الجامع لمسائل المدونةصفحات 510-549

كتاب الشهادة الثاني

صفحات 510-549

لقضيت به لهذا إلا أن يكون في شهادة المقضي له به أن القاضي قضى به لهذا؛ لأنه اشتراه من هذا أو ممن باعه له فأقضي له به.
وسئل سحنون في المتداعبين بداية أقام أحدهما بينة أنها له، وفي يده منذ خمس عشرة سنة، وأقام الآخر بينة أنها له وفي يده، حكم له بها قاض منذ ثلاث عشرة سنة؟ فقال: إن شهدت بينة المحكموم له أن الحكم كان على هذا المدعي قضيت للمحكوم له، وإن كان على غير هذا قضيت لصاحب الوقت الأول إن كانوا عدولاً كلهم، وإن كانت بينة صاحب الحكم أعدل.
ابن سحنون: وقال أشهب في عبد بيد رجل أقام آخر بينة أنه عبده منذ عامين، وأقام حائزه بينة أنه له منذ سنة قضي به لصاحب السنتين، إلا أن يحوزه الآخر على وجه الملك بحضرة هذا وعلمه فأقضي له به.
قال: ولو أقام رجل بينة أنه له منذ سنة، وأقام الحائز بينة أنه في يده منذ سنتين ولم يشهدوا أنه له، قال: أراه لمن شهدوا له أنه منذ سنة، إلا أن تكون للآخر بينة بالحوز على الآخر بوجه الملك على ما ذكرنا.
[الفصل 12 - في الرجلين يقيم أحدهما البينة على النتاج والآخر بينة على الشراء أو يقيم كل منهما بينة على النتاج] وقال ابن القاسم في دابة ادعاها رجلان وليست بيد أحدهما، فأقام أحدهما بينة أنها

نتجت عنده، وأقام الآخر بينة أنه اشتراها من المقاسم، فهي لمن اشتراها من المقاسم، بخلاف من شهدت له بينته أنه اشتراها من سوق المسلمين؛ لأن هذه تسرق وتغصب ولا تحاز على الناتج إلا بأمر يثبت، وأمر المغنم قد استوقن أنها خرجت من ملكه بحيازة المشركين، ولو وجدت في يد من نتجت عنده، وأقام هذا بينة أنه اشتراها من المغانم أخذها منه أيضاً وكان أولى بها إلا أن يشاء أن يدفع إليه ما اشتراها به من المغنم ويأخذها، وقاله سحنون.
قال أشهب في عبد بيد رجل ادعاه رجلان، وأقام كل واحد منهما بينة أه له ولد عنده قضيت به لأعدلهما، فإن تكافأت البينتان قضيت به لمن هو بيده بعد يمينه أن ذلك له لا يعلم لهما فيه حقاً، فإن نكل حلفا وكان بينهما، وأيهما نكل قضي به للحالف، وإن نكلا قضيت به للذي هو في يده.
وقال في باب آخر في شاة بيد رجل أقام آخر بينة أنها له ولدت عنده في ملكه فقضي له بها ثم جاء آخر ببينة بمثل ذلك.
قال: يقضي بها لأعدل البينتين، فإن تكافأت بينتاهما لم أردها للأول، وتقسم بين هذين بعد أيمانهما، وأيهما نكل قضي بها للحالف عليه، فإن نكلا قضيت بها للذي انتزعت منه؛ لأن نكولهما كإقرارهما.
م/: وإنما فرق بينهما؛ لأن الشاة قضي بها للثاني وحيزت عن الأول.
والعبد في

المسألة الأولى لم يقض به لأحد فيبقى عند تكافؤ البينة بيد حائزه الأول.
قال أشهب: ولو اقتسما الشاة في تكافؤ البينتين، ثم أقام أحدهما بينة غير التي شهدت له أولاً بمثل شهادة الأولى، فإن كانت هذه الآخرة أعدل من بينة صاحبه التي طرحتها بالتكافؤ قضيت بجميع الشاة لهذا، وإن كانت مثل الأولى أو دونها أقررت الشاة بينهما.
[الفصل 13 - في الرجل يصف لقطة فتدفع إليه ثم يأتي من يصفها كوصف الأول] قال في المجموعة: ومن التقط لقطة ثم أتى من وصفها فدفعها إليه، ثم جاء آخر فوصفها كوصف الأول، فهي للأول القابض لها بالصفة، وكذلك لو قال ملتقطتها: هي لي، كان أحق بها.
وإن جاء من يدعيها ووصفها فلا تكون له إلا ببينة، وإن كان الأول إنما أخذها ببينة بأمر السلطان أو بغير أمره ثم ادعاها ثان وأقام بينة قضيت بها لأولهما تاريخاً، فإن لم يؤرخا قضيت بها لأعدلهما، وإن تكافأتا بقيت لمن هي بيده بعد يمينه ما علم لهذا فيها حقاً، فإن نكل حلف صاحبه وأخذها، فإن نكل بقيت بيد من دفعت إليه أولاً.
قال: ولو جاءا جميعاً يدعيان ذلك، وتكافأت بيناتهما، كان ذلك بينهما شرطين بعد أيمانهما.
م/: قال في مسألة الشاة إذا قضى بها لمدعيها بالبينة، ثم أتى ثان فأقام بينة أنها له مثل الأولى، فإنها تقسم بينهما عند تكافؤ البينتين.
وقال في مسألة اللقطة: إذا قبضها الأول ببينة تبقى للأول عند تكافؤ البينتين فما الفرق؟ قال: فكان بعض شيوخنا يقول في مسألة اللقطة: إذا قبضها الأول ببينة ثم أتى ثان

فأقام فيها بينة أنها له، ولم يؤرخا فإنها تقسم بينهما عند تكافؤ البينتين.
قال: لأنه مال عرف أصله.
واحتج رحمه الله بمسألة من ورث رجلاً بولاء يدعيه، ثم أقام آخر بينة أنه مولاه وتكافأت بيناتهما أن المال يقسم بينهما بعد أيمانهما.
قال: فكذلك مسألة اللقظة.
م/: وقوله في مسألة اللقطة موافق لقول أشهب في مسألة الشاة.
وقول أشهب في اللقطة موافق لقول الغير في مسألة الولاء، فقد صار هذا الأصل يجري على القولين والله أعلم.
[الفصل 14 - فيمن يرث الرجل يموت ويترك ولدين مسلماً ونصرانياً وكل منهما يدعي أن أباه مات على دينه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مات وترك ولدين مسلماً ونصرانياً كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه فأقاما على ذلك بينة مسلمين وتكافأت في العدالة أو لم يكن لهما بينة فالميراث يقسم بينهما نصفين كمال يدعيانه وإن كان قد صلى المسلم على أبيه ودفنه في مقبرة المسلمين فليست الصلاة شهادة ولو لم يأتيا ببينة، وقد كان يعرف بالنصرانية فهو على ذلك؛ وابنه النصراني أحق بميراثه حتى يقيم المسلم بينة على ما ذكره.
وقال غيره: إذا تكافأت البينة قضي بالمال للمسلم بعد أن يحلف على دعوى النصراني لأن بينته زادت حين علمت أنه مسلم.
قال بعض فقهاء القرويين: وقول ابن القاسم أصوب لأن معناه أن الرجل جهل أصله وإذا جهل أصله فليس هاهنا زيادة ولا أمر يرد إليه فوجب قسمة المال بينهما وإذا كانت بينة المسلم زادت على تأويل غير ابن القاسم لم يحتج إلى تكافؤ البينة لأن من زاد

قضي بزيادته وإن كانت الأخرى أعدل منها.
قال إسماعيل القاضي: يشبه أن يكون ابن القاسم أراد بتكافؤ البينة أن تشهد بينة المسلم أن أباه لم يزل مسلماً حتى توفي وتشهد بينة النصراني أنه لم يزل نصرانياً حتى توفي وكان الأب لا يعرف حاله فإن الشهادتين تسقط وأما إن شهدت بينة المسلم أن أباه كان نصرانياً فأسلم وشهدت بينة النصراني أنه لم يزل نصرانياً حتى مات قضي ببينة المسلم لأنها زادت حدوث الإسلام.
وقد اختلف إذا كان معهما ولد صغير.
فقال أصبغ: يأخذ النصف لأن كل واحد منهما مقر أن له النصف فيعطيه نصف ما في يديه فيصير له وحده النصف ولهما النصف.
وفي كتاب ابن سحنون: يحلفان ويوقف ثلث ما بيد كل واحد منهما حتى يكبر الصغير فيدعي مثل دعوى أحدهما فيأخذ ما وقف له من سهمه فإن مات قبل أن يبلغ حلفاً واقتسما ميراثه وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يعرفون كانوا أحق بميراثه ولا يرد وإذا كبر الصبي فادعاه كان له وتقدمت في كتاب الولاء.

[الباب السابع]

في الشهادة على الحيازة وما يقطع الدعوى من طولها

[الفصل 1 - مدة الحيازة التي تقطع دعوى المدعي] ومن حاز على أخيه شيئه حوز المالك سنين ذوات عدد، قال غير ابن القاسم: العشر سنين ونحوها لا يدعيه فذلك يقطع دعواه، وفي ذلك أحاديث مروية.
قال سحنون: ولما أمر الله نبيه عليه السلام بالقتال بعد عشر سنين كانت أبلغ شيء في الإعذار والله أعلم.
وذكر ابن المسيب وزيد بن أسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من حاز شيئاً عشر سنين فهو له» ومن طريق النظر أن كل دعوى ينفيها العرف، وتكذبها العادة، فإنها غير مقبولة لقوله تعالى: ﴿وَامُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:199] فوجب الرجوع إليه في اختلاف الدعوى.
ولما كان الإنسان في غالب الأحوال لا يحاز عنه شيئه، ويرى الحائز يتصرف فيه تصرف المالك بالهدم والبناء والإجارة والرهن وغير ذلك وهو حاضر معه، ولا مانع يمنعه من مطالبته ومن مرافعته دل من حيث العادة المألوفة كما قررناه أن ذلك لو بقي في ملكه لما سكت وتركه، فإذا قام بعد سنين يطالبه ويقيم البينة أن ذلك على ملكه صار مدعياً لغير العرف فلم يقبل قوله، ولا ينظر إلى بينته، والقول قول الحائز أنه صار ذلك له ببيع أو صداقة أو هبة.
وقد اختلف قوله في أن ذلك صار إليه بهبة أو صدقة، والصواب أن لا فرق بين ذلك وبين البيع.

ومن المدونة قال مالك: ومن قامت بيده دار سنين ذوات عدد يحوزها ويمنعها ويكريها ويهدم ويبني، فأقام رجل بينة أن الدار داره، وأنها لأبيه أو جده، وثبتت المواريث، فإن كان هذا المدعي حاضراً يراه يبني ويهدم ويكري فلا حجة له، وذلك يقطع دعواه، وإن كان غائباً ثم قدم فادعاها وثبت الأصل له، فإن أتى الذي بيده الدار ببينة أو سماع أن أباه أو جده ابتاع هذه الدار من القادم أو من أحد آبائه، أو ممن ورثها القادم عنه، أو ممن ابتاعها من أحد ممن ذكرنا، فذلك يقطع حق القادم منها، وإن لم يأت الحائز ببينة يشهدون على الشراء في قريب الزمان، أو على السماع في بعيده، قضي بها للقادم الذي استحقها.
وقد تقدم هذا.
قال ابن القاسم: وكذلك من حاز على حاضر عروضاً أو حيواناً أو رقيقاً، فذلك مثل الحيازة في الربع إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن، والدواب تركب وتكرى، والأمة توطأ، ولم يحد مالك في الرباع عشر سنين ولا غير ذلك، ولكن على قدر ما يرى أن هذا حازها دون الآخر فيها يهدم ويبني ويكري ويسكن.
وقال ربيعة: حوز عشر سنين يقطع دعوى الحاضر، إلا أن يقيم بينة أنه إنما أكرى أو أسكن أو أعار ونحو ذلك، ولا حيازة على غائب.
وذكر ابن المسيب وزيد بن أسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من حاز شيئاً عشر سنين فهو له».
ابن حبيب وبهذا أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ في توقيع عشر سنين.
قال ابن القاسم: والتسع والثمان وما قارب العشرة مثل العشرة.

قال: وما يغتل من ذلك أقصر مدة في الحيازة مما يحاز بالسكنى والحرث.
قال في العتبية: إذا سكن الدار أو زرع الأرض وشبه ذلك فعشر سنين ونحوها تبطل دعوى الأجنبي، وأبين من ذلك أن يغرس وبيني.
ابن حبيب: قال أصبغ: إذا كان الحاضر يرى حيازة الحائز بسكنى الربع أو هدم أو بناء أو زرع للأرض فعشر سنين في ذلك وما قارها قطع لدعواه كما الرهن والستر كالشاهد، وأما غير الدور والأرضين من ثياب أو حيوان أو عبيد أو غير ذلك فذلك أقصر مدة، وكل شيء بقدره، فالثياب السنة والسنتان فيها حيازة إذا لبست، والدابة السنتان والثلاثة إذا ركبها أو اغتله على وجه املك، والأمة مثل ذلك إلا أن يطأها بعلم القائم ولا ينكر فلا حجة له بعد ذلك، وإن لم يطل ذلك قبل الوطء.
والعبيد والعروض فوق ذلك قليلاً إذا حازها بالملك.
ولا يراعى عشر سنين بين الأجنبيين إلا في الرباع.
وقال مطرف: من حاز من الأجنبيين في الأشياء كلها عشر سنين على وجه الملك فهو له، والعشر سنين غاية في الربع وغيره، وقد يكون من هذا الوجه الخمس سنين والست والسبع والثمان تقطع حجة المدعي باجتهاد الإمام عند نزوله.
وأما ما أحدث فيه حائزه بيعاً أو عتقاً أو تدبيراً أو كتابة أو صدقة أو أصدق الأمة أو وطئها فذلك يقطع حجة المدعي إذا لم يغيرها عند علمه بها قام بحدثانه أو بغير حدثانه.
قال ابن سحنون عن أبيه فيمن أثبت بينة في أرض أنها له، وأثبت الذي هي في يده أنه حازها عشر سنين بمحضر الطالب، فأقام الطالب بينة أنه طلبها أو نازع فيها هذا،

قال: إن قالوا لم يزل يخاصم ويطلب، وليس أن يخاصم يوماً أو يومين ثم يمسك نفعه ذلك، وإلا لم ينفعه.
وسئل فيمن أقام بينة أن قناة له تجري على فلان منذ سنة لا يدرون بحق أو بغير حق، ولا يغير الذي تجري عليه ولا ينكر، هل يلزم الذي جرت عليه إثباتها؟ قال: سنة قليل، وقد يتغافل الجار عن مثل هذا.
قيل: فإن جرت عليه أربع سنين أو خمس؟ قال: هذه حيازة واستحقاق.
وعن دارين بينهما زقاق مسلوك، في إحداهما كوة يرى منها ما في دار الآخر، فبنى جاره قبالته غرفة وفتح كوة قبالتها، فقام صاحب القديمة يطلب سدها، فطلب الآخر سد القديمة، والقديمة منذ أربع سنين أو خمس.
قال: يحلف صاحب الحديثة أنه ما تركها إلا على معنى الجوار، وتسد الكوتان.
فصل [2 - في الحائز يدعي أن المالك باعه أو وهبه أو تصدق عليه ما يحوزه وليس له بينة إلا أنه حائز له] ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم فيمن بيده أرض أو مسكن يحوزه فيقيم آخر البينة أنه يملكه، ويقر له بذلك الحائز، ويدعي أنه ابتاعها منه أو وهبها له أو تصدق بها عليه، ولا يأتي ببينة على ذلك إلا أنه حائز لها، فالقول قول من بيده الدار في البيع مع يمينه إذا حازها الزمان الذي يعلم فيه أن قد هلكت فيه البينات على البيع، وأما الهبة والصدقة فيحلف المستحق ما خرجت من ملكه ويأخذها بعد أن يدفع قيمة ما بنى هذا فيها نقضاً، وإن كان الحائز ورثها فالقول قوله مع يمينه، إلا أن يكون المستحق غائباً فيكون أولى بها، إلا أن يقيم هذا بينة بالسماع على الشراء فيما طال زمانه.

قال ابن حبيب: قال مطرف: وإذا علم أن أصل ما بيد الحائز الأجنبي أو الصهر أو المولى إنما أرفق به أو أكرى منه، فالحق لصاحب الأصل وإن طالت الحيازة، حتى يقيم هذا بينة على هبة أو شراء، أو يحدث في ذلك بحضرة هذا ما لا يحدثه إلا في ملكه ولا ينكر عليه، فيكون أحق به.
وولد الحائز وولد ولده في كل ما ذكرنا مثل آبائهم.
فصل [3 - في الحيازة على الغائب] ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: ولا حيازة على غائب وإن تداولتها الأملاك، إلا أن يقيم الحائز بينة على شراء أو صدقة منه، وكذلك لو كان الغائب على مسيرة ثمانية أيام أو أربعة أو نحوها فيحوزها الحاضر عشر سنين أو عشرين سنة، ثم يموت وتورث عنه، وهو يبلغه ذلك، فلا يطلب ولا يوكل، فإن له القيام، ولا يقطع ذلك عنه الأمر القريب، وليس كل الناس يتيسر لهم ذلك من ضعف وغيره وللناس أعذار.
قيل وإن لم يكن به ضعف ولا عذر؟ قال: كممن لا يتبين عذره وهو معذور، إلا أن يكون علم بذلك وطال زمانه لا يخرج إلى ذلك، ويترك فلا شيء له.
وقال عنه يحيى: إن كان بعيداً مثل الأندلس من مصر كلف من هو بيده البينة على ما يستحق به، وإلا لم تنفعهم الحيازة، وإن كانت الغيبة قريبة ومنزلهم يتوارث هكذا بعلمهم، ولا يقومون ولا يوكلون حتى طال الزمان، وقد ورث أو لم يورث فذلك قطع لحقهم كالحاضرين، إلا أن يتبين للسلطان عذرهم لضعفهم أو عجزهم.

قال ابن حبيب عن مطرف: إذا حيزت على رجل أرضه أو داره وهو غائب، فإن لم يعلم فهو على حقه إذا قدم وإن طالت الحيازة، قربت غيبته أو بعدت، وهو على أنه لم يعلم حتى تقوم البينة بعلمه، فتنقطع حجته إن كان قريب الغيبة كالخمسة الأيام وشبهها، إلا أن يأتي بوجه يعذر فيه مثله، والسبعة من الأيام والثمانية طول من الغيبة وعذر يترك به القدوم، وإن علم بما حيز عليه لم يضره، ولكن استحب له أن يشهد بأنه على حقه، وإن لم يشهد لم يضره، وذكر عن مالك.
فصل [4 - في الحيازة بين القرابة] ومن المدونة: قيل لابن القاسم: أرأيت لو أن داراً في يدي ورثتها من أبي فأقام ابن عمي بينة أنها دار جده وثبت موروثه؟ قال: هذه من وجه الحيازة التي أخبرتك.
م/: قال بعض فقهائنا: جعل في هذا القول الحيازة بين القرابة وبين الأجانب سواء بخلاف ماله في غير المدونة.
قال غيره: ما كان في الحيازة من تأثير هدم أو بناء أو نحوه، فيستوي في ذلك القرابة والورثة والأجانب، وما كان ليس فيه تأثير وإنما هي حيازة بسكنى ونحوها، فيفرق بين الأقارب والأجانب في طول ذلك.
وكذلك روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية.
م/: قال بعض الفقهاء: اختلف في الحيازة على القرابة، فإن كانوا يتسامحون في حيازة بعضهم على بعض فيما يرثونه العشرين سنة والثلاثين لم يكن ذلك حيازة، ثم ينتظر أيضاً ما الغالب أنهم يسكنون إليه فيكون حينئذ حيازة، وإن كانوا كالأجانب، ويقع بينهم التشاح فهم في الحيازة كالأجانب، ولو حاز بعضهم على بعض العشر سين والثمانية وما قارب ذلك فهو حوز عليه.

وأما الهدم والبناء في الأجانب فذلك حوز، وإن قرب الأمد.
واختلف هل ذلك بين القرابة حوز فينبغي أن ينظر أيضاً فإن كانوا لا يفعلون الهدم والبناء إلا بعد المقاسمة فذلك حوز، وإن كانوا يتسامحون في هذا فليس بحوز إلا أن يطول الزمان كالخمسين سنة ونحوها.
[فصل 5 - في الحيازة بين الورثة والشركاء] وأما حيازة الوارث بالوطء والبيع والتدبير والكتابة والعطية فذلك يقطع حق باقي الورثة بلا اختلاف فيه.
ومن غير المدونة: وقد اختلف قوله فيما حازه الورثة ببناء أو هدم أو غرس أو كراء باسمه.
فقال مرة هم في هذا كالأجانب إذا حازها بمثل هذا عشر سنين فهو أولى بها، ثم رجع فقال: لا يقطع بذلك حق الورثة، وثبت فيما حازه الوارث بالوطء والبيع والتدبير والكتابة والعطية أن ذلك يقطع حق باقي الورثة بمثل هذا.
وقال في الغرس والبناء: إلا أن يطول الزمان جداً، ولم ير الأربعين سنة طوشً بين الورثة خاصة، وسواء مات أحد الوارثين أو كلاهما أو لم يموتا لا يقطعه إلا طول الزمان جداً.
قال: وكذلك المرأة مع ولد زوجها تقوم هي أو ولدها من زوج بعده على ولد الأول، وقد حازوا بالزرع والسكنى، وإن بعد عشرين سنة، فلا يقطع ذلك حقها ولا حق ولدها، إلا أن يقسموا أو يبيعوا أو يعتقوا بعلمها أو علم من يرثها فذلك يقطع حقهم.
قيل: فإن فعلوا ذلك في بعض الرقيق؟ قال: إن كان ذلك في يسير منهم أخذت حقها فيما أعتقوا وبعوا؛ لأنها تعذر

بالسكوت عن اليسير في جنب كثير الميراث، وإن أحدثوا ذلك في جل الميراث فإن حقها يبطل من الجميع.
ومن كتاب ابن حبيب قال مطرف: ولا حيازة بين الورثة والشركاء فيما يزرع أو يسكن بغير عمارة طال الزمان أو قصر، في بعض ذلك أو كله، حضروا أو غابوا، إلا أن يطول الزمان جداً خمسين سنة أو أكثر، أو يحدث فيما لم يطل بيع أو هبة أو قسم أو إصداق النساء، والباقون حضور لا ينكرون ولا يغيرون ذلك، فلا حق لهم إلا أن يقوموا بحدثان ذلك، وإلا فلا شيء لهم لا في ثمن ولا في غيره.
قال: وما حيز منه بالهدم والبناء والغرس والإحياء فهم فيه كالأجنبيين، هذا إذا مضت عشر سنين وشركاؤه حضور عالمون لا يغيرون، فهو أحق به إذا ادعاه ملكاً لنفسه بأمر لا يريد أن يظهره واحتج بحيازته، فإن حاز هذا جميع ذلك فهو له، وإن كان إنما حاز بعضاً ولم يحز البعض وكان ما حاز مثل سهمه فهو له بسهمه، ولا شيء عليه فيما بقي، وإن ادعى أنه إنما عمر له دونهم، وأن حقه ثابت فيما بقي إذا ادعى أشراكه أنهم إنما تركوه يحدث ذلك ليكون له بسهمه وسهامهم فيما بقي، وحلفوا على ذلك.
وإن عمر أقل من سهمه أتم له بقية سهمه فيما بقي، وإن كان أكثر من سهمه فهو له كله قدر سهمه بسهمه، وما زاد على سهمه بالحيازة.
قال: والحيازة بقبض الغلات والثمار، وإن قبض غلة ذلك كله كالحيازة بالسكنى والزرع، وإن زعم شركاؤه أنه إنما قبض ذلك له ولهم بتوكيلهم أو التقديم له حلفوا، وهم على حقهم من الأصل والغلة الماضية.
وإن قالوا: تجافيا له عن ذلك فهم على أصلهم خاصة، وما حاز بعضهم من العبيد والإماء والحيوان والدواب وجميع العروض تختدم وتركب وتجلب وتمتهن العروض فلا يقطع ذلك حق الباقين ما لم يطل، والطول في ذلك دون الطول بينهم في حيازة الدور والأرضين بالسكنى، والازدراع، وفوق حيازة الأجنبي على الأجنبي، ما لم يحدث الحائز عتقاً أو تدبيراً أو بيعاً أو هبة أو صدقة أو يطأ الأمة أو يقطع الثياب والباقون لا يغيرون

ولا يقومون بحدثانه، فإن أحدث ذلك فيها كلها قضي له بها كلها.
وإن كان في بعضها فله ذلك خاصة، والباقي بينهم بعد يمين الباقين أنه ما خرج من أيديهم، ولو قاموا عند هذا الإحداث وحلفوا أنهم ما سوغوا له ذلك، فلهم قيمة نصيبهم فيما أعتق وفيما وطئ، وما باع أو تصدق أو وهب أو أصدق فهو مردود وهم فيه على حقهم.
فإن طال ذلك قبل قيامهم فلا شيء لهم لا في ثمن المبيع ولا في غيره، وما طال حيازته له بالامتهان والاستخدام حتى طال الزمان فذلك لحائزه دون الباقين، والطول فيه فوق عشر سنين بقدر الاجتهاد.
وأما في غير الورثة والشركاء فالحيازة فيه أقل من عشر سنين.
قال: والورثة والشركاء وآباؤهم بمنزلة أبنائهم لا يستحقون شيئاً بموت من مات وقال أصبغ مثله.
وقال أيضاً: وما حاز بعضهم بهدم أو بناء يشبه الإصلاح والزيادة فالسكنى لا يضر معه طول زمان ولا موت بعضهم إلا في طول الزمان جداً كخمسين سنة أو ستين سنة، فذلك يقطع حق من بقي، وما دون الخمسين وما قاربها فليس بحوز في الشركاء والورثة، وأما البناء والهدم الذي لا يشبه الزيادة فذكر فيه ما تقدم لمطرف.
فصل [6 - في حيازة الابن على أبيه وحيازة الورثة والأصهار والموالي] وبلغني عن محمد بن إبراهيم بن دينار أنه قال: ما حاز الابن من أرض أبيه في حياته بالغرس والبناء والإحياء، ولم ينقله الأب منه حتى مات، وطال الزمان فهو للولد بحيازته إياه إذا ادعاه ملكاً لنفسه.

قال: وإن كان أبوه ينقله من موضع إلى موضع، ويعمل في كل موضع، فلا شيء له بحيازته، وإن مات أبوه على ذلك، وقاله مطرف.
وروى أصبغ عن ابن القاسم أن ليس بين الولد ووالده في مثل ذلك حوز وإن طالت عمارته؛ لأنهم كالخول لآبائهم إلا ما نسبوه لأنفسهم بشراء أو هبة أو صدقة أو إصداق امرأة أو بنوا أو غرسوا في موضع واحد.
وقاله أصبغ وابن حبيب.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في الذي يعمر ابنه أومواليه أو أختانه حتى هلك ولا بينة لهم على عطية أو هبة أو صدقة، فأما الولد فلا شيء له إلا أن يقيم بينة على عطية أو صدقة أو هبة.
وأما المولى والختن فكالأجنبي إن عمروا أو غرسوا بمحضر رب الأرض، ولا يغير ولا ينكر، ولا يشهد بعارية ولا يغيرها فذلك لهم إذا عمروا زماناً طويلاً، أو بنوا بناءاً معروفاً بعلم رب الأرض عشر سنين أو تسع أو ثماني، وأما حيازة الابن على أبيه فيما ثبت أصله لأبيه من حيوان أو دابة أو رأس رقيق، فلا ينتفع بتقادم ذلك في يديه إلا أن يأتي ببينة على صدقة أو هبة.
وقال ابن حبيب: قال مطرف: ما عدا الشركاء والورثة من جميع القرابات، الإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم، والأخوال والأصهار والموالي، فهم كالأجانب فيما حازوه.
قال أصبغ: إلا موالي الخدمة المدبرين لماله.
يريد مثل الخول والقوام وشبههم من

الخاصة، فلا يجرون مجرى الأجانب، وكذلك الموالي والأصهار يكونون خولاً ووكلاء لصاحب الأصل أو مختلطين به جداً، إلا أن يكونوا منقطعين عنه فيكونون كالأجانب، ولا حيازة للابن على أبيه وإن كان منقطعاً عنه.
واختلف قول ابن القاسم في ذلك: فمرة قال بقول مطرف وأصبغ، ومرة قال بخلافه.
قال أشهب وابن وهب: إن الورثة والأصهار كالأجانب فيما يحاز إذا حازوه عشر سنين، وكذلك عن أشهب في المجموعة أن الورثة كالأجانب.
وقال سحنون في العتبية في الصهر كزوج الأخت أو العمة يعمر قريتي بمحضري، قال: هو كالغريب في الحيازة، ولا يستحقها بعمارة عشر سنين بخلا الأجنبي.
وقد اختلف فيه أصحابنا وهذا أحسن.
وكذلك الموالي من فوق ومن أسفل كالقرابة في ذلك أيضاً.
واختصار ذلك كله على ثلاثة أقوال، قول أن الورثة والشركاء صنف لا يقضى لهم إلا أن تطول الحيازة كالخمسين سنة مثلاً أو ستين، وأن الأجنبي والقرابة غير الورثة.
والأصهار والموالي صنف يقضي لهم بحيازة عشر سنين وما قاربها، ويستوون كلهم في بيع الشيء المحاز وصدقته وهبته ووطئه وكتابته وتدبيره أن ذلك حوز وإن قرب، واختلف في حوز الورثة بالبناء والهدم فقيل: هم فيه كالأجانب، وقيل: بل ذلك كالزرع والسكنى.
وقال سحنون: إن الورثة وغيرهم من القرابة والأصهار والموالي من فوق أو من أسفل لا يقضي لهم إلا بعد طول الحيازة بخلاف الأجانب.
وقال أشهب: الورثة والأصهار والموالي كالأجانب يقضي لهم بحيازة عشر سنين وما قاربها.

[مسألة: حيازة الأزقة والطرق] وسئل سحنون عمن يدخل في داره من زقاق المسلمين النافذ فلم يرفع ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشر سنين؟ قال: يهدم ويرد إلى الزقاق، ولا تملك الأزقة ولا تحاز.
وعما يحدث في طرق المسلمين من الكنيف والحمامات، ولا يرفع ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشر سنين أو عشرين سنة؟ قال: لا تحاز طرق المسلمين بخلاف الأملاك بين الناس، إلا أن يأتي من ذلك أمر قديم مثل الستين سنة ونحوها فيترك ذلك؛ لأنه لا يعلم بأي وجه وضع ذلك، وأما عشر سنين ونحوها فلا.

[الباب الثامن]

في الشهادة في المواريث وبيع ما فيه مناظرة

[الفصل 1 - الشهادة في المواريث] قال ابن القاسم: ومن قامت له بينة أنه ابن فلان الميت لم يستحق ميراثه حتى يقولوا: لا نعلم له وارثاً غيره، وكذلك إن شهدوا مع ذلك بأن هذه الدار لأبيه أو جده فلا تتم الشهادة حتى يقولوا: لا نعلم أنها خرجت عن ملكه إلى أن مات وتركها ميراثاً، وأنا لا نعلم له وارثاً غير هذا، فإن شهدوا أن هذا وارث أبيه أو جده مع ورثة آخرين، يريد يعرفونهم وهم غيب سمعت البينة، وقضيت للحاضر بقدر حظه منها، ولم أنزع باقيها من يد المقضي عليه؛ إذ لعل الغيب يقرون له بها، فإن قدموا وادعوا كدعوى الحاضر كان ذلك القضاء لهم نافذاً، وإن قدموا قبل القضاء أو بعد أن عجز الأول عن منافعه فهم على حجتهم.
وروى أشهب وابن نافع عن مالك: أنه إذا قضى للحاضر بحظه نزع باقيها من يد المقضي عليه ووقف للغائب.
وقال ابن القاسم مرة هكذا، نقلها في كتاب الولاء وهم أتم.
[الفصل 2 - بيع ما فيه دعوى قائمة] م/: قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا القرويين: وينبغي على قول ابن القاسم إذا قام غرماء بدين على الغائب أن يباع له حظه الموقوف بيد المدعى عليه؛ لأن الغائب لو كان حاضراً ونكل عن اليمين لكان للغرماء أخذها وبيعها في دينهم.
م/ يريد بعد يمينهم لتي كان يحلفها الغائب.
قال: أخذها الغرماء ثم قدم الغائب

فحلف فقد مضى ذلك، وإن نكل غرم للمدعى عليه ما أخذه الغرماء، ويتبع بذلك في عدمه، ولا شيء له على الغرماء.
قال بعض أصحابنا: وقول ابن القاسم في بقاء نصيب الغائب بيد المدعى عليه أولى؛ لأن الغائب عليه اليمين أنه ما باع ولا وهب، ولا علم أن أباه باع ولا وهب، فكأن الحكم لم يتم ولم يجب له شيء حتى يحلف؛ فلذلك أوقفه ابن القاسم بيد المدعى عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا قالت البينة لا نعلم كم الورثة لم يقض لهذا بشيء من الدار، ولا ينظر إلى تسمية المدعي للورثة، وتبقى الدار للذي هي بيده حتى يثبت عدد الورثة ببينة.
قال مالك: ومن ادعى أرضاً وتبين لدعواه وجه، والذي هي بيده يحفر فيها عيناً، فإنه يمنع ويوقف، وليس له أن يقول: دعوني أعمل فإن ثبت له هدمت ذلك.
ومن أقام بينة غير قاطعة في ربع فللذي هو بيده أن يبيع ويصنع ما شاء، ولا يبطل بذلك دعوى هذا.
م/: وطرح سحنون هذا، وقال ليس للذي هو بيده أن يبيع؛ لأن البيع حينئذ غرر.
وهذا نقل أبي محمد، وهو لابن القاسم في غير المدونة.
وسئل عنها ابن القاسم في الأم فقال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً، إلا أن له أن يبيع ويصنع ما شاء ما لم يقض لهذا بها.
وقال غيره مثل قول سحنون، والله الموفق للصواب.

[الباب التاسع] جامع القول في الدعوى والإيمان وعلى من تجب وأين تجب قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة» وقال: «من حلف على منبري بيمين كاذبة فليتبوأ مقعده من النار».
وقال عليه السلام: «اليمين على المدعى ع ليه».
[الفصل 1 - من ادعى عيناً قائمة وأتى ببينة على ذلك فمن تمام الشهادة أن يقولوا ما علمناه باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه] قال مالك: ومن ادعى عيناً قائمة من رقيق أو من حيوان أو طعام أو عروض أو ناض أو غير ذلك بيد رجل، فأتى ببينة على ملكه لذلك، فمن تمام الشهادة أن يقولوا: ما علمناه باع ولا وهب ولا خرج من ملكه، ثم لا يقضي له به حتى يحلف على البت أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه، فإن قال: أعرتها أو استودعتها لم يكن ذلك خروجاً عن ملكه.
وفي كتاب العارية: فإن شهدوا أن الدار له، ولم يقولوا لا نعلم أنه باع ولا وهب، فإنه يحلف أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق، ويقضي له به.
وقال أشهب مثله إن لم يقدر على كشف البينة، فيسألون، وإن وجدوا سئلوا.

قال ابن القاسم: فإن أبوا أن يقولوا ما علمناه باع ولا وهب ولا تصدق فشهادتهم باطلة.
وقال مالك: وليس عليه أن يأتي ببينة يشهدون على البت أنه ما باع ولا وهب، ولو شهدوا بذلك كانت زوراً وإن أقام بما ذكرنا شاهداً واحداً حلف معه وقضي له.
م/ يريد أن يحلف مع شهادة الشاهد على أصل الملك، وأنا ما باع ولا وهب ولا خرج ذلك عن ملكه بوجه من الوجوه.
[الفصل 2 - من أقام شاهدين على حق فليس عليه أن يحلف مع شاهديه] قال مالك: ومن أقام شاهدين على حق له فليس عليه أن يحلف مع شاهديه إلا أن يدعي عليه المديان أنه قضاه ذلك الحق فيما بينه وبينه، فإنه يحلف، فإن نكل حلف المطلوب وبرئ، فإن نكل غرم.
ولو كان الحق على ميت أو غائب لم يقض به للطالب حتى يحلف مع شاهديه أنه ما قبض ذلك منه ولا سقط عنه.
قال مالك: وإذا قامت بينة لميت بدين، وادعى المطلوب أنه قد قضاه للميت لم ينفعه ذلك، وله اليمين على من يظن به علم ذلك من بالغي ورثته على العلم، ولا يمين على من لا يظن به علم ذلك ولا على صغير، ومن نكل ممن تلزمه اليمين منهم سقط من الدين حصته فقط.

[فصل 3 - التورية في اليمين وفي إنكار المدعى عليه] وقال في رواية يحيى بعد يمين الذي عليه الحق: ومن اشترى منك ثوباً ونقدك الثمن فقبضته منه ثم جحدته الاقتضاء، وطلبت يمينه، فأراد هو أن يحلف أنه لا حق لك قبله، فليس له ذلك.
قال مالك: ولك أن تحلفه أنه ما اشترى منك سلعة كذا بكذا؛ لأن هذا يريد أن يورك في اليمين.
قال ابن القاسم: يعني بقوله يورك الألغاز.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: إذا حلف مالك على من كل ما تدعيه قليل ولا كثير فقد برئ.
وبه أخذ ابن حبيب إن كان المدعى عليه ممن لا يتهم، والمدعي من أهل الظنة والطلب بالشبه.
قال ابن سحنون: وكان سحنون إذا قال الخصم: لا أقر ولا أنكر، وقال: مالك عندي حق، والآخر يدعي دعوى مفسرة يقول: أسلفته أو بعته أو أودعته فكان لا يقبل قول المدعى عليه: ما له عندي شيء، حتى يقر بالدعوى نفسها أو ينكرها فيقول: ما باعني ولا أسلفني ولا أودعني، فإن تمادى على اللدد سجنه، وإن تمادى أدبه وكذلك إذا تمادى على ألا يقر ولا ينكر، فأما قوله ماله عندي حق فكان ربما قبل ذلك منه، وأمر فكتب دعوى المدعى وإنكار الآخر، وربما لم يقبل منه حتى يقر بالشيء نفسه أو ينكر، ورجع إلى هذا في آخر أيامه.

[مسألة: دعوى أحد المتفاوضين على رجل ديناً من شركتهما] ومن المدونة: وإن ادعى أحد المتفاوضين على رجل ديناً من شركتهما وجحده فليس للمطلوب أن يقول لهذا المفاوض: لا أحلف إلا على حصتك، وليحلف على حصته وحصة شريكه؛ لأنه في حصة شريكه مفوض إليه؛ ولأن فعل أحدهما كفعلهما فإن حلف لهذا ثم أتى صاحب لم يكن له أن يحلفه؛ لأنه قد حلف لشريكه.
م/ لأنه وكيل لصاحبه على أن يحلف من أنكرهما، فيمينه لهذا يمين لهما جميعاً.
وقال بعض القرويين: لا يلزمه يمين في الجامع إذا ادعى عليه ثلاثة دراهم؛ لأن كل واحد منهما إنما له عليه درهم ونصف درهم، وليس ما كان موكلاً عليه من حصة صاحبه يجب أن يكون كماله، وكذلك لو نكل هو ما لزمهما يمين في الجامع؛ لأن كل واحد إنما يجب له مما حلف عليه درهم ونصف، ولو كان ما ادعاه هو عليهما ثلاثة دراهم لحلفهما في الجامع؛ لأن كل واحد عليه النصف وهو حميل بالنصف فكأن الثلاثة دراهم على كل واحد منهما.
ومن المدونة: وكذلك لو وكلت رجلاً لقبض مالك على فلان فجحده فحلفه الوكيل، ثم لقيته أنت لم يكن لك أن تحلفه ثانية؛ لأن يمينه لوكيلك يمين لك.
فصل [5 - في صيغة اليمين وتغليظها بالمكان والزمان] قال مالك: ويحلف المدعى عليه أو من حلف مع شاهده بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزيد على هذا.

وكذلك فعل الرسول عليه السلام.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ورأيت المدنيين يزيدون في اليمين عند المنبر الرحمن الرحيم، وأبى ذلك مالك.
قال ابن القاسم وأشهب: ولا يؤخذون بأن يقولوا مع ذلك عالم الغيب والشهادة، ولا الطالب المدرك.
قال مالك: هذه أيمان الأعراب.
قال أشهب: وإن حلف فقال: والذي لا إله إلا هو لم يقبل منه، وكذلك لو قال والله فقط.
فلا يجزئه حتى يقول والله الذي لا إله إلا هو.
[مسألة: فيمن توجهت إليه اليمين يحلف قائماً] ابن سحنون: قيل لمالك: أيحلف قائماً أو قاعداً؟ قال: قائماً أبين.
قال عنه ابن القاسم: يحلف قائماً إلا من به علة.
وقال ابن كنانة عن مالك: يحلفون في القسمة واللعان وفيما بلغ من الحقوق ربع دينار فأكثر عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، فيما يحلف فيه يميناً واحدة حلف هكذا وما تردد رددت هكذا قال: ويحلفون في مدائنهم وأمصارهم في مساجد جماعتهم جلوساً لا قياماً، ويتحرى في أيمانهم في المال العظيم، وفي الدماء واللعان الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد ويجتمعون للصلاة، وما سوى ذلك من حق أو مال ففي كل حين.

وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون الأيمان في الحقوق والدماء واللعان بالله الذي لا إله إلا هو، وفي كل ما فيه اليمين على المسلمين والنصارى واليهود والمجوس.
ومن المدونة قال: وكل شيء له بال فإنه يحلف فيه في جامع بلده في أعظم مواضعه، وليس عليه أن يستقبل به القبلة.
ولا يعرف مالك اليمين عند المنبر إلا منبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ربع دينار فأكثر.
ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: يستحلف الرجال والنساء قائمين مستقبلي القبلة في ربع دينار فأكثر في المدينة عند منبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وبغيرها في مسجدهم الأعظم حيث يعظمون منه عند منبرهم، وتلقاء قبلتهم، فإن لم يبلغ الحق ربع دينار حلفوا جلوساً إن أحبوا، ويحلف الرجل في أقل من ربع دينار في مكانه الذي قضي عليه فيه، والمرأة في بيتها، ولا تخرج في ذلك.
ومن كلف فيما له بال أن يحلف في المسجد عند المنبر وما أشبهه من المواضع فقال: إنما أحلف في مكاني فهو كنكوله عن اليمين إن لم يحلف في مقاطع الحقوق غرم ما ادعى عليه.
م/: يريد بعد يمين المدعي في تلك المواضع.
قال ابن حبيب: إن كان مدعياً بطل حقه، وكذلك قضى مروان على زيد بن ثابت.
قال أبو محمد: قال مالك: ومن أبى أن يحلف عند المنبر فهو كالناكل عن اليمين.
وأما القسامة فإنه يحلف عليها أهل مكة في مسجدها، ويحلف أهل المدينة وبيت المقدس في مسجديهما.
قيل: فلو كانوا على عشرة أيام؟ قال: لم أوقف مالكاً عليه، ولا أشك أن عمل أهل مكة يحلفون إلى مسجدها حيث كانوا.

وكذلك أهل المدينة وبيت المقدس، ولا يجلبون إلى سائر البلدان إلا مثل عشرة أميال ونحوه.
قال عبد الوهاب: اعلم أن التغليظ في الإيمان عندنا في الموضع والزمان، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يغلظ بالمكان.
واحتج من نصره بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه»، فأطلق ولم يقل في مكان دون مكان.
وقوله عليه الصلاة والسلام للأنصار: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم» ولم يخص؛ ولأن الحجة حجتان حجة للمدعي وهي البينة، وحجة للمدعى عليه وهي اليمين.
وقد ثبت أنه ليس من شرط إحدى الحجتين التغليظ بالمكان فكذلك الأخرى؛ لأنه استحلاف في حق فوجب أن لا يختص بمكان دون مكان.
أصله ما دون الربع دينار.
قال عبد الوهاب: ودليلنا قوله عليه السلام: «من حلف عند منبري هذا يميناً كاذبة فليتبوأ مقعده من النار».
م/: وأبين من هذا ما رواه ابن وهب في التلاعن أن النبي -عليه السلام- أمر الزوج والزوجة فحلفا بعد العصر عند المنبر، فهذا حديث مفسر فهو يقضي عليه المجمل.
قال عبد الوهاب: فدل ذلك أن في شرعه عليه السلام يميناً تختص بمنبره، وذلك

للتغليظ بالمكان.
ومن الدليل أيضاً إجماع الصحابة، لما روى أن أبا بكر وعمر استحلفا عند المنبر، وأن عثمان طولب بذلك في يمين توجهت عليه فافتدى من يمينه.
وقال أخاف أن أوافق قدراً.
م/: وفي المدونة أن الذي فعل ذلك عبد الله بن عمر.
قال عبد الوهاب: وروي عن علي بن أبي طالب.
م/: وفي المدونة عن عمر أنه قال لرجل قال لامرأته: حبلك على غاربك، فقال له: تحلف عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو ما أردت الطلاق.
ونحوه عن ابن العباس فثبت بذلك أنه إجماع الصحابة.
وأما ما روي عن زيد بن ثابت أنه كان بينه وبين رجل خصومة، فترافعا إلى مروان فتوجهت اليمين على زيد فقال له مروان: تحلف على المنبر.
فقال: أحلف في موضعي.
فقال له: بل على المنبر.
فرد المال ولم يحلف.
فإنه شاهد لنا أنه فعل ذلك افتداء ليمينه؛ وذلك اعتراف منه بلزومه له إذا طالبه؛ لأنه لو كان لا يلزمه لكان يمتنع منه،

وأيضاً فإن اليمين تراد للزجر والردع فغلظ فيها؛ ليتحرج الحالف ويمتنع من الإقدام عليها إن كان مبطلاً.
ولهذا المعنى قلنا نحن وأبو حنيفة ومن تبعه: إن القسامة يغلظ فيها بكثرة العدد، فإذا ثبت ذلك وكان الحلف عند المنبر أردع وأبلغ في الزجر وجب أن يكون أولى.
م/ وأكثر هذا الاحتجاج في المدونة وبالله التوفيق.
[مسألة: تخويف المطلوب باليمين قبل اليمين] قال محمد بن عبد الحكم: ويستحب للإمام تخويف المطلوب باليمين قبل اليمين، وقد كتب به ابن عباس إلى ابن أبي مليكة" ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:77] فاعرف.
[الفصل 6 - خروج المرأة فيما له بال من الحقوق لتحلف في المسجد] ومن المدونة: وتخرج المرأة فيما له بال من الحقوق فتحلف في المسجد.
قال ابن الماجشون في الواضحة: وذلك في ربع دينار فأكثر.
قال مالك في المدونة: وإن كانت ممن لا تخرج نهاراً فلتخرج ليلاً فتحلف في المسجد.
قيل لابن المواز: فإن كانت ممن لا تخرج نهاراً هل تخرج ليلاً في ربع دينار؟ فقال: لا.

إلا في الشيء الكثير الذي له بال.
وفي كتاب ابن حبيب جعلها تخرج في ربع دينار كالرجل.
ومن المدونة قال مالك: إذا كان الحق يسيراً لا بال له حلفت في بيتها إن كانت ممن لا تخرج، فيبعث إليها القاضي من يحلفها لصاحب الحق، ويجزئه رجل واحد.
وأم الولد مثل الحرة فيمن تخرج أو لا تخرج.
وأما المدبرة وكذلك المكاتبة فهي كالحرة في اليمين.
ولا يحلف الصبيان إذا ادعى عليهم حتى يبلغوا، وكذلك لو ثبت لهم حق بشاهد واحد فلا يمين عليهم حتى يبلغوا.
[الفعل 7 - في أيمان أهل الكتاب] ولا يحلف النصارى واليهود في حق أو لعان أو غيره إلا بالله، ولا يزاد عليهم الذي أنزل التوراة والإنجيل، ويحلفون في كنائسهم حيث يعظمون، ويحلف المجوس في بيت نارهم، وحيث يعظمون.
قال في رواية يحيى: ويحلفون بالله.
ابن وهب: وأن عمر بن عبد العزيز نهى أن يستحلف النصارى بغير الله، وأخبرني رجال من أهل العلم عن رجال من أهل العلم بذلك.
وذكر عن الشيخ أبي الحسن القابسي قال: إذا وجبت يمين على يهودي أو نصراني

فأحب الطالب أن يحلفه يوم السبت أو يوم الأحد أن ذلك له، وإن طلب الذمي التأخير إلى ذهاب يوم السبت أو الأحد وأبى المسلم لم يمكن الذمي من مراده.
وقال: أرأيت لو قتل يوم السبت أو سرق أما يحكم عليه؟ فكما يحلفون في موضع يكرهون أو يعظمون فكذلك في يوم يعظمونه.
م/ وأما النصارى فكما ذكرنا؛ لأنه ليس من دينهم الامتناع عن اليمين في يوم الأحد ولا في غيره.
وأما اليهود فمن شريعتهم فيما يزعمون أنهم يسبتون يوم السبت، فلا يبيعون ولا يشترون ولا يطلبون ولا يطالبون ولا يستحلفون، فإذا ثبت أن ذلك من شريعتهم ونهم إنما بذلوا الجزية على أن يقروا على شرائعهم، فيجب أن يوفى لهم بذلك، ويؤخرون إلى زوال السبت إذ لا ضرر على الطالب في ذلك.
وأما استحلافهم حيث يعظمون فليس من شريعتهم الامتناع من ذلك، بل هو مذهبهم.
وأما ما يجب عليهم من قطع أو قتل أو حد فبخلاف يمينهم؛ لأن ذلك شيء يفعل به، واليمين هي شيء يفعلها.
والله أعلم بالصواب.
فصل [8 - مقدار المال الذي يستحلف فيه عند المنبر] قال ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن سحنون وابن المواز والعتبية: من باع ثوباً فرد عليه بعيب فادعى عليه بعيب فادعى أنه بينه له وأنكره وأراد يمينه عند المنبر.
قال: إنا لنقول: لا يستحلف عند المنبر إلا في ربع دينار.
قال ابن المواز: قال أصبغ: فإن كان نقصان الحق أكثر من ربع دينار لميحلف إلا في الجوامع.

م/: وأنكره بعض القرويين.
وقال: إن كان الثوب قائماً فإنه يطلب جميع ثمنه، فيجب ألا ينظر فيه إلا إلى قيمة العيب، فإن نظر إلى قيمة العيب فإن كان ربع دينار حلفه في الجامع، ولا يحتاج إلى أن يكون أكثر من ربع دينار.
قال في كتاب ابن المواز: إذا كان لرجل ربع دينار على رجال أو لرجلين على رجل لم يحلف في المسجد الجامع ولا عند المنبر، ولا يحلف في مساجد القبائل في ربع دينار ولا أقل ولا أكثر.
ومن العتبية وكتاب ابن سحنون قال ابن القاسم عن مالك: إذا كان على جماعة ذكر حق بربع دينار لم أر أن يحلفوا عند المنبر.

[الباب العاشر]

في تعديل البينة وتجريحهم وعقوبة شاهد الزور

[الفصل 1 - شهادة العبد والخصم والظنين والجار لنفسه] قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2] فكان ظاهر الخطاب للأحرار كما قاله سبحانه في قوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:32].
والعبد يمنعه سيده أن يشهد أو يؤدي فكان ممن لم تكمل فيه شروط الشهادة في حق الذين لا يأبون إذا ما دعوا، وقال عز وجل ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282]. وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار لنفسه».
وقد تقدم هذا.
[الفصل 2 - في تزكية البينة قبل الحكم] قال ابن القاسم: فينبغي للقاضي ألا يقضي ببينة حتى تزكى عنده، وإن لم يطعن فيهم الخصم، وإن علمهم القاضي بجرحة أو عدالة أجزأه علمه، فإن لم يخبرهم كشف عنهم في السر، فإن زكوا عنده في السر أو في العلانية أجزأه ذلك، ولا يقبل في سر أو علانية إلا تزكية رجلين عدلي، ولا أبالي فيما كانت الشهادة ي حق أو حد، ولا يجزئ في التعديل إلا القول بأنهم عدول مرضيون.

قال بعض القرويين: قال سحنون: فإن قالوا: هم عندنا عدول ولم يزيدوا على ذلك قال: هذه تزكية.
قال ابن القاسم: وتجوز تزكية الشاهد وهو غائب.
قال سحنون: وذلك إذا كان مشهوراً بالبلد.
وإن ارتضى القاضي رجلاً للكشف جاز أن يقبل منه ما نقل إليه من التزكية عن رجلين لا عن أقل من ذلك، وكذلك في استحلاف المرأة.
وأما في قيم السلع والعيوب وقيمة السرقة ونحوه فرجلان.
وقد اختلف في ذلك كله: فقيل: يجزئ واحد، وقيل: لابد من اثنين، وكذلك في القافة قيل: يجزئ واحد، وقيل: لابد من اثنين.
[الفصل 3 - في تجريح البينة] ومن المدونة: وإذا زكيت البينة والمدعى عليه يجهل وجه التجريح من جهلة الناس أو من ضعفة النساء، فليخبره الإمام أو القاضي بما له من ذلك ويبينه له، فلعل بينه وبين الشاهد عداوة أو ظنة أو شركة.
وإن كان مثله لا يجهل التجريح لم يدعه إليه، وليس كرد اليمين؛ لأن الحكم لا يتم إلا بردها.
ومما يجرح به الشاهد أن تشهد عليه بينة أنه شارب خمر أو آكل ربا أو صاحب قيان أو كذاب في غير شيء واحد.
ابن المواز: والذي يعصر الخمر ويبيعها مجرح وإن لم يشربها.
قال في العتبية: أو يكري بيته من الخمارين.
ومن المدونة: ولا يجرحه إلا اثنان عدلان.

وقد تقدم أكثر هذا في كتاب الأقضية.
وفي كتاب القطع والسرقة وفي كتاب الرجم شيء من هذا.
قال ابن وهب: قال ربيعة: ترد شهادة الخصم الذي يجر إلى نفسه والظنين المغموص عليه في خلائقه وشكله ومخالفته للعدول في سيرته، وإن لم يظهر منه قبيح عمل، وترد شهادة العدو الذي لا يؤمن على ما شهد عليه.
فصل [4 - عقوبة شاهد الزور] قال مالك: وإذا ظهر الإمام على شاهد الزور ضربه على قدر ما يرى، وطاف به في المجالس.
قال ابن القاسم: يريد المسجد الجامع.
قال مالك: ولا تقبل شهادته أبدأً، وإن تاب وحسنت حالته.
قال ابن وهب: وقد كتب عمر بن الخطاب إلى عامله بالشام (وإذا أخذتم شاهد الزور فاجلدوه أربعين جلدة وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس).
ويقال: يسجنه ويحلق رأسه.

[الباب الحادي عشر]

جامع في مسائل التعديل والتجريح من غير المدونة

[الفصل 1 - مسائل في تعديل البينة] ومن المجموعة والواضحة قال ابن الماجشون: الشهداء ثلاثة عدل بين العدالة معروف بذلك فامضه، أو بين جرحته فاردده، أو مشكل عليك فاسأل عنه وأكثر حتى يتواطأ لك منه سر وعلانية ما هو عليه، وإن أشكل على من سألته عنه دعوته بالتعديل.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا يقبل إلا شهادة العدل المأمون على ما يقول، وقد يكون عدلاً ولا يؤمن أن يغتفل ويضرب على خطه، ويشهد على الرجل ولا يعرفه، ويتسمى بغير اسمه، فمن كانت هذه حالته فلا تقبل شهادته.
قال ابن القاسم في العتبية في الشاهد لا يعرفه القاضي بعدالة منقطعة ولا بفساد ظاهر، ولكنه ممن يشهد الصلوات الخمس في المساجد ولا يعرف بأمر قبيح.
قال: لا ينبغي له أن يقبل شهادته إلا بتزكية تامة وعدالة بينة، وينبغي للقاضي أن ينظر فيمن يعرفه الناس ولا يعرفه هو، ومن يجوز له الوقوف في أمره حتى يعدل عنده، فإذا كان الرجل ممن يعرفه لو لم يكن قاضياً لزمه أن يعدله عند غيره فهو الذي ييسعه قبول شهادته، ومن عرفه بجرحه رد شهادته.
قال في المجموعة: وإن لم يعرف القاضي الشاهد فعرفه به بعض من يعرفه بالعدالة أرأيت أن يجيز شهادته بمعرفة ذلك العدل له، ولا يجوز في التعديل إلا معدلان، ولو سأل عنه بعض من جعله القاضي يكشف له في القبائل فيعرفه بعدالته فليقبل ذلك منه.
قال مالك في العتبية ولا أحب أن يسأل في السر أقل من اثنين، ولا يقبل في التعديل أقل من اثنين.

قال ابن سحنون عن أبيه: ومن عدل رجلاً لم يعرف اسمه فليقبل تعديله.
وقال ابن كنانة.
قال: ولا يقبل تزكية الأبله من الناس، ولا يقبل تزكية من يرى تعديل كل مسلم.
وقاله ابن كنانة.
قال سحنون: وليس كل من تجوز شهادته يجوز تعديله، ولا يجوز في التزكية إلا المبرز الناقد الفطن الذي لا يخدع في عقله ولا يستزل في رأيه.
ولا تطلب التزكية من الشاهد، وذلك على المشهود له لا على الشاهد، وإنما عليه أن يخبر المشهود له بمن يعرفه وبمن يعدله.
[الفصل 2 - في تعديل مستور الحال ومن أتى شيئاً من المعاصي والشبهات] قال في العتبية: ولا يعدل إلا من يعرف باطنه كما يعرف ظاهره؛ لأنك قد تعرفه بظاهر جميل من أهل المساجد والجهاد فلا ينبغي لك أن تزكيه بذلك، إلا بالصبحة الطويلة والمعاملة والأخذ والعطاء فحينئذ تزكيه.
قال مالك: كان يقال لمن مدح رجلاً أصحبته في سفر؟ أخالطته في مال؟ قيل: فمن تقارف بعض الذنوب؟ قال: لم يسلم من ذلك أحد، ولكن إن كان الأمر الخفيف من الزلة والفلتة لم يضره ذلك في عدالته.
قال مالك: ومن الرجال رجال لا تذكر عيوبهم، يقول يكون عيباً حفيفا، والأمر كله حسن، فلا يذكر اليسير الذي ليس يعصم منه أحد في الصلاح الكثير.
وقد قال مالك في اللاعب بالشطرنج: إذا لم يكن مدمناً فإنه تقبل شهادته.
ولو كان لا يقبل إلا من لا يقارف شيئاً من العيوب ما قبلت لأحد شهادة.
وقد قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر».

وقد كان يقال ليس المتحري حدود الإسلام كاللاعب فيه.
وقد كان يقال اتقوا زلة العالم، وهذا يعني به البدعة وهو يسقط شهادته.
أما من قبل جوائز العمال المضروب على أيديهم فهو ساقط الشهادة، وأما الأكل عندهم فكذلك، وأما من كان ذلك منه المرة والفلتة فغير مردود الشهادة، وهو مثل صغار الذنوب، وأما المدمن على ذلك فساقط الشهادة.
وأما جوائز الخلفاء فمجمع على قبول جوائزهم من يرضى منهم ومن لا يرضى، وجل ما يدخل بيوت الأموال فهو على الأمر المستقيم، والذي يظلمون فيه قليل في كثير.
ولم يعلم من العلماء من أنكر أخذ العطاء من زمان معاوية إلى اليوم.
وقد قبلها ابن شهاب ومالك، يعني الجوائز.
وأنكر أن يكون ابن عمر قبلها من الحجاج.
[الفصل 3 - في الرجل ينازل الرجل شهراً ولا يعلم منه إلا خيراً فيزكيه بهذا] وقال مالك في الرجل ينازل الرجل شهراً، ولا يعلم منه إلا خيراً قال: لا يزكيه بهذا، أنت ليس ل كبه علم، وهو كبعض من يجالسك هكذا.
قال ابن سحنون عن أبيه: لا تزك إلا من خالطته في الأخذ والعطاء وطالت صحبته إياك في الحضر والسفر.
قال مالك: وأما التجريح بالصحبة اليسيرة وباللقاء وبأيسر ما يكون من أمره يطلع عليه أنه من غير أهل الورع أو يسمع منه أو يطلع منه على ما لا تجوز به شهادته أو يقع ذلك في قلبه فلا يزكيه.

[الفصل 4 - في الرجل يشهد ثم يعدل ثم يشهد ثانية فهل يكتفي بالتعديل الأول] ومن المجموعة قال أشهب عن مالك في الذي يشهد ثم يعدل ثم يشهد ثانية قال: تقبل شهادته بالتعديل الأول.
وليس الناس كلهم سواء منهم المشهور بالعدالة، ومنهم من يغمض فيه بعض الناس.
قال ابن كنانة: أم الذي ليس بمعروف فليؤتنف فيه تعديل ثان، وأما المعروف بالعدالة في بلده فالتعديل الأول يجزئ فيه حتى يجرح بأمر بين.
وقال أشهب: إذا شهد فعدل ثم شهد ثانية فإن كان بعد زمان نحو خمس سنين فليسأل عنه المعدول الأول، فإن مات فليسأل عنه معدلاً ثانياً، وإلا لم تقبل شهادته.
قال ابن القاسم في العتبية: إن شهد قريباً من الشهادة الأولى مثل شهر وشبه ذلك ولم يطل جداً فلا يكلفه تزكيته، وإن كان قد طال فليكشف عنه ثانية طلب ذلك المشهود عليه أو لم يطلبه، والسنة فيه كثيرة.
قال أشهب: المشهور المعروف بالخير فلا يؤتنف فيه سؤال.
وقال سحنون: إذا شهد بعد شهرين فأكثر فليسأله التعديل كما شهد، حتى يكثر تعديله وتشتهر شهادته وتزكيته وبتأكيد فلا يسأله تزكية بعد.
[مسألة: في الشاهد يعدله غير أهل مكانه ومسجده وسوقه] قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون في الشاهد يعدله غير أهل مكانه ومسجده وسوقه، وفيهم من يقبل تعديله، فإن كان الشاهد غير مشهور بالعدالة فلا يعدل بذلك، وترك أولئك تعديله ريبة.

[الفصل 5 - صيغة التعديل والتجريح] ابن سحنون: وقال ابن كنانة: التعديل أن يقول: أعرفه وأعلمه عدلاً رضا جائز الشهادة، ولا يقبل منه أن يقول: لا أعلمه إلا عدلاً رضا.
وذكر نحوه عن مالك.
قال: ويقبل منه في التجريح إذا قال: لا أراه عدلاً، ولا أعلمه عدلاً.
قال العتبي عن سحنون: فإن قالوا: هو عندنا عدل، ولم يزيدوا على هذا فهي تزكية.
قال عنه ابنه: ولا يقبل منه أن يقول هو صالح.
وسئل مالك عن من شهد شهادة فسألك أن تعدله، وأنت تعلم أنه عدل واجب عليك أن تعدله؟ قال: لا أدري ما واجب ولكن حسن أن تعدله.
قال سحنون في المجموعة: ولا يقبل من المعدلين أو المجرحين أن يقولوا: سمعنا فلاناً وفلاناً يقولون إن فلاناً عدل أو غير عدل؛ لأن هذه شهادة على السماع إلا أن يكون المشهود على شهادته قد أشهدهم على التزكية أو التجريح.
قال سحنون: وإذا عدل الشاهد ثم جاء شاهدان يشهدان أن القاضي رد شهادته لأمر تبين له منه، والقاضي لا يحفظ ذلك فإن شهادتهما بذلك تقبل.
فصل [6 - في تزكية الشهود بعضهم بعضاً] قال ابن كنانة وابن القاسم في المجموعة: وإذا شهد رجلان في حق فلا يجوز تزكية من عرفت عدالته منهما للآخر.

قال عبد الملك: ويصير الحق قد حيي به وحده.
وقاله سحنون في كتاب ابنه.
وقال سحنون في شاهدين شهدا لرجل بحق على رجل، ثم جاء الطالب بآخرين فشهدا بمثل ذلك، وزكت كل طائفة منهما الأخرى.
قال: تتم الشهادة والتزكية ويثبت الحق؛ لأن شاهدين ثبتا لا محالة.
ثم قال: أرأيت إن شهد كل فريق بحق غير الحق الآخر لرجلين مختلفين، وزكى كل فريق الآخر فلا تجوز تزكية بعضهم لبعض؛ لأن بعضهم يشهد لبعض، ويقال للطالب: زكى بينتك بغيرهم، وقد كان يقول شهادتهم وتزكيتهم جائزة.
م/: والصواب أن لا تجوز شهادتهم؛ لأنه إذا كان لا تجوز شهادتهم إلا بتزكية بعضهم لبعض فكيف يزكي من يحتاج أن يزكي! وقد قال في العتبية في شاهدين شهدا بحق، فزكى أحدهما صاحبه، فلا تجوز تزكيته إياه إلا أن يكون مع المزكي غيره من عدول الناس، فليحلف صاحب الحق مع المزكي؛ لأنه لم يثبت له إلا واحد، وهو الذي زكاه صاحبه والأجنبي.
قال: ولو شهد شاهدان على حقين مختلفين وزكى أحدهما الآخر لم يجز ذلك.
وقال: ولو زكى الواحد رجل آخر مع الشاهد الآخر، وزكى الشاهد الآخر رجل آخر مع الشاهد الذي زكاه أولاً فشهادتهما جائزة، ويحلف مع شهادته ويستحق.
قال ابن الماجشون في المجموعة: وفي كتاب محمد: وإذا شهد رجلان في حق وعدلا رجلاً شهد في ذلك الحق فتزكيتهما إياه جائزة.
قال بعض القرويين: لأنه غير محتاج إليه، وقد أغنت شهادتهما عنه، فإن شهدا على شهادة رجل في حق، وعدلاه فذلك جائز.

جارٍ التحميل