الجامع لمسائل المدونةصفحات 500-539

كتاب العتق الأول من الجامع

صفحات 500-539

باب

ما يلزم من العتق في يمين أو بت أو مذر أو موعد أو غير ذلك

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقال الرسول - عليه السلام -:» من نذر أن يطيع الله فليطعه «؛ فلزم بذلك كل من عقد على نفسه شيئاً من الطاعات أن يفي به والتعق من ذلك كان في يمين أو غير يمين.
قال الله تعالى في زيد بن حارثة: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾، يريد: أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه يا محمد بالعتق.

وندب في العتق بالكتابة بقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فالعتق من العقود التي يجب الوفاء بها وتجري مجرى الطلاق في أكثر وجوهه.
وقد ألزم الله تعالى الطلاق لموجبه على نفسه بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ فاتفقا في الإيجاب واشتبها في أن ملك اليمين كملك العصمة في أكثر وجوهه ولم يختلف في أن لا كفارة في اليمين بهما.

قال سحنون قلت لابن القاسم: فالتدبير والعتق بيمين أمختلف هو؟ قال نعم؛ لأن العتق يمين إذا حنث عتق عليه إلا أن يجعل حنثه بعد موت فلان أو بعد خدمة العبد إلى أجل كذا فيكون كما قال.
م: وإنما سأله لما رأى العتق بيمين هو فيه على حنثه والتدبير يجتمعان في كونهما من الثلث بعد الموت فسأله: هل يختلفان في غير ذلك؟ فقال: [1/ ب. ص] نعم؛ لأن العتق بيمين إذا حنث فيه قبل الموت في الصحة عجل العتق وكان من رأس المال إلا أن يجعل حنثه بعد موت فلان أو بعد خدمة العبد إلى أجل كذا فيكون كما قال، والتدبير أبداً لا يكون إلا من الثلث فاختلفا وإن اتفقا في ذلك الوجه.
ومن المدونة قال مالك: والعتق والتدبير لا زمان على من أوجبهما على نفسه.
قال ابن القاسم: ومن قال لله عليّ عتق رقيقي هؤلاء فليف بما وعدهم، وإن شاء حبسهم ولا يجبر على عتقهم؛ لأن هذه عدة جعلها الله من عمل البر فيؤمر بها ولا يجبر

عليها، وإنما يعتقهم عليه السلطان أن لو حلف بعتقهم فحنث أو أبتَّ عتقهم بغير يمين، وأما إن كان نذراً أو موعداً فإنه يؤمر أن يوفي به ولا يجبر عليه.
ابن المواز: وقال أشهب: إذا قال لله عليّ عتق رقيقي فأُمِر بعتقهم، فقال: لا أفعل.
قُضِي عليه بعتقهم.
وإن قال: أنا أفعل تُرِك وذلك.
فإن مات قبل أن يفعل لم يعتقوا في ثلث ولا غيره.
[قال ابن إسحاق: وكأنه عنده أوجب على نفسه هذا الفعل كما لو أوجب هبة لمعين أنه يجبر على إنفاذها وكان ابن القاسم... لا يكون الإيجاب إلا بأن يعتق.
وأما قوله: لله عليّ أن أعتق، فإنما هو كالعدة أن يفعل... الإيجاب أن يقول لهم: أحرار، وهو يقول: لو قال: لله عليّ أن أصوم غداً، لوجب عليه صيامه وكان مؤثماً في تركه إلا أن الصوم لا يقضى به عليه].
[قال مالك: ومن قال لعبده: لأعتقنك إن قدمت من سفري فهو موعد فأرى أن يعتقه.
م: ولما نهى عن خلف الموعد.

قال ابن المواز: ولا يقضى به عليه.
قال أبو محمد: ولو أراد النذر لسلامته وقدومه لزمه أن يعتقه بالقضاء، في قول ابن [القاسم] وبالقضاء إن امتنع في قول أشهب.
وأما إن قال: أنت حر إن قدمت من سفر فهذا يعتق بالقضاء في قوليهما].
قال مالك: ولو قال لزوجته: إن قدمت من سفري لأطلقنك فلا شيء عليه؛ إذ ليس طلاقها طاعة لله عز وجل فلا شيء عليه فيؤمر بها، وأما العتق فهو طاعة لله عز وجل والله أعلم.

باب

فيمن قال: إن بعت عبدي أو اشتريت عبد فلان فهو حر

قال مالك: ومن قال لعبد: إن اشتريتك أو ملكتك فأنت حر فاشتراه أو بعضه، عتق عليه جميعه، ويقوّم عليه نصيب شركائه إن كان مليئاً؛ كمن قال: كل مملوك له حر وله أنصاف مماليك؛ فإنه يعتق عليه ما يملك منهم ويقوّم/ عليه يقيتهم إن كان مليئاً، وإن

قال: إن اشتريت فلاناً فهو حر فاشتراه بيعاً فاسداً فإنه يعتق عليه وتلزمه قيمته ويرد الثمن، كمن اشترى عبداً بثوب فأعتقه ثم استحق عليه الثوب فعليه قيمة العبد.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإن حلف بحرية عبده إن باعه فباعه بيعاً فاسداً فلا أراه حانثاً.
وقال ابن الماز: يحنث ويعتق.
م: صواب.
قالا: ولو باعه على أنه أو المبتاع بالخيار ثلاثاً فلا يحنث حتى ينقطع الخيار ويتم البيع.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال لعبده: إن بعتك فأنت حر فباعه عتق على البائع ورد الثمن، ولو قال له رجل مع ذلك: إن اشتريتك فأنت حر فاشتراه فعلى البائع يعتق؛ [2/ أ. ص] لأنه مرتهن بيمينه قبل الملك الثاني.
قال ابن سحنون عن أبيه عن نافع عن عبد العزيز بن أبي سلمة: إنه كان يقول: من قال لعبده إن بعتك فأنت حر فباعه أنه لا شيء عليه.
وقال عبد الملك قال: لأنه إنما

يحنث بعد ثبات البيع فكأنه إنما حنث فيه وهو في ملك غيره، وهو قول أهل العراق.
قال سحنون: وقول مالك أولى؛ لأن ما يفعله البائع من البيع سابق لما يفعله المشتري من الشراء فهو أولى أن يعتق عليه، وكما أجمعوا في الموصى بعتق عبده بعد خروجه من ملكه فكذلك هذا، وبمثل هذا احتج ابن شُبرمة.
م: ولو لزم أن لا يقع عتق بعد ثبات البيع لانتقال ملك المعتق وجب ذلك في الموصى بالعتق؛ إذ لا ينعقد عتقه إلا بعد الموت إذ له الرجوع فيه حتى يموت فلما صح

عتقه بما عقده في حياته في حين استقرار ملكه بإجماع فكذلك يصح عتق البائع بعد انتقال ملكه بما عقده في حال صحة ملكه، وقد اعتل بذلك ابن المواز فقال: إنما وجب عتقه وإن انتقل عنه ملكه؛ لأن البيع والعتق وقعا معاً فغلّبنا العتق لحرمته وليُقدم عتقه.
م: ولأن البائع إنما علق عتقه بصفة يوقعها وهو لفظه عقد البيع فإذا أوقعه وجب حنثه كما لو قال لعبد غيره: إن اشتريتك فأنت حر، فقد علق عتقه، وإن كان في غير ملكه بفعل يفعله فإذا فعل وجب عتقه والله أعلم.
قال سحنون: ومال العبد ها هنا للبائع؛ لأن العتق وجب وقد صح المال للبائع.
م: قال بعض أصحابنا: ولو كان المشتري قد استثنى مال العبد كان المال تبعاً للعبد؛ لأن شراء المشتري قد انتفض من أجل العتق فلم يصح له المال الذي استثناه، والبائع لم يبقه لنفسه فكان تبعاً للعبد.
م: ولأن المشتري إنما استثناه للعبد فإذا نقض البيع وعتق بقي المال كما هو للعبد، قيل: فإن كان البائع إنما باع نصفه ولم يستثن المشتري ماله فنصف مال العبد قد انتزعه البائع ببيعه إياه، كما يكون انتزاعاً لجميعه إذا باع جميعه والنصف الثاني باق في ملك العبد

فإذا عتق عليه النصف الذي لم يبعه بحكم تبع العبد نصف المال الذي بقي على ملكه؛ لأنه لم يطرأ عليه انتزاعه، وقاله أبو عمران.
وروي عن سحنون فيمن قال لعبده: إن انتزعت شيئاً من مالك فأنت حر فبعه من عبد لعبده مأذون له في التجارة؛ إن العبد الأعلى حر والأسفل، وجميع مال العبد الأعلى للسيد؛ لأن الحنث إنما وقع بعد البيع ومال العبد إذا بيع للبائع إلا أن يستثنيه المشتري فقد وقع الحنث بعد أن صار المال للبائع، قيل: فإن لحق البائع دين يرد عتقه [2/ ب. ص] هل ينقص بيعه.
فالجواب: لا ينقض بيعه إذا لم يكن فيه محاباة؛ لأنه لو رد بيعه لم يكن بد من بيعه للغرماء فلا فائدة في نقض بيعه، ولأنا إنما نقضنا بيعه لحرمة العتق، فإذا انتقض عتقه وجب إمضاء بيعه ونحوه لابن المواز.
قال اصبغ عن ابن القاسم: ومن حلف حرية عبده ألا يبيعه فباعه وأهلك الثمن فليرد بيع العبد ويخرج حراً ويتبعه المبتاع بالثمن ديناً؛ لأنه وقعت حرية العبد وعنده به وفاء وهو الثمن ثم هلك ما في يده فلم يجب له رد العتق، وإن قال: إن بعت هذا الشيء فهو صدقة فباعه/ لم ينتقض بيعه بخلاف اليمين بالعتق؛ لأن الصدقة يجبر على

إخراجها كانت على رجل بعينه أو على المساكين؛ لأنها صدقة يمين ويستحب له الصدقة بالثمن.
ابن المواز قال ابن القاسم: إن قال لأمته: إن بعتك فأنت حرة فباعها وأولدها المبتاع فإنها حرة على البائع وبرد الثمن على المشتري ويقاصه فيه بقيمة الولد، وقاله أصبغ.
قال ابن المواز: لا ثمن على المبتاع في الولد؛ لأن البائع حنث فيها حين حملت فصارت حرة بما في بطنها بل قد صارت حرة يوم استقرت النطفة في رحمها فلا طلب له في الولد وإنما يجب على الأب قيمته حين خروجه حياً مستهلاً فيعتق على أبيه لملكه إياه فأما إذا أدركه العتق قبل خروجه فلا قيمة على الأب، وكذلك من اشترى جارية فحملت منه فأعتقها سيدها وهي حامل فلا قيمة في ولدها، ومثل أم الولد يعترفها سيدها وقد أولدها مشتريها فمات السيد قبل أن يحكم له بقيمة ولدها فلا شيء على أبيهم من قيمتهم.
م: فوجه قول محمد: أنه لما كان لا يتم عتقها إلا بالحكم وأنه لو رهقه دين قبل إنفاذ عتقه وقبل الإيلاد لم يعتق فكان الإيلاد هو الذي أتم عتقها ورفع تسلط الرق عنها فكانت حرة بما في بطنها يوم استقرار النطفة في بطنها وتم حنث السيد فيها فلم يكن لديها في ولدها قيمة كما لو استحق أمة وقد ولدت من المبتاع فأعتقها فإنه لا قيمة له في ولدها.
م: ووجه قول ابن القاسم وأصبغ أنه لما كان لا يعتق إلا بالحكم وأن حالها كحال

الأمة حتى تعتق فكان العتق إنما يتم فيها وفي ولدها على البائع لو كان الولد من غير المشتري يوم الحكم فإذا كان الولد من المشتري فقد لزمته قيمته يوم الوضع وذلك قبل لزوم البائع العتق فيه وفي أمه بالحكم، ولو حكم على البائع بعتق الأم قبل الوضع لم يلزم المشتري في الولد قيمة باتفاق والله أعلم.
قال ابن المواز: ومن قال لعبده إن بعتك فأنت حر بعد أن أبيعك بسنه فإن [3/ أ. ص] باعه رد بيعه وعتق عليه لسنة فإن كان البيع والحرية وقعا معاً فالعتق أولاً وأوجب حرمة وقد بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - العتق على الوصايا لحرمته، وحكم في الشريك بعتق مصابه أن يعتق عليه بقيمته.
وقال ابن حبيب مثله عن مطرف.
م: قال بعض أصحابنا: ولو قال: أنت حر بعد أن أبيعك بسنة ينبغي ألا يلزمه العتق؛ لأنه لم يضمنه بفعل فانظر.
قال ابن المواز: ولو كانت أمة فوطئها المشتري قبل رد بيعها فحملت فليرد البيع بكل حال ولا شيء عليه من قيمة الولد وتعتق على سيدها إلى سنة، كما لو باع معتقة إلى سنة فأولدها المبتاع.
ابن المواز: وإن قال: غلامي حر إن بعته، وغلام فلان حر إن اشتريته، فباع غلامه بغلام فلان فإنهما يعتقان عليه جميعاً وعليه قيمة العبد الذي ابتاع، وإن قال: إن بعت عبدي ميموناً فهو حر ثم حلف بحرية آخر ليبيعن ميموناً فباع ميموناً فليعتق عليه البيع ويبر في الآخر؛ لأنه قد باع البيع الذي علم أن مرجعه إلى حرية فقد برّ حين باع ذلك،

كمن حلف ليبيعن فلاناً الحر فباعه ونقض بيعه، فقد برّ وبلغ أقصى ما حلف عليه، ولو بدأ فقال: كل مملوك لي حر إن لم أبع ميموناً، ثم قال: ميمون حر إن بعته فباعه فليردّ بيعه ويعتق عليه هو وسائر رقيقه؛ لأن ها هنا حلف أولاً على البيع النافذ.
ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن قال: عبدي حر إن بعته، وحلف آخر امرأته طالق لاشتريته، فباعه منه فإنهما يحنثان جميعاً البائع يحنث ببيع والمبتاع يحنث إذا لم يتم له البيع.
م: وإن كان الحالف ليشترينه عالماً بيمين ربه، فيكون هذا خلافاً لما تقدم في كتاب محمد، وينبغي على ما أصّله محمد ألا يحنث الحالف ليشترينه؛ لأنه قد اشتراه الشراء الذي مرجعه إلى حرية وإن لم يعلم يمين صاحبه فها هنا يحنث باتفاق.
م: وإن حلف بحرية عبده إن باعه بيعاً فاسداً، فقال ابن سحنون عن أبيه: أنه لا يحنث.
م: يريد: أنه بيع غير منعقد، قال: ولو باعه على أنه بالخيار فيه أو المبتاع فلا يحنث حتى تنقطع أيام الخيار، وقال ابن المواز مثله في بيع الخيار، وأما إن باعه بيعاً فإنه يحنث.

م: قال غيره: وهذا أحوط؛ لأن الضمان فيه من المشتري، وأما في بيع الخيار فإن الضمان فيه من البائع حتى ينقطع الخيار فيصير الضمان من المشتري ويجب الحنث عليه، والله أعلم.

باب

فيمن قال: مماليكي أو رقيقي أو عبيدي أحرار

قال مالك: ومن قال: كل مملوك لي حر في غير يمين أو في يمين حنث بها عتق عليه [3/ب.
ص] عبيده ومدبروه ومكاتبوه وأمهات أولاده وكل شقص له في مملوك، ويقوّم عليه بقيته إن كان مليئاً، ويعتق عليه أولاد عبيده من إمائهم ولدوا بعد يمينه أو قبلُ؛ لأن الأولاد ليس بملك لآبائهم إنما هم ملك للسيد، وأما عبيد عبيده وأمهات أولادهم فلا يعتقون ويكونون لهم تبعاً.
قال ابن المواز: إنما يعتق عليه ما ولد لعبده بعد اليمين في يمينه لأفعلن لا في يمينه لا فعلت، وإلى هذا رجع ابن القاسم.
م: لأنه في يمينه لأفعلن على حنث حتى يبر، فإذا فاته البر ولزمه العتق وجب أن يعتق عليه كلما ولد له من إمائه بعد اليمين لأن الأمهات مرتهنات باليمين لا يستطيع

بيعهن ولا طأهنّ وسواء كن حوامل يوم اليمين أو حملن بعد اليمين ولا خلاف في ذلك، وأما في يمينه لا فعلت فهو على بر فإن كن إماءه من يوم اليمين دخل الولد في اليمين، وأما ما حملن به بعد اليمين فقيل: يدخل، وقيل: لا يدخل.
وهو أصوب.
م: وحكي عن ابن القاسم في قوله: ويعتق عليه كل شقص له في مملوك ويقوّم عليه بقيته إن كان مليئاً، قال: معناه أن له شريكاً في كل عبد، وأما لو كانوا عبيداً بينه وبين رجل فإنهم يقسمون فما صار للحالف عتق عليه.
م: وهذا إنما يجري على قول ابن المواز، وقد ذكرنا بعد هذا أن الكتاب يدل على خلافه.
وحكي عن ابن الكاتب أنه قال: قول ابن المواز إنما يجري على قول أشهب في الأرض بين ارجلين يبيع أحدهما طائفة بعينها منها فإن الأرض تقسم فإن وقع المبيع في حظ البائع مضى البيع، وإن وقع في حظ شريكه نقض البيع.
قال: وابن القاسم يأبى ذلك، قال: فلعل قول ابن المواز على قول أشهب وابن القاسم يخالفه في الوجهين جميعاً، والله أعلم.
م: قال في هذا الكتاب: إذا قال: عبيدي أحراي لا يعتق عليه عبيد عبيده.
وقال في كتاب النذور فيمن حلف ألا يركب دابة فلان: فركب دابة عبده، إنه حانث، فقيل: إن ذلك منه اختلاف قول، ومن الناس من فرّق بينهما، فقال: إن الأيمان

تُراعى فيها النِّيات والمنّ في دابة عبد المحلوف عليه ما يلحقه في دابة الرجل بنفسه، فلهذا ساوى بينه وبين عبده والله أعلم.
ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: ومن قال مماليكي أحرار ولا نية له فإنه يعتق عليه ذكور رقيقه دون إناثهم ثم رجع فقال: يعتق الذكور والإناث.
م: وهذا وفاق للمدونة؛ لأنه قال في قوله كل مملوك لي حر: يعتق عليه أمهات أولاده ولا فرق بين قوله: كل مملوك، وبين قوله: من مماليكي.
ابن سحنون ولو قال [4/ أ. ص]: رقيقي أحرار عتق عليه ذكورهم وإناثهم، ولو قال: عبيدي أحرار لم يعتق عليه إلا الذكور دون الإناث.
[قال أبو إسحاق: ولعل اسم العبيد عنده جرت العادة يراد به الذكور دون الإناث وإلا فلفظ العبيد يقع على الذكور والإناث، وما في القرآن من ذكر العبيد والعباد

على ذكور الخلق وإناثهم]، ولو كان له إماء حوامل فإنه يعتق عليه ما أتين به من غلام لأقل من ستة أشهر من يوم قوله، وذلك إذا لم يكن الحمل ظاهراً وكان الزوج مرسلاً عليها، وإن لم يكن الزوج مرسلاً عليها أو كان الحمل ظاهراً فإنه يعتق عليه ما أتين به لخمس سنين.

باب

فيمن قال لمملوك غيره: أنت حر من مالي، وكيف إن قال بكذا أو بقيمة؟

أو قال لجارية غيره: إن وطئتك أو ضربتك فأنت حرة.
قال مالك: ومن قال لعبد غيره: أنت حر من مالي لم يعتق عليه، وإن قال سيده: أنا أبيعه منه، وإنما يعتق/ عليه إذا قال: إن اشتريته أو ملكته فهو حر فهذا إن اشتراه أو ملكه عتق عليه.
قال ابن حبيب قال ابن الماجشون فيمن قال: غلام فلان حر من مالي، فقال فلان: هو لك بخمسين ديناراً أو بقيمته لم يلزمه ذلك، ولو قال: غلام فلان حر بخمسين من مالي

فرضي فلان؛ لزم القائل عتقه، وكذلك لو قال: هو حر من مالي بقيمته فرضي بذلك صاحبه؛ لزمه عتقه، ويصح بالقيمة كبيع فاسد فات بالعتق وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
قال ابن القاسم: وإذا قال: هو حر في مالي بخمسين ديناراً، فقال سيده: قد رضيت فهو حر، ولا خيار للمبتاع كمن اشترى عبداً بإيجاب العتق فهو حر ولا خيار له.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال لأمة غيره إن وطئتك فأنت حرة فابتاعها فوطأها لم تعتق عليه إلا أن يكون أراد بقوله إن اشتريتها فوطئتك، وكذلك لو قال لحرة: إن وطئتك فأنت طالق؛ فتزوجها فوطأها فلا شيء عليه إلا أن يريد إن تزوجتك فوطأتك.
ابن المواز وقال أشهب: وجه يمينه على الشراء أو التزويج وإن لم يذكره لا على الحرام إلا أن يكون نوى وطء الحرام؛ فلا شيء عليه إذا حلف على ذلك وإلا لزمه ويصير مولياً في الزوجة من يوم نكحها.

قال فيه وفي المدونة: وإن قال: إن ضربتها فهي حرة في الأمة أو طالق في الحرة؛ فلا شيء عليه إن اشترى أو تزوج [4/ ب. ص] فضربها.
قال في كتاب محمد: ألا أن يكون على خِطبةٍ أو سومٍ في الأمة أو ينوي أن اشتريتها في الأمة وفي الحرة إن تزوجتها فيلزمه.
قال ابن المواز: ومن باع عبداً فقيم عليه بعيب فحلف البائع بحريته إن كان به عيب فنظر فإذا هو به فلا شيء عليه؛ لأنه في ملك غيره، وقيل: إلا أن يرد عليه بالعيب فيعتق، وقاله أصبغ.
وليس بصواب؛ لأن من أعتق عبداً قد باعه وبه عيب، للمبتاع به الرد لم يعتق وإن رده المشتري بذلك ولو أعتقه المشتري لزمه عتقه ورجع بقيمة العبد.

باب

فيمن عم أو خص في عتق ما ملك أو يملك بعد ذلك في يمين أو غيره

قال: والعتق كالطلاق في عمومه يعتق ما يستقبل ملكه وهو غير لازم عندنا؛ لأنه عم تحريم ما أحل الله له وهذا والله أعلم من الحرج الذي رفعه الله سبحانه عن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي من ضيق.
ابن وهب: وقال ربيعة: وإن ناساً يرون ذلك بمنزلة التحريم إذا جمع تحريم النساء والأرقاء ولم يجعل الله الطلاق إلا رحمة ولا العتاق إلا أجراً؛ فكان في هذا هلكة من أخذ به.
قال مالك: ومن قال كل مملوك أو كل جارية أو عبد اشتريه أو أملكه في المستقبل فهو حر من غير يمين أو في يمين حنث بها فلا شيء عليه فيما يملك أو يشتري كان عنده رقيق يوم حلف أو لم يكن، أعتق من كان عنده حينئذ أو باع أم لا؛ لأنه قد عم الجواري

والغلمان فلا يلزمه شيء إلا أن يعين عبداً أو يخص جنساً أو بلداً، أو يضرب أجلاً يبلغه عمره كقوله: من الصقالبة أو من البربر أو من مصر أو الشام أو إلى ثلاثين سنة، ويمكن أن يحيا إلى ذلك لأجل فيلزمه ذلك؛ لأنه قد ضرب أجلاً وسمى جنساً أو موضعاً ولم يعم، وهذا كمن عم أو خص في الطلاق وقاله ابن مسعود.
م: والناس في هذا الأصل مختلفون على ثلاثة مذاهب: ذهب بعضهم إلى: أن الطلاق والعتاق يلزم؛ سواء عم أو خص لا فرق بين ذلك؛ لأنه أوجبه على نفسه أصله إذا خص.
وذهب آخرون: إلى أن ذلك لا يلزمه سواء عم أو خص؛ واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:» لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك «. وقاله

أبان بن عثمان وغيره.
ونحن نتأول معنى الحديث أن الطلاق الذي عقده على نفسه قبل النكاح لا يقع عليه إلا بعد النكاح وكذلك العتق لا يقع عليه إلا بعد الملك.
م: فذهب مالك - رضي الله عنه - إلى التوسط بين [5/ أ. ص] القولين؛ فلم يلزمه شيء إذا عن بما ألزم نفسه من الحرج والضيق، وألزمه إذا خص إذ لا حرج فيه، وهو مذهب عمر وابن عمر وابن مسعود وغيرهم من صاحب وتابع.
[م: إذا قال كل جارية اشتريتها ففي الموازية: يلزمه لأنه قد أبقى من يملكه ولا يشتريها، وفي كتاب ابن سحنون: ن ذلك لا يلزمه؛ لأنه عموم ووطء ملك فأشبه العموم بالتزويج].

ومن المدونة قال مالك: ومن قال: كل مملوك أملكه حر إن تزوجت فلانة، ولا رقيق له، فأفاد رقيقاً ثم تزوجها فلا شيء عليه فيما أفاد بعد يمينه قبل أن يتزوجها ولا بعد ما تزوجها.
قال مالك: ومن قال: إن دخلت هذه الدار أبداً فكل مملوك أملكه حر فدخلها لم يلزمه العتق إلا فيما يملك يوم حلف، وإن لم يكن له يومئذ مملوك فلا شيء عليه فيما يملك قبل الحنث وبعده، وكذلك اليمين بالصدقة.
قال أشهب: ولو قال: إن دخلت الدار فكل مملوك أملكه أبداً حر؛ فدخلها لم يلزمه العتق فيما عنده من عبيد؛ لأنه إنما أراد ما يملك في المستقبل كما لو قال: كل مملوك أملكه أبداً حر، وكل امرأة أتزوجها أبداً طالق فلا شيء عليه.
م: وليس هذا خلاف ما تقدم من رواية ابن القاسم؛ لأن ابن القاسم إنما أوقع الأبد على الدخول وأشهب إنما أوقعه على الملك.
ولابن القاسم رواية أخرى خلاف ما ذكر أشهب وهي عندهم خطأ.
وأما من قال: كل عبد اشتريه حر، وكل امرأة أنكحها أو أتزوجها طالق، فلا شيء عليه وإن لم يقل ها هنا أبداً.
م: لأن هذه الألفاظ لا تكون لما مضى لا يقول الإنسان: أشتري فيما هو مالكه بعد، وهو بخلاف قوله أملكه.

ومن المدونة قال مالك: ومن قال: إن كلمت فلاناً أبداً فكل مملوك أملكه من الصقالبة حر، فكلمه؛ لزمه العتق في كل ما يملك من الصقالبة بعد يمينه.
م: يريد: فيما يملكه منهم يوم يمينه إذا لم تكن له نية، كما قال في الذي حلف: إن دخلت الدار أبداً فكل مملوك أملكه حر، فدخلها أنه يلزمه العتق فيما ملك يوم حلف فكذلك هذا، وإنما لزمه عتق ما يملك في المستقبل أيضاً لأنه قد خص جنساً ولم يلزمه الأول لأنه قد عم.
قال ابن القاسم: وإن اشترى بعد يمينه وقبل حنثه عبداً صقلبياً ثم حنث بعد الشراء؛ فهو حر إلا أن يكون قد أراد بيمينه ما يملك بعد حنثه فله نيته.
م: يريد إذا جاء مستفتياً ولم يكن على يمنه بينة.
قال ابن المواز: وإن قال إن كلمته فكل مملوك أملكه من الصقالبة أبداً حر، لزمه في المستقبل ولا شيء عليه فيمن كان عنده يوم حلف لقوله: أبداً إلا أن يقول: نويتهم؛ فيلزمه في الوجهين، وإن لم يقل أبداً لزمه في الوجهين، ولو قال: أردت في المستقبل فلا شيء عليه فيما عنده [5/ ب. ص] إلا أن يكون عليه بينة.

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: كل عبد اشتريه من الصقالبة حر فأمر غيره فاشتراه له عتق عليه؛ لأنه إذا اشترى بأمره فكأنه هو الذي اشتراه.
وقال في النذور: ولا يدين في شيء من هذا.
قال ابن المواز: إذا كانت له نية في الشراء إلا يليه بنفسه؛ لأنه قد غبن فيه غير مرة فله نيته وأما إن كره شراءه أصلاً فقد حنث وقاله أشهب ولم يُنوِّه ابن القاسم.
م: وأما إن أمره بشراء عبد ولم يقل له صقلبياً [ولا غيره فاشترى له عبداً صقلبياً] فإن كان عالماً بيمينه فله رد شرائه كما لو ابتاع له من يعتق عليه عالماً؛ لأنه قد قصد إتلاف ماله، وإن لم يعلم عتق على الأمر.
الجواب في ذلك وفيمن اشترى من يعتق عليه سواء.
وكذلك القول في مسألة كتاب الطلاق فيمن حلف ألا يتزوج من نساء بلد فوكل من يزوجه بزوجة من نساء تلك البلدة إنما قال يلزمه النكاح والطلاق؛ لأنه لم يعلم بيمينه، ولو علم بيمينه كان له فسخ النكاح ولم يلزمه فيه طلاق ولا صداق فأعلمه.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وكذلك إن قبله من واهب لثواب فإنه يعتق عليه حين قبوله إياه قبل أن يثبت منه سمى ثواباً أم لا، ويلزمه ما سموا من الثواب وإن لم يسموه فعليه قيمته إلا أن يرضى الواهب بدونها؛ لأنه الهبة للثواب عند مالك بيع من البيوع فلذلك عتق عليه إذا قبله.

قال: وإن وهب له عبد صقلبي لغير ثواب أو تصدق/ به عليه أو أوضى به أو ورثه فإن نوى في قوله إن اشتريته يريد الملك عتق عليه، وإن نوى الاشتراء أو لم يكن له نية لم يعتق عليه، وهو على الشراء حتى ينوي الملك.
م: وإنما قال ذلك؛ لأنه قال في يمينه: إن اشتريته، ولو قال: أملكه [لكان على الملك حتى ينوي الشراء.
قال مالك: وإن قال كل مملوك أملكه] إلى ثلاثين سنة فهو حر لزمه عتق ما يملك من يوم اليمين إلى تمام الأجل.
م: يريد إذا أمكن أن يحيا إلى ذلك الأجل.
ابن المواز: ولا يلزمه عتق ما كان يملك قبل ذلك، قال: وقال ابن القاسم: وإن قال: إن كلمت فلاناً إلى ثلاثين سنة فكل مملوك أملكه أبداً حر فلا شيء عليه.

ابن المواز: لأن قوله: أبداً يدل إنه إنما أراد المستقبل، ولو لم يقل أبداً؛ لزمه فيما عنده دون [ما يستقبل ملكه.
م: أعرف هذه الأربعة أسئلة، الحكم] فيها مفترق.
الأول: قوله: إن كلمت فلاناً أبداً فكل مملوك أملكه من الصقالبة حر.
والثاني: قوله: إن كلمت فلاناً فكل مملوك أملكه من الصقالبة أبداً حر.
والثالث: قوله: إن كلمت فلاناً أبداً فكل مملوك أملكه إلى ثلاثين سنة حر.
والرابع: قوله: إن كلمت فلاناً إلى ثلاثين سنة فكل مملوك أملكه أبداً حر.
ومن العتبية قال [6/ أ. ص] عيسى عن ابن القاسم: فيمن قال: كل رأس أملكه إلى ثلاثين سنة فهو حر فورث رقيقاً والرجل ليس بالكبير فما ورث فهو حر ولا يعتق عليه أيضاً أصحابه لكن ما ورث فقط إلا أن تكون له نية إنه أراد الاشتراء أو الهبة أو الصدقة خاصةً ولم يرد الميراث فيدين ويحلف.
وقال أشهب: فيمن قال: كل مملوك أملكه بشهر رجب فهو حر، فورث نصف عبد فحنث؛ فإنه يعتق عليه ما ورث ويقوم عليه باقيه؛ لأنه إنما أعتق عليه بالحلف لا بالميراث وبه قال سحنون في كتاب ابنه.

ولا خلاف بينهما إذا قال: كل رأس اشتريته إلى ثلاثين سنة فهو حر فابتاع نصف عبد؛ أنه يعتق عليه ويقوّم عليه بقيمته إن كان مليئاً.
قال ابن القاسم: وإن قال: كل مملوك أملكه إلى ثلاثين سنة حر فاشترى مكاتباً لم يعتق عليه، وكذلك لو أن أخاً ورث أخاه وهو مكاتب لم يعتق عليه؛ لأنه إنما ورث مالاً.
قال سحنون: وإذا قال: كل بعد ابتاعه إلى سنة فهو حر؛ فاشترى فيها كتابة مكاتب إنه إن عجز قبل مضيها حنث وعتق عليه وإن عجز بعد انقضائها: لم يعتق.
وقال في العتبية: يعتق؛ لأن أصل شرائه في السنة.
م: وهذا كله خلاف لما في المدونة.

باب

فيمن حلف بعتق عبده أو شقص له في عبده إن فعل كذا

فباعه ثم ملكه أو بقيته بشراء أو غيره قال مالك رحمه الله: ومن قال: إن كلمت فلاناً فعبدي حرٌ فباعه هو أو فلس فباعه عليه الإمام ثم كلم فلاناً ث ابتاع العبد؛ فلا يحنث بذلك الكلام الذي كلمه وهو في غير ملكه ولكن إن كلمه بعد شرائه حنث، وكذلك لو قبله بصدقة أو وصية ثم كلمه فإنه يحنث،

وإن كلمه بعد أن ورث العبد لم يحنث؛ لأنه لم يجر الميراث إلى نفسه لكن الميراث جر العبد إليه وهو لا يقدر على دفع الميراث وأما في الشراء والهبة والصدقة فهو جر ذلك إلى نفسه ولو شاء لتركه.
قال مالك: ولو باع العبد ثم اشتراه من تركة من يرثه ثم كلم فلاناً فإن كان العبد قدر ميراثه أو أقل لم يعتق عليه، وذلك كالمقاسمة، وإن كان أكثر من ميراثه عتق عليه كله.
م: يريد لأنه صار مشترياً لبعضه فإذا حنث في ذلك البعض استتم عليه بقيته، وقال غيره وهو أشهب وأصحاب مالك: شراؤه بعد بيع السلطان له في الدين كميراثه إياه لارتفاع التهمة.
ابن المواز: وقول ابن القاسم أعجب إلينا.
م: ووجه ذلك أنه يتهم أنه يخفي ماله ويظهر العدم ليباع العبد في الدين ثم يرتجعه بالشراء فيكون كما لو باعه هو [6/ ب. ص] بنفسه فوجب أن يعود عليه اليمين.

[قال ابن إسحاق: وانظر على هذا لو باعه نقداً فتداولته الأملاك ثم اشتراه الحالف هل يبرأ من التهمة؛ لأنه لم يظهر أن هناك مواطأة بينه وبين من باع منه ولو باعه من رجل فمات فاشتراه من ورثته إذا لم يعد ابتداء اشترائه تهمة إذا صح البيع الأول].
قال ابن المواز: ولو باعه السلطان عليه بعد الحنث ثم ابتاعه لزالت عنه اليمين؛ لأنها قضية ترد العتق وقاله مالك وأصحابه إلا أشهب: فإنه رأى أن بيع السلطان عليه قبل الحنث وبعده سواء، وإن ذلك مزيلاً ليمينه رافعاً للتهمة ثم نقض ذلك فقال: في المولى عليه البالغ يحنث بعتق عبده ثم يرد ذلك وصيه فيبقى ذلك بيده حتى يلي نفسه أنه يسترقه؛ قال: ولو كان إنما فيه عقد يمين فإن يمينه تلزمه.
م: يريد إن اشتراه بعد أن باعه عليه وليه وذكر عن أبي عمران فيمن حلف ألا يشتري عبد فلان بحريته فجنى العبد على الحالف جناية فأسلمه إليه سيده فيها؛ إن هذا كالميراث ولا حنث عليه وليس ذلك كابتداء شرائه.
قيل له: فإنه يقدر على ترك الجناية فلا يأخذه.
قال: وكذلك من له ميراث أو دين يقدر على تركه.
وذكر عنه فيمن فلس وله أمة قد زوجها فباعها عليه السلطان قبل الدخول من زوجها، إنه قال: اختلف قول ابن القاسم في ذلك: فروى عنه أبو زيد: أن نصف الصداق للبائع بخلاف بيعه بنفسه.

قال أبو عمران: وهو ضعيف.
وروى عنه عيسى: أنه لا شيء عليه للبائع من الصداق، وبيعه وبيع السلطان سواء.
وفي العتبية روى عيسى عن ابن القاسم فيمن حلف بحرية رقيقه إن كلم فلاناً فحنث فرد غرماؤه عتقه وبيع عليه ثم ابتاعه بعد ذلك أو تصدق به عليه: أن اليمين تعود عليه ويحنث إن كلمه ما لم يرجع إليه بميراث.
م: انظر لم هذا؟ وهذه يمين حنث فيها مرة فكان ينبغي أن لا تعود؛ لأن الحنث في مثل هذا لا يتكرر والذي تقدم لابن المواز: أنها لا تعود هو الصواب والحق إن شاء الله، إلا أن يريد أن الغرماء ردوا عتقه وباعوه من غير مراجعة إلى الحاكم حتى لا يكون الحاكم هو الذي قضى برد عتقه فيكون الأمر كما قال، ولا يكون خلافاً لما في كتاب ابن المواز؛ والفرق بين بيع الغرماء وبيع الحاكم أن في الغرماء: يحتمل أن يكون قد أخفى ماله ليرد عتق العبد والحاكم لا ينقض عتقه إلا بعد أن ينكشف هل له مال فإن لم يظهر له مال؛ حلّفه أنه ما يملك شيئاً وقضى برد عتقه.

م: وذهب ابن بكير: إلى أنه إذا باعه هو بنفسه سقطت عنه اليمين ولا تعود عليه إن اشتراه بعد ذلك؛ لأن هذا ملك ثان كالقائل لزوجته: إن فعلت كذا فأنت طالق ثلاثاً فطلقها ثلاثاً [6/ أ. ص] أو يحنث بذلك أن اليمين لا تعود عليه.
م: والذي قال: لا يلزم ملكاً لأنه عين شيئه والفرق بينهما: أنه حلف في الزوجة بطلاق ذلك الملك فإذا طلقها فقد أذهب ذلك الطلاق الذي حلف به وانحلت عنه اليمين كما لو حنث، فإذا تزوجها بعد زوج صار له فيها طلاق ثان ليس فيه يمين، والعبد إنما خرج من ملك ربه ببيع وهو عين ما حلف به، ولو خرج من ملك ربه بالحرية التي حلف بها لم تعد عليه فيه يمين؛ مثل أن يحنث في العبد فيرد السلسطان عتقه ويبيعه لغرمائه ثم يبتاعه بعد ذلك، أو يحلف بعتق عبده النصراني أن لا أفعل كذا فيعتقه ثم

يذهب إلى بلد الحرب ناقضاً للعهد ثم يُسبى ثانية فيشتريه الحالف فإنه لا يعود عليه فيه يمين؛ لأنه كان أوقع ما حلف به؛ فهذا يشبه طلاق الزوجة ثلاثاً، وأيضاً فإنه إذا باع العبد ثم اشتراه اتهم أن يكون واطأً في بيعه ليزيل يمينه ثم يرده عليه، فكأن العبد كان باقياً في ملكه ولا يتهم أحداً أن يطلق زوجته ثلاثاً ثم يتزوجها بعد زوج لينحل من يمينه فافترقا.
ابن المواز قال مال وقال ابن القاسم في العتبية: فيمن حلف بحرية جاريته إن وطئها فباعها ثم اشتراها أن اليمين تعود عليه وهو حانث إن وطأها، وكذلك إن صارت إليه بهبة أو صدقة أو وصية، ولو ورثها/ لم تعد عليه ويطأها إن شاء ولا شيء عليه.
قال أبو زيد عن ابن القاسم: في الحالفة تعتق أمتها إن تزوجت فلاناً فباعت الأمة ثم تزوجت فلاناً ثم رُدّت الأمة عليها بعيب؛ فإنها تحنث لأن الرد بالعيب نقص بيع.
م: كأنه يريد ولو اشترتها بعد ذلك لم تحنث؛ لأن الشراء ليس ينقص البيع.
قال: وإن ردت إلى المشتري قيمة العيب حنث أيضاً.
م: لأنه كأنه اليوم تم بيعها.
قال: وإن [ردت إلى المشتري قيمة العيب] رضيها المبتاع بالعيب لم تحنث.
م: يريد لتمام البيع الأول.

وفي كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: فيمن باع عبده ثم حلف بحريته أن لا يملكه أبداً، فرُدّ عليه بعيب فهو حانث، ولو أرضاه فدفع إليه قيمة عيبه؛ جاز ولم يحنث، وكذلك لو قال له: اذهب فبعه فما نقص من ثمنه فعليّ فلا شيء عليه في يمينه، وكذلك لو حلف بحريته أن لا يتزوج فباعه ثم تزوج فوجد المشتري به عيباً فإن رضي المشتري بقيمة عيبه أو بغير ذلك حتى لا يرده فلا حنث على البائع.
م: ووجه هذا: إنما ينتقض البيع الأول بالرد فمتى لم يرده فما عليه، وقال في التي حلفت بعتق جاريتها إن تزوجت فلاناً فباعتها ثم تزوجت ثم اشترتها: إنها حانثة.
وروي عن ابن القاسم فيمن حلف بحرية أمته إن تزوج فلانة فباعها ثم تزوج فلانة [7/ ب. ص] ثم اشتراها.
فقال ابن القاسم: قد استثقل مالك ما يشبهه ولم يعجبه أن يشتريها ولا بأس بها عندي.
قال ابن المواز: وإنما استثقل شراءها قبل البناء فأما بعده فلا بأس به.
م: ولا فرق بين المرأة والرجل في هذا، وإنما هو اختلاف قول؛ فوجه قوله في المرأة: كأنها إنما كرهت أن يكون لها ذلك الرجل زوجاً حاكماً عليها مستديم التزويج لا عقد

التزويج له فمتى باعت الأمة ثم تزوجته ثم اشترتها حنث فيها؛ لأنها زوجة للمحلوف عليه بعد.
م: ووجه قوله في الرجل: كأنه رأى أن لفظ التزويج إنما يقتضي العقد فإذا عقد النكاح ثم اشترى الأمة [لم يحنث لانقضاء الفعل الذي عليه مثلما لو حلف ألا يكلمها فباع الأمة] ثم كلمها ثم اشترى الأمة، لم يحنث بذلك الكلام.
م: وهذا أقيس والأول أحوط والله أعلم.
قال ابن المواز: ولو حلف بحريتها ألا يشارك فلاناً فباعها ثم شاركه فلا يشتريها وهو شريكه.
م: ويدخلها القول الآخر.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف بعتق عبده ألا يكلم فلاناً فكاتبه ثم كلم فلاناً عتق عليه كمن حلف بعتق رقيقه فحنث أنه يدخل عليه في ذلك المكاتب والمدبر وأمهات الأولاد، وقد قال الرسول عليه السلام:» المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)).

قال ابن القاسم: وإن كاتبه مع غيره كتابة واحدة ثم كلّم فلاناً لم يعتق إلا برضاء صاحبه؛ لأنه لم ابتدأ عتق أحدهما الساعة لم يجز إلا أن يجيز ذلك صاحبه فيجوز.
فصل قال ابن القاسم: فيمن حلف بعتق رقيقه إن فعل كذا فلا ينفعه إن وهبهم لولده الذي في ولايته ولا يبيعهم من أهله أو يهبهم لهم ولكن يبيع من غيرهم بيعاً لأمد السنة.
فيه وقيه العتبية قال أبو زيد عن ابن القاسم: إن تصدق به على ولده وأمهم صدقة صحيحة تحاز عنه فأرجو أن يكون خفيفاً، وإن كان شيئاً يليه بنفسه فهو حانث إن فعل شيئاً مما حلف فيه.
قال عيسى وسحنون وابن المواز: إن تصدق بهم على كبار ولده لم يحنث إن حيزوا، وأما على الصغار فيحنث ولي هو حيازتهم أو جعل من يحوزهم لهم.
وقال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: فيمن حلف بحرية أمته إن باعها فتصدق بها على ابنة له في حجره ثم يبيعها لها في مصالحها؛ قال: إن باعها حنث وعتقت عليه وغرم القيمة لابنته.

فصل ومن المدونة قال مالك: من حلف بحرية شقص له في عبد إن دخل هذه الدار فابتاع باقيه ثم حنث عتق عليه جميعه؛ لأنه حين دخل الدار حنث في الثّقص فإذا عتق ذلك/ الشقص عتق عليه ما بقي من العبد إذا كان يملكه.
قال ابن المواز: لا يعتق عليك بالدخول إلا شقصك الذي كنت تملكه يوم حلفت وأما الذي ابتعت فلا يعتق إلا بحكم أو تعتقه [8/ أ. ص] أنت وليس بأنك حانث فيه، ولكن من باب من أعتق نصف عبده، وكذلك لو ورثت مصابة صاحبك أو وهبه لك ثم حنث فهو كما وصفنا.
قال في المدونة: ولو لم يبتع باقيه حتى حنث عتق عليه شقصه، قوّم عليه شقص شريكه إن كان مليئاً وعتق.
قال ابن القاسم: ولو باع شقصه من غير شريكه ثم اشترى شقص شريكه ثم دخل الدار لم يحنث وهو كعبد آخر.
قال ابن المواز: وإنما يصح جواب ابن القاسم إذا باع مصابته من غير شريكه ثم اشترى مصابة شريكه ثم دخل الدار فهذا لا يحنث، وأما لو اشترى نصيب صاحبه قبل بيع مصابته، ثم باع مصابته من غير شريكه ثم دخل الدار فهاهنا يعتق عليه ما بيده ويقوّم

عليه باقيه؛ لأن الذي باع بعد ما ملك جميعه شائع لا يقدر على تمييزه كما كان قد فعل أولاً، ونحوه عن ابن القاسم في العتبية قال فيها: ولو باع شقصه من شريكه بدنانير ثم اشترى شقص شريكه أو بادله نصيبه بنصيبه ثم دخل الدار لحنث.
ابن المواز وقاله أصبغ.
وقال ابن حبيب عن أصبغ: لا يحنث وهو كما لو باعه من غير شريكه.
وقال ابن حبيب: بل يحنث.
قال ابن المواز قال ابن القاسم: وكذلك لو كانا عبدين بينكما حلفت بحريتهما أن لا تدخل الدار فبعت مصابتك منهما ثم اشتريت مصابة صاحبك؛ فهو كما وصفت لك في العبد الواحد في جميع ذلك، غير أن العبدين إن قاسمته حتى صار لك أحدهما لم تكن يمينك إلا في الذي صار لك وحده.
قال ابن المواز: بل لو حنثت قبل بيعك مصابتك لم أعتق عليك إلا مصابتك إن اعتدلت قيمتها فكانا سواء وتقاسمه بعد حنثك فيعتق عليك العبد الذي صار لك ما لم تكن فيه زيادة ولا نقصان.
م: ويظهر لي أنه إن حنث قبل المقاسمة: أنهما يعتقان عليه ويغرم نصف قيمتها لشريكه إن كان مليئاً؛ لأنه قبل المقاسمة مالك لنصف كل عبد فهو كما لو أعتق نصف كل عبد وهذا أحوط للعتق والله أعلم.

باب

فيمن حلف بالعتق إن فعل أو ليفعلن هو أو غيره ووطء التي فيها عقد يمين وبيعها وكتابتها وإيلادها

قال مالك رحمه الله: ومن حلف بعتق إن فعلت كذا أو لا أفعل كذا فهو على بر ولا يحنث إلا بالفعل ولا يمنع من بيع ولا وطء، وإن مات لم يلزم ورئته عتق، فأما إن قال: إن لم أفعل أو لأفعلن كذا فهو على حنث يمنع من البيع والوطء ولا يمنع من الخدمة، وإن مات قبل الفعل عتق رقيقه من الثلث إن هو حنث وقع بعد الموت.
م: وإنما [8/ ب. ص] كان من حلف: إن فعلت أولاً فعلت كذا على بر؛ لأنه بفعله ذلك الشيء يحنث فدل أنه كان قبل أن يفعله على بر، وأما الحالف: إن لم أفعل أو لأفعلن؛ إنما يبر بفعل ذلك الشيء فدل أنه قبل أن يفعله على حنث، وقد ذكرت في كتاب النذور وجهاً غير هذا وكلٌ صواب إن شاء الله تعالى.

ابن حبيب وقال ابن كنانة: في الحالف بعتق أمته ليفعلن كذا ولم يضرب أجلاً لا أحب له وطأها فيما عسى أن يحنث فيه، وهو كيمينه ليضربن عبده أو لينحرن بعيره؛ إذ قد يموت العبد والبعير والحالف حي فيحنث، فأما ما لا يحنث فيه إلا بموته؛ مثل يمينه ليسافرن أو ليأتين بلد كذا فله أن يطأها؛ لأنها كالمدبرة إنما تعتق بعد الموت.
قال ابن حبيب: فمن أخذ بهذا لم أعبه.
وأما أصبغ فقال: ذلك كله سواء.
وقال عيسى عن ابن القاسم: كل من حلف بالحرية ليفعلن كذا ولم يضرب أجلاً فلا يطأ ولا يبع ولا يهب ولا يتصدق ولا يضرب حتى يفعل، وما ولد للأمة في ذلك دخل في اليمين، وأما لو ضرب أجلاً؛ فله أن يطأ إما الأم وإما البنت ولا يبيع واحدة منهما/ ولا يهب ولا يتصدق حتى يحل الأجل؛ فإن برّ وإلا كانت الأم والبنت حرتين.
قال غيره: وإن مات هو قبل الأجل لم يحنث بعد الموت؛ لأنه على برّ بالأجل، ولو لم يضرب أجلاً عتق في الثلث؛ لأنه كان على حنث.

قال عيسى عن ابن القاسم: وإن فلس قبل أن يفعل فإنهم يباعون؛ كان الدين قبل يمينه أو بعده بخلاف المدبر؛ لأن هذا يقدر على البر فيرجع العتق ولا يستطيع رفع التدبير فهو أضعف من التدبير.
م: قال بعض أصحابنا: ولهذا بدأ بالمدبر في الصحة أو في المرض عند ضيق الثلث على المحلوف بحريته يمين هو فيها على حنث إذا مات ولم يبر.
قال عيسى عن ابن القاسم: وأما الحالف إن فعلت فله البيع والوطء والتصرف فإن حنث وعنده الأم عتقت.
واختلف قول مالك فيما يولد لها بعد اليمين فقال مرة: لا يدخل في اليمين، وقال مرة: يدخل.
واستحسن ابن القاسم أن يدخل ولم يعب القول في الأول.
ابن المواز وقال أصبغ: لا يدخل وإلى هذا رجع ابن القاسم ولا أرى روايته أنه يدخل إلا وهما.
ابن المواز وقال أشهب: وإن حلف بحرية عبده إن عفا عن فلان؛ لم ينفعه أن يبعه ثم يعفو لأن معنى يمينه لأ عاقبنه فهو كالحالف لأفعلن لا كمن حلف إن فعلت.

جارٍ التحميل