[الفصل -2 -
في الدار تنهدم كلها أو ما يمنع السكنى فيها ثم يبنيها ربها
فهل يلزم المكتري الرجوع إليها؟]
قال ابن المواز: وإذا انهدمت الدار وما يمنع السكنى من الهدم فخرج المكتري منها إلى غيرها ثم يبنيها ربها فلا يصلح الرجوع وإن رضيا.
وكذلك الدابة تمرض في الطريق فيتركها ويكتري غيرها فقد وجبت المحاسبة، ولا يصلح الرجوع إليها وإن صحت.
م/: يريد: لأن بقية الكراء صار ديناً على رب الدابة فلا يصلح أن يدفع فيه كراء دابة، أو سكنى دار، وإن لم ينتقد الكراء جاز أن يتراضيا بسكنى ما بقي إذا علما ما يخص ما بقي من الكراء.
ابن المواز: قال أصبغ: إلا أن يكون بناء الدار وإصلاحها في مثل الأيام اليسيرة مما لا ضرر فيه على المكترى فيلزم منه ما بقي، وفسخ ما بين ذلك.
قال ابن ميسر: يريد أصبغ: في العمارة، لا في هدم البناء من أصله.
م/: قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين: هدم بعض الدار على ثلاثة أضرب: هدم لا يضر، أو فيه ضرر يسير، أو ضرر كثير، فما لا يضر كالشرفات ونحو ذلك، فهذا لا كلام فيه للمكتري، ولا يسقط عنه لذلك شيء من الكراء.
وأما ما فيه ضرر يسير وفيه منفعة للمكتري فهاهنا يسقط عنه من الكراء بقدر ذلك، كالاستحقاق اليسير من المبيع.
وأما الذي انهدم، وفيه ضرر كثير للمكتري رد الدار، وإن شاء سكن وودى جميع الكراء.
ولا يجوز أن يسكن ويودي بحساب ما بقي، وإن رضي؛ لأن ما يخص ذلك مجهول.
م/: وهذا الذي ذكر خلاف ما قال سحنون وابن حبيب: أن له أن يسكن فيما بقي، ويحط عنه من الكراء بقدر ما انهدم، أو يفسخ إذا كان الهدم مما يضر بالمكتري.
والأول جار على قول ابن القاسم في استحقاق بعض السلع بأعيانها مما فيه ضرر على المشتري ويوجب له الفسخ.
فقد قال ابن القاسم: لا يجوز له الرضى بما بقي؛ لأن حصة ذلك مجهولة، وهو قد وجب له الفسخ، فصار الرضى به كبيع مؤتنف بثمن مجهول.
وابن حبيب وغيره يوجب له الرضى بما بقي؛ لأن البيع الأول قائم بينهم، وإنما يرجع بحصة ما استحق، فكذلك الحكم في هدم ما يضر بالمكتري، كاستحقاق ما يضر بالمشتري، أو يحدث به عيباً، وبالله التوفيق.
ومن كتاب الجعل: وإذا انهدم من دار أو حمام ما أضر بالمكتري في السكنى أو منعه العمل فقال المتكتري: أنا أفسخ الكراء.
وقال ربها: بل أصلح لك، ولا أفسخ.
فالقول قول المكتري.
وقال ابن حبيب: إن كان يصر بالمكتري في تأخيره إلى إصلاحه فله الفسخ، وإن لم يكن ذلك مضراً ألزمه الكراء، وقيل للمكري: عجل البناء والإصلاح، والأمر في ذلك مختلف.
فأما الدار إذا انهدم منها يسير لا يمنع من سكنى سائرها فلا فسخ له، وإن انهدم أكثرها حتى يضر إلى الرجلة منها فله الفسخ إن شاء.
[الفصل -3 -
فيما بوجي الفسخ في انهدام الحمام والرحى]
وأما الحمام فما انهدم منه من قليل أو كثير فهو مانع من جميعه، فإذا قال ربه: أنا أبنيه وأرمه فلا يوجب ذلك الفسخ إن كان يمكنه ذلك في مثل الأيام، والشهر، والوجيبة سنة، وكذلك الرحى ينهدم بيتها، أو ينخرق سدها، أو ينكسر بعض أداتها وهو أوسع في الحمام والرحى من الدار التي يسكنها المرء بعياله، وهذا شأن الإرحاء فيما ينخرق من سد وينهدم من بيت، ولو كان يفسخ كراؤها كلما اعتلت ببعض ذلك ما تم فيها كراء أبداً، ولكن إذا ادعى ربها إلى إصلاحها فأجابه إلى ذلك لزم المكتري الوجيبة ما لم يطل حتى يذهب أكثر الجيبة فيفسخ في هذا.
قال: ولا يفسخ في غلقها لقلة الماء أو لكثرته، ومتى ما عاودها الماء، أو أغلقت من استقذاره في بقية الوجيبة لزم الكراء في بقيتها، كقول مالك في الأجير يمرض ثم يفيق ويسقط ما تعطل فيه هذا.
وهذا القول فيما تعطل من الحمام والرحى قول المكتري مع يمينه؛ لأنه كالمرتهن.
[الفصل -4 -
في عدم إلزام رب الدار أن يصلح ما انهدم منها]
قال: وإذا انهدم الدار، أو بيت منها، أو جدار فلا يجبر ربها على البناء وهو مخير إن شاء بنى ولزم المكتري السكنى بقية الوجيبة، وإن لم يشأ البناء قيل للساكن: إن شئت فاسكن فيما بقي من الدار ويحط عنك قدر ما نقص الهدم من منافعك، وإن شئت فاخرج إذا كان ما انهدم مضراً به في سكناه أو منتقصاً من عدة مساكنها.
وإن قال المكتري: أنا أبني ما انهدم من كرائها فليس ذلك له إلا برضى ربها، وإن قال أنا أصلح من مال نفسي، فليس لرب الدار منعه، فإذا تمت الوجيبة، وكان الإصلاح بأمر ربها فعليه له قيمة ما عمر قائماً.
قال أبو محمد: يريد في قوله: لا في قول ابن القاسم.
قال ابن حبيب: وإن أصلح بغير إذن ربه وقد أذن له السلطان في ذلك حسن طلبه، فلربه أن يعطيه قيمته منقوصاً أو يأمره بقلعه.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا انهدمت الدار وكان الهدم مما يضر بالساكن فيها فهذا يفسخ به الكراء وإن بناها ربها في بقية الوجيبة، إلا أن يرضى الساكن أن يتشبث بما بقي إذا بقي أكثر الدار ويحط عنه كراء ما انهدم فذلك له، أو يكون الساكن أمره بهدمها وإصلاحها ليسكن إذا تم، فلا فسخ له.
[الفصل -5 -
فيما إذا انهدم من الدار ما ليس فيه ضرر على المكتري]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا لم يكن فيما انهدم ضرر على ال مكتري، ولم يبنه رب الدار لزم المكتري السكنى وجميع الكراء، ولا يوضع عنه من الكراء شيء لذلك.
قال في رواية سليمان بن سالم: إلا أن يكون فيما انهدم سكنى ومرفق فيحط عنه بقدره.
قال ابن القاسم: وانهدام الشرفات لا يضر بسكنى المكتري، وإن أنفق فيها كان متطوعاً لا شيء له.
يريد: إلا أخذ النقض، فله أخذه إن كان ينتفع به.
ومن اكترى داراً فانهدمت، وربها غائب فليشهد المكتري على ذلك، ولا شيء عليه، ولا عذر ينقض به الكراء إلا هدم الدار، أو ينهدم منها ما يضر بالسكنى، فللمكتري أن يتركها إن أحب وكذلك إن خاف أن تسقط عليه، وكان البنيان مخوفاً فله أن يناقضه، وليس له أن يصلح من كرائها، وأما من اكترى أرضاً ثلاث سنين فزرعها، ثم غارت
عينها أو انهدمت بئرها، وأبى رب الأرض أن ينفق عليها فللمكتري أن ينفق عليها حصة تلك السنة خاصة من الكراء ويرزم ذلك ربها، وإن زاد على كراء سنة فهو متطوع.
وكذلك من أخذ نخلاً مساقاة فغار ماؤها بعد أن سقى، أن له أن ينفق فيها قدر حصة صاحب الحائط من الثمرة سنته تلك، لا أكثر، والفرق بينها وبين الدار تنهدم أن الدار لا نفقة للمكتري فيها، فليس له أن يصلح من كرائها، والذي زرع أو ساقى قد تقدمت له نفقة فيما عمل، وفي نفقته إحياء لزرعه، ولو لم يزرع، ولا سقى النخر حتى غارت العين، أو انهدمت البئر لم يكن للمكتري أن ينفق فيها شيئاً وصارت بمنزلة الدور.
[مسألة: في المكتري يبني الدار إذا انهدمت وربها غائب]
ومن العتبية قال ابن القاسم: فيمن اكترى داراً سنة، فسكن منها شهرين، ثم انهدمت، فبناها بما عليه من الكراء، وصاحبها غائب، ثم قدم بعد تمام السنة، فله من الكراء حصة ما سكن المكتري قبل الهدم، وله كراء العرصة بعد الهدم، وليس للمكتري إلا نقض بنيانه، إلا أن يعطيه ربها قيمته منقوضاً.
[الباب الثامن]
في اختلاف المتكاريين في الدور وبناء المكتري فيها بإذن ربها أو بغير إذنه وبناء الزوج في دار زوجته والتداعي في ذلك
[الفصل -1 -
في اختلاف المتكاريين في قدر كراء الدور]
قال ابن القاسم: وإذا قال رب الدار: أكريتك سنة بمائة دينار، وقال المكتري: بمئة إردب حنطة، تحالفا وتفاسخاً، كالبيوع، وكذلك لو سكن المكتري أياماً، أو شهراً، أو شهرين، أو أكثر السنة ثم اختلفا، تحالفا، ويبدأ رب الدار باليمين، ويفسخ الكراء كله، ويأخذ رب الدار فيما مضى كراء المثل، وكذلك لو قال رب الدار: أكريتك السنة بعشرة، وقال المكتري: بدينار، وقالا جميعاً ما لا يشبه، وقد سكن، أو لم يسكن فهو كما ذكرنا.
ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: وإذا اختلف رب الدار ومكتريها في قلة الكراء وكثرته، أو قال: هذا بدنانير، وهذا بطعام، واتفقا في المدة، قد سكن بعض السنة،
أو لم يسكن، فإنما يتحالفان ويتفاسخان، ويفسخ ما بقي، وعليه فيما سكن بحساب ما أقر به الساكن.
م/: وهذا خلاف ما قاله في المدونة؛ لأنه إذا قال: هذا بطعام، وهذا بدنانير، إنما يكون عليه فيما سكن كراء المثل؛ لأنهما اختلفا في نوع الكراء، وكذلك إن أتيا في العين بما لا يشبه، ولم يراع ذلك في كتاب محمد، ولم يجعل على الساكن إلا على حساب ما أقر به؛ لأنه قبض ذلك، وسكن، وفات، فلا يكون عليه إلا قدر ما أقر به.
وما قاله في المدونة هو الاصل فاعتمد عليه.
قال بعض فقهاء القرويين: ويدخل هذا الاختلاف في السلم، لو ادعى أنه أسلم إليه سلعة في عشرة أرادب قمحاً، وقال المسلم إليه: بل في شعير، واختلفا، وقد فاتت السلعة، فليحلف وليدفع إليه الشعير الذي أقر به.
وقال القول الآخر يتحالفان، ويرد إليه قيمة السلعة كما رد قيمة السكنى، وهو أصوب.
[الفصل 2 - في اختلاف المتكاريين في مدة الكراء]
قال في كتاب محمد: ولو نقده ثلاثة دنانير وقال: هي عن السنة كلها، وقال رب الدار: بل أكريتك السنة بستة دنانير وقد سكن ستة أشهر فليتحالفا، ويفسخ ما لم يسكن، وتقسم الثلاثة على السنة فيقع لما سكن دينار ونصف، ويرد ديناراً ونصفاً، والقول فيما مضى قول الساكن مع يمينه؛ لحيازته لما سكن.
وكذلك لو سكن السنة كلها ثم
اختلفا في الكراء لكان القول قول الساكن، ولا يكون عليه إلا من أقر به مما نقده، وكذلك لو لم ينقده؛ لأنه قد حاز سكناه، وصار مدعى عليه فلذلك كان القول قوله:
قال بعض فقهاء القرويين: وهذا إذا أتى بما يشبه، وإن لم يأت بما يشبه وأتى المكتري بما يشبه لكان القول قوله مع يمينه، وغرم له المكتري جميع ما ادعى، ولو لم يأتيا جميعاً بما يشبه تحالفا، وكان على المكتري قيمة ما سكن.
قال: ولو نقده نصف الكراء، وسكن نصف السنة، فقال: إنهما يتحالفان ويتفاسخان، ويكون للمكتري نصف ما أقر به المكتري.
قال: ولو لم يتفاسخا بعد التحالف، وكانت الدار مما تنقسم بغير ضرر على المكتري في سكناه نصفها، أعطاه المكري نصفها بنصف الكراء الذي انتقد؛ لأن القول قوله فيما حاز من النقد، فهو يقول: بقية السكنى لم أدفعه، وقد قبضت بعض ثمنه فادفع السكنى بقدر ما أقررت، وإن كان على الساكن في أخذه نصف الدار ضرر فسخت بقية السكنى، ورد المكري نصف ما قبض.
قال محمد: ولو اختلفا في المدة فقال الساكن: اكتريت سنة بستة دنانير، وقال رب الدار: بل تسعة أشهر بستة دنانير، وقد نقده ثلاثة دنانير، وسكن ستة أشهر، ولم يختلفا في النقد، ولا في السكنى فليتحالفا، ويفسخ ما بقي مما لم يسكن، ويقسم ما انتقد على قول رب الدار، وما لم ينتقد على قول الساكن، فيقع لما سكن من النقد ديناران، ومما لم ينقد دينار ونصف، فيدفع الساكن لرب الدار نصف دينار، فيصح له في السنة الأشهر التي سكن ثلاثة دنانير ونصف.
قال ابن المواز: وإنما قسمت النقد على قول رب الدار؛ لأنه قد حازه ولو قال: لم أكرك إلا ما سكنت بما قبضت لكان القول قوله، ولأن الساكن هاهنا مدع على صاحب الدار؛ لأنه يقول: إنما لك فيما نقدتك عن ما سكنت دينار ونصف، وصاحب الدار يقول: بل لي مما انتقدت ديناران فهو مطلوب في النصف دينار، فيكون القول قوله.
م/ يريد: والساكن أيضاً يقول لك علي مما لم أنقد دينار ونصف، ورب الدار يقول: ديناران، والساكن هو المطلوب، فيكون القول قوله.
قال ابن المواز: إنما تجعل أبدا القول قول المتبوع، كان المكري أو المكتري.
م/: وفي لفظ هذه المسألة في كتاب ابن المواز والنوادر إشكال، وقد تعلق به بعض أصحابنا وقال: ليس على الساكن فيما سكن إلا الثلاثة دنانير التي نقد؛ لأنه يقول: ليس علي فيما سكنت إلا ثلاثة دنانير، وقد نقدتها، فهو المطلوب في الزائد، فيجب أن يكون القول قوله، ولم يراع هذا القائل النقد في شيء من ذلك.
م/: وقد اتفق حذاق أصحابنا على ما قدمت لك.
ومن الدليل على صحة قولنا: أنا قد اتفقنا، ومن خالفنا أنهما لو اختلفا وقد نقده جميع الكراء فقال المكري: أكريتك تسعة أشهر بستة دنانير، وقال المكتري: بل سنة بستة دنانير، وقد سكن ستة أشهر ونقده السنة كلها أنهما يتحالفان ويتفاسخان في بقية المدة على قول ابن القاسم، وتقسم الستة دنانير على ما سكن، وما لم يسكن على قول رب الدار؛ لأنه انتقد، وهو المطلوب فيقع للستة الأشهر المسكونة أربعة دنانير، فيأخذها رب الدار مما انتقد ويرد دينارين، ولو كان لم ينقده شيئاً لقسمت الستة دنانير على السنة كلها التي ادعى كراءها المكتري؛ لأنه لم ينقد فهو المتبوع، فيقع على ذلك لما سكن ثلاثة
دنانير، فيدفعها الساكن، ولا يكون عليه غيرها، ولا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وإن كان إنما نقد النصف، وبقي النصف، فيجب أن يكون لكل نصف حكم جميعه، فاجعل للنصف المنتقد حكم ما لو نقد الجميع، وكما لو قال: هو جميع الكراء فيجب له منه ديناران، واجعل للنصف الذي لم ينتقد حكم ما لو لم ينتقد الجميع، وكما لو قال: هو جمع الكراء فيجب منه دينار ونصف، فجميع ذلك ثلاثة دنانير ونصف، وهذا بين لا يسع خلافه، وهو أصلنا في اختلافهما في المسافة في مسألة برقة وإفريقية، وقد بلغا برقة أنك تراعي النقد من غيره، وهو بخلاف اختلافهم في ثمن الكراء، قد قال ابن القاسم: في مسألة اختلافهما في الكراء بأيلة أن القول قول المكتري، وكذلك بينه ابن المواز قبل هذه المسألة وقال: القول قول المكتري فيما يخص ما سكن من النقد وما لم ينقده.
م/: لأن ما نقدهما متفقان أن الذي يخص ما سكن منه كذا؛ لأنهما لم يختلفا في المدة، وما لم ينقده فالمكتري مدعى عليه فيه فلا يلزمه إلا ما أقر به، فصار القول في الوجهين النقد باتفاقهما عليه وما لم ينقد؛ لأنه غارم، وفي اختلافهما في المدة حصة ما سكن من النقد هما مختلفان فيه فالقول قول جائزه؛ لأنه يقول: بعت سلعة وقبضت ثمنها فالمشتري مدعى عليه أنه قبض أكثر من ثمنها، وأما فيما لم ينقده فالمشتري يقول: اشتريت سلعة وأفتها، والبائع يدعي علي زيادة في ثمنها فيجب أن يكون القول قول المشتري، وهذا بين واضح، وبالله التوفيق.
فصل [3 - في دعوى المكتري أسكنه بغير كراء]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أسكنته دارك ثم سألته الكراء فادعى أنك أسكنته بغير كراء فالقول قولك فيما يشبه من الكراء مع يمينك.
م/: يريد: وإن لم يشبه ما قلته فلك كراء المثل، وقال غيره: على الساكن الأقل من دعواك ومن كراء المثل بعد إيمانك.
م/: وإنما يحلف الساكن إذا كان كراء المثل أقل مما يدعي رب الدار؛ لأن يمين رب الدار توجب له التسمية، فإذا كانت مثل كراء المثل أو أقل فلا معنى ليمين الساكن، وإذا كان كراء المثل أقل فلا بد من يمين الساكن ليسقط الزائد عن كراء المثل، فإن نكل وحلف رب الدار لزمته التسمية.
م: قال بعض فقهاء القرويين: يلزم على قول ابن القاسم لو قال: بعت منك هذه السلعة بعشرة، وقال من هي بيده: وهبتها لي، وقد فاتت وقيمتها تسعة أن يأخذ ربها عشرة من يمينه، والآخر ما أقر بوضع يده على السلعة بشراء قط.
وقد وقع في كتاب محمد في الذي قال: بعت منك هذه السلعة، وقال الآخر: وكلتني على بيعها، فبعتها، أنهما يتحالفان، ويرتجع سلعته، وفي هذا أيضاً نظر؛ لأنهما يقران أن بيع الوكيل لا يجب أن ينقض؛ لأن ربها يقول: بعتها منه، فبيعه لا ينقض، والوكيل يقول: أمرتني ببيعها فلا ينقض بيعي فإن فاتت لم يصدق أحدهما على صاحبه،
وكان على الوكيل قيمة السلعة ما لم تكن أكثر من الثمن الذي يقر ربها أنه باعها به، فإن كان ما باعها به الوكيل أكثر من قيمتها، ومثل الثمن الذي يقر ربها أنه باعها به أخذ ذلك ربها؛ لأن الوكيل يقول: هو له.
وربها يقول: لي عليه مثله فيأخذه، ولو كان ما باعها به الوكيل أكثر فالوكيل يقر أن ذلك لربها، وصاحب السلعة يقول: ليس هو لي فإن لم يرجع بقربه تصدق عمن هو له.
وليس هذا الشرح كله في كتاب محمد وإنما نزلته على أصولهم، وأفادت المسألة أنه لم يجعل القول قول من قال بعته منك، وكذلك يجب إذا قال: أسكنتك بكراء، وقال الآخر: أسكنتني بغير كراء.
فصل [4 - فيما يدعي الساكن أنه زاد في الدار من خشبة أو فرش ونحوها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكلما ادعى الساكن أنه زاده في الدار من خشبة، أو فرش قاعة، أو سترة جدار فالقول قول ربها في تكذيبه.
وأما ما كان ملقى في الأرض من حجر، أو باب، أو خشبة أو سارية، فالقول قول المكتري فيه، وقد تقدم إذا اختلفا في قد الحمام فهي لرب الحمام؛ لأنها بمنزلة البنيان.
فصل [5 - في المكري يكذب المكتري فيما ادعى أنه أنفق من الكراء]
وإن إذن رب الدار للمكتري أن ينفق من كرائها، وزعم أنه أنفق، وأكذبه رب الدار، فالمكتري مصدق؛ لأنه أمين إن تبين للعمل أثر، وإن تبين كذبه لم يصدق.
والعمل والبناء يتبين أثره، كبيت جديد يشبه أن يكون من بناء المكتري أو مرمة جديدة.
وقال غيره: على المكتري البينة؛ لأن الكراء دين لزم ذمته وعلى المكري اليمين.
قال بعض فقهاء القرويين: لما أمره بإخراجه من ذمته، وكان في الدار ما يدل على ذلك صدق ما لم يظهر كذبه، كما قال ابن القاسم فيمن أمر رجلاً أن يشتري له ثوباً بدين عليه فقال: اشتريته، وضاع، فقال: يكون القول قوله مع يمينه.
وإن كان ابن القاسم قد قال: إذا أمره أن يكيل ما في ذمته من طعام، ويعزله له فقال: قد فعلت، أن لا يصدق، وهذا يدل على أن هذا الأصل مختلف فيه.
فإن قيل: فأنت تقولون فيمن عليه دين فقيل له: ادفعه إلى غيرك، فقال: دفعته، وقال المدفوع إليه: قبضته وضاع، أن ذمة الذي عليه الدين لا تبرأ، فقوله: اقبضه من نفسك ويكون ما تشتري به عندك وديعة أحرى أن لا يصدق.
قيل: هذا هو القياس.
ولعل من أمر أن يشتري بما في ذمته كأنه مأمور أن لا يشهد على نفسه، بخلاف من أمر بالدفع إلى غيره.
فصل [6 - في الحكم فيما أحدثه المكتري في الدار من بناء وغيره]
قال مالك: وإذا انقضى أجل الكراء وقد أحدث المكتري في الدار بناء أو غيره مما ينتفع به، بأمر رب الدار، أو بغير أمره من غير الكراء، فما كان لنقضه قيمة فلرب الدار أن يعطيه قيمته مقلوعاً، وليس للمكتري أن يأبى؛ لأنه مضار، ولرب الدار أن يأمره بقلعة، أحدثه بأمره أو بغير أمره؛ لأنه يقول: لم آذن لك في نفعك لأغرم لك شيئاً.
وأما ما لا ينتفع به إن نقض من جص وطين فلا شيء له فيه، إلا أن يكون له فيه نفع فيكون كما ذكرنا.
وقال ابن حبيب: ما بناه فيها وأصلحه منها بإذن ربها فله قيمته قائماً، وما عمله بغير إذن ربها فله قيمته منقوصاً، وما لم يكن له قيمة إن قلع فلا شيء له فيه.
قال مطرف وابن الماجشون، وروياه عن مالك، وأنكرا قول ابن القاسم.
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم فيمن بنى أو غرس في أرض زوجته أو دارها، ثم يموت أحدهما للزوج أو لورثته على الزوجة أو على ورثتها قيمة ذلك مقلوعاً، وإنما حاله فيما بنى أو غرس حال المرتفق به كالعارية يبنى فيها، وإنما يعطي القيمة قائماً من بنى في ميراث أو شراء ثم يستحق ذلك من يدجه أو يستشفع.
ابن وهب: ولو قالت الزوجة: إنما أنفق الزوج في البناء من مالي، وقال الزوج: من مالي، فالقول قول الزوج مع يمينه، والمرأة مخيرة في أن تعطيه قيمة ذلك منقوصاً، وإلا أمرته بقلعه.
[الباب التاسع]
في الوكالة في الكراء والتفليس فيه
[الفصل -1 -
في الوكالة في الكراء]
قال ابن القاسم: ومن وكل رجلاً يكري داره، فأكراها بغير العين، أو حابى في كرائها، فهو كالبيع لا يجوز.
م/: يريد: وله فسخ الكراء أو إجازته إن لم يفت، فإن فات رجع على الوكيل بالمحاباة.
قال: ولو أعارها، أو وهبها، أو تصدق بها، أو أسكنها، أو حابى في كرائها رجع ربها على الوكيل بالكراء في ملائه، ثم لا رجوع للوكيل على الساكن، فإن كان الوكيل عديماً رجع ربها على الساكن بالكراء، ثم لا رجوع للساكن على الوكيل.
فصل [2 - في التفليس في الكراء]
ومن اكترى داراً سنة، فسكن ستة أشهر، ثم فلسن، فربها أحق ببقية السكنى، إلا أن يدفع إليه الغرماء حصة باقي الشهور بالتقويم، فإن أبوا، خير من الحصاص بجميع الكراء وإسلام الدار، أو أخذ باقي السكنى بحصته من الكراء، ويحاصص بحصة كراء ما مضى.
قال ابن المواز: فإن اكترى الدار باثني عشر ديناراً، وانتقد ستة دنانير، وسن ستة أشهر، ثم فلس المكتري، فإنه يقسم ما نقد على اثني عشر شهراً، فيصيب ما سكن ثلاثة دنانير من النقد، ويصيب ما لم يسكن ثلاثة أيضاً، فيردها، ويبقى من حق ما سكن ثلاثة، يحاص بها رب الدار الغرماء، ويحاصهم بحصة ما لم يسكن ثلاثة أيضاً، فيردها ويبقى من حق من سكن ثلاثة، وذلك ستة، فيحاصصهم بتسعة إن شاء، وإن شاء أخذ السكنى وحاصهم بالثلاثة الباقية من حصة ما سكن، إلا أن يشاء الغرماء أن يعطوه ثلاثة دنانير لبقية السكنى، ويتركوا له أيضاً الثلاثة حصة بقية السكنى من النقد، ويأخذون بقية السكنى، ويحاصهم بثلاثة حصة ما سكن مما لم ينقده فذلك لهم.
م/: وقد زدت فيها كثيراً من لفظي وهو تمام معنى ما ذكره محمد.
م/ ويجب على هذا لو نقده جميع الكراء أو نصفه وقبض الدار، ثم فلس قبل السكنى أن يرى جميع ما قبض ويحاصهم بجميع الكراء، أو يأخذ داره.
والذي أرى في هذا أنه إن قبض جميع الكراء، أو نصفه أنه أولى بما قبض، فإن قبض جميع الكراء لم يكن للغرماء إلا الدار يكرونها ويتحاصون في كرائها مع ما بيده، كعرض اشتراه ونقد ثمنه، فلا
سبيل لهم إلى نقض البيع على البائع ولا غير ذلك، وإن كان إنما قبض نصف الكراء فهو مخير بين أن يسلم لهم الدار ويحاصهم ببقية الكراء، أو يأخذ داره ويرد عليهم ما انتقد، إلا أن يدفع الغرماء إليه بقية الكراء، ويأخذوا الدار، والجواب عندي في مسألة محمد أيضاً أن يكون أولى بجميع ما انتقد لما سكن، ولما لم يسكن، ثم يخير فيما لم يسكن بين أن يسلم لهم بقية السكنى ويحاصهم بستة دنانير، ثلاثة لما لم يسكن، وثلاثة لما سكن ما لم ينتقده، أو يأخذ بقية السكنى، ويرد عليهم ثلاثة دنانير حصة ذلك من النقد، ويحاصهم بثلاثة حصة ما لم ينقده مما سكن، إلا أن يدفع إليه الغرماء بثلاثة دنانير حصة ما لم ينقده مما لم يسكن، ويأخذون بقية السكنى فذلك لهم، ويحاصهم بثلاثة حصة ما لم ينقده مما سكن، وبالله التوفيق.
[الباب العاشر]
جامع مسائل مختلفة من أكرية الدور من غير المدونة
[الفصل -1 -
تمادي المكتري في سكنى الدار بعد انتهاء مدة كرائه]
ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً سنة فسكنها، ثم تمادى سكنها ستة أشهر بعد السنة.
فقيل: عليه بحساب الكراء الأول.
وقيل: عليه كراء المثل وهو أحب إلي.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: أما ما يرجع إلى ربه فيجوزه بغلق من دار، أو بيت، أو حانوت، ورب ذلك ساكت، عالم لا ينكر، فله بحساب الكراء الأول، وأما ما كان من مزرعة، وما إذا فرغت الوجيبة بقي براحاً لا جدار عليه، ولا غلق، فله فيما زاد الأكثر من القيمة، أو الوجيبة؛ لأنه تعدى عليه بغير أمره ولا علمه.
م/: والمحصول من قوله هذا: أنه إن كان رب ذلك عالماً فتركه حتى سكن أو زرع فله بحساب الكراء الأول، وكأنه رضيه، وإن لم يعلم فله الأكثر.
وهذا مثل قول الغير في المدونة في الدابة يحبسها بعد مدة الكراء وربها حاضر أو غائب.
فصل [-2 -
في الرجل يكتري داراً مدة فيقبضها ثم تغتصب منه
هل يكون لربها كراء فيما بقي؟]
ومن الواضحة: ومن تكارى داراً سنة أو شهراً فقبضها، ثم غصبها إياه السلطان، فمصيبة ذلك على ربها، ولا كراء له فيما بقي.
وقال مالك في المسودة حين أخرجوا المتكاريين وسكنوا.
وكذلك في العتبية من سماع ابن القاسم.
قال ابن حبيب: وسواء غصبوا الدور من أصلها أو أخرجوا منها أهلها، وسكنوها، لا يريدون إلا السكنى حتى يرتحلوا، وكذلك الحوانيت يأمر السلطان بغلقها.
م/: وقد قيل: إن الجائحة من المكتري.
قاله ابن حارس عن سحنون.
واختار ابن حارث أنه إن غصبه أصل الدار فالجائحة من المكتري، وإن غصب السكنى فالجائحة من المكتري، وليس كل ذلك بشيء؛ لأن كل ما منع المكتري السكنى من أمر غالب لا يستطيع دفعه من سلطان أو غاصب فهو بمنزلة ما لو منعه أمر من
الله تعالى، كانهدام الدار، وامتناع ماء السماء حتى منعه حرث الأرض، فلا كراء عليه في ذلك كله؛ لأنه لم يتوصل إلى ما اكترى.
فصل [-3 -
في جلاء الناس في الفتنة عن الدور المكتراه، وجلاؤهم عمن
اكترى رحى سنة والكراء في ذلك كله]
قال ابن حبيب: ومن اكترى رحى سنة، فأصاب أهل ذلك المكان فتنة أجلوا بها منازلهم، وجلا معهم المكتري، أو أقام آمناً إلا أنه لا يأتيه الطعام لجلاء الناس، فهو كبطلان الرحى من نقص الماء أو كثرته، فيوضع عنه بقدر المدة التي جلوا فيها، وكذلك الفنادق التي تكرى في أيم الموسم إذا أخطأها ذلك لفتنة نزلت أو غيرها، بخلاف الدور تكرى، ثم تجلو بفتنة وأقام المكتري آمناً، أو رحل للوحشة وهو آمن، فإن هذا يلزمه الكراء كله، ولو انجلى للخوف سقط عنه كراء مدة الجلاء.
فصل [-4 -
في الإقالة في كراء الدورة إذا نقد وسكن بعض المدة]
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: لا تجوم الإقالة في كراء الدورة إذا نقد وسكن بعض المدة، بخلاف الإقالة في الحمولة بعد مسير بعض الطريق.
ابن القاسم: لأنهما لا يتهمان في الحمولة على البيع والسلف، وكراء الدول كالسلع المضمونة، يقيل من بعضها، إلا أن يكون لم ينقده.
قال ابن حبيب: لا يجوز أن يقيله في الدور مما لم يسكن بنقد ولا بدين، وهو في النقد كراء وسلف، وفي الدين دين بدين، وفي الحمولة يجوز وقد سار إلى أن ما لا تهمة فيه، بالنقد ولا يجوز بالدين.
هذا قول مالك وأصحابه.
[فصل -5 -
في اختلاف المتكاريين في قبض الكراء بعد تمام المدة المكتراة]
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك في مكتري الدار سنة يقول بعد تمام السنة: دفعت الكراء، فلا يقبل منه، والقول قول رب الدار مع يمينه إن قام بحدثان ذلك، وإن قام بعد تباعد ذلك فالقول قول الساكن مع يمينه، وسواء خرج من الدار أو أقام.
قال ابن حبيب: ولو اكترى منه مساناة، أو مشاهرة صدق المكتري فيما قد انقضى أنه قد دفع كراءه، إلا في السنة الأخيرة أو في الشهر الأخير، فإن رب الدار إن قام بحدثان ذلك فله كراؤها مع يمينه، وإن تطاول وحاول دون ذلك نحو الشهر في الشهور والسنة وشبهها في السنين فلا شيء له، ويصدق المكتري مع يمينه، سواء خرج أو أقام في الدار.
وقال في الكتابين: ولو أكراه سنة بعينه فتمادى فسكن عشر سنين، ورب الدار حاضر لم يواجه على شيء، فقال الساكن: قد دفعت جميع الكراء، فلا شيء لرب الدار في السنة الأولى، وإن قام بحدثان انسلاخ التسع سنين فله كراؤها ويحلف، إلا أن يأتي الساكن ببراءة، فإن قام بعد تطاول فلا شيء له، إذا قال الساكن: دفعت الكراء، ويحلف.
قال في العتبية: ولو كان يجدد عليه الكراء في كل سنة من العشر سنين بالبينة، ثم طلب كراء الجميع فلا شيء له إن زعم الساكنين: أنه دفع ذلك إلا في السنة الأخيرة، فإنه
إن قام بحدثان ذلك فله كراؤها، وإن تطاول فلا شيء له، ولو أكراه العشر سنين في مرة ثم طلب كراءها بعد انسلاخها بحدثانه فله كراء جميع السنين مع يمينه، وإن قام بعد طول زمان فلا شيء له، ويحلف الساكن.
م/: ومعنى مسائل هذه الفصول في المدونة لمن تأمل ذلك، وإنما ذكرتها تأكيداً في بيانها والله نسأل التوفيق.
[الباب الحادي عشر]
في الأرض تكرى فتهور بئرها أو تغور عينها أو تعطش أو تغرق
[فصل -1 - في كراء الأرض التي تعذر الانتفاع بها أثناء مدة كرائها لانهيار بئر أو نحو ذلك] قال مالك: ومن اكترى أرضاً ثلاث سنين فزرعها سنة أو سنتين، ثم تهورت بئرها، أو انقطعت عينها، فأراد أن يحاسب صاحبها، فلا يقسم الكراء على السنين سواء، ولكن يقسم على قدر نفاقها، وتشاح الناس فيها، وليس كراء الأرض في الصيف والشتاء واحداً، ولا ما ينقد فيه كالذي يستأخر نقده، وكذلك يحسب كراء الدور في الهدم، ولا يحسب على عدد الشهور والأعوام، وقد تكرى سنة لا شهر فيها، كدور مصر ومكة؛ لكثرة عمارتها في المواسم.
[الفصل -2 - في إنفاق المكتري بعض الكراء لإصلاح البئر أو العين]
وقد تقدم أن من اكترى أرضاً ثلاث سنين فزرعها، ثم غارت عينها أو انهدمت بئرها، وأبى رب الأرض أن ينفق عليها، فللمكتري أن ينفق عليها حصة تلك السنة خاصة من الكراء، ويلزم ذلك ربها، فإن زاد على كراء سنة فهو متطوع.
وإنما كان ذلك؛ لأن المكتري متى ترك ذلك فسد زرعه، ولم يكن لرب الأرض كلام؛ إذ لو بطل زرع هذا لم يكن له كراء، فلا يمنع من أمر ينتفع به غيره، ولا ضرر عليه هو فيه.
ابن المواز: وإن كان ربها قد انتقد كراءها كلف إخراجه حتى ينفق كراء تلك السنة، فإن أعلم به قيل للمكتري: أخرج ذلك من عندك سلفاً منك له إن شئت؛ ليعيش زرعك ثم تتبعه به، وإن كان انقطاع ذلك في السنة الثانية فلينفق حصتها من الكراء، ولا ينفق من كراء الأولى شيئاً.
قال أشهب: وإن لم يكن زرع حتى انهارت البئر لم يجب على رب الأرض شيء.
م/: يريد: وللمكتري الفسخ إن لم يصلح له رب الأرض.
قال أشهب: فإن أنفق المكتري من عنده فلرب الأرض كراؤه كاملاً، ولا شيء للمكتري عليه فيما أنفق إلا في نقض قائم من حجر أو آجر، فله أن يعطيه قيمته منقوصاً، أو يأمر بقلعه.
ومن المدونة قال مالك: وكذلك لمن أخذ نخلاً مساقاة، فغار ماؤها بعد أن سقي أن ينفق فيها قدر حصة صاحب الأرض من الثمرة سنته تلك لا أكثر.
[الفصل -3 -
في
رد الأرض المكتراة للزراعة إذا غرقت أو استحق بعضها]
قال: ومن استأجر أرضاً ليزرعها، فغرق بعضها قبل الزراعة أو عطش، فإن كان أكثرها رد جميعها، وإن كان تافها حط عنه بقدر حصته من الكراء في كرمه ودناءته لا بقدر قياس مساحته إذا كانت الأرض مختلفة، ولزمه ما بقي من الأرض بحصته من الكراء.
قال ابن القاسم: وكذلك في استحقاق بعض الأرض فيما يقل ويكثر.
قال بعض فقهاء القرويين: من جعل الغرق والعطش هنا كالاستحقاق فيجب إذا غرق نصف الأرض أو ثلتها أن يرد البقية.
وقد قيل في الأرض إذا استحق نصفها أنه لا رد به، وينبغي أن يراعي في ذلك الضرر، فإذا لم يكن على المكتري في ذلك ضرر باستحقاق النصف فلا حجة له، وإن كان عليه ضرر رد البقية.
[الفصل -4 -
في
أقسام أرض الزراعة ووقت جواز العقد في تلك الأقسام]
قال: والأرضون على ثلاثة أوجه: فأرض نيل، وأرض مطر، وأرض عيون.
فابن القاسم: أجاز العقد فيهن كلهن بقرب زراعتهن، أو بعيد من ذلك إذ لا غرر فيه، ولم يجزه غيره إلا بقرب الزراعة في أرض النيل، وقرب الأمن ووقوع المطر في أرض المطر، ورأى أن ذلك إذا كان قبل هذا تحجير ملك.
وكلام ابن القاسم أبين أن المكري جائز له أن يبيع رقبتها على أن تقبض إلى سنتين، أو ثلاث، فكيف أن يكريها إلى ذلك، وهو قادر إذا أكراها على بيعها وهبتها ولم
يقع فيها تحجير بين ومسألة العبد إذا اكتراه على أن يقبض إلى شهرين أبين في المنع من مسألة الأرض؛ لأن العبد هناك لا يقدر على بيعه، والأرض ههنا يقدر على بيعها.
وقد أنكر سحنون قول الغير في منعه كراء أرض النيل إلا بقرب شربها.
[الفصل -5 -
في
كراء الأرض التي تعذر حرثها لأمر لا قدرة للمكتري على دفعه]
ومن المدونة: ومن اكترى أرضاً ليزرعها فقحطت السماء، فلم يقدر على الزارع، وكذلك لو زرع الأرض فانهارت بئرها، وانقطعت عينها، أو امتنع الماء الذي يحيا به الزرع من السماء قبل تمام الزرع حتى هلك الزرع لذلك فلا كراء على الزراع، وإن نقده رجع بجميعه؛ لأنه إنما اكتراها على حياتها من الماء، فإذا امتنع الماء فلا كراء عليه، وإن جاءه من الماء ما كفى بعضه، وهلك بعضه، فإن حصت ما له بال، وله فيه نفع، فعليه من الكراء بقدر نفعه، ولا شيء عليه إن حصد ما لا بال له ولا نفع له فيه.
قال في كتاب محمد: مثل الخمسة فدادين والستة من المئة، ولما كان إذا عطشت لم يكن للمكري من الكراء شيء؛ لأن المكتري ما انتفع بشيء، ولا تعطلت الأرض على ربها؛ إذ لو زرعها هو ما انتفع منها بشيء، وجب متى لم ينتفع المكتري بشيء لا
يجب عليه كراء، ولعل هذا الذي ذكر في كتاب محمد هو قدز زريعته فكأنه لم ينتفع بشيء.
[الفصل -6 - في كراء الأرض التي أصابتها جائحة بعد زراعتها]
فأما إذا أتى مطر بعدما زرع، وفات إبان الزراعة فغرق زرعه حتى هلك لذلك فهي جائحة على الزرع، وعليه جميع الكراء، بخلاف هلاكه من القحط.
قال: وكذلك لو هلك زرعه ببرد أو جليد أو جائحة ما غير العطش فالكراء عليه، وأما لو أتى مطر فغرق زرعه في وقت لو انكشف الماء عن الأرض أدرك زرعها ثانية فلم ينكشف حتى فات الإبان فذلك كغرقها في الإبان قبل أن تزرع حتى فات الحرث فلا كراء عليه، ولو انكشف الماء في إبان يدرك فيه الحرث لزمه الكراء وإن لم يحرث.
[الفصل -7 - فيمن زرع في أرض الخراج وأرض الصلح فغرقت أو عطشت]
ومن زرع في أرض الخراج بكذا، مثل أرض مصر، فغرقت أو عطشت قبل الحرث، فلا كراء عليه، وكذلك إذا لم يتم زرعها من العطش.
وأما أرض الصلح التي صالحوا عليها إذا زرعوا فعطش زرعهم، فعليهم خراج أرضهم.
قال غيره: هذا إن كان الصلح وظيفة عليهم، وأما إن كان صلحهم على الأرض خراجاً معروفاً فلا شيء عليهم.
م/: وأما أرض مصر إذا عطشت وضع الكراء عن المكتري؛ لأنها أرض عنوة أكراها السلطان للمسلمين، وأما أرض الصلح فإن كان إنما صالحهم على أن على أرضهم
خراجاً فالأمر كما قال الغير، ولا يمكن أن يخالفه ابن القاسم في هذا، وإن كان إنما صالحهم على أن على المصالحين خراجاً لملكهم الأرض، كما توظف بقدر اكتسابهم وأملاكهم صح ما قال ابن القاسم، وقاله بعض القرويين.
[الباب الثاني عشر]
في النقد في أرض النيل وأرض المطر وأرض السقي
[الفصل -1 -
في النقد في أرض المطر وأرض النيل]
قال ابن القاسم: ولا بأس بكراء أرض المطر عشر سنين إن لم ينقد، فإن شرط النقد فسد الكراء، وإن اكتراها سنين وقد أمكنت للحرث جاز نقد حصة عامه هذا.
قال مالك: وإن اكتراها سنة قرب الحرث، وحين توقع الغيث، لم يجز النقد حتى تروى، ويمكن من الحرث.
وقال غيره: لا تكرى أرض المطر التي تروى مرة وتعطش أخرى إلا قرب الحرث وتوقع الغيث.
وقد أجازه الرواة، ولم يروا فيه تهمة إذا لم ينقده، ولا يجوز كراؤها بالنقد حتى تروى رياً مأموناً متوالياً، مبلغاً للزرع أو لأكثره، مع رجاء مطر غيره، ولا يجوز كراؤها إلا عاماً واحداً، إلا أن تكون مأمونة كأمن النيل في سقيه، فلا بأس بكرائها قرب إبان شربها وريها بالنقد أو بغير النقد.
قال سحنون: هذا أضيق إذا كانت مأمونة جاز كراؤها بالنقد سنين وبغير النقد.
قال مالك: ويجوز النقد في أرض النيل قبل ريها؛ لأمنها.
قيل لمالك: فإن كانت أرض المطر فيما اختبر منها لا تخلف، أيجوز النقد فيها؟ قال: النيل أبين شأناً، وأرجو جواز النقد فيها إن كانت هكذا، بخلاف التي تخلف من أرض المطر، أو ذات بئر قل ماؤها، ويخاف ألا يقوم بها، فالنقد في هذا خطر؛ لغلبة الغرر في أن يكفي ماؤها، فيغبن المكتري رب الأرض، أو لا يكون فيها ما يكفي فيكون
المكتري مغبوناً، ويصير النقد لهذا الغرر تارة ثمناً وتارة سلفاً، كالنقد في المواضعة وبيع الخيار وبيع العهدة، ولم يدخلا في المأمون في غرر، فإن انقطع الماء بأمر حادث فللمكتري إنفاق كراء سنة في غور بئر وعين، وليس له ذلك في غير المأمونة إن أبى ربها.
[الفصل -2 -
في
كراء أرض تسقى من بئر لا تكفيها]
وفي كتاب محمد في كراء الأرض، ولها بئر لا تكفي، أن الكراء فاسد، نقد أو لم ينقد؛ لأنه خاطره على أمر لا يدري أيتم به الزرع أو لا يتم.
وظاهر المدونة أنه إنما كره النقد في ذلك، والأشبه أن ذلك لا يجوز، فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين كراء أرض المطر التي يمكن أن يأتيها المطر فيتم الزرع أو لا يأتيها؟ قيل: هذا غرر لا يقدر على دفعه فأبيح للضرورة، وغرر البئر أمر يقدر على دفعه؛ لأنه يمكنه إصلاح البئر قبل أن يكري، أو يكري بعض الأرض التي لا يشك أن الماء يكفيها.
[الباب الثالث عشر]
فيمن اكترى أرضاً ليزرعها شيئاً فغرس أو زرع غيره وكيف إذا انقضت المدة وفيها شجرة أو زرعه
[الفصل -1 -
فيمن اكترى أرضاً ليزرعها شيئاً فغرس أو زرع شيئاً آخر]
قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً ليزرعها عشر سنين، فأراد أن يغرس فيها شجراً، فإن كان ذلك أضر بها منع، وإلا فله ذلك كحمله على الراحلة غير ما اكتراها له، وإن اكتراها ليزرعها شعيراً، فأراد أن يزرعها حنطة، فإن كان ذلك أضر بالأرض منع، وله أن يزرع ما ضرره كضرر الشعير فأدنى.
قال بعض فقهاء القرويين: انظر لو رضي له رب الأرض بذلك هل يجوز إذا كان الأمران مختلفين أم لا يجوز؟ والصواب أنه لا يجوز، كمن اكترى إلى طريق فأراد أن ينتقل إلى ما يخالفها.
فصل [-2 -
في
أمد الكراء ينقضي وفي الأرض شجر المكتري أو زرعه]
قال مالك: وإن اكتريت أرضاً سنين مسماة، فغرست فيها شجراً، فانقضت المدة وفيها شجرك، فلا بأس أن تكتريها من ربها سنين مستقبلة.
قال ابن القاسم: ولو اكتريتها من ربها، ثم أكريتها من غيرك فغرسها، ثم انقضت مدة الكراء وفيها غرسه، فلك أن تكتريها من ربها سنين مستقبلة، ثم إن أرضاك الغارس وإلا قلع غرسه، قال غيره: لا ينبغي ذلك حتى يتعامل الغارس ورب الأرض على ما يجوز، ثم يكري أرضه إن شاء إلا أن يكريك أرضه على أن يقلع عنك الشجر.
م/: وإنما جاز كراؤها عند ابن القاسم؛ لأن لرب الأرض أن يجبر الغارس على قلع غرسه بعد تمام كرائه، فكان المكتري إنما دخل على أن يقلع الغارس عنه غرسه؛ لأنه ملك من الأرض ما كان ربها يملكه، ولا يستطيع الغارس مخالفته فقد دخل على أمر معروف.
م/: قال بعض القرويين: انظر إن كانت علة الغير أنه لما كان لرب الأرض أن يعطي للمكتري الثاني قيمة غرسه مقلوعاً صار متى أكرى أرضه من الأول قبل أن يحاكم الثاني، فكأنه إنما أكرى منه على أن للأول أن يعطي للغارس قيمة غرسه مقلوعاً قضاء عن رب الأرض، ثم يعطيه رب الأرض إذا انقضى أمد كرائه الثاني قيمتها منقوضة، فأشبه
سلفاً أسلفه إياه على أن يكريه، فإن كانت هذه العلة التي منع من أجلها أن يكري من الأول فلا يجوز أيضاً أن يكري منه وهو الغارس قبل أن يحاكمه في الغرس؛ لأنه لما كان له أن يعطيه قيمة غرسه مقلوعاً فكأن ذلك وجب له عليه فتحول عنه إلى أن أكرى منه الأرض على أن يؤخره بذلك.
[الفصل -3 -
في أمد الكراء ينقضي وفي الأرض زرع أخضر]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان موضع الشجر زرعاً أخضر لم يكن لرب الأرض أن يكريها مادام هذا فيها؛ لأن الزرع إذا انقضت الإجارة لم يكن لرب الأرض قلعه، وإنما له كراء أرضه، ولو أن يقلع الشجر فافترقا، إلا أن يكريها ربها منك إلى تمام الزرع فلا بأس بذلك.
قال سحنون: إن كانت الأرض مأمونة.
يريد: في جواز النقد.
قال ابن القاسم: فإذا انقضت السنون، وللمكتري في الأرض زرع لم يبد صلاحه لم يجز لرب الأرض شراؤه، وإنما يجوز بيع زرع أخضر يشترط مع الأرض في صفقة واحدة، وكذلك الأصول بثمرها، وإن لم يشترطه المبتاع كان ما أبر من الثمرة أو ما ظهر في الأرض من الزرع للبائع، وإذا لم تؤبر الثمرة، ولم يظهر الزرع من الأرض فذلك للمبتاع.
م: قال بعض فقهاء القرويين: الأشبه أن يجوز لرب الأرض شراء ما فيها من زرع؛ لأن الأرض ملكه فصار مقبوضاً بالعقد، وما يحدث فيه من نماء إنما هو في ضمان
مشتريه؛ لكونه في أرضه، وإنما منع النبي -صلى الله عليه وسلم- من بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها لكون ضمانها من البائع؛ لأنها في أصوله بقوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه) وعلى هذا التعليل أجاز عبد الملك شراء الجنان فيه ثمرة بقمح أو بجنان آخر فيه ثمرة تخالفها؛ لأن كل ثمرة مقبوضة فكانا متناجزين.
والدليل على أن الثمرة كان على المشتري قيمة الثمرة يوم اشترى الأصول؛ لأنه بشرائه الأصول صار قابضاً لها، وصار النماء في ملكه حدث، فإنما عليه قيمتها يوم اشترى الأصول.
[الفصل -4 -
في
أمد الكراء ينقضي ويصالح المكتري رب الأرض على بقاء الغرس في أرضه
عشر سنين على أن له نصف الشجر]
ومن المدونة: ومن اكترى أرضاً فغرسها شجراً، ثم انقضت المدة، فصالح ربها على بقاء الغرس في أرضه عشر سنين على أن له نصف الشجر لم يجز؛ لأنه أكراه بنصف
الشجر يقبضها إلى عشر سنين، وقد تسلم أولاً تسلم، ولو قال له: لك الآن نصف الشجر جاز.
وقال غيره: لا يجوز؛ لأنه فسخ دين في دين.
قال أبو محمد: يريد غيره: لأنه لما كان له أن يعطيه قيمة الشجر مقلوعاً فكأنه أكراه بقية نصف الشجر التي بقيت للمكتري في الأرض بالقيمة التي وجبت له عليه في نصف الشجر الذي أسلمه إليه، فصار كراء الأرض بدين لك على رب الأرض.
م/: وإن شئت قلت: إنما دخله الدين بالدين؛ لأن رب الأرض كان له أن يعطيه قيمتها مقلوعة، فكأن المتكاري تحول من تلك القيمة إلى نصف الشجر، تكون بيده عشر سنين، ثم يكون رب الأرض مخيراً عليه فيها أيضاً فلم يبن بالنصف الذي تحول إليه بينونة تامة.
قال ابن أبي زمنين: هكذا رأيته لبعض العلماء، وذكر أيضاً مثل ما ذكر أبو محمد.
[الفصل -5 -
في
المكري يشترط أن يسلمه المكتري الشجر بعد عشر سنين ويكون عوضاً عن
كراء أرضه]
ومن المدونة قال مالك: ومن اكترى أرضاً عشر سنين على أن يغرسها المكترى شجراً سماها على أن الثمرة للغارس، فإذا انقضت المدة فالشجر لرب الأرض لم يجز؛ لأنه أكراها بشجر لا يدري أيسلم الشجر أم لا.
ابن المواز: وقال أشهب: ذلك جائز إذا سمى مقدار الشجر، وهو كالبنيان، ولا يدري كيف يصير البنيان.
قال ابن المواز: هذا لا يجوز، بخلاف شراء الشجر المضمونة إلى عشر سنين، يسمى قدرها ومبلغ صفتها، يشتريها بالعين، فليس ذلك كالمغارسة التي هي من باب الجعل.
م/: قال بعض فقهاء القرويين: وافقه محمد في البينان، وخالفه في الشجر، وقال: لا يجوز كما لا يجوز أن يسلم فيها.
قال: والأشبه عندنا أن لا يجوز في شجر، ولا بنيان، إذا كان البنيان يتغير في هذه المدة، كما لا يجوز للبائع أن يستثنى سكنى الدار إلا السنة ونحوها لتغير البناء، إلا أنه لو كان بناءً متقناً لا يتغير في تلك المدة لجاز.
ومن المدونة: وقال سحنون: لا يجوز، ويدخله بيع الثمر قبل بدو صلاحها، وكراء الأرض بالثمر.
م/: يريد سحنون؛ لأن رب الأرض يأخذ الشجر بعد تمام المدة، فإن كان فيها ثمر لم يبد صلاحه فذلك بيع الثمر قبل بدو صلاحها، وإن كان قد بدا صلاحه فهو كراء الأرض بالثمر، وإن كان كامناً فهو كراء الأرض بما يخرج منها.
م/: وهذا إذا اشترط رب الأرض أن له الشجر بعد العشر سنين بما فيها من الثمر، أما إن لم يشترط ذلك، وإنما أكراها بعين أو غيره كراءً جائزاً فانقضت المدة في الشجر ثمر، فإن لم تؤبر فلرب الأرض أن يأمر المكتري بقلع الشجر، أو يأخذها بقيمتها مقلوعة،
وإن أبرت جبر على بقائها إلى تمامها، وعلى المكتري كراء المثل، كما لو انقضت المدة وفيها زرع لم يتم.
م/: وعلل بعض فقهاء القرويين قوله: ويدخله كراء الأرض بالطعام، قال: جعل الشجر في هذا للغارس، وهو مذهب ابن القاسم في المغارسة الفاسدة، فجعل الغارس يعطيها، وقد يكون فيها ثمر، فيصير كراء الأرض بالطعام.
قال: ومن علل أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه جعل الغرس لرب الأرض؛ لأن الأرض قابضة له بوضع الغارس ذلك فيها، وللعامل قيمته يوم وضعه فيها، فصار رب الأرض أعطى للعامل في إجارته ثمر هذا الغرس قبل بدو صلاحه، وذلك بيع له.
قال: وكان يجب أن تفوت الأرض بالغرس، ويكون للعامل في العشر سنين، وعليه كراء المثل فيها إذا جعلوا الغرس للغارس، وأما إن جعلناه لرب الأرض وجب فسخ الكراء، وكان للعامل قيمة ما وضع فيها، إلا أنهم قالوا في شرط الغرس بينهما من دون الأرض: إن الغرس للغارس، ويعطيه رب الأرض قيمته مقلوعاً ولم يجعلوه كراء فات بالغرس، وفي المغارسة إيعاب هذا.
[الفصل -6 -
فيمن اكترى أرضاً ليزرع فيها سنة فحصد قبل تمام السنة أو تأخر زرعه بعد
تمامها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً سنة فحصد زرعه قبل تمام السنة، فأما أرض المطر فمحمل السنة فيها الحصاد، ويقضي بذلك فيها، وأما ذات السقي التي تكرى على أمد الشهور والسنين، فللمكتري العمل إلى تمام سنته، فإن تمت وله فيها زرع أخضر، أو بقل، فليس لرب الأرض قلعه، وعليه تركه إلى تمامه، وله فيما بقي كراء المثل على حساب ما أكراها منه.