[الباب السابع] في إخراج البنات من الحبس، وهل يخرج أحد لأحد
[(1) فصل: في إخراج البنات من الحبس]
قال مالك: ويكره لمن حبس أن يُخرج البنات من محتبسه، وقد حبس جماعة من الصحابة على بنيهم وأعقابهم فما أخرجوا البنات من ذلك، ونهت عائشة رضي الله عنها عن إخراج البنات من الحبس وأغلظت فيه، وقالت: ما مثل ذلك إلا كما قال الله سبحانه في أهل الكفر: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 139].
قال سحنون: فهذا من قول عائشة رضي الله عنها يدل أن الصدقات فيما مضى إنما كانت على البنين والبنات حتى أحدث الناس ما أحدثوا من إخراج البنات، وقد أراد عمر بن عبد العزيز أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها البنات.
ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال مالك: إخراجهن منه من عمل الجاهلية، وما أريد به وجه الله عز وجل لا يكون هكذا.
وقال عنه ابن القاسم أيضًا: إذا حبس على ولده وأخرج البنات منه إن تزوجن فالشأن أن يبطل ذلك.
ورأي ابن القاسم: إذا فات ذلك أن يمضي على ما حبس، وإن كان حيًا ولم يحز عنه الحبس، فليرده ويُدخل فيه البنات، وإن حيز عنه أو مات مضى على شرطه ولم يفسخه القاضي، ولم يذكر في كتاب ابن المواز: إن حيز عنه.
وقال مالك: في الذي شرط أن من تزوج من بناته أُخرجت من الحبس إلا أن تردها رادة، قال: أرى أن ينقض ذلك، ويجعله حبسًا مسجلاً.
قال محمد- وإنما يفعل ما قال مالك من فسخ الحبس وأن يجعله مسجلاً: إنما ذلك ما لم يأب عليه من حبس ذلك عليهم، فإن أبوا لم يجز له فسخه ويقر على ما حبس وإن كان حيًا إلا أن يرضوا له برده وهم كبار.
قال مالك: إن لم يخاصم فليرد الحبس حتى يجعله على الصواب.
قال ابن القاسم: وإن خوصم فليقره على حاله.
[(2) فصل في إخراج أحد المحبس عليهم لغيره عند ضيق الحبس]
وقد تقدم أنه لا يُخرج أحد لأحد في الحبس، وأن من لم يجد مسكنًا فلا كراء له، وإن مات أو غاب غيبة انتقال استحق الحاضر مكانه، وإن كان يريد الرجوع فهو على حقه، وقد قال عطاء: لا يُخرج أحد لأحد إلا من بيده فضل مسكن، وأن من حبس على ولده وأعقابهم ولا عقب له يومئذ فأنفذه في صحته، ثم هلك هو وولده وبقي ولد ولده وبنوهم، فذلك بين جميعهم إن تساووا في الحال، إلا أن الأولاد ماداموا صغارًا لم يبلغوا ولم ينكحوا أو تعظم مؤنتهم لا يُقسم لهم، ولكن يُعطى الأب بقدر ما يمون، فإذا نكح الأبناء وعظمت مؤنتهم كانوا في القسم سواء.
[الباب الثامن] جامع القول في حيازة الأحباس والصدقات
[المسألة الأولى: فيما تتم به حيازة الأحباس والصدقات]
قال مالك وأصحابه في غير موضع: لا تتم الأحباس والصدقات التي في الصحة إلا بأن تُحاز في صحة المحبس والمتصدق، إلا الأب في ولده الصغار وبناته الأبكار، فإن حبس على صغار ولده دارًا أو وهبها لهم أو تصدق بها عليهم فإن حوزه لهم حوز، إلا أن يكون ساكنًا في كلها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها، وأما الدار الكبيرة يسكن أقلها ويكري لهم باقيها، فذلك نافذ فيما سكن وفيما لم يسكن، وقد حبس زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر داريهما وسكنا من ذلك منزلاًَ منزلاً حتى ماتا فنفذ حبسهما فيما سكنا وفيما لم يسكنا.
قال: فأما ما كان بمعنى الوصية للأجنبي في صحة أو مرض، أو ما بتل في المرض فلا تراد فيه الحيازة، وهو نافذ من الثلث؛ لأن أفعال المريض موقوفة إلى بعد الموت، هذا هو الأصل.
[المسألة الثانية: إذا حبس في صحته، وكتب في حبسه أنهم حازوا]
وإذا حبس في صحته وكتب في حبسه أنهم حازوا فلا ينفع في ذلك إقرارهم بالحوز ولا إقرار المحبس حتى تُعاين البينة الحيازة، وكذلك الصدقة والهبة والرهن.
[المسألة الثالثة: فيمن حبس حائطه على المساكين في مرضه فلم يخرجه من يده حتى مات]
قلت: فمن حبس حائطه على المساكين في مرضه فلم يُخرجه من يده حتى
مات أيجوز ذلك في قول مالك؟ قال: نعم إذا كان الثلث يحمله؛ لأنها وصية، كأنه قال: إذا مت فحائطي على المساكين حبس تجرى عليهم غلتها؛ ولأن ما فعله في مرضه من بت صدقة أو بت عتق لا يُحتاج فيه إلى أن يُقبض؛ ولأنه لو قبض من يده كان موقوفًا لا يجوز لمن قبضه أكل غلته إن كانت له غلة، ولا أكله إن كان مما يؤكل حتى يموت فيكون في الثلث أو يصح فينفذ البتل كله إن كان لرجل بعينه، وإن كان للمساكين أو في السبيل أمر بإنفاذ ذلك كله، ولا يجوز من فعل الصحيح إلا ما قُبض وحيز قبل أن يموت أو يُفلس، وقد كان له قول في فعل المريض إذا كانت له أموال مأمونة أنه يتم بتله.
[المسألة الرابعة: فيمن حبس في صحته ما لا غلة له مثل السلاح والخيل ولم ينفذها ولا أخرجها من يده حتى مات]
ومن حبس في صحته ما لا غلة له مثل السلاح والخيل والرقيق وشبه ذلك فلم ينفذها ولا أخرجها من يده حتى مات فهي ميراث، وإن كان يخرجه في وجوهه وترجع إليه فهو نافذ من رأس ماله؛ لأنه خرج في وجهه، وإن أخرج بعضه وبقي بعضه فما أخرج فهو نافذ وما لم يخرج فهو ميراث.
قال أشهب في كتاب محمد والمجموعة: وما كان يرد إليه بعد القفول من العدو فيعلف من عنده الخيل، ويرم السلام وينتفع بذلك أيضًا هو في حوائجه ويعير ذلك لإخوانه ثم يموت، فإن ذلك ميراث؛ لأن المحبس إنما حاز لمنافعه.
[المسألة الخامسة: فيمن حبس في صحته أو تصدق به على المساكين فكان يكريه ويفرق غلته كل عام عليهم ولم يخرجه من يده حتى مات]
ومن المدونة قال مالك: وما حبس في صحته أو تصدق به على المساكين من حائط أو دار أو شيء له غلة، فكان يكريه ويفرق غلته كل عام على المساكين ولم يخرجه من يده حتى مات لم يجز ذلك؛ لأن هذا غير وصية إلا أن يخرج ذلك من يده قبل موته أو يوصي بإنفاذه في مرضه لغير وارث فينفذ من
ثلثه، ولا يجوز من فعل الصحيح إلا ما قُبض وحيز قبل أن يموت أو يفلس.
[(1) فائدة: في الفرق بين الغلة يفرقها وبين السلاح وشبهه الذي يخرج من يده في وجهه ثم يرجع إليه]
قال في المجموعة كتاب محمد: وليس تفرقة الغلة كالسلاح وشبهه الذي يخرج من يده في وجهه ويرجع إليه، يريد: لأن هذه الأشياء انتقلت من يده وأخرج جميعها، وفي الغلة لم يخرج الأصل من يده، فذلك مفترق.
قال ابن عبد الحكم عن مالك: وإن جعلها بيد غيره وسلمها إليه يحوزها ويجمع غلتها ويدفعها إلى الذي حبسها يلي تفريقها وعلى ذلك حبس، إن ذلك جائز، وأبى ذلك ابن القاسم وأشهب.
[المسألة السادسة: فيمن حبس دارًا أو سلاحًا أو عبدًا في السبيل وأنفذه ثم أراد أن ينتفع به مع الناس]
ومن المجموعة قال ابن القاسم: فيمن حبس دارًا أو سلاحًا أو عبدًا في السبيل فأنفذ ذلك في وجهه زمانًا ثم أراد أن ينتفع به مع الناس، فإن كان من حاجة فلا بأس به.
[المسألة السابعة: فيمن وهب أو تصدق على من يحوز لنفسه من وارث أو غيره فلم يقبض ذلك حتى مرض المعطى]
قال في المدونة: وإن وهب أو تصدق على من يحوز لنفسه من وارث أو غيره فلم يقبض ذلك المعطى حتى مرض المعطي، لم يكن للمعطى قبضها الآن، وكانت إن مات مال وارث، وكذلك الحبس والعمرى والعطايا والنحل،
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إلا أن ينحل ولده الصغير الذي لم يبلغ أن يحوز نحله فيعلن بها ويشهد فيجوز وإن وليه الأب.
قال مالك: فالأب يحوز للصغار من ولده ولمن بلغ من أبكار بناته ما وهبهم هو وأشهد عليه، قال أبو محمد: يريد: فيما يُعرف أو كانت دارًا ولم يسكن منها ما له قدر وبال.
[المسألة الثامنة: فيمن حبس دارًا أو غيرها في السبيل وجعل عليها رجلاً يكريها وينفق في السبيل ثم أكراها من ذلك الرجل]
ومن المجموعة وقال عن مالك: فيمن حبس دارًا أو غيرها في سبيل الله وجعل رجلاً يكري ويرم منها ما يحتاج إلى المرمة ويُنفق في السبيل، ثم أكراها من ذلك الرجل ونقده الكراء، فكرهه، وقال: أراها ميراثًا عنه.
[المسألة التاسعة: فيمن حبس دارًا على ولده ثم اكتراها منهم]
قال عنه هو وابن وهب وعلي: فيمن حبس الدار أو غيرها على ولده ثم يكتريها منهم بكراء يدفعه إليهم أو يعمل في الحائط مساقاة، فهذا يوهن الصدقة وهي باطلة إن مات، قالوا عنه إلا ابن وهب: ويُكره أيضًا من باب الرجوع في الصدقة.
[المسألة العاشرة: فيمن حمل رجلاً على فرس في السبيل فأقره عنده ليعلفه ويقوم عليه حتى يحضر العدو، وأشهد على ذلك، ثم مات المعطي قبل أن يقبضه المعطى]
وقال مالك: فيمن حمل رجلاً على فرس في سبيل الله فأقره عنده ليعلفه له ويقوم عليه حتى يحضر العدو، وأشهد على ذلك وأمكنه من قبضه فتركه لذلك،
ثم مات المعطي قبل أن يقبضه المعطى، فذلك نافذ إذا أشهد كما ذكرنا.
قال محمد: ولا يصلح هذا إلا في مثل الفرس والسلاح وما لا غلة له.
[المسألة الحادية عشر: فيمن حبس حبسًا فسكنه زمانًا ثم خرج منه بعد ذلك]
وقال مالك: فيمن حبس حبسًا فسكنه زمانًا ثم خرج منه بعد ذلك، فلا أراه إلا وقد أفسد حبسه وهو ميراث.
قال ابن القاسم: إن حيز عنه بعد ذلك في صحته حتى مات فهو نافذ، فإن رجع فسكن فيه بكراء بعد ما حيز عنه، فإن جاء من ذلك أمر بين من الحيازة فذلك نافذ، قاله مالك.
قال محمد: هذا إذا حاز ذلك المحبس عليه نفسه أو وكيله ولم يكن فيهم صغير ولا من لا يولد بعد، فأما من جعل ذلك بيد من يحوزه على المتصدق عليه حتى يقدم أو يكبر أو يولد أو كان بيده وهو يحوزه لمن يجوز حوزه عليه، ثم يسكن ذلك قبل أن يلي الصغير نفسه وقبل أن يحوزه من ذكرنا ممن حبسه عليه، فذلك يبطله.
قلت: وكم حد تلك الحيازة؟ قال: السنة أقل ذلك، قاله ابن عبد الحكم عن مالك.
[المسألة الثانية عشر: فيمن حبس على عبده حبسًا حياته ثم هي على فلان فقبضها العبد ثم مات السيد]
ومن المجموعة: ومن حبس على عبده حبسًا حياته، ثم هي على فلان،
فقبضها العبد وحازها، ثم مات السيد فلا شيء للأجنبي؛ لأن عبده لا يحوز عنه كما يحوز عنه غيره؛ لأنه يقدر على أن ينتزع ذلك من عبده بخلاف الأجنبي، وكذلك لو قال: هذه الدار حبس على ابني فلان الصغير، وأنا أحوزها له، فإذا انقرض فهي على فلان فيموت الأب قبل أن يبلغ الابن الحوز فذلك يبطل في الأجنبي، ويكون للابن إلى تمام عمره لحيازة الأب له، وذلك بخلاف من قال: عبدي حبس عليك سنين ثم هو لفلان، فحيازه الأول حيازة الثاني، وإن مات سيده قبل أن يخرج من الخدمة، وكذلك لو جعل مرجعه للثاني بعد حيازة الأول كان له إذا تمت الخدمة.
وقال عبد الملك: إذا أعمره منزلاً فبعد أن حازه جعل مرجعه لآخر فلا تكون حيازة الأول حيازة للثاني إن مات ربه أو فلس، وأما لو كان ذلك في مرة حتى يكون قبض الأول عنه وعن الآخر، فذلك جائز.
[(المسالة الثالثة عشر: فيمن حبس على فلان حياته ثم هي في السبيل]
قال مالك: وإن حبسها عليك حياتك ثم هي في السبيل فإنها من رأس المال إن حزتها عنه، ولو قال: هي حبس عليك حياتي ثم هي في السبيل فهي من الثلث في السبيل، وقاله ابن القاسم وأشهب.
وروى أشهب في هذا الأصل غير هذا: أنه يجعل ذلك من رأس المال؛ لأنها لا ترجع إليه ولا إلى ورثته من بعده.
[الباب التاسع] فيمن حبس ثمرة حائطه على قوم بأعيانهم فمات بعضهم
[المسألة الأولى: فيمن حبس ثمرة حائطه على رجل بعينه ثم مات المعطى وفيه ثمرة قد طابت]
قال ابن القاسم: ومن حبس ثمرة حائطه على رجل بعينه حياته فكان يغتلها، ثم مات المعطى وفيه ثمرة قد طابت فهي لورثته، وإن لم تطب فهي لرب الحائط كما قال مالك فيمن حبس حائطه على قوم معينين- يريد: حياتهم- فكانوا يلونه ويسقونه فمات أحدهم بعد طياب الثمرة فإن نصيبه لورثته بلا اختلاف من قول مالك والرواة، وإن أبرأت ولم تطب فقال غير واحد من الرواة: إن حق الميت فيها أيضًا ثابت.
وقال ابن القاسم: إن أُبرت ولم تطب فجميع الثمرة لبقية أصحابه يقوون بها على العمل وإن لم يُلوا عملها، وإنما تقسم عليهم الغلة فنصيب الميت ها هنا لرب النخل، ثم رجع مالك فقال: بل يُرد ذلك على من بقي من أصحابه.
وقال في كتاب محمد: إلا أن يكون أوصى لكل رجل بمكيلة معلومة أو لهذا يومًا وهذا يومًا أو بسكنى، معروف لكل واحد أيام بعينها أو مسكنًا بعينه، فإن مات منهم أحد رجع نصيبه إلى صاحب الأصل.
[المسألة الثانية: فيمن حبس على قوم بأعيانهم ما يقسم من غلة أو ثمرة فمات أحدهم، وكيف إن كانت دارًا لا يسكنها غيرهم]
ومن المدونة: وروى الرواة كلهم عن مالك: ابن القاسم وأشهب
وابن وهب وابن نافع وابن زياد والمغيرة أنه قال: من حبس على قوم بأعيانهم ما يقسم من غلة داره أو ثمرة حائطه أو خراج غلامه، فإنه إذا مات أحدهم رجع نصيبه إلى الذي حبسه؛ لأن هذا مما يقسم عليهم، فإن كانت دارًا لا يسكنها غيرهم، أو عبد يخدم جميعهم فنصيب الميت ها هنا لباقيهم؛ لأن سكناهم الدار سكنى واحد واستخدامهم العبد كذلك، فثبت الرواة كلهم عن مالك على هذا إلا ابن القاسم فإنه أخذ برجوع الإمام مالك فقال: يرجع على من بقي كان يقسم أو لا يقسم.
[المسألة الثالثة: إذا مات أحد الذين حبس عليهم ثمرة حائطه وقد أبر الثمر وكيف لو ولد لأحدهم ولد بعد الإبار أو قبله]
قال سحنون: فإن مات منهم ميت والثمر قد أُبر، فحقه فيها ثابت، قاله غير واحد من الرواة.
قال مالك وابن القاسم في المجموعة وكتاب محمد: ولو ولد لأحدهم ولد بعد الإبار أو قبله كان على حقه في الثمرة، ولو ولد بعد طيبها، فلا شيء لهم من ثمرة العام ولهم ذلك في المستقبل.
قال محمد: ولو كانت محبسة حياة صاحبها فمات صاحبها وفيها ثمرة قد طابت فهي لهم، وإن أبرت ولم تطب فهي لورثة رب النخل، هذا معنى كلام محمد.
[المسألة الرابعة: إذا مات أحد المحبس عليهم قبل طياب الثمرة وقد تقدمت له فيها نفقة]
م: قال بعض أصحابنا: وإذا مات أحد المحبس عليهم قبل طياب
الثمرة وقد تقدمت له فيها نفقة أن لورثة الميت الرجوع بالنفقة؛ لأن أصحابه انتفعوا بنفقته وهو مات قبل أن يجب له حق في الثمرة، ويستأنى حتى تطيب الثمرة فيرجع الورثة عليهم بالأقل من نفقة الميت الذي أنفق أو ما ينوبه من الثمرة بعد محاسبتهم للورثة بما أنفقوا أيضًا، ولو أُجيحت الثمرة لم يكن للورثة شيء، قاله بعض فقهائنا.
قال: وقال بعض شيوخنا القرويين: إذا تقدمت للميت نفقة فعلى أصحابه غرمها معجلاً؛ لأنه كالاستحقاق، وإذا استحق الأصل أن عليه غرم السقى والعلاج.
م: وهذا أبين إلا أن يشاءوا أن يبقوا على نصيب الميت في هذه الثمرة فلا تلزمهم له نفقة، والله أعلم.
وقد تقدم أن من أسكن رجلاً داره سنين مسماة أو حياته على أن عليه مرمتها أنه لا يجوز، وهو كراء فاسد، فإن أعطاه رقبتها على أن يُنفق عليه حياته فهو بيع فاسد، والغلة للمعطى بالضمان، ويرد الدار إلى ربها ويتبعه بما أنفق عليه، وبالله التوفيق.
[الباب العاشر] جامع مسائل مختلفة مما ليس في المدونة
[(1) فصل: فيمن حبس على ولده ولا ولد له]
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن حبس على ولده ولا ولد له، فله أن يبيع فإن ولد له ولد فلا يبيع.
قال ابن القاسم: وليس له أن يبيع حتى يُيأس له من الولد؛ لأني لو أجزت له أن يبيع لأجزت له إذا كان له ولد فماتوا أن يبيع ولم ينتظر إلى أن يولد له.
قال: فأما إن مات الأب قبل أن يولد له ولد فلا حبس، ويصير ميراثًا.
[المسألة الأولى: فيمن حبس على ولده ثم هي في السبيل فلم يولد له]
قال: ومن حبس على ولده ثمرة ثم هي في السبيل فلم يولد له فله أن يبيع إن شاء، وإن وُلد له فلا سبيل له إلى البيع.
قال محمد: وذلك إذا أيس له من الولد.
قال عبد الملك: بل هي حبس.
[المسألة الثانية: فيمن حبس على رجل وعقبه ثم مصيرها إلى رجل بتلاً فانقرض الجميع]
قال مالك: ومن حبس على رجل وعقبه ثم مصيرها إلى رجل بتلاً فانفرض ذلك الذي بتل له ثم انقرض المحبس عليه وعقبه فإنها ترجع ميراثًا بين ورثة الذي بتلت له على تناسخ الميراث يوم مات.
[المسألة الثالثة: فيمن قال: ثلث مالي لبني فلان فلم يوجد لفلان ولد]
قال: ومن قال: ثلث مالي لبني فلان في وصية فلم يوجد لفلان ولد، قال ابن القاسم: فقال إن كان أوصى وهو يعلم أنه لا ولد له رأيت أن يوقف ذلك، وإن لم يكن يعلم لم يوقف وكانت الوصية باطلة.
وقال أشهب: إذا مات الموصي قبل أن يكون له ولد أو حمل، فالوصية باطلة.
م: وقول ابن القاسم مذكور في الوصايا من المدونة.
[(2) فصل فيمن قال في حبسه: إن احتاج المحبس عليهم باعوا]
قال محمد بن المواز قال مالك: فيمن حبس داره على ولده وقال في حبسه: إن احتاجوا أو اجتمع ملؤهم على بيعها باعوا واقتسموا الثمن بينهم بالسواء ذكورهم وإناثهم فهلكوا جميعًا إلا واحدًا فأراد بيعها، قال مالك: ذلك له، ولا حق فيها لأحد من ولد بنات المحبس إن طلبوا ميراثهم، وقاله ابن القاسم: لأنه بتلها لبنيه خاصة في صحته فليس لسواهم من ورثة أبيهم فيها حق.
وقال مالك: فيمن تصدق على ابنين بدار على وجه الحبس وكتب إن شاءوا باعوا وإن شاءوا أمسكوا، فرهق ابنيه دين فللغرماء أن يبيعوا حتى يستوفوا دينهم.
[(3) فصل فيمن جعل مرجع الحبس لآخر شخص من الحبس عليهم]
قال محمد بن المواز: وإذا قال داري حبس على عقبي وهي للآخر منهم فإنها تكون للآخر منهم بتلاً، وهي قبل ذلك محبسة، وسواء قال: للآخر أو على الآخر، فإن كانت آخرهم امرأة باعت إن شاءت أو تصدقت، وإن كان آخرهم رجلاً يرجى له عقب أوقفت عليه، فإن مات ولم يعقب ورثها عنه ورثته؛ لأنه قد تبين بموته أنها قد صارت له، ولو تصدق هكذا وجعلها للآخر منهم فاجتمعوا على بيعها الأبعد منهم والأقرب، فليس لهم ذلك، إذ لعلهم ليسوا بالذين هي لهم، إلا أن يكونوا نساء كلهن من ولده فذلك لهن؛ لأنا نعلم أن إحداهن آخرهن فلم يعدها الرضا بذلك.
قال ابن القاسم: وإذا قال رجل لرجلين: عبدي حبس عليكما وهو للآخر منكما، قال مالك: فذلك جائز وهو للآخر ملكًا، وقاله أشهب.
قال: إلا أن يقول حبس عليكما حياتكما وهو للآخر منكما، فلا يكون للآخر إلا حبسًا عليه حياته.
محمد: إلا أن يكون قوله: وهو للآخر منكما بعد أن ثبت قوله الأول فلا يكون للآخر إلا حبسًا.
[(4) فصل فيمن حبس حبسًا ثم أراد أن يبتله على من حبسه عليه]
ومن العتبية: ومن سماع ابن القاسم: ومن حبس أمة حبسًا صدقة على أمه وأخته لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأيتهما ماتت فهي للآخرة منهما، فماتت أخته فأراد أن يبتلها لأمه تبيع وتصنع بها ما شاءت قال: ذلك له بعد أن تفكر مليًا كأنه لم يرها مثل الدور.
قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: وكأنه رآه من ناحية البر، وأن ذلك يجوز في الحيوان ولا يجوز في الرباع.
قال محمد: إذا حوله إلى ما هو أفضل للعبد، وله هو في بر أمه، وأفضل لأمه، فإذا كان أفضل للثلاثة جاز في الحيوان، ولو حول إلى ما ليس بأفضل لم يجز.
قال في العتبية: وليس له أن يفعل ذلك في الدور إلا أن يكون شرط أن مرجعها إليه فله أن يفعل مثل هذا، أو يجعلها في غيرهما بعدهما.
قال أصبغ عن ابن وهب: فيمن حبس داره على رجل وقال: لا تباع ولا توهب ثم بدا له أن يبتلها له وقال: هي عليك صدقة، فقال: هي له يصنع بها ما شاء، سواء قال في حبسه هي حبس عليك حياتك أو لم يقل.
قال أصبغ: لا أرى ذلك، وهي كالحبس المؤبد بعد موته وهي حبس أبدًا.
م: وهذا على اختلاف قول مالك في قول المحبس إذا قال داري حبس
على معينين فقال مرة: ترجع إليه بعد انقراضهم ملكًا، فعلى هذا القول يجوز أن يبتلها له كما قال ابن وهب، وعلى قوله: ترجع حبسًا لا يجوز أن يبتلها له؛ لأن فيها حقًا لغيره بعده.
[(5) فصل في حبس الرقيق والحيوان على العقب وكراهة الإمام مالك لذلك]
ومن كتاب محمد بن المواز قال: وكره مالك حبس الرقيق والحيوان على أن تكون على العقب بخلاف الرباع؛ لأنه ضيق على العبد، إلا أنه لو وقع أمضاه على ما شرط، وإن أراد تغييره إلى ما هو أفضل للعبد وأقرب إلى الله تعالى جاز.
قال محمد: إن حوله إلى ما هو أفضل للعبد وله هو والمحبس عليه جاز.
قال ابن القاسم: ولو حول الحيوان إلى ما ليس بأفضل مما سُئل فيه لم يجز ذلك قاله مالك، بخلاف الدور؛ لأن الحيوان يموت ويمرض.
قال أشهب: الحبس نافذ على ما شرط في الرقيق والدواب، وإن شرط في ذلك ما شرط في الرباع مضى ذلك على ما حبس، ويرجع ذلك كما ترجع الدور على الأقرب فالأقرب من عصبة المحبس فيُسلك به سبيل الحبس أبدًا لا يباع.
وقد سُئل مالك: عمن أعمر أمه عبدين له حياتهما فلما حضرته الوفاة أعتق أحدهما قال مالك: لا يجوز ذلك إلا أن تجيزه أمه.
[المسألة الأولى: فيمن أوصى ببقر له أن تحبس ويُقسم لبنها على المساكين فتوالدت]
وقال ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك: فيمن أوصى ببقر له أن
تحبس ويقسم لبنها على المساكين فتوالدت، قال مالك: فما ولدت من أنثى حبس معها، وما ولدت من ذكر حُبس لنزوها، فإذا كبر عن النزو بيع الفضل عن ذلك أيضًا فيُشترى بثمن ذلك إناث، وكذلك ما كبر من أنثى فانقطع لبنها فإنها تباع وتجعل في مثلها.
[(6) فصل: في مل العبد الحبس، وكيف إن مات أو قتله السيد]
قال محمد بن المواز: ومن حبس عبده على رجل ولم يشترط ماله، فماله بيده كالمخدم وليس لسيده ولا للمحبس عليه أخذه، ونفقته على المحبس عليه، وقال مثله في العتبية ابن القاسم عن مالك في العبد المخدم عمرى فماله موقوف بيده، وكذلك ما أفاد فلا ينزعه السيد ولا المعمر وهو يأكل منه ويكتسي بالمعروف، وإن مات ورثه سيده وله عقله إن قُتِل، وكذلك الأمة وما وُلد للأمة أو للعبد من أمته فبمثابتهما في الخدمة، وإن قتل السيد أحدهما خطأ فلا شيء عليه، وإن قتله عمدًا غرم قيمته، فيستأجر منها من يخدم المعمر، فإذا مات رجع الفضل إلى سيده.
سحنون: وقد قيل يشترى بتلك القيمة عبد يخدم مكانه، وكذلك الأمة إذا أحبلها السيد.
وقد تقدم هذا في كتاب العبيد مُوعبًا
تم كتاب الحبس، والحمد لله وحده، وصلى الله على خير خلقه
سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه