الجامع لمسائل المدونةصفحات 861-53

كتاب الضحايا من الجامع

صفحات 861-53

[الباب السادس]

فيمن ذبح أضحية غيره بأمره أو بغير أمره أو غلطا

قال مالك: وليلي الرجل والمرأة ذبح أضحيته أو هديه بيده كما فعل النبي، وقد كان أبو موسى الأشعري يأمر بناته أن يذبحن نسكهن بأيديهن.
قال ابن المواز: لا يذبح له غير إلا من ضرورة أو ضعف قال مالك: وإن أمر مسلماً بذلك من غير عذر فبئس ما صنع، قال: ويجزئه.
قال أبو محمد عبد الوهاب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم استناب علياً رضي الله عنه في نحر الهدايا، ولا فرق بينها وبين الأضاحي.
قال ابن حبيب عن مالك: إذا أمر غيره فذبح له، فإن وجد سعة فأحب إليّ أن يعيد ويذبحها بنفسه صاغراً، وهو من التواضع لله سبحانه.
ومن المدونة: وإذا أمر بذلك ذمياً لم تجزه وأعاد.
وقال أشهب: تجزئه وبئس ما صنع.

م: فوجه قوله: إنها لا تجزئه: فلأنه مشرك كالمجوسي.
ووجه قول أشهب: فلأنه من أهل الذبح كالمسلم.
ومن المدونة: قال مالك: ومن ذبح أضحيتك بغير أمرك، فأما ولدك، أو بعض عيالك، فمن فعله ليكفيك مؤنتها فذلك مجزيء عنك، وأما غير ذلك فلا يجزئك.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: وكذلك إن ذبحها صديقه إذا وثق به أنه ذبحها عنه.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا ذبحت أضحية صاحبك، وذبح هو أضحيتك غلطاً لم تجز واحداً منكما، ويضمن كل واحد لصاحبه القيمة.
قال ابن حبيب: إن عرف بذلك بعد فوات اللحم أجزأت عن ذابحها غلطاً وأدى لصاحبه القيمة، وإن لم يفت اللحم وكان قائماً لم يجزئ واحداً منهما، وخير ربها فإن أخذ اللحم فليبعه، وإن اختار أخذ القيمة لم يجز لذابحها بيع لحمها؛ لأنه ذبحها على أنها نسك.

وقال ابن المواز: إذا كان لحمها قائماً فاختار مستحقها أخذه لم تجز عن واحدٍ منهما، يريد: وله بيع لحمها، قال: وإن أسلمها وأخذ قيمتها، فابن القاسم يقول: لا تجزئ الذابح، ولا له بيع لحمها، وليأكله، أو يتصدق به، وقاله أصبغ.
قال ابن المواز: وهذه من كتب المجالس لم تتدبر.
وأحب إليّ أن تجزئ عن ذابحها إذا اختار ربها أخذ القيمة كعبد أعتقه عن ظهاره فشهد المعتوق بعد ذلك بشهادات وطلق ونكح ثم استحق فأجاز ربه عتقه فإنه يجزئ معتقه وتنفذ شهادته التي كان شهد بها وجميع أحكامه وإن نقضه سقطت تلك الشهادات وأموره ورجعت أموره إلى أمور العبيد، وكذلك أمة أو ولدها ثم جاء ربها فأخذ قيمتها فهي بهذا أو ولد، فكذلك الأضحية/ إن أجازها مستحقها أجزأت عن ذابحها وأخذ قيمتها، وإن اختار أخذها لم تجز عن واحدٍ منهما.
قال ابن المواز: واختلف فيه قول أشهب فقال مرة: تجزئ عن ذابحها ويغرم لصاحبها القيمة كمن ضحى بكبش ثم استحقه ربه.
قال ابن المواز: وذلك إذا أجاز مستحقه ذلك وطلب القيمة، وهو معنى قول أشهب عندي وإن لم يفسره كذلك.
ابن المواز: واختلفا في الهديين المقلدين يخطئ الرفيقان أو غيرهما فينحر كل واحدٍ هدي صاحبه، فروى أشهب عن مالك أنه لا يجزئهما، وروى عنه ابن القاسم

وابن وهب أنه يجزئ عن الذي قلده لا عمن نحره لوجوبه بالتقليد، وبهذا أخذ محمد.
قال أبو محمد: قد قيل في رواية أشهب: إنما روى هديين من الغنم فلذلك قال: لا يجزئ صاحبها؛ لأنها لا تقلد، وقد اختلف في تقليدها.
قال أبو محمد: روي عن بعض أصحابنا في شاتين لرجلين لكل واحدٍ شاة بعينها فذبحهما، ثم اختلطا بعد السلخ أنهما يجزئانهما ولا يأكلان لحماهما وليتصدقا به جميعاً.
م: إنما أجزأتاهما؛ لأنهما بالذبح وجبتا أضحية فأجزأتهما، واختلاطهما بعد الذبح لا يقدح في الإجزاء، وإنما لم يأكلا لحمهما؛ لأن كل واحدٍ قد يأخذ لحم شاة صاحبه فيصير بيعاً للحم أضحيته بلحم أضحية صاحبه، وفارق ذلك اقتسام الورثة للحم أضحية ورثوها؛ لأن كل واحد ورث منها جزءً معلوماً: ثلثاً، أو ربعاً فيأخذه منها، وهو تمييز حق هاهنا لا بيع.
وقال عبد الله ابن عبد الحكم: إذا اختلطت الضحايا فلا بأس أن يصطلحا فيها يأخذ كل واحد كبشاً فيضحي به ويجزئه.

وقال سحنون في العتبية في الرفيقين يشتركان في شراء الشاتين للأضحية فيقتسمانهما، فيقول هذا: خذ أنت هذه فضح بها، وأنا هذه أضح بها فذلك جائز إن استويا في السمانة، وإن لم يستويا كرهت ذلك لأخذ الدنية إلا أنها تجزئه، ولا يأخذ للأفضل شيئاً ولا يعود.
وقال أبو بكر بن محمد: قال غيره: تجزئه؛ لأنها بالقسم وجبت أضحية إذ كان له في كل شاة جزء.
م: قوله: بالقسم وجبت أضحية: مجاز، وإنما تجب الأضحية بالذبح.

[الباب: السابع]

في تفرقة لحوم الأضاحي والأكل منها

ومن كتاب محمد: قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن ليس في الضحايا والبدن التطوع قسم موصوف ولا حد معلوم، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، قال: والقانع: الفقير، والمعتر: الزائر، ولا بأس على الرجل أن لو لم يأكل من ذلك.
قال ابن حبيب: ينبغي أن يأكل منها ويطعم كما قال الله عز وجل، ولو أراد أن يتصدق بلحم أضحيته كله لغنائه عنه كان كأكله إياه كله ولم يتصدق منه بشيء حتى يفعل الأمرين كما قال الله سبحانه، قال: وكذلك قال مالك.
قال ابن المواز: وأحب إليّ أن يتصدق من لحم أضحيته، ولو تصدق به كله كان أعظم لأجره، ولو ادخره كله ولم يتصدق من لحمه ولا صوفه/ ولا قرونه ولا شيء منه لكان جائزاً، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: "كلوا وتصدقوا وادخروا" في حديث مالك.

وقالت عائشة رضي الله عنها: دف أناس من اهل البادية حضرة الأضاحي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي"، ثم قيل له: فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا" وفي الحديث غير هذا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: قدم علينا علي بن أبي طالب من سفر فقدمنا له من لحم الأضاحي فقال: ما أكله حتى سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "كله من عام إلى عام".
قال ابن حبيب: ويستحب أن يكون أول ما يأكل يوم النحر من أضحيته، قاله عثمان رضي الله عنه، وابن المسيب، وابن شهاب، قال ابن شهاب: يأكل من كبدها قبل أن يتصدق منه.

وكره مالك أن يطعم من لحم أضحيته جاره النصراني والظئر النصرانيه عنده، ونهى عنه.
قال ابن القاسم: وقد كان مالك يجيزه ثم رجع عنه، وما يعجبني أن يطعمهم، وما رأيت الناس إلا على تركه إلا أن يكون من العيال، وأما إن أهدى لهم فلا يعجبني.
قال أصبغ: وكان ابن وهب: يخففه، ويرى أن تفسير الحديث: "أن لا تطعموا المشركين من لحوم ضحاياكم" أنه في المجوس، وغير أهل الكتاب، ولهذا كان مالك يخففه، ثم رجع إلى الكراهية.
قال أصبغ: وتركه أحب إليّ على طريق الاستحسان.
قال ابن المواز: وأخبرت عن سعيد بن جبير قال: لا تطعموا اليهود ولا النصارى شيئاً من النسك.

[باب] في سنة العقيقة والعمل فيها

ومن الواضحة: قال مالك: العقيقة سنة، وإن لم تكن واجبة فمستحب العمل بها، وكانوا يكرهون تركها.
قال أبو محمد عبد الوهاب: لقوله صلى الله عليه وسلم: "مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً"،

وقوله: "كل غلام مرتهن بعقيقته تعق عنه يوم سابعه، ويسمى".
قال ابن المواز: وهي مستحبة، وليست واجبة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل".
وقد كانت في الجاهلية فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام.
وإن كان ولد ولدان في بطن عق عن كل واحد بشاة، ولا يجمعهما في شاة واحدة؛ لأن الغرض به إراقة دم، والشركة فيه كأنه أخرج لحماً، فلا يجوز كالأضحية.
قال مالك: والذكر والأنثى في هذا سواء، وقاله ابن عمر.

وروت عائشة رضي الله عنها عن الذكر شاتين وعن الأنثى شاة، وبه أخذ أبو حنيفة، والشافعي.
ودليلنا: أنه عق عن الحسن والحسين كبشاً، كبشاً؛ ولأنه ذبح يتقرب به فلم يفاضل فيه بين الذكر والأنثى، كالأضحية.
قال مالك: وتذبح العقيقة ضحى في اليوم السابع من المولود، وإن ولد نهاراً لم يحسب ذلك اليوم، وإن ولد قبل الفجر حسبت صبيحة ذلك اليوم.
قال: والليلة سابقة لليوم، وإنما تحسب سبعة أيام بليالها.
قال ابن حبيب: ولو عق عنه إلى مثل الحين الذي ولد فيه بعد أن يكون حيناً يذبح فيه نهاراً أجزأه ولم يعد، وإلغاء ذلك اليوم أحب إلينا، وقاله ابن الماجشون، وأصبغ.

قال مالك: ولا يعق بعصفور، ولا بشيء من الوحش، ولا يتقرب إلى الله في هذا إلا بالأنعام، وهي كالضحايا في الأسنان.
قال ابن حبيب: يعق بجميع الأنعام من ضأن أو معز أو بقر أو إبل.
قال ابن المواز: وغيره: لا يعق بالإبل ولا بالبقر، وليعق بالجذع من الضأن والثني من المعز.
قال سحنون- عن مالك-: وبه جاءت السنة.
قال ابن حبيب:/ ويسلك بالعقيقة مسلك الضحايا في اجتناب العيوب، وفي أسنانها، وفي النهي عن بيع شيء منها، ومن ذبح غير شاة العقيقة يريد بها التوسعة، فله بيع جلودها، ولا يبالي فيها بعيب؛ إذ ليست بعقيقة.
قال مالك: وتكسر عظام العقيقة، وكانت الجاهلية تقطعها من المفاصل، ولا تكسرها ويحلقون رأس الصبي، ويجعلون في رأسه من دمها في قطنة فذلك نهى مالك أن يمس الصبي بشيء من دمها خلافاً لهم.
قال أبو محمد عبد الوهاب: يجوز كسر عظامها، لا أنه مسنون ولا مستحب، لكن تكذيباً للجاهلية في تحرجهم من ذلك وتفصيلهم إياها من المفاصل.

قال: وليس على الناس حلاق رأس الصبي والصدقة عنه بوزن شعره ورقاً أو ذهباً، ولا بأس به على من فعله.
مالك: والصبي والصبية في حلق الرأس يوم السابع سواء، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يحلق رأس حسن وحسين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنهم يوم سابعهما ويتصدق بوزن شعرهما فضة، وأن يخلق رأسهما بعد الحلاق بخلوق أو زعفران بدلاً من الدم الذي كان يفعل به في الجاهلية، وروي عن عائشة رضي الله عنهما، وذلك مستحب، وليس بواجب، وكانت الجاهلية يجعلون في رأس المولود شيئاً من دم العقيقة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل مكان الدم خلوقاً.
ولا يسمى المولود إلا في اليوم السابع لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك.
ومن فاته أن يعق في السابع فلا يعق في أسبوع ثانٍ، وقيل: يعق في الثاني، فإن فاته ففي الثالث، فإن فاته فلا يعق في الرابع، قاله ابن وهب عن مالك، وروى مثله

عن عائشة رضي الله عنها، واختاره ابن عبد الحكم.
قال ابن حبيب: وأهل العراق يعقون عن الكبير.
وقال مالك في سماع أشهب: لا يعق بعد السابع، ولا عن كبير، وهؤلاء الصحابة الذين لم يعق عنهم ما عقوا عن أنفسهم.
قال أبو محمد عبد الوهاب: هذا أقيس لفوات الوقت المقدر له بالنص كالأضحية.
قيل لمالك: فيعمل منها الطعام الطيب ويدعى إليه؟ قال: ما رأيتهم عندنا يفعلون ذلك، إنما يقطعونه ويأكلون منه ويطعمون ويبعثون إلى الجيران، ولا بأس أن يطعم نيئاً، وغير نيء، وذلك واسع، فإن شاءوا أن يطعموا طعاماً صنعوا من غيرها، ودعوا إليه الناس.
ومن مات ولده قبل السابع فلا عقيقة عليه، ولا تسمية عليه فيه.
قال ابن وهب: فذكر له الحديث في السقط يقول لأبيه يوم القيامة تركتني بغير اسم، فلم يعرفه.

قال ابن حبيب: وأحب إليّ إن مات قبل السابع أن يسمى، وكذلك السقط يسمى، لما روي من رجاء شفاعته.
والله أعلم.
قال معن عن مالك: إذا كان سابع ولده يوم الأضحى، وليس عنده إلا شاة، قال: يعق بها.
قال العتبي، وابن حبيب: إلا أن يكون يوم السابع آخر أيام النحر فليضح بها؛ لأن الأضحية أوجب.
قال ابن المواز: قيل لمالك: أيعق العبد عن ولده الحر ويضحي عنه؟ قال نعم: إذا أذن له سيده، وإلا فلا.
قال مالك- في غير ديوان-: إن الذبيح إسحاق.
قال ابن حبيب: إن الذبيح إسماعيل.
وها قول العراقيين.
والله عز وجل أعلم.

[باب] في الاختتان والخفاض وإتيان الولائم

والختان سنة مؤكدة في الذكور والإناث، لقوله صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة" فذكر "الختان"، والفطرة: هي السنة.
قال ابن حبيب: لم يكن الختان قبل نبي الله إبراهيم عليه السلام، وهو من ملة الإسلام، قال الله تعالى: "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل"، وأمر الله سبحانه بذلك إبراهيم عليه السلام، ونسخ به ما تقدم من ترك الاختتان وكل طاعة لله تعالى في وقته، فاختتن صلى الله عليه وسلم بالقدوم، وهو ابن عشرين ومائة، وعاش بعد ذلك

ثمانين سنة.
قال مالك: والاختتان من الفطرة، ومن تركه من غير عذر ولا علة لم تجز إمامته ولا شهادته.
قال ابن شهاب: ولا يتم إسلام من أسلم حتى يختتن.
قال ابن المسيب: كان إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وقص شاربه، وقلم أظفاره، ونتف إبطه، وحلق عانته، وفرق شعره، وأول من استاك،/ وضاف الضيف، وأول من رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟ قال: وقار، قال: رب زدني وقاراً.
وقال عطاء بن أبي رباح: عشر خصال من السنة فطر عليها إبراهيم، خمس في الرأس: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وفرق الرأس.
وفي الجسد خمس: قص الأظفار، ونتف الإبط، والاستحداد، والختان، والاستنجاء.

وروي عن الحسن: أنه تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
وروي أن إبراهيم ختن إسماعيل: ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق: ابن سبعة أيام.
وروي أنه أطهر للمولود وأعفى من الآلام، يريد: العلة، والمرض والعبث.
وكره مالك الختان يوم يولد الصبي، وفي يوم سابعه، وقال: هو من فعل اليهود، ولم يكن من عمل الناس إلا حديثاً، وكان لا يرى بأساً أن يفعل، لعلة يخاف على الصبي.
قال مالك: وحد الختان من يوم يؤمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر.
ابن حبيب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء".

قال يحي بن سعيد، وربيعة: والخفاض كالختان في الرجال في إلزامه؛ لأنه لا يقطع من أحدٍ شيء لا يلزمه، وكذلك هما في حلق العانة ونتف الإبط، وقاله كله مالك: وقال: إن إبراهيم عليه السلام أمر سارة أم إسحاق أن تفعله بها أم إسماعيل وكانت أمة لها وهبتها لإبراهيم عليه السلام، ثم غارت منها فحلفت لتغيرن منها ثلاثة أشياء، فأمرها إبراهيم أن تثقب أذنيها وتخفضها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم عطية- وكانت تخفض-: "يا أم عطية أشمي ولا تنهكي؛ فإن ذلك أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج"، يقول: لا تبالغ في القطع، ولكن تخفف، وقوله: "أسرى للوجه" يقول: أشرق وأنظر، وأكثر لماء الوجه ودمه، وإذا بالغت في القطع أذهب ماء وجهها، وأمات لونها.
وقوله: "أحظى عند الزوج" يقول: أحسن في جماعها.
وروي أن علي بن ابي طالب كره أن تخفض حتى تبلغ سبع سنين.

وليس من الشأن الإطعام عند مالك، بل الشأن عند الناس ستره وإخفاء ذكره.
وأما ختان الذكر فكانوا يدعون إليه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يدعى إليه، وكان ابن عمر يدعو إليه، وإلى الولادة، وكذلك: نافع بن جبير بن مطعم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا وليمة إلا في خرس أو عرس أو إعذار"، فالعرس: البناء بالزوجة، والخرس: نفاسها، والإعذار: ختان المولود، يقال: أعذرت الغلام؛ فهو معذور: إذا ختنته، وطعام ذلك: عذيرة، وزيد في ذلك: طعام العشيرة، والنقيعة، فالعشيرة: الطعام الذي يبعث به لأهل الميت.
مالك: ويكره أن يرسل لمناحة.
والنقعية: طعام الإصلاح، كانت تفعله العرب في النائرة تقع بين القبيلتين

فتأتي قبيلة أخرى تصلح بينهم، فتنحر البقر، ويقدم الطعام بعد الصلح.
قال محمد بن عبد الله: وقولي: ومن لمدونة في كتاب المختلطة مجاز، لشهرة اسم الديوان به.
تم كتاب الضحايا والعقيقة من الجامع لابن يونس، بحمد الله وعونه وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كتاب الجهاد

في فرض الجهاد وفضائله والرباط فيه قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [الأنفال:39] وقال في أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة:36] إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
قال سحنون: فالجهاد فرض على جميع المسلمين

يحمله بعضهم عن بعض لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:122] وموضع الدليل في الآية؛ أنه جعل طائفة للتفقه، وأخرى للجهاد، والطائفة غير معلومة، فحصل الجهاد على غير معين، وهذا صفة الفرض على الكفاية إذ هو غير مختص بالأعيان.
قال عبد الوهاب: وأصله من السنة أيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم- «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها» وفيه أخبار كثيرة.
ولا خلاف بين الأمة في وجوبه، وهو من فروض الكفايات دون الأعيان؛ فمن قام به سقط الفرض عن الباقين.
ووجه القيام به: أن تحرس الثغور وتعمر وتحفظ بالمنعة والعدد.

قال سحنون: وكان الجهاد في أول الإسلام فرضاً على جميع المسلمين لقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:41] وقوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة:120]. قال ابن زيد: فنسخ ذلك لما كثر المسلمون بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ وبقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:122] قال: والثقيل من له ضيعة والخفيف من لا ضيعة له.

قال: وإذا نزل العدوم بقوم ففرض عليهم قتالهم إذا كانوا مثلى/ عددهم فأقل لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾.
وإذا وقع النفير ورجل معتكف فإن حل بموضعه مالا قوة/ لمن حضر على دفعه خرج ثم ابتدأ إن رجع.
وقال مالك: يبني.
ولا ينفر العبد ولا المكاتب ولا من بقية رق بغير إذن سيده إلا من هو في نفير فغشيهم مالا قوة لمن حضر به فلينفر بغير إذن السيد وقاله الأوزاعي.
قال سحنون: ومن عليه دين قد حل وعنده به قضاء فلا ينفر ولا يرابط ولا يعتمر ولا يسافر حتى يقضيه، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «مطل الغني ظلم» وإن كان دين لم يحل أو

لا وفاء له به فله أن ينفر، ولا أحب لمن له والدان أن ينفر إلا بإذنهما أن ينزل بمكانه من العدو ما لا طاقة لمن حضر على دفعه فلينفر إليهم بغير إذنهما.
ولو نزل ذلك بساحل بغير موضعه ولا غوث عندهم أو كان الغوث بعيداً منهم فلينفر إليهم بغير إذن الأبوين.
قال عبد الوهاب: والأصل في ذلك قوله -عليه السلام-: «إذا كان العدو عند باب البيت فلا تذهب إلا بإذن أبويك».
ولأن طاعتهما من فروض الأعيان فهي أولى من فروض الكفايات.
وأما إذا تعين الفرض عليه فلا يمنع لأن منعهما له غير جائز لهما كمنعهما إياه من الصلاة والصوم الواجبين.
فصل ومن كتاب ابن سحنون وابن حبيب روي أنه قيل: يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيل الله».
وفي حديث آخر: «وحج مبرور».

وروي أن الصحابة -رضي الله عنهم- قالوا يا رسول الله: وددنا لو علمنا أفضل الأعمال، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾.
[وقال -عليه السلام- لرجل: «لو قمت الليل وصمت النهار ما بلغت نوم المجاهد».
وفي حديث آخر: «ما بلغت غبار شراكه».
وفي حديث آخر: «ما بعد الصلاة المكتوبة أفضل عند الله من الجهاد».
وقال: «مثل المجاهد كالصائم حتى يرجع إلى أهله».

وقال ابن عمر: لأن أقف موقفاً في سبيل الله مواجهاً للعدو ولا أضرب بسيف ولا أطعن برمح ولا أرمي بسهم أفضل من أن أعبد الله ستين سنة لا أعصيه.
وروى أبو هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الموقف ساعة في سبيل الله أفضل من شهود ليلة القدر عند الحجر الأسود».
وقال: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها».
وقال لرجل له ستة آلاف دينار: «لو أنفقتها في طاعة الله لم تبلغ غبار نعل المجاهد».

وقال: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار».
وروي: «أنه لم يكن يتلثم من الغبار في سبيل الله».
وكره مكحول التلثم في سبيل الله.
وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «غزة بعد حجة الإسلام خير من ألف حجة ومن صيامها وقيامها».

قال ابن القاسم: وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- «ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر».
وروي عنه في الموطأ أنه قال: «تكفل الله عز وجل لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة».
وفضائل الجهاد كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية.
فصل روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «رباط ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقوم ليلها لا يفتر ويصوم نهارها لا يفطر».

وقال: «من رابط فوق ناقة حرمه الله على النار».
وقال ابن حبيب قوله: «فواق ناقة» هو قدر ما تحلب.
وقال أبو هريرة: لحرس ليلة أحب إلي من صيام ألف يوم أصومها وأقوم ليلها في المسجد الحرام وعند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وروي في الرباط من الرغائب كثير.
قال ابن حبيب: وهو شعبة/ من شعب الجهاد، وبقدر خوف أهل ذلك الثغر وتحرزهم من عدوهم يكون كثرة ثوابهم.
وقال ابن عمر: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحق دماء المسلمين، وحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين.

وقيل: إنما هذا حين دخل في الجهاد ما دخل.
قال عمر: اغزوا ما دام الغزو حلواً خضراً قبل أن يكون مراً عسراً ثم يكون ثماماً ثم يكون رماماً ثم يكون حطاماً فإذا انتاطت المغازي وكثرت الغزائم واستحلت الغنائم فخير جهادكم الرباط.
والتمام: الرطب من النبات، والرمام: اليابس، والحطام: الذي ينكسر ويتحطم وقوله: انتاطت: يعني تباعدت، وقوله: العزائم: يريد حمل السلطان شدة الأمر عليهم، والعزم فيما يشق عليهم لبعد المغزى وقلة عونه عليهم وغير ذلك.
وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تمام الرباط أربعون ليلة».
وروي «إذا نزل العدو بموضع فهو مرابط أربعين سنة».
قال أبو محمد: هذا والله أعلم على الترغيب في الرباط.

وقد ضعف مالك أمر جدة إذ كان إنما نزل العدو بها مرة، وينبغي لكل قوم أن يرابطوا في ناحيتهم ويمسكوا سواحلهم إلا أن يكون مكاناً مخوفاً يخاف فيه على العامة؛ يريد: فليذهب إليه.
وسئل مالك عن سكان الثغور والسواحل بالأهل والولد؟ قال: ليسوا بمرابطين، وإنما الرباط لمن خرج من منزله معتقداً للرباط في موضع الموت.
فصل قال ابن حبيب: وجاءت الرغائب فيمن أنفق في سبيل الله أو أعان بماله.
قال: ونفقة الخارج أفضل.
قال: زيد بن أسلم.
في نفقة الخارجين: كمثل حبة أنبتت سبع سنابل.
وقال فيمن يقرون من خرج ولا يخرجون: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.

قال ابن حبيب: ولم يختلف العلماء في كراهية المسألة للغازي كان غنياً أو فقيراً والفقير يجلس ولا يتكلف مالا يطبق، قال: وما أعطى الغازي من غير مسألة فأكثر العلماء لا يرون بأخذه بأساً فإن احتاج إليه أنفقه وإلا فرقه في سبيل الله، وقالت طائفة: أفضل له أن لا يأخذه، وقبول الفقير لذلك أفضل من تركه فما فضل له بعد فعله فرقه في السبيل.
فصل قال ابن حبيب وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لو أن هذه الأمة انتهت عندما أمرت لأكلوا غير زارعين؛ لأن الله جعل أرزاقها في سنابك خيلها وأسنة رماحها».
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله جعل رزقه في ظل رمحه ولم يبعثني تاجراً ولا زارعاً وإن من أشرار عباد الله التجار والزراعيين إلا من شح على دينه».
وقال عمر: (من زرع فامحه من الديوان فإن هذه الأمة جعلت أرزاقها في أسنة رماحها ما لم يزرعوا فإذا زرعوا كانوا من الناس).

وقال بعض الصحابة: إذا أدركت زماناً يغزو فيه الفقراء ويقعد فيه الأغنياء ويرغب الناس في الزرع والضرع فأولئك الذين يدلسون دين الله.
في الدعوى قبل القتال وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بدعوة أهل الكفر قبل القتال.
وروى مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين خرج إلى خبير فأتاها ليلاً وكان إذا جاء قوماً ليلاً لم يغز حتى يصبح فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا: محمد والله محمد والخميس فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين».

ومن كتاب ابن حبيب: روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أن يدعو إلى الإسلام والصلوات الخمس وصوم الشهر وحج البيت والزكاة فإن أجابوك وإلا فقاتلهم.
وأمر الصديق خالداً أن يقاتل من أبى واحدة من هذه الخمس منها الشهادة.
وروى ابن وهب أن علياً ابن أبي طالب -رضي الله عنه- لم يكن يقاتل أحداً من العدو حتى يدعوهم ثلاث مرات.
وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك.
ومن المدونة قال مالك -رحمه الله-: ولا يقاتل المشركون حتى يدعوا ولا يبيتوا حتى/ يدعوا إلى الله ورسوله فيسلموا أو يعطوا الجزية.
قال: وكذلك إن أتوا إلى بلادنا.

وفي المستخرجة قال أصبغ: وبلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب ألا تقاتلوهم حتى تدعوهم فإنا إنما تقاتلوهم على الدين فإنه يخيل إليهم وإلى كثير منا إنما تقاتلوهم على الغلبة فلا تقاتلوهم حتى تبينوا لهم.
قال ابن المواز: وقال ابن نافع: إنما كانت الدعوة قبل ظهور الإسلام يقول: قبل أن يفشو وينتشر.
قال: وقد أغار النبي -صلى الله عليه وسلم- على بني المصطلق وهو غارون، وبعث في قتل ابن الحقيق وابن الأشرف، وصاحب بن الحيان، غيلة.
وبه احتج يحيى بن سعيد.

ومن المدونة وقال أيضاً مالك بن أنس: أما من قربت داره منا فلا يدعو لعلمهم بالدعوة ولتطلب غرتهم أي غفلتهم وأما من بعدت داره وخيف أن لا يكونوا كهؤلاء فالدعوة أقطع للشك.
ونحوه عن ربيعة.

وقال يحيى بن سعيد: لا بأس بابتغاء غرة العدو بالليل والنهار لأن دعوة الإسلام قد بلغتهم إلا من ترجى إجابته من أهل الحصون فلابد من الدعوة.
وقيل لأصبغ في المستخرجة: أرأيت من دعي إلى الإسلام أو الجزية فأبوا فقوتلوا على هذا مراراً يدعو كلما غزوناهم؟ قال: أما الجيوش الغالبة الظاهرة فلا يقاتلوا قوماً ولا حصناً حتى يدعوهم لأنهم لم يخرجوا لطلب غرة ولا لانتهاز فرصة وإنما خرجوا ظاهرين قاهرين، وأما السرايا وشبهها التي تطلب الغرة وتنتهز الفرصة فلا دعوة عليهم لأن دعوتهم إنذار وتجليب عليهم مع ما في الدعوة من الاختلاف وقد قال جل الناس: إن الدعوة قد بلغت جميع الأمم.
قال ابن سحنون: اختلف في الدعوة على ثلاثة أوجه: فقيل: لا تلزم في كل أحد لبلوغ الدعوة وقاله الحسن وغيره.

وقيل: واجبة في كل أحد بعدت داره أو قربت وقاله عمر بن عبد العزيز ومالك وأكثر العلماء.
وقال ابن الماجشون: لا دعوة فيمن قرب منا مثل المصِّيصة ودبسة وطرطوس ويدعى من بعد.

جارٍ التحميل