[باب -1 -] في فرض الصلاة وذكر المفروض والمسنون والفضيلة والنافلة منها، ومن ترك الفريضة مكذبًا أو مقرًا بها، وذكر فرائضها وسننها وفضائلها وأسمائها
/.
[فصل -1 - في شروط وجوب الصلاة]:
قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس - رحمه الله تعالى -: والصلوات الخمس فرض على الأعيان/ بإجماع الأمة.
وشروط وجوبها خمسة كالوضوء، وهي: الإسلام، والبلوغ، وثبات العقل، وارتفاع دم الحيض والنفاس، وحضور وقت الصلاة.
فأما الإسلام؛ فلأن الكفار مخاطبون بالإسلام أولاً، ثم إذا أسلموا خوطبوا بشرائعه، ومحال أن يخاطبوا بشرائعه وهم جاحدون له.
وأما البلوغ، وثبات العقل؛ فلقوله عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة " فذكر "الصبى حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق "، ولأن ابن عمر أغمي عليه فلم يقض الصلاة.
قال مالك: وذلك أن الوقت قد ذهب.
وأما ارتفاع دم الحيض والنفاس؛ فلأن الصلاة لا تصح إلا بطهر؛ لقوله
تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)، وقال في الحيض: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)، فدل أنهن أنجاس في حال الحيض والنفاس فلم تصح لهن الصلاة حتى يرتفع عنهن الدم من غير علة ويغتسلن، وبه جاء الأثر، ولا خلاف في هذا.
وأما الوقت؛ فلأن جبريل عليه السلام حد للنبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلاة، وقال له: بذلك أمرت، فلم يجز أن يؤتى بها قبل ذلك، ولا خلاف في ذلك كله.
فصل -2 -: [فرض أول ما فرض من الصلاة]:
قال محمد بن مسلمة: أول ما فرض الله سبحانه صلاة الليل في سورة المزمل - يريد بقوله: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) - ثم خفف الله ذلك، فقال: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وقال: (وَمِنَ اللَّيْلِ
فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ).
فصل -3 -: [فرض الصلوات الخمس]:
وفرضت صلاة الخمس في الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بمكة قبل الهجرة سنة، وكان الفرض قبل ذلك ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي.
وأول ما صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، فسميت الأولى لذلك
كذلك.
قال مالك وغيره: فرض الله تعالى الصلاة في كتابه فقال: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) يقول: المغرب والعشاء (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الصبح (وَعَشِيًّا) العصر، (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الظهر.
وقال جل وعز: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)، وهى الظهر والعصر، (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) يقول المغرب والعشاء (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) الصبح.
فدلوك الشمس ميلها، وغسق الليل اجتماعه وظلمته، وقاله ابن عباس، وهو في الموطأ.
وقال تعالى: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)، وقال: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا).
فأجمل الله سبحانه فرض الصلوات الخمس، والركوع، والسجود، والقراءة في كتابه، وفسر ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من عدد ركوع وسجود، وصفة قيام، وقعود، ذكر قراءتها، ومعالم أوقاتها.
[فصل -4 - في تقسيم الصلاة إلى فرض وسنة وفضيلة]:
ففرض الله تعالى من الصلوات خمسًا، وسن الرسول عليه السلام خمسًا: الوتر، وصلاة العيدين، وصلاة الخسوف، وصلاة الاستسقاء، فهذه خمس فريضة، وخمس سنة.
وزيد في ذلك فقيل: وخمس سنة في فريضة، وهي: لجمع بعرفة، والجمع بالمزدلفة، والقصر في السفر، وصلاة الخوف وصلاة الجماعة.
وخمس فضيلة، وهي: تحية المسجد، وصلاة خسوف القمر، وقيام رمضان، وقيام الليل، وسجود القرآن.
وخمس نافلة، وهي: الركوع قبل الظهر، والركوع بعدها، والركوع قبل
العصر، والركوع بعد المغرب، وركوع الضحى.
فصل -5 -: [أقسام حكم الصلاة]:
قال أبو محمد عبد الوهاب: والصلاة من أركان الدين ومعالمه، ومما بني عليه الإسلام، وهي في الشرع على خمسة أقسام: فرض على الأعيان، وفرض على الكفاية، وسنة، وفضيلة، ونافلة، قال: فالفرض على الأعيان الصلوات الخمس، ووجوب الجمعة داخل في الظهر، والفرض على الكفاية الصلاة على الجنازة، وقيل: إنها سنة، وذكر في السنة نحو ما ذكرنا، وزاد الركوع عند الإحرام، وركعتي الطواف، قال: واختلف أصحابنا في ركعتي الفجر.
فقيل: من الرغائب، وقيل: سنة، وذكر في الفضيلة والنافلة نحو ما ذكرنا.
فصل -6 -: [حكم تارك الصلاة]:
والصلوات الخمس التي هي فرض على الأعيان من جحد وجوبها فهو كافر، ولا يختلفون في ذلك، فإن قال: هى فرض، ولكن لا أصلي فليس بكافر، ويؤخذ بفعلها، فإن خرج وقتها ولم يصل قتل، ولا يستتاب ثلاثًا، كذب بها أو أقر.
وإذا قال: لا أصلي فلا يؤخر عن وقت تلك الصلاة.
قال أبو إسحاق: أما إن أقر بها وامتنع من الصلاة إلى أخر الوقت، وهو أن يبقى من النهار ما يصلي فيه الظهر والعصر، أو الظهر وبعض العصر، فإن لم يصل إلى ذلك الوقت قتل؛ لأن الدماء عظيمة فيبالغ في تأخيره إلى آخر الوقت الذي يكون متى صلى بعده يكون قاضيًا غير مؤد.
وكذلك من قال عند الإمام: لا أتوضأ، ولا أغتسل من جنابة، ولا أصوم رمضان ومن توضأ واغتسل وصلى، وصام، وقال في ذلك كله: أنه غير فرض عليّ، وكذب فهي ردة، فليستتب ثلاثًا فإن لم يتب قتل.
قال ابن القاسم عن مالك: ومن ترك الصلاة قيل له: صل، فإن صلى وإلا قتل، قال ابن شهاب: إذا خرج الوقت ولم يصل قتل، وقال أبو محمد: إن ترك صلاة واحدة حل دمه، وإن كذب بالحج فكذلك، وإن أقر به، وقال: لا أحج، قيل له: أبعدك الله؛ إذ ليس بمضيق الوقت، وإن كذب بالزكاة استتب، كالردة، وإن أقر بها ومنعها أخذت منه كرهاً، وإن امتنع قوتل.
وذهب ابن حبيب: إلى أن تارك الصلاة متعمدًا أو مفرطًا كافر، وأنه إن ترك أخواتها من زكاة وصوم وحج متعمدًا أو مفرطًا فقد كفر،
وقاله الحكم بن عتيبه.
وقال غيرهما: لا يكفر، إلا بجحد هذه الفرائض، وإلا فهو ناقص الإيمان؛ لأنه يورث، ويصلى عليه، واحتج بحديث مالك عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، وفي آخر الحديث " فمن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة ".
وذكر ابن حبيب أن تارك الصلاة كافر.
قال أبو إسحاق: ليس هو المذهب؛ لأنا لا نكفر بالذنوب، ولم يوقف الإجماع أن تركها علمًا على الكفر، كالسجود للصنم وشبه ذلك، فما جعل علمًا على الكفر فإنه لا يوجد إلا من كافر.
فإن قال لما رفع: أنا أصلي، فترك فعاود تركها، فلما رفع قال: أنا أصلي، فليبالغ في عقوبته، ولا يقتل إذا صلى.
فصل -7 -: [فروض الصلاة، وسننها وفضائلها]:
وهذه الصلوات الخمس مشتملة على فروض، وسنن، وفضائل.
فالفروض منها، المتفق عليها عند أكثر علمائنا خمسة عشرة، وهى: الطهارة من الحدث، والوقت، واستقبال القبلة بقلبه، وليس عليه النطق بلسانه، إلا أن يشاء، والترتيب في الأداء مع الذكر، وتكبيرة الإحرام، والقيام، وهو للفذ والإلمام قدر قراءة أم القرآن، وللمأموم قدر تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، والركوع، والرفع منه، والفصل بينه وبين الانحطاط للسجود، والسجود، والفصل بين السجدتين، والجلسة الأخيرة، وهذا قدر السلام،
وقطع الكلام، والتسلمية الأولى.
وسنن الصلاة - أيضًا - خمسة عشر وهي: الإقامة، وقراءة السورة التي مع أن القرآن، والقيام لها، والجهر بالقراءة في موضع الجهر، والسر في موضع السر، والإنصات مع الإمام فيما يجهر فيه، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الثانى، وأما الجلوس له فالواجب منه قدر ما يسلم فيه، وأما ما يقع فيه التشهد فمسنون، والتكبير في كل خفض ورفع وقوله سمع الله لمن حمده في الرفع من الركوع، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سنة، وهي فريضة مطلقة ليست من فرائض الصلاة والتيامن بالسلام سنة، وكذلك رد السلام على الإمام.
وفضائل الصلاة عشرة، وهي: اتخاذ الرداء، ورفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وقيل: إن ذلك سنة، وفي رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان: إحداهما: الرفع، والأخرى الترك، وقراءة المأموم مع الإمام فيما يسر فيه، وإطالة القراءة في الصبح، والتأمين بعد أم الكتاب، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد، وصفة الجلوس كله، والقنوت في الفجر واختلف فى إزالة النجاسة مع الذكر والقدرة، فقيل: إنها فرض في الصلاة، وقيل: إنها سنة، واختلف - أيضًا- في الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة، فقيل: إن ذلك فرض، وقيل: سنة، واختلف في ستر العورة، فقيل: إنها من فروض الصلاة، وقيل: ليس من فروض الصلاة، بل هو فرض قائم بنفسه.
[فصل -8 -] ذكر أدلة الفرائض:
فالطهارة من الحدث فرض؛ لقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) الآية.
وأما الوقت، فقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) وقد أقام جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات، وقال له: بذلك أمرت.
واستقبال القبلة؛ فلقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)، فعلى المعاين لها استقبالها، وعلى الغائب عنها الاجتهاد ففي طلبها بالأدلة المنصوبة عليها، فإن صلى بغير اجتهاد فلا تجزئه، وإن خفيت عليه الأدلة فصلى حيث يغلب على ظنه أن القبلة في تلك الجهة، فإن بان له أنه استدبرها فلا إعادة عليه واجبة، خلافًا للمغيرة والشافعي؛ لقوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).
وقد روي عن عامر بن ربيعة أنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فصلى كل واحد منا حيال وجهه، فلما أصبحنا فإذا نحن ضلينا إلى غير القبلة، فسألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مضت صلاتكم، ونزلته: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).
ويستحب لمن أصابه ذلك أن يعيد في الوقت لإدراك فضيلة الوقت، ولجواز أن يكون قصر في الاجتهاد.
والنية؛ فلقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، والإخلاص هو القصد إليه بالفعل.
وقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وكذلك سائر القرب، ويجب أن تكون النية مقارنة لابتدائها بالنيات، وقد تقدم إيعاب ذلك في كتاب الوضوء.
والترتيب في الأداء؛ لأنه كذلك صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: "بذلك أمرت".
وقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وتكبيرة الإحرام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وتحريمها التكبير "، وقوله: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه "، وقوله: "حتى يتوضأ كما أمره الله، ثم يستقبل القبلة فيقول: "الله أكبر ". وقراءة أم القرآن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي
خداج فهي خداج فهي خداج غير تام "، وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، ولأنه صلى الله عليه وسلم كذلك يفعل، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
والقيام؛ فلأن أم القرآن فرض، فكذلك القيام لها، ولأنه كذلك كان يفعل، فأما المأموم ففرضه من القيام قدر تكبيرة الإحرام؛ لقوله عليه السلام: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فبم يصلها، إلا وراء إمام ".
فلما جوز له ترك القراءة خلف الإمام جاز له ترك القيام فيها، ولما كان الإحرام واجبًا عليه كان كذلك القيام له، وقد أدرك زيد بن ثابت الإمام راكعًا فكبر وركع، وقال عليه السلام: "من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة".
والركوع؛ لقوله تعالى: (وَارْكَعُوا).
والرفع منه؛ لأنه تمامه، والفصل بينه وبين الانحطاط للسجود، وكذلك فعل الرسول عليه السلام وسلف الأمة.
والسجود؛ لقوله تعالى: (وَاسْجُدُوا).
قال ابن المواز عن مالك: أنه قال: الركوع والسجود سنة فقد كفر.
والفصل بين السجدتين؛ لأن ذلك يوجبهما سجدتين، ولو لم يفصل بينهما كانت سجدة واحدة، وقد سجد به جبريل عليه السلام
سجدتين، وكذلك كان هو يفعل والأئمة بعده.
والجلوس الآخر؛ فلأن السلام فرض فقدر ما يوقعه فيه فرض، ولأنه صلى الله عليه وسلم سلم جالساً.
والتسليمة الأولى فرض، خلافًا لأبي حنيفة.
دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "وتحليلها التسليم" فيقتضى أن لا يقع التحليل إلا به، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"؛ ولأنه أحد طرفي الصلاة فوجب أن يكون نطقًا معينًا كالتحريم.
والتسليمة الثانية ليست بفرض، خلافًا لابن حنبل في قوله: إنها فرض.
دليلنا قوله عليه السلام: "وتحليلها التسليم "، وذلك يقتضي أقل ما يقع عليه الاسم.
وقد روت عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام سلم تسليمة واحدة، ولأنه أحد طرفي الصلاة فوجب أن يكون الفرض منه واحد كالإحرام.
وقطع الكلام؛ لقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) يعني صامتين خاشعين.
[فصل -9 -] ذكر أدلة السنن:
الإقامة سنة؛ لدوام فعله عليه السلام وأمره بها، وكذلك قراءة السورة التي مع أم القرآن، لقوله - عليه السلام - وأمره بها، وكذلك قراءة السورة التي مع أم القرآن، لقلوه عليه السلام: "كل صلاة لا يقرأ فيها
بأم القرآن فهي خداج...)) الحديث.
فدل أن ما سواها بخلافها، وتمادى فعله وأمره بها، فكانت سنة، وإذا ثبت أنها سنة كان كذلك القيام لها، والجهر والإسرار ولأنه عليه السلام كذلك كان يفعل، والأئمة بعده، ولا نص لهما في كتاب الله فوجب أن يكونا سنة.
والإنصات مع الإمام فيما يجهر فيه، لأمره عليه السلام بذلك، وتمادى به العمل، والتشهد، والجلوس لهما، إلا قدر ما يقع فيه السلام من الآخر، خلافًا للشافعي في إيجابه الأخير، ولغيره في إيجابهما.
ودليلنا: أنه ذكر في تضاعيف الصلاة ليس من جنس المعجز فلم يكن فرضًا أصله الدعاء والتسبيح؛ ولأنه تشهد فأشبه الأول فإذا ثبت أنهما سنة، كان الجلوس لهما سنة.
والتكبير في كل خفض ورفع؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع.
وهذا منقول بالعمل، وكذلك قول الإمام: سمع الله / لمن حمده.
قال أبو محمد عبد الوهاب: والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة سنة،
خلافًا للشافعي في إيجابه ذلك؛ لقوله عليه السلام للذي علمه الصلاة: ((فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك)) ولم يذكر ما تنازعناه فيه.
والإقرار بأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة سنة أبين من الصلاة عليه فيها؛ لأن إيقاع ذلك في التشهد الذي ثبتت سنته، وهو فرض مطلق ليس من فرائض الصلاة.
والتيامن في السلام، وكذلك رد السلام على الإمام بفعله عليه السلام في التيامن به فأمره بالرد على الإمام، وكذلك فعل الأئمة بعده.
[فصل - 10 - في ما تردد بين كونه سنة أو فرض]
وأما الثلاثة المختلف فيها:
فأحدها: إزالة النجاسة مع الذكر والقدرة، فقيل: إنها فرض في الصلاة، وقيل: سنة.
فإذا قلنا: إنها فرض، فلأنها تطهر بالماء لأداء الفريضة، أصله التطهر من النجابة ونحوها.
وإذا قلنا: إنها سنة؛ فلأن النص إنما ورد في الغسل من الجنابة ونحوها، وقد اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، وأمر بغسلها، فهي سنة.
م وهذا أبين.
والثاني: الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة، فقيل: فرض، وقيل: سنة.
فإذا قلنا: إنه فرض؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجزئ صلاة لا يقيم
فيها صلبه في الركوع والسجود))؛ ولقوله عليه السلام اعتدلوا، وكذلك كان عليه السلام يفعل والأئمة بعده.
وإذا قلنا: إنه سنة؛ فلما ثبت أنه لا نص له في كتاب الله، وقد قال الله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾.
فمن ركع ولم يستو قائمًا، أو سجد ولم يستو جالسًا فهو راكع وساجد، وإنما الاعتدال من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره به فهو سنة.
م والأول أبين؛ لأن فعله في ذلك بيان الكتاب.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يجزئ صلاة لا يقيم فيها صلبه))، فدل أنه فرض، وكذلك قيل في من خر من ركعته، ولم يرفع رأسه: إنه لا يجزئه، والصواب /
أن الرفع فرض؛ لما بينا، وكذلك الاعتدال في من خر من ركعته.
الثالث: ستر العورة عن أعين الناس واجب.
قال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا هل ذلك شرط في صحة الصلاة أم لا؟ فإذا قلنا: إنه شرط؛ فلقوله عليه السلام: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ووجه الآخر؛ فلأن واجبات الصلاة تجب بوجوبها، وتسقط بسقوطها، كالطهارة وغيرها، فلما اتفقنا على أن ستر العورة عن أعين الناس واجب على كل حال دل أنها ليست من شروط الصلاة.
[فصل - 11 -: في فضائل الصلاة]
وأما فضائل الصلاة: فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها والأئمة بعده، ولم يكن كوجوب ما تقدم من الستر؛ لقوله عليه السلام للذي علمه الصلاة: ((أحرم، واقرأ، واركع، واسجد، ثم اجلس وسلم)) ولم يأمره بشيء من الفضائل،
وفي آخر الحديث ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك)) وهذا موضع تعليم.
فصل - 12 -: [في الصلاة الوسطى]
قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى﴾.
قال مالك: هي صلاة الصبح في موطئه، ثم رجع عنه، وقال علي وابن عباس، واحتج مالك بحديث / عائشة وحفصة أنهما أمرتا الذي يكتب لهما في المصحف أن يكتب: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ وصلاة العصر، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واحتج أصحابنا كذلك: بأنها منفردة بوقت، واللتان قبلها، واللتان بعدها مشتركتا الوقت.
وقال زيد بن ثابت وعائشة: هي الظهر.
قال ابن حبيب: وقيل: إنها العصر، وهو أوثق ما سمعت، وقاله الحسن، هو وقتادة.
وال حافظة يريد على وضوئها ومواقيتها، وركوعها وسجودها.
وقوله: ﴿قَانِتِينَ﴾، قيل: إنه كان يجهر بعضهم في القراءة على بعض في الصلاة، ويسلم بعضهم على بعض فيها، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، فقال عز وجل: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ يعني صامتين خاشعين، ومن الخشوع فيها السكوت، وغض البصر، وخفض الجناح، واستكانة القلب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة نظر يمينًا وشمالاً حتى نزلت {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ
خَاشِعُونَ} فحنى رأسه في الصلاة إلى صدره)).
((وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقراءة في الصلاة قرأ من خلفه جهرًا حتى نزل ﴿وإذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا﴾.)) الآية.
فأمسكوا عن القراءة معه فيما يجهر فيه.
[فصل - 13 -: فضل الصلوات الخمس، وعقوبة من أخرها عن وقتها]
وقوله تعالى: ﴿إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فالحسنات الصلوات الخمس.
وقال عليه السلام لمعا ليكن أكثر همك الصلاة، فإنها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين.
قال ابن المواز: وقال عمر بن عبد العزيز ومحمد بن المنكدر: في قوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ أما إنهم لم يتركوها، ولو تركوها لكان كفرًا، ولكنهم أضاعوها عن وقتها.
ونحوه عن ابن مسعود، وهذا تفسير، قول عمر فمن أضاعها فهو لما سواها أضيع؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ﴾.
[فصل - 14 - في ما يطلق على صلاة المغرب العشاء]
ومن العتبية قال مالك: الأعراب يسمون المغرب صلاة الشاهد؛ لأنها لا تقصر في السفر والحضر سواء.
قال: وأحب إلي أن يقال في العتمة: صلاة
العشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ومِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشَاءِ﴾ إلا أن تخاطب من لا يفهم ذلك عنك فذالك واسع.
قال ابن المسيب: لأن أنام عن العشاء أحب إلي من الحديث بعدها.
قال مالك: أصاب، وأرى أن يعلم ذلك الرجل أهله وولده، وسماها في البخاري بالعتمة والعشاء، وبالعشاء أكثر، وفيما كتب به عمر إلى أبي موسى الأشعري: وصل العتمة فكان ذلك على جواز الوجهين، واستحب لفظ القرآن، كما أن في
الحديث نحر البقر في الهدايا، وذبحها، واستحب مالك وذبحها؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
[باب - 2 -] جامع القول في أوقات الصلاة
[فصل - 1 -: الأصل في أوقات الصلاة إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم] قال ابن حبيب وغيره: لما فرضت الصلاة صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم يومين، فجعل لكل صلاة وقتين، إل المغرب، فإنه صلاها في اليومين في وقت واحد، وصلى الظهر أول يوم عند زوال الشمس، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وصلاها به في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به العصر في أول يوم حين صار ظل كل شيء مثله، وصلاها به في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى به المغرب في اليومين غروب الشمس، وصلى به العشاء الآخرة في أول يوم مغيب الشفق، وهو الحمرة عندنا، وصلى به في اليوم / الثاني ثلث الليل، وصلى به الصبح في أول يوم طلوع الفجر الثاني، وهو الضياء المعترض في الأفق، يبتدئ من المشرق معترضًا حتى يعم الأفق، وصلى به في اليوم الثاني حين أسفر، وقال: هذه صلاة النبيين من قبلك، والوقت ما بين هذين
الوقتين.
وأول ما صلى به جبريل صلى الله عليه وسلم الظهر، فسميت الأولى لذلك.
وفي الموطأ أن جبريل عليه السلام نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث.
ثم قال له: في آخر ذلك بهذا أمرت.
[فصل - 2 - في أول وقت الظهر والعصر]
ومن المدونة قال مالك: وأول وقت الظهر زوال الشمس، وأحب إلي أن يصلي الظهر في الصيف والشتاء والفيء ذراع، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: وما دام الظل في نقصان فهو غدوة بعد فإذا امتد ذاهبًا فمن ثم يقاس ذراع.
قال ابن القاسم: وإنما يقاس الظل في الشتاء.
قال أبو عمران: وفي بعض الروايات وفي الصيف.
وفي المبسوط: يقاس الظل، ولم يذكر شتاء ولا صيفًا، وقال في موضع آخر: أما في الصيف فهو بين، وأما في الشتاء فأخذ عودًا إلى مروحة فأقامها، ثم أراهم نقصان الظل.
وكان ابن عمر ربما ركب في السفر بعد ما يفيء الفيء فيسير الميلين والثلاثة قبل أن يصلي الظهر.
وآخر وقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، بعد طرح ظل الزوال،
وهو بعينه أول وقت العصر، يكون وقتًا لهما مميز جانبيهما، فإذا زاد على المثل زيادة بينة خرج وقت الظهر، واختص العصر بالوقت، فلا يزال ممتدًا إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، فذلك آخر وقت العصر، وتأخيرها بعد ذلك الوقت مكروه.
قال ابن سلمة: تمضي القامتان والشمس بيضاء نقية، والمصلي في ذلك الوقت مذموم.
قال ابن حبيب: إذا تمت القامة خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، وخالف في هذا القول مالك وأصحابه، وهذا قول الشافعي.
والحديث يدل على ما قاله مالك وأصحابه: أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صلى العصر في اليوم الأول، وهي حجتنا على أبي حنيفة في قوله:
إن آخر وقت الظهر إذا كان الظل مثليه.
قال بعض البغداديين: وإنما استحب مالك أن تصلي والفيء ذراع؛ لأن في ذلك فضيلة أدائها في في الجماعة؛ لأنها صلاة تدرك الناس متشاغلين في متصرفاتهم، فلو صليت في ذلك الوقت لفاتتهم فضيلة الجماعة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولم يحد مالك في آخر وقت العصر قامتين، ولكن قل: والشمس بيضاء نقية، وقاله عمر بن الخطاب في الموطأ.
وروى في بعض الآثار قامتين، وقاله مالك في مختصر ابن عبد الحكم
الكبير.
[فصل - 3 -: مقدار وقت المغرب]
قال مالك في المدونة: ووقت المغرب غروب الشمس، لا يؤخر، وقاله عمر بن الخطاب في الموطأ.
قال مالك: وأما المسافر فلا بأس أن يمر الميل ونحوه، ثم ينزل فيصلي.
قال بعض علمائنا: يريد ينزل في المنهل، وأما إن كان يتمادى فليصل في أول الوقت.
قال ابن الجهم: لها وقتان، كسائر الصلوات.
قال أبو إسحاق: وذكر محمد بن مسلمة أن لها وقتين - يعني المغرب - ولمن شاء تأخيرها إلى مغيب الشفق، وتقريبها إلى وقت وغيره أحسن منه، فإذا ذهب الشفق خرج وقتها.
[فصل - 4 -: وقت العشاء]
قال مالك: وأول وقت العشاء مغيب الشفق وهو الحمرة، ولا ينظر إلى البياض الباقي بعدها، كما لا ينظر في الصوم إلى البياض الذي قبل الفجر.
قال أبو إسحاق: وقد ذكر الخليل أنه رصده فلم يغب إلى طلوع الفجر، وإذا أمر النبي عليه السلام بالصلاة إذا / غاب الشفق، وكانت الحمرة تسمى شفقًا، والبياض يسمى شفقًا، جاز أن تصلي بمغيب أول الشفق حتى يقوم دليل على المنع من ذلك، وآخر وقتها ثلث الليل، وقيل: نصف الليل.
قال: وأحب للقبائل تأخيرها قليلاً، قيل لمالك: فأهل الحرس يؤخرونها إلى ثلث الليل، فأنكر ذلك وقال: يصلون كما يصلي / الناس.
وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فلم يؤخروها هذا التأخير.
قال في المختصر: ثلث الليل آخر وقتها.
قال ابن حبيب: لا يؤخر إلى ثلث الليل إلا مسافر.
وقال أشهب: تؤخر.
وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن صل العتمة فيما
بينك وبين ثلث الليل، فإن أخرت، فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين، وهو في الموطأ، ومعنى إنكاره تأخير الحرس صلاة العشاء إلى ثلث الليل؛ لئلا يكون ذلك لهم أمرًا ثابتًا، لا يتقدم ولا يتأخر.
[فصل - 5 - في مقدار وقت الصبح]
ومن المدونة قال مالك: ووقت صلاة الصبح طلوع الفجر، والنجود بادية مشتبكة.
قال مالك: يغلس بالصبح في الحضر والسفر، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: [إن] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس.
قال ابن القاسم: وآخر وقتها إذا أسفر.
وروي عن مالك في الموطأ: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت