقال غيره: أو يدخل عليه في ذلك ضرر لكثرة الناس حتى يشغله ذلك عن كثرة النظر والفهم، وليكن له موضع في المسجد يحول بينه وبين من يشغله، وكذلك فعل سحنون أتخذ بيتاً في المسجد الدامع يحول فيه بينه وبين الكلام.
ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي عن إسحاق بن إبراهيم إمام الجامع بصنعاء قال: حضرت عبد الملك / بن عبد الرحمن الرمادي بصنعاء بمجلس الحكم قد خرج حاجيه إلى الناس فقال: يا معشر الخصوم القاضي يقول لكم: اتقوا الله فإنه من خاصم في باطل فإنما يخوض في سخط الله تعالى: {اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى
الله.. الآية}، قال: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَر.. الآية﴾ ثم قال: عاد حاجيه الثانية فقال: يا معشر القاضي يقول لكم: هو على العهود وليس بقاضي وإنما أنتم القضاة، وهو المنفذ والله تعالى يقول في كتابه: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، وبلغني (أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه لا تشهد بما لا يسمع سمعك، ويعقد عليه قلبك فإن موقف أهل الشهادات.................). قال: فما رأيت في الدار إلا باكياً، وروي أن شريحا كان إذا شهد عنده شاهدان عدلان قال لهما: إني لهما ولكما أقضي.
فصل [9 - القاضي على أي حال يقضي]
قال مطرف وابن الماجشون: ولا بأس أن يتخذ القاضي أوقاتاً يجلس للناس فيها، وينظر في ذلك بالذي هو أرفق به وبالناس، ولا يُضيق على نفسه حتى يصير كالمملوك، ولا يجلس للقضاء بين المغرب والعشاء ولا في الأسحار، وما علمنا من
فَعَله من القُضاة إلا لأمر يحدث في تلك الأوقات فلا بأس أن يأمر فيها وينهى ويسجن ويرسل للأمير ولصاحب الشرط، فأما الحكم فلا، وقال أشهب في المجموعة: لا بأس أن يقضي بين المغرب والعشاء إذا رضى بذلك الخصمان، فأما أن يكلف الكاره فيه الخصوم فلا، ولا بأس أن يقضي بعد الأذان بالظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الصبح، ويرسل إلى الخصم فيحضره في بعض هذه الساعات ثم يقضي عليه إن شاء أو أبى.
قال مالك: وينبغي أن يكون لجلوسه ساعات من النهار لأني أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفشه نهاره كله، وقد روى ابن وهب أن ابن شهاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «روحوا القلوب ساع فساعة»، واختلف هل يقضي في الطريق؟ فقال أشهب: لا بأس أن يقضى في الطريق وهو ماش، ولا يكلم أحداً من الخصوم، ولا يقف معه فإن ذلك يوهن خصمه ويدخل عليه به سوء الظن، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (لا يقضي وهو غضبان).
ابن حبيب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي إلا وهو شبعان ريَّان»، وفي كتاب محمد لا أحب أن يخرج إلى الناس وهو جائع ولا شبعان جداً؛ لأن الجائع يسرع إليه الغضب.
قال ابن حبيب عن مطرف وابن
الماجشون: لا يقضي وبه غضب أو ضجر أو ضيق نفس أو جوع أو هَمَّ لما يخاف على فهمه إلا الإبطاء والتقصير عن الفهم إلا أمر خفيف / لا يضر به في فهمه.
قال سحنون: لا ينبغي إذا قعد الخصمان بين يديه أن يشغل نفسه عنهما بشيء، وليجعل فهمه وسمعه وبصره وفكره في احتجاجهما.
قال أشهب وسحنون: لا يقضي حتى لا يشك أن قد فهم، فأما إن ظن أن قد فهم وهو يخاف أن لا يكون فهم لما يجد من النكول والحيرة فلا ينبغي أن يقضي بينهما وهو يجد شيئاً من ذلك.
فصل [10 - أدب القاضي في بيعه وشرائه وحديثه
في مجلس قضائه وقيامه عنه]
قال أشهب في المجموعة: ولا ينبغي للقاضي أن يتشاغل بالأحاديث في مجلس قضائه إلا أن يدبر إجمام نفسه ورجوع فهمه.
ابن حبيب وقال مطرف وابن الماجشون: لا يفعل ذلك وإن أراد إجمام نفسه فليقم إذا وجد الفترة ويدع مجلس قضائه ويجلس مع من أحب للحديث، فأما وهو يقضي فلا.
قال: ويقام من جلس إلى القاضي ليتعلم أقضيته، والجلوس عند القضاة من حيل المستأكلين للناس إلا أن يكون عنده معروفاً مأموناً فيدعه.
قال أصبغ في كتابه: فإن خاف من المأمون أن
يحضره في قضائه، أو يضر به فلا يقعد، ولا يقوم من مجلس قضائه لحاجة أو لذة تعرض له.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا يجلس أيام النحر ولا يوم الفطر وما قاربه، وكذلك يوم عرفه ويوم النزوية، ولا يوم خروج الناس إلى الحجر بمصر لكثر من يشتغل يومئذ في تشييع الحاج، وكذلك كل بلد يجتمع ذلك فيه لمثل هذا، وإن كان الطين والوحل وأضر ذلك بالناس فليترك الجلوس، قال مطرف وابن الماجشون: ولا يشتغل في مجلس قضائه البيع والابتياع لنفسه.
قال أسهب: أو لغيره على وجه العناية من إلا ما خف شأنه وقل شغله والكلام فيه.
قال سحنون في كتابه ابنه: وتركه أفضل، قالوا: ولا بأس له بذلك في غير مجلس قضائه أو لغيره، وما باع أو ابتاع في مجلس قضائه فنافذ لا يرد إلا أن يكون أكره على ذلك أحداً، أو يهضمه حقه فليس هذا بعدل فهو مردود كان في مجلس قضائه أغيره، وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بعض عماله: (لا تشار، ولا تضار، ولا تبيع، ولا نقيض بين اثنين وأنت غضبان.
وكتب عمر بن عبد العزيز: (إن تجارة الولاة لهم مفسدة، وللرعية مهلكة.
وقالوا: أما بيع مال ميت في مجلس قضائه على ما يبيع عليه السلاطين فذلك جائز.
فصل [11 - حضور القاضي الجنائز وإجابته الدعوة]
ولا بأس للقاضي بحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وتسليمه على أهل المجالس، ورده على من يسلم عليه، لا ينبغي له إلا ذلك.
قال مطرف وابن الماجشون: ولا ينبغي له أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة وحدها للحديث ثم إن شاء أكل أو ترك.
وقال أشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة كانت وليمة أو صنيعاً عاماً لفرح، فأما أن يدعى مع عامة لغير فرح فلا يجب، وكأنه دعي خاصة؛ لأن الداعي له لعله جعل ذلك من أجل لا السرور أوحق وجب عليه.
قال سحنون: والتنزه عن الدعوة العامة أحسن.
ابن المواز: وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم.
فصل [12 - قبول القاضي الهدية]
ولا يقبل القاضي هدية من أحد، ولا ممن كانت تجري بينه وبينه قبل ذلك، ولا من قريب ولا من صديق، وإن كافأ بأضعافها إلا مثل الوالد والولد وأشباههم من خاصة القرابة التي يجمع من حرمة الخاصة ما هو أكثر من حرمة الهدية.
قال سحنون: ومثل الخالة والعمة وبنت الأخ قال: وفي بعض الكتب الهدية تطفئ نور الحكماء.
قال ربيعة: إياك والهدية فإنها ذريعة الرشوة وعلة الطلب.
وقال: محمد بن عبد الحكم لا يقبل الهدية ممن يخاصم، ويقبلها من إخوانه الذين يُعرف بالقبول منهم قبل أن يستقصي، وقد كان عمر يقبل الهدية من إخوانه.
قال ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهية الهدية للسلطان الأكبر وإلى القضاة والعمال وجباة الأموال، وهو قول مالك ومن قبله من أهل السنة، وكان النبي عليه السلام يقبل الهدية وهذا من خواصه.
ابن حبيب: وللإمام أن يأخذ ما أفاد العمال ويضمه إلى ما جبوه وفعله النبي صلى الله عليه وسلم في عامل له قال هذا أهدي إليِّ فأخذه منه فقال له: (هَلا جلست في بيت أبيك وأمك فتنتظر هل يهدى إليك) وقال عليه السلام: «هدايا العمال غلول» قال ابن حبيب: إذا حبسوها ولم يسلموها إلى من ولاهم، وكان عليهم إلا يقبلوها.
قال: وكل ما أفاده وال في لايته، أو قاض في قضائه، أو متولٍ أمراً
للمسلمين من مال سوى رزقه فللإمام أخذه منه للمسلمين.
وكان عمر إذا ولى أحداً أحصى ماله فكتبه لينظر ما يزيد له فيأخذه منه، ولذلك شاطر عمر العمال أموالهم حيث كثرت ولم يستطيع تمييز ما ازدادوه بعد الولاية.
قال مالك: وشاطر عمر أبا هريرة وأبا موسى الأشعري وغيرهما من الصحابة حين كثرت أموالهم، وخاف أن تكون مما كانوا يرتزقونه على الولاية، وإن معاوية لما احتُضر أمر أن يدخل شطر ماله في بيت مال المسلمين استناناً بفعل عمر بعمَّاله رجاء أن يكون ذلك تطهيراً له.
فصل [13 - أرزاق القضاة والكتاب]
قال ابن سحنون: وقعد سحنون للناس احتساباً، ولم يقبل رزقاً ولا كسوة ولا حملاناً ولا خاتماً وضعه في يده.
قال وسمعته يقول للأمير: والله لو أعطيتني جميع ما في بيت المال ما قبلته، وكان تركه لأخذه من غير تحريم ويقول: لو أخذته لجاز لي، وكان يأخذ الأرزاق لأعوانه وكتابه، وكَلم الأمير حتى أجرى لهم ذلك من جزي اليهود، وقد أجرى عمر بن عبد العزيز للقاضي أربع مئة دينار في السنة، وكان / يوسع في الرزق على عماله، وكان يقول ذلك قليل لهم إذا أقاموا كتاب الله وعدلوا.
[فصل 14 - ماذا ينبغي للقاضي أن يعمل عندما يلي القضاء وكيفية
دخول الخصوم عليه، وتقسيم أيامه وذكر الطابع]
قال ابن سحنون: ولما ولي سحنون القضاء بعد أن أجبر وأدير عليه حولاً وغلط عليه، وحلف الأمير عليه، وأتى من عزمه عليه ما أخافه وأنصفه في قوله، وخاف أن يكون أمراً لزمه لا يقوم غيره فيه مقامه، فولي يوم الاثنين لثلاثة أيام مضت من شهر رمضان سنة أربع وثلاثين ومئتين، فأقام بعد ما ولي أياماً لا ينظر بين الناس يلتمس أعواناً، ثم قعد يوم الأحد لتسعة أيام مضت من رمضان، وقيل: لما دخل المسجد ركع ركعتين، ثم دعا كثير يدعو بالتوفيق والتسديد والعون على
ما قُلده، فقعد بعد ركوعه ودعائه ثم أمر بالناس فكتبوا أسماءهم في بطائق ثم اختلطت البطائق ثم دعي بالأول فالأول، فمن دعي باسمه وخصمه حاضر أدخلهما وأجلسهما بين يديه على الإعتدال في مجلسهما، وإن استعدى الذي خرج اسمه على رجل بحاضرة مدينة القيروان أو بقصر محمد بن الأغلب وهو على ثلاثة أميال من المدينة أعداه على خصمه بطابع يعطيه إياه، فإن أتى بصاحبه أمر بأخذ الطابع منه، وكان لا يعطي كِتاب عدوى لجلب خصم إلا بلطخ من شاهد عدل يزكي، فيأمر كتابه فكتب له كتاب عدوى إلى أمينه، وكان اتخذ في بعض المواضع
أمينين وفي بعضها أميناً، وكان أكثر أمنائه من أصحابه الذين تعلموا منه العلم ومنهم غير ذلك ممن ثبت عنده عدالته، وكان من ولي رجلاً سمع بعض كلام أهل العراق فأمره أن لا يحكم إلا بمذهب أهل المدينة.
وكتب إلى سحنون في من يأتي فيقول فلان يدعي عليَّ بدعوى، ويحمل علىَّ العمال فاكتب إليَّ برفع من له قبلي دعوى إن أراد طلبي، فكتب إليه الرفع غير صواب، ولكن اكتب إن قدرت إلى العمال أن لا يعترضوا للخصوم لما في ذلك من ظلمهم.
[فصل 15 - خصومة النساء والرجال والمسافر والحاضر]
قال سحنون: وينبغي للقاضي أن يقدم النساء على حده والرجال على حده.
أشهب: إن رأى أن يبدأ بالنساء أو بالرجال فلذلك له يبدأ بالأول فالأول، وإن رأى أن يجعل لهؤلاء يوماً ولهؤلاء يوماً.
قال محمد بن عبد الحكم: وإن أحتاج إلى كشف وجه امرأة ليعرفها، أو ليشهد عليها شهوداً كشف وجهها بين يدي العدول من أصحابه، وإن كان بحضرته من الخصوم من لا يشهد عليها أمر بتنحيهم، وكذلك إن كان على رأسه من لا يأمنه على ذلك، وإن كان لا ينبغي أن يستعين بأحد لا يؤمن في كل شيء، ولا يجلس النساء مع الرجال في مجلس وليفرق بينهم، ويجعل للنصارى يوماً أو عشية أو وقتاً من بعض الأيام بقدر قلتهم وكثرتهم يجلس لهم في غير المسجد، وإن كانت الخصومة في الفروج مثل طلاق امرأة أو عتق فلا بأس أن يسمع البينة في ذلك، ويؤثرها على أهل
الدعوى، ويسمعها في غير مجلس الحكم.
قال سحنون: والغرباء وأهل المصر سواء إلا أن ير غير ذلك في الغرباء مما لا يُدخِل على أهل المصر ضرراً.
فصل [16 - في انصاف الخصمين والعدل بينهما في اللْحظ واللْفظ
والمسألة والاستماع والمجلس]
وقضى الرسول عليه السلام أن يقعد الخصمان بين يدي الحاكم، وقال: «إذا ابتلى أحدكم بالقضاء بين المسلمين فلا يرفع صوته على أحد الخصمين دون الآخر»، قال أشهب: إلا أن يفعله إغلاظاً عليه للدد فذلك جائز.
وذلك إذا علم اللدَد منه، وأنه لو كان ذلك من صاحبه فعل به مثله.
م: وينبغي أن ينصفهما في مجلسهما منه، وفي النظر إليهما، واستماعه منهما، ولا ينظر إلى أحدهما بوجه أطلق مما يلقى به الآخر، ولا يُسَار أحدهما، ولا يساررهما جميعاً إذا كان أحدهما لا يسمع ما يسارر به الآخر.
سحنون: ولا ينبغي أن يُضَّيف أحدهما، أو يخلو معه، أو يقف معه فإن ذلك مما يوهن خصمه، ويدخل عليه سوء الظن.
أشهب: ومن العدل بين الخصمين ألا يجيب أحدهما في غيبة الآخر إلا أن يعرف لدداً من المتخلف، أو لم يكن يعرف وجه خصومة المدعي فلا بأس أن يسمع منه حتى يعلم أمره.
وإذا جلسا فلا بأس أن يقول لهما: ما خصومتكما؟ أو يدعهما حتى يبتدياه بالمنطق، ولا بأس أن يسأل أيكما المدعي؟.
فإن علمه سأله عن دعواه واسكت صاحبه حتى يسمع حجته، ثم يأمره بالسكوت ويستنطق الآخر ليفهم عنه، ولا ينبغي أن يبتدي المدعي عليه بالنطق وليبتدِ المدعي، ولا ينبغي أن يفرد أحدهما بالسؤال فيقول مالك أو تكلم؟ إلا أن يكون علم أنه فلا بأس بذلك، وإذا لم يعلم المدعي فقال لهما أيكما المدعي، فإن قال أحدهما: أنا وسكت صاحبه ولم ينكر فلا بأس أن يسأله عن دعواه، وأحب إليَّ أن لا يسأله حتى يقر له الآخر بذلك، وإن قال أحدهما المدعي هذا ولم ينكر صاحبه فلا بأس أن يسأله، فإن تكلم فقال: لست بالمدعي، وأقاما على هذا كل واحد يقول للآخر هذا المدعي فللقاضي أن يقيمهمها حتى يأبى أحدهما إلا الخصومة فيكون هو الطالب.
قال أصبغ في كتاب ابن حبيب، وقال محمد بن عبد الحكم: إذا قال: كل واحد منهما: أنا المدعي، فإن كان أحدهما الذي استعدى وجلب الآخر إلى القاضي سمع منه أولاً، وإن لم يدر من جلب صاحبه لم يبال بأيهما بدا، وإن كان أحدهما ضعيفاً فأحب إليَّ أن لا يبتدي بالآخر.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإذا تكلم المدعي وأدلى بحجته قال القاضي للآخر: تكلم، فإن تكلم نظر في ذلك، وإن سكت أو قال: لا أخاصمه إليك قال له القاضي: إما خاصمت أو أحلفت هذا المدعي / على دعواه وحكمت عليك له إن كان ما يستحق من نكول المطلوب أن تثبت له الخلطة؛ لأن نكوله عن التكلم
نكول عن اليمين، وإن كان مما لا يثبت إلا بالبينة ولا يسجنه حتى يتكلم ولكن يسمع من صاحبه.
وكان سحنون إذا تشاغب الخصمان بين يديه أغلظ عليهما، وربما أمر القَومَة فزجروهما بالدرة، وربما تشاغبا حتى لا يفهم عنهما فيقول: قوما فإني لا أفهم عنكما، وتعودا إلي، وله الشد على عضد أحدهما إذا رأى ضعفه عن صاحبه، وخوفه منه، ولا بأس أن يلقنه حجة له عمي عنها، وإنما يكره أن يلقنه حجة الفجور، وقال الرسول عليه السلام: «من ثبت عيباً في خصومته حتى يفهمها ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام وقال سحنون: لا ينبغي أن يشد عضد أحدهما ولا يلقنه حجة.
قال ابن حبيب: وإذا أقر أحد الخصمين في خصومته بشيء للآخر فيه منفعة فعلى الحاكم أن ينبهه أن له منفعة، ويكتب له.
قال سحنون: وإذا كان الخصمان في أمرهما شبهة وإشكال فلا بأس أن يأمرهما بالصلح.
وتخاصم إلى سحنون رجلان من أصحابه صالحين فأقامهما ولم يسمع منهما وقال: استرا على أنفسكما ولا تطلعاني من أمركما على ما سُتر عليكما.
ابن حبيب: وروي أن عمر بن الخطاب عليه السلام قال: (ردّوا القضاء بين ذوي الأرحام حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن).
وكان سحنون رحمه الله إذا أتاه رجل يسأله عن مسألة من مسائل الأحكام لم يجبه، وقال هذه: مسألة خصومة إلا أن يكون رجلاً يعلم أنه متفقه فيسأل على وجه التعليم، أو يسأل عن شيء من مسائل الوضوء والصلاة والزكاة.
قال مالك في المختصر لا يفتي القاضي في مسائل القضاء، وأما في غير ذلك فلا بأس به.
فصل [17 - في سيرة القاضي في البينة وكتابة الشهادة وسماعها]
قال سحنون: وإذا شهد الشاهد في نص الشهادة أمر الخصمين أن لا يعرضا له ولا للمدعي بتلقين ولا المدعى عليه بتوبيخ، فإن فعل أحدهما ذلك بعد النهي أمر بأدبه، وكان إذا خلط الشاهد في شهادته أعرض عنه وأمر الكاتب ألا يكتب، وربما قال له ثبت ثم يردده فإذا ثبت على شهادته أمر كاتبه فكتب لفظ الشاهد ولا يزيد على ذلك ولا يحسن الشهادة، وكان إذا دخل عليه الشاهد وقد رُعب منه أعرض عنه حتى يذهب روعه، فإذا طال ذلك به قال له هون عليك فإنه ليس معي سوط ولا عصا، فليس عليك بأس قل ما علمت ودع ما لم تعلم.
قال: وينبغي للقاضي أن يعرض كتاب الشهادة بعد كتبها على الشاهد ثم يطبع عليها ويرفعها في موضع رفع الكتب
قال أشهب وغيره: وإن استخف القاضي إيقاع الشهادة بنفسه فذلك حسن، وإن أوقعها / كاتبه وكان مأموناً وهو ينظر أجزأه، وإن أوقع الناس شهادتهم أنفسهم فذلك جائز، وقال مطرف وابن الماجشون وذلك فعل الناس عندنا بالمدينة؛ لأنه ربما أخجله محلس القاضي للشاهد أتشهد بكذا وهذا تلقين.
قال محمد بن عبد الحكم وإذا كان الشهود عدولاً فني أحدهما فلا بأس أن يذكره الآخر فإن ذكر قبل منه لقوله سبحانه: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، وقوله ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ يريد أن تنسى.
قال ابن المواز: وإن اتهم القاضي الشهود بالغلط فلا يفرق بينهم لأنه إذا قصد الشاهد بهذا رعب واختلط عقله، ولكن يسمعه منهم ويسأل عنهم.
[فصل 18 - هل للقاضي أن يكلف الشهود إخراج امرأة شهدوا عليها من
بين النساء، أو دابة من بين دواب]
وإذا شهدوا على امرأة أو دابة فيسأل الخصم أن تدخل المرأة في جماعة نساء وتساق الدابة في جماعة دواب يمنحهم بذلك فليس ذلك على الشهود، ولا يفعله القاضي.
[فصل 19 - صفة تعريف القاضي بالشهود وصفة كتابة الشهادة]
وينبغي للقاضي إذا شهد الشاهد عنده أن يكتب اسمه ونسبه ومسكنه ومسجده الذي يصلي فيه، ويكتب حليته وصفته إن لم يكن معروفاً لئلا يتسمَّى غير العدل بغير اسمه ويتنسب إلى غير نسبه فيزكي عليه.
قالوا: ويكتب الشهر والسنة الذي شهد فيها، ويجعل صحيفة الشهادة في ديوانه لئلا تسقط للمشهود له، أو يزيد فيها أو ينقص، ولا يكتب الشهادة حتى تكون موافقة لدعوى المدعي فيكتب: بسم الله الرحمن الرحيم فقال القاضي: فلان بن فلان حضرني فلان بن فلان الفلاني بخصمه فلان وينسبه، فسألت فلاناً عن دعواه فأنكرها، فسألت فلاناً البينة عن دعواه فأحضرني بفلان وفلان، فيسميهم وينسبهم ويصفهم ويصف شهادتهم، فإن اختلفوا في بعض الشهادة ذكر ذلك، ثم يقرأ شهادتهم عليهم، ويكون المحضر الذي فيه شهادة الشهود عند القاضي في موضع يثق به، ويكتب عليه خصومة فلان وفلان في شهر كذا وسنة كذا، أو يجعل خصومة كل شهر على حدة حتى ينفذ القضاء فيها، ويرفع إليه القضية.
قال محمد بن عبد الحكم وأرى أن يجعل نسخة في ديوانه ونسخة بيد الطالب يطبع عليها ليخاصم بها، فإذا أراد الحكم أخرج الذي في ديوانه فقابل بها وحكم عليه.
قال أبو محمد: وبلغني عن بعض القضاة وهو ابن طالب أنه ربما كتب المحضر الذي فيه الشهادة نسختين فيجعل واحدة في ديوانه، ويجعل أخرى للمشهود عليه ليقف على
ما شُهد به عليه، ويبحث عن منافعه فيه وحجته، وأظن ذلك في الأمر المشكل وما يحتاج إلى الفحص عنه والنظر فيه /.
فصل [20 - هلاك شهادة الشهود من ديوان القاضي
وهل يقبل القاضي شهادة كاتبه؟]
قال سحنون: وإذا هلكت شهادة الشهود من ديوان القاضي فشهد عدلان أن شهوده فلان وفلان شهدوا له فليقبل ذلك القاضي؛ لأنها كشهادة على شهادة ولا ينبغي أن يقبل شهادة كاتبه أن الشهود شهدوا له بكذا، وأجاز أشهب شهادة كاتبي القاضي في ذلك كغيرهما إلا أن يكون الشاهدان حاضرين فليعدلهما حتى يشهدا.
قال سحنون: وإذا كتب القاضي الشهادة ثم قرأها على المشهود له بعد أيام فقال: لم يكتب كلما شهدوا لي به أو قال: نسوا أو نقصوا وأنا أعيدهم لم يكن للقاضي أن يعيدهم له.
فإن شهد عنده رجلان أن فلاناً أخو فلان الميت فسألهم القاضي أكان أخوه لأمه وأبيه فقالا أمهلنا نتذكر وأخرنا اليوم فلم يحضرنا علم ذلك الساعة فلهما ذلك، وقد سأل القاضي القاسم بن محمد وقد شهد عنده عن شيء في الشهادة فقال لا أذكر ثم رجع من بعض الطريق إلى القاضي فذكر فقبل
القاضي شهادته، وقد اختلف قول مالك في هذا، وقد أخبرني ابن نافع أن شهادته جائزة إذا جاء بها في قرب ذلك وكان الشاهد مبرزاً في العدالة؛ لأن القاضي قد أجاز شهادة القاسم لفضله وعدله، وقد قال مالك في مثل هذا خلاف هذا.
فصل [21 - في كشف القاضي عن البينة وفي من يكشف له]
قال سحنون قال أشهب: وينبغي للقاضي أن يتخذ رجلاً صالحاً مأموناً منتبهاً أو رجلين بهذه الصفة يسألان له عن الشهود في السر في مساكنهم وأعمالهم، وإن قدر ألا يعرف من يسأل له فذلك حسن.
قال سحنون: وإن جاءه تزكيه رجل من رجل عنده ثقة، وأتاه عن ثقة آخر أنه غير عدل أعاد المسألة فإذا اجتمع رجلان على التزكية فطنان منتبهان غير مخدوعين أمضى ذلك، ولا يأخذ بقول رجل واحد في الفساد، وإن اجتمع نفر قي التزكية واجتمع رجلان على الفساد أخذ بقول رجل واحد في الفساد، وإن اجتمع نفر في التزكية واجتمع رجلان على الفساد أخذ بقولهما إن كانا عدلين مبرزين.
قال أشهب ولا ينبغي للمُكاشِفِ أن يسأل رجلاً واحداً أو اثنين وليسأل ثلاثة أو أربعة أو أكثر إن قدر خيفة أن يزكيه أهل وده بخلاف ما يعلمه اثنان وثلاثة من غيرهم، أو يسأل عنه عدواً فيجرحه: وينبغي للقاضي أن لا يضع أذنه
للناس في الناس ولكن يكشف عن المقول فيه بمن يرضاه أو يلي هو بنفسه السؤال عنه.
قال سبحانه: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة﴾.
قال ابن الماجشون: وكل ما يبتدي القاضي السؤال عنه أو الكشف عن الأمور فله أن يقبل قول الواحد وما لن يبتد به هو وإنما يبتدأ به إليه في ظاهر أو باطن فلابد من شاهدين فيه.
فصل [22 - هل للقاضي أن يقبل قول الحاسب الذي ولاه؟]
قال أشهب عن مالك: في القاضي يولي حاسباً ثقة بين قوم فيخبره بما صار لكل واحد فليقب قوله، وهو من ذلك في سعة، وليدعو إلى الرضا برجل ثم يوليه حسابهم /.
فصل [23 - صفة من يكلفه القاضي بالترجمة عن الأعجمي]
قال مالك: وإذا اختصم إليه من لا يتكلم بالعربية، ولا يفهم كلامه فليترجم عنه رجل ثق مسلم مأمون فيخبر به، واثنان أحب إلينا، ولا يقبل ترجمة كافر أو
عبد أو مسخوط، ولا بأس أن يقبل ترجمة امرأة عدلة.
قال مطرف وابن الماجشون: وذلك إذا لم يجد من الرجال نت يترجم له.
قالوا: وكان ذلك مما يقبل فيه شهادة النساء، أو امرأتان ورجل أحب إلينا.
وقال سحنون: لا يقبل ترجمة النساء، ولا ترجمة رجل واحد، ولا ترجمة من لا تجوز شهادته، لأن من لا يفهم قوله كالغائب عنه.
فصل [24 - في من يكلفه القاضي في العيوب]
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون ومطرف: ما اختصم فيه من عيوب العبيد والإماء التي لا يطلع عليها إلا النساء، ولم يفت العبد ولا الأمة فله أن يأخذ في ذلك بقول الطبيب البصير بالعيوب، وإن كان على غير الإسلام إذ ليس على وجه الشهادة، ولكنه علم يأخذه عن من يبصره من مرضي ذمي أو مسخوط واحد أو اثنين، فإن غاب العبد أو مات لم يقبل في ذلك إلا ما يقبل في الشهادات، وكذلك عيوب الإماء يكتفي بقول من يرضى من النساء وإن كانت واحدة، فإن فاتت الأمة لم يقبل إلا امرأتين بمعنى الشهادة.
قال: والقائس في الجراح يجزي منه الواحد إذا أمره الإمام فينظر إلى ذلك، وأحب إلينا أن ينصب لمثل ذلك عدولاً، وإن لم يجد إلا طبيباً فهو كما ذكرنا في العيوب، وما فات فلا يقبل فيه إلا ما يقبل في الشهادة.
فصل [25 - في أحد الخصمين يلمز القاضي أو يشتم صاحبه أو
يفعل ذلك الشاهد هل يؤدبون على ذلك؟]
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وينبغي للقاضي إن لمزه أحد الخصوم بما يكره أن يؤدبه ويعزر لنفسه، فإن تعزير سلطان الله من تعزير الله تعالى، والأدب في مثل هذا أمثل من العفو، وليخف الناس بلزوم الحق واتباعه فلا شيء أخوف لهم من أثرة الحق على أهوائهم.
ابن القاسم: إذ لد أحد الخصمين، وتبين ذلك للقاضي فليعاقبه.
قال مطرف وابن الماجشون: إذ شتم أحد الخصمين صاحبه يقول يا فاجر يا ظالم، فليزجره ويضربه على مثل هذا ما لم يكن قائله من ذوي المروءة فليتجافا عن ضربه.
قال سحنون: وإذا تناول أحد الخصمين الشاهدين بما لا يصلح قول: شهدتما عليَّ بالزور وبما يسألكما الله عنه أو ما أنتما من أهل العدل ولا من أهل الدين؟ فلا يُمكن من هذا، والعقوبة في ذلك بقدر القائل والمقول له.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا قال الخصم للقاضي اتق الله فلا ينبغي أن يضيق لذلك ولا يكثر عليه، وليثبت في قضيته وينظر ويجيبه / جواباً ليناً مثل أن يقول: أرزقني تقواه، أو يقول: ما أمرت إلا بخير، وعلي وعليك أن نتقي الله، وليبين له من أين يحكم عليه، وكذلك لو قال له اذكر الله، فإن بان له أمره قال له: إن من تقوى الله أن آخذ منك الحق إذا بان لي، أو يقول: لولا تقوى الله ما حكمت عليك من غير أن يظهر عليه لذلك غضب.
قال ابن القاسم عن مالك: فأما إن قال له ظلمتني فذلك يختلف، ووجه ذلك: إن أراد أذى القاضي وكان القاضي من أهل الفضل فليعاقبه.
[فصل 26 - هل للقاضي أن يأتي أحداً من الناس؟]
وكان سحنون يقول: لا يجوز للقاضي أن يأتي أحداً من الناس إلا إلى الأمير الذي استقضاه لا إلى وزيره ولا إلى ابن عم ولا حاجب، لأن هؤلاء من رعية القاضي، وإذا جاء القاضي إلى رجل من رعيته لم يقدر واحد أن يستعدي عليه، مع ما في هذا من فساد السلطان وأهانته، وكان يقول: ينظر القاضي في كل ما ينظر فيه الخليفة؛ لأن الأمراء إنما اشتغلوا بالدنيا، وولوا القضاة، فصار للقاضي ما كان للخليفة.
ومن كتاب العقيلي حدثنا جعفر بن محمد القرياني قال: حدثنا إبراهيم بن المنتصر قال: حدثنا محمد بن هاني قال: حدثنا الخارجة بن مصعب عن
زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال: عمر لأبي هريرة هل لك في البحرين أبعثك قاضياً عليها تحجز بين مظلومهم من ظالمهم فتكون لك أجرة المجاهدين في سبيل الله فقال أبو هريرة: ته أو ليس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين» فقال عمر: كذبت يا ابن أمية إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للعلاء بين الحضرمي من جلس يقضي بين الناس فأنصف لمظلومهم من ظالمهم، ولضعيفهم من قويهم باهى الله به الملائكة، ومن جلس يقضي بين الناس بهواه ومسرَّته خلاف الحق فقد ذبح نفسه بغير سكين».
قال أبو هريرة: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علم عمر يوماً يملأ الأرض، وعلم عمر في الدين يوماً يملأ في ما بين السماء والأرض».
قال محمد بن عبد الله بن يونس: اختصرت هذا الكتاب من الأول من آداب القضاة من النوادر؛ إذ ليس في المدونة منه شيء، وأجْحفت الاختصار خيفة التطويل، وزدت إليه قليلاً من غيره، والله ولي التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل.
ثم آداب القضاة وسيرها والحمد لله كما هو أهله..