كتاب الصدقة
[الباب الأول] جامع القول في حيازة الصدقات والهبات وشبهها وما يُبطل ذلك في صدقة المريض، وما يُحدثه المتصدق في الصدقة قبل الحوز أو بعده.
[(1) فصل: في حيازة الصدقات والهبات وشبهها] قال أبو محمد: ولما كان الواهب لوارث أو لأجنبي إذا أمسك الهبة حتى يموت؛ كمن زاد على ثلثه في وصيته أو خص بالوصية بعض ورثته بطل؛ لأنه ينتفع بذلك حياته على أن يخرج ذلك من رأس ماله على ورثته بعد وفاته، وقد قال أبو بكر وعمر وعثمان وابن عمر وابن عباس وغيرهم: لا تجوز الصدقة حتى تُقبض، وقد قال الصديق لعائشة رضي الله عنها: فيما نحلها فلم نقبضه حتى مرض لو كنت حُزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، قال عثمان رضي الله عنه: إلا أن ينحل ولده الصغير الذي لم يبلغ أن يحوز نحله، فأعلن بها فأشهد عليها فيجوز، وإن وليها أبوه.
الجزء: 19 - الصفحة: 564
قال ابن القاسم: وكل صدقة أو حبس أو نحلة أو عمرى أو عطية أو هبة لغير ثواب في الصحة يموت المعطي أو يفلس أو يمرض قبل حوز ذلك، فهي باطلة، إلا أن يصح المريض فتُحاز عنه بعد ذلك، ويُقضى للمعطى بالقبض إن منعه.
[المسألة الأولى: في مطالبة المعطى بقبض العطية في مرض المعطى]
ومن كتاب محمد: إذا مرض المعطي فقام المعطى الآن يقبض صدقته، ففيه اختلاف:
فروى ابن القاسم عن مالك أن قبضه الآن لا يجوز وإن كان غير وارث، واحتج بأن أبا بكر رضي الله عنه لم يعط ذلك لعائشة رضي الله عنها لما مرض، وقال أشهب: يُقضى له الآن بثلثها، فإن صح قُضي له بباقيها، ولا أرى قول من قال: تجوز كلها من الثلث، ولا قول من قال يبطل جميعها؛ لأنه إذا مرض فله الحكم في ثلثه.
قال محمد بن المواز: وأظن جوابه أنه لم يدع غيرها، فلذلك قال: ثلثها.
قال أشهب: وقد ذهب ربيعة إلى أنه إذا لم يحز المعطى عطيته حتى مات المعطى أن له ثلث العطية.
وقال ابن شهاب وغيره: هي للمعطى إن حملها الثلث، ولا أقول ما قالاه.
[المسألة الثانية: إذا استدان المعطي ما أحاط بماله وبالصدقة ولم يحزها المعطى بعد]
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وإذا أدان المعطي ما
الجزء: 19 - الصفحة: 565
أحاط بماله وبالصدقة، فالدين أولى، والعطية باطلة، والصدقة بيوم تُقبض لا بيوم تصدق بها، والفلس كالموت والمرض.
وقال أصبغ: الصدقة أولى من الدين المستحدث بعدها وإن لم تُقبض، وهي بيوم يتصدق بها لا بيوم تقبض ما دام حيًا، إذ لو قيم عليه لأخذت منه، ما لم يمرض أو يمت، وليس كالفلس وهي كالعتق إذا أعتق وله مال يفي بدينه لم يضر ذلك ما يحدث من الدين.
قال ابن حبيب: لا تشبه العتق؛ لأن العتق قبض، والصدقة لم تُقبض حتى حدث الدين.
[المسألة الثالثة: إذا مات المعطى قبل الحيازة، وكيف إن حازها المعطى ثم اكتراها المعطي أو سكنها ضيقًا أو مريضًا فمات بها]
وقال ابن المواز: وإذا مات المعطى، لا يضر ذلك ولورثته القيام بطلبها، وأما موت المعطي قبل الحيازة فالعطية تبطل إلا فيما أعطى لصغار بنيه أو من يلي عليه لم يكن ذلك عينًا، وهذا في الأب والوصي فقط، ولا يجوز ذلك في أم ولا جد ولا أخ أو غيره إلا أن يكون وصيًا، وشيء آخر عذر به: مثل الرجل يتصدق بالثوب ونحوه في سفره، ومثل الحاج يشتريه لأهله فيُشهد على ذلك، ثم يموت في سفره فيجوز من رأس المال ولا ينفع أن يذكر ذلك حتى يُشهد عليه إشهادًا، وشيء آخر: ما كان من الحبس مما لا غلة له مثل سلاح أو مصحف، فإذا خرج من يده فيما جعله فيه ثم رجع إلى يده فهو نافذ، وإن مات وهو في يده فهو من رأس المال، وشيء آخر: الذي تحاز عنه الدار التي يُتصدق بها على قوم فيحوزونها مثل السنة فأكثر ثم يكتريها المتصدق بها فيسكنها فيموت فيها،
الجزء: 19 - الصفحة: 566
فهي نافذة من رأس ماله، فأما على من لم يولد بعد، فلا، ولا على الأصاغر، وإن حاز ذلك هو أو غيره حتى يكبر الأصاغر ويحوزوا مثل السنة فأكثر، ثم يكتريها منهم، ثم يموت فيها فيجوز وإن كنا نكره له ذلك من باب الرجوع في الصدقة.
محمد: هذا كله قول مالك وأصحابه لا يختلفون فيه.
قال: وإذا حاز المعطى وسكن ثم استضافه المعطي فأضافه، أو مرض عنده حتى مات أو اختفى عنده حتى مات فلا يضر ذلك العطية.
قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: أما إذا حاز المعطى الدار فمرض المعطي فنقله الموهوب إليه فمات فيها، أو كان مسافرًا فنزل به فأضافه، أو طريدًا فآواه فيدركه الموت بها فالصدقة تامة ولو كان ذلك بعد حيازة المعطى بيوم، وما كان على غير هذا المعنى فسكن فيها حتى مات فذلك يُبطل الصدقة ولو تقدمت حيازة المعطى فيها الزمان الطويل وسكنها باكتراء أو بإسكان، قالا: وكذلك لو كتب له بذلك المعطى كتابًا أنه أسكنه إياها حياته أو أكراها منه مدة بعد أن حازها المعطى زمانًا طويلاً فلم يسكنها المعطي حتى مات فهي أيضًا باطل كما لو سكن على هذا.
قال وذهب ابن القاسم وأصبغ إلى أنه إذا حازها المعطى سنة ثم
الجزء: 19 - الصفحة: 567
سكنها المعطي بكراء أو منحة أو بأي وجه فإن ذلك لا يُبطلها وهي نافذة.
ومن العتبية والواضحة قال ابن القاسم: ومن تصدق على رجل بدار ودفع إليه مفتاحها وبرئ إليه منها ليحوزها، فتلك حيازة وإن لم يسكنها المعطى ولا أسكنها أحدًا.
أبو محمد: يريد: وهي حاضرة بالبلد.
[(2) فصل في صدقة المريض]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكل صدقة أو هبة أو حبس أو عطية بتلها مريض لرجل بعينه أو للمساكين فلم تخرج من يده حتى مات فذلك نافذ في ثلثه كوصاياه؛ لأن حكم ذلك وحكم ما أعتق الإيقاف، ليصح المريض فيتم ذلك أو يموت فيكون في الثلث، ولا يتم لقابض في المرض قبضن ولو قبضه كان لورثته إيقافه، فذلك لم تبطل الصدقة بترك الحيازة لها؛ لأنه ممنوع منها.
قال: وليس لمن قبضها أكل غلتها ولا أكلها إن كانت مما يؤكل، ولا رجوع للمريض فيها؛ لأنه بتلها بخلاف الوصية، ولا للموهوب أو المتصدق عليه أن يتعجل قبضها إلا على أحد قولي مالك في المريض له مال مأمون فينفذ ما بتل من صدقة أو عتق أو غيره.
الجزء: 19 - الصفحة: 568
[(3) فصل فيما يحدثه المتصدق في الصدقة قبل حوز المتصدق عليه أو بعده]
قال: ومن تصدق على رجل بدار فلم يقبضها المعطى حتى باعها المعطي، فإن علم المعطى بالصدقة فلم يقبضها حتى بيعت تم البيع، وكان الثمن للمعطى، فإن لم يعلم- أو علم ولم يفرط حتى غافصه بالبيع- فله نقض البيع في حياة الواهب وأخذها، فأما إن مات المعطي قبل أن يقبضها المعطى فلا شيء له بيعت أو لم تبع.
وقال أشهب: إن خرجت من ملك المعطي بوجه ما، وحيزت عليه فليس للمعطى شيء.
قال محمد: البيع أولى وإن لم يقبض؛ لأنه يضمنه، وتبطل الصدقة، ولا شيء للمتصدق عليه من الثمن.
قال محمد: وأهل العراق يقولون في كل شيء: إن للمتصدق أن يرجع فيه ما لم يحز عنه، ويخرج من يده.
ومن كتاب العتق: ومن وهب عبدًا أو تصدق به على رجل أو أخدمه إياه حياته ثم أعتقه المعطي قبل حوز المعطى جاز العتق وبطل ما سواه،
الجزء: 19 - الصفحة: 569
علم المعطى بالهبة أو بالصدقة أو لم يعلم.
قال في كتاب محمد: كذلك لو كانت له أمة فأحبلها قبل الحيازة، وكذلك عنه في العتبية.
قيل له- فيها-: فهل تؤخذ منه قيمة الأمة إذا حملت؟
قال: لعل ذلك أن يكون.
وفي رواية أصبغ: ذلك بمنزلة العتق.
قال أصبغ عن ابن القاسم: ولو قتل العبد رجل كانت القيمة للموهوب له.
قال أصبغ: ولو كاتبه أو دبره أو أعتقه إلى أجل فلا يُرد ذلك ولا شيء للمعطى لا في خدمة المدبر ولا في كتابة المكاتب ولا في رقبته إن عجز.
وروى عنه عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: فيمن تصدق على رجل بعبد ثم أعتقه قبل أن يقبضه قال: لا عتق له، وإن كانت أمة فأحبلها فعليه قيمتها للمعطى إن كانت عطية جد.
وروي عن ابن القاسم: أنه إن أعتق العبد وأراد به إبطال الصدقة نفذ عتقه
الجزء: 19 - الصفحة: 570
وغرم قيمته للمتصدق عليه.
[المسألة الأولى: لو وهب العبد لآخر قبل حيازة الأول]
قال في العتق: ولو لم يعتقه ولكن وهبه لآخر أو تصدق به عليه، فالأول أحق به وإن حازه الآخر ما لم يمت الواهب.
وقال أشهب: بل الثاني أحق به إذا حازه وإن لم يمت الواهب، وبه أخذ محمد.
وروي عن ابن القاسم: أنه إن تصدق به أو وهبه لآخر، والأول عالم فلا شيء له إذا حازه الآخر، وإن لم يعلم فهو أولى لم يمت الواهب.
[(4) فصل: في تصرفات المتصدق بعد حوز المتصدق عليه]
[المسألة الأولى: في حكم شراء الرجل صدقته]
ومن كتاب الصدقة قال مالك: ولا يشتري الرجل صدقته من المتصدق عليه ولا من غيره.
قال محمد بن المواز: ولا ترجع إليه باختيار من شراء أو غيره وإن تداولته الأملاك والمواريث، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه)).
قال غيره: نهى النبي عليه الصلاة والسلام عمر عن شراء فرس كان تصدق به، وروي: ((لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلا
الجزء: 19 - الصفحة: 571
الوالد لولده)).
[المسألة الثانية: في شراء الأب جارية تصدق بها على ابنه الصغير]
قال مالك: ومن تصدق على ابنه الصغير بجارية فتبعتها نفسه فلا بأس أن يقومها على نفسه ويشهد ويستقصي للابن.
قال محمد عن ابن القاسم: وإنما رخص فيها لموضع الابن الصغير من أبيه، ولو كان كبيرًا أو أجنبيًا ما حل له ذلك، وقاله مالك.
وقال ابن المواز: وللرجل أن يأكل من لحم غنم تصدق بها على ابنه، ويشرب من لبنها، ويكتسي من صوفها إذا رضي الولد، وكذلك الأم.
قال محمد: وهذا في الولد الكبير، وأما الصغير فلا يفعل، وقاله مالك.
[المسألة الثالثة: فيمن تصدق على أجنبي بصدقة فهل له أن يأكل من ثمرتها أو يركبها إن كانت دابة]
قال في المدونة: ومن تصدق على أجنبي بصدقة لم يجز له أن يأكل من ثمرتها ولا يركبها إن كانت دابة ولا ينتفع بشيء منها ولا من ثمنها، وأما الأم أو الأب إذا احتاجا فلا بأس أن يُنفق عليهما مما تصدقا به على الولد.
[المسألة الرابعة: في استعارة المتصدق ما تصدق به، وفي صدقة المتصدق عليه بالصدقة على المتصدق]
قال ابن المواز: قال مالك: ولا يستعير ما تصدق به أو أعطاه لرجل في
الجزء: 19 - الصفحة: 572
السبيل، وإن تصدق بذلك عليه فلا يقبله، ولو حمله على فرس في السبيل فلا يستعيره يركبه ولو كان أمرًا قريبًا فلا أحبه، وقد ركب ابن عمر رضي الله عنه ناقة وهبها فصرع عنها فقال: ما كنت لأفعل مثل هذا.
[المسألة الخامسة: إن تصدق بالغلة ولم يبتل الأصل فهل له الشراء؟]
قال محمد رحمه الله: وأما إن لم يبتل الأصل، وإنما تصدق بالغلة عمرًا أو أجلاً، فله شراء ذلك، قاله مالك وأصحابه إلا عبد الملك: واحتج بالنهي عن الرجوع في الصدقة، وأجاز لورثته شراء المرجع، والحجة عليه، ما أرخص النبي عليه الصلاة والسلام من شراء العارية، ولو جعل الثمرة والخدمة لرجل عمره ثم الرقبة لآخر بعده، فلا يجوز لمن له الأصل شراء ذلك- لأنه قد بتله- ويجوز شراء ذلك لمن له مرجع الأصل ولورثته.
م: لأنهم كمن أعمر رجلاً نخلة ثم مرجعها إليه.
قال: ويجوز للذين لهم الغلة شراء مرجع الأصل ممن جُعل له، وقاله كله مالك.
م: كما لو تصدق بأصل حائطه بعد عشر سنين فإن له شراء المرجع؛ لأن أصله معروف، فجعل له من الغلة والمرجع كالمتصدق عليه.
[(6) فصل]
ومن العتبية قال مالك: ومن تصدق على ولده الصغير بدين ثم اقتضاه الأب بعد ذلك، فهو بمنزلة العبد يتصدق به عليه ثم يبيعه، فالثمن للابن، ولا يكون بمنزلة الذهب يتصدق بها عليه وهي في يديه فليست للابن إذا لم
الجزء: 19 - الصفحة: 573
يجعلها على يد غيره.
محمد وقاله مالك وأصحابه.
قال عيسى عن ابن القاسم: لأن الدنانير قد حيزت مدة حيازة تامة قبل أن يقبضها الأب كما لو تصدق على ولده الصغير بدنانير وجعلها بيد رجل يحوزها له ثم حدث للرجل سفر أو مات فقبضها ومات فهي ماضية؛ لأنها حيزت مرة، وكالدار يتصدق بها فتحاز سنين ثم يسكنها بكراء أو غيره فيموت فيها فهي جائزة.
ولو تصدق على رجل بدين له على آخر ثم قبضه من غريمه، فإن علم الغريم بالصدقة قبل الدفع ضمنها للمعطى وإلا رجع المعطى على المعطي.
الجزء: 19 - الصفحة: 574
[الباب الثاني] في موت المعطي قبل حوز المعطى وقد كان
أخرج الصدقة من يده أو أشهد عليها
[المسألة الأولى: فيمن تصدق على رجل وجعلها على يد غيره فلم يقبضها المعطى حتى مات المعطي]
قال ابن القاسم: ومن تصدق على رجل بدراهم وجعلها على يدي غيره والمعطى مرضي في نفسه ليس بسفيه ولا محجور عليه وهو حاضر يعلم بذلك فلم يقم على صدقته ولم يقبضها حتى مات المتصدق بها، فإن كان المتصدق لم يشترط على الذي جعلها على يديه أن لا يدفعها للمعطى إلا بإذنه كان للمعطى أخذها بعد موت المتصدق بها؛ لأنه تركها في يد رجل قد حازها له ولو شاء أخذها منه في حياة المتصدق، ولا رجوع للمتصدق فيها، وإن اشترط المتصدق ما ذكرنا بطلت الصدقة، وقد قال مالك: فيمن دفع في صحته مالاً لمن يفرقه في الفقراء أو في سبيل الله عز وجل ثم مات المعطى قبل إنفاذه، فإن كان أشهد حين دفعه لمن يفرقه، نفذ ما فات منه وما بقي فهو من رأس المال.
قال ابن القاسم: وإن لم يشهد حين دفعه إلى المأمور فليرد ما بقي منه إلى ورثة المعطي ولا ينفعه ما أمره به، فإن فرق ما بقي بعد موت المعطي ضمن البقية للورثة.
ومن ذلك أيضًا الرجل يحبس الحبس فيجعله على يدي رجل، فإن كان الذي حبس عليهم كبارًا فيجوز ذلك، ألا ترى أن أحباس من مضى عمر وغيره رضي الله عنهم إنما كانت في يد من جعلوها على يديه يجرون غلتها فيما أمروا به
الجزء: 19 - الصفحة: 575
وكانت جائزة مقبوضة.
[المسألة الثانية: فيما اشتراه الرجل في سفره من هدية لأهله فمات قبل أن يصل إليهم]
قال مالك: وأما ما اشترى الرجل في سفره من حج أو غيره من هدية لأهله من كسوة ونحوها، أو بعث بهدية لرجل فمات قبل أن يصل إلى أهله أو للرجل، فإن كان أشهد على ذلك فهو لمن اشتراه له، وإن لم يشهد فهو ميراث.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم قال: إنما هذا إذا اشتراه لصغار ولده وأبكار بناته ممن يجوز حوزه لهم فهذا إذا أشهد عليه جاز.
م: قال بعض أصحابنا: إذا أشهد على المال ثم اشترى به الهدية فمات قبل أن تصل فإنها جائزة وإن لم تخرج من يده؛ لأنه قد نقله عن المال الذي وهبه إلى عوض، فهو غير ما وهب، وإن أشهد على العوض- الهدية- لم يجز حتى يخرجه من يده إلى غيره؛ لأن ذلك الشيء بعينه هو الهدية.
م: وليس ذلك شيئًَا، والإشهاد في مثل هذا هو الحوز؛ لأنهم عذروا المعطي بالغيبة فجعلوا حوزه الإشهاد، وقد قال مالك في كتاب محمد والعتبية: فيمن تصدق في سفر على امرأته أو ابنته- وليسوا معه- بعبد معه وأشهد على ذلك والعبد يخدمه ومات السيد قبل أن يقدم، فإن أشهد على ذلك من يعرف المرأة أو الابنة فذلك نافذ، وإن أشهد من لا يعرفهما فلا أدري ما هذا، قال في كتاب محمد: وكذلك ما اشتراه في الحج من هدايا لأهله.
[المسألة الثالثة: فيمن بعث بهدية أو بصلة لرجل غائب ثم مات المعطي أو المعطى قبل وصولها]
ومن المدونة قال مالك: ومن بعث بهدية أو بصلة لرجل غائب، ثم مات
الجزء: 19 - الصفحة: 576
المعطي أو المعطى قبل وصولها، فإن كان المعطي أشهد عليها حين بعثه بها فهي للمعطى أو لورثته، وإن لم يشهد عليها حين بعثها فأيهما مات قبل أن تصل فهي ترجع إلى الباعث أو لورثته.
وكذلك في كتاب ابن المواز في رواية أشهب عن مالك، قال: إذا لم يكن ذلك وصل إليهم ولا أشهد به إشهادًا وإنما كان يذكر ذلك للعدول عند الشراء أو غيره فهذا من مات منهما قبل أن يصل ذلك للمعطى فلا شيء للمعطى.
وفي كتاب ابن المواز: أيضًا من مات منهما أولاً رجع ذلك إلى ورثة الميت.
م: وهذا أبين؛ لأن الصدقة إنما تبطل بموت المتصدق لا بموت المتصدق عليه، وقد قال مالك في المدونة في باب آخر: إن كل من وهب هبة لرجل فمات الموهوب له قبل أن تُقبض هبته فورثته مكانه يقبضون هبته وليس للواهب أن يمتنع من ذلك.
قال ابن القاسم: وكذلك من وهب لعبد رجل هبة فمات العبد كان لسيده أن يقوم على الهبة فيأخذها.
ابن المواز: قال مالك: ولو أشهد الباعث أنها هبة لفلان ثم طلب استرجاعها من الرسول قبل أن يخرج فليس له ذلك.
[المسألة الرابعة: في إشهاد الشهود على الإنفاذ]
محمد: ولو بعث بها مع رجلين فأشهدهما، فإن قال لهما: اشهدا علي فهي على الإنفاذ.
الجزء: 19 - الصفحة: 577
وقال ابن عبد الحكم عن ابن القاسم: إنه إذا قال: ادفعا ذلك إلى فلان فإنني وهبته ذلك فهي شهادة، وإن لم يذكر فإني وهبته فليس بشيء.
قال محمد بن المواز: إذا مات فهي ترجع إليه إلا أن يُشهد إشهادًا على الإنفاذ وتصل إلى المعطى.
قال أشهب عن مالك: ولو أشهد فلا تتم حتى يكون قد أشهدهما إشهادًا.
وكذلك قال عنه ابن القاسم: فيمن اشترى هدايا في الحج لأهله فلا تنفع الشهادة في ذلك حتى يشهدوا أنه أشهدهم، قال: ولو قالوا: إنا سمعناه يقول: هذا لامرأتي وهذا لابنتي، فلا ينفع حتى يقولوا: وأشهدنا على ذلك، والله أعلم.
الجزء: 19 - الصفحة: 578
[الباب الثالث] فيمن تصدق بنخل وادعى ثمرتها أو استثناه لنفسه
[(1) فصل: فيمن تصدق على رجل بحائط فيه ثمرة فزعم أنه لم
يتصدق عليه بالثمرة]
قال مالك: ومن تصدق على رجل بحائط فيه ثمرة فزعم أنه لم يتصدق عليه بالثمرة، فإن كانت الثمرة يوم الصدقة لم تؤبر فهي للمعطى، وإن كانت مأبورة فهي للمعطي كالبيع، ويُقبل قوله، وكذلك الهبة، ورب الحائط مصدق من حيث تأبير الثمرة.
قال ابن القاسم: ولا يمين عليه في ذلك.
قلت: وكيف حيازة النخل وربها يسقيها لمكان ثمرته؟ فقال: إن خلى بينه وبين الثمرة يسقيها كانت حيازة.
قال ابن المواز: ويقبض الموهوب له النخل، ويكون سقيها على الواهب في ماله لمكان ثمرته، ويتولى الموهوب سقيها لمكان حيازته.
[(2) فصل: في استثناء من وهب حائطًا ثمر الحائط لنفسه مدة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك لو استثنى الواهب ثمرها لنفسه عشر سنين، فإن أسلم النخل إلى الموهوب يسقيها بماء الواهب ويدفع إليه ثمرها كل سنة فذلك حوز، وإذا كان الموهوب يسقيها بمئة والثمرة للواهب لم يجز؛ لأنه كأنه قال له: اسقها عشر سنين ثم هي لك، ولا يدري أتسلم النخل إلى ذلك الأجل أم لا؟ ولقد قال لي مالك: فيمن دفع إلى رجل فرسًا يغزو عليه سنتين أو ثلاثة وينفق عليه المدفوع إليه الفرس من عنده ثم هو للمدفوع إليه بعد الأجل فاشترط عليه ألا يبيعه قبل الأجل أنه لا خير فيه، وبلغني عنه أنه قال: أرأيت إن مات الفرس قبل الأجل أتذهب نفقته باطلاً؟ فهذا
الجزء: 19 - الصفحة: 579
غرر، فهذا يدلك على مسألتك في النخل، وأما إن كانت النخل بيد الواهب يسقيها ويقوم عليها ولم يُخرجها من يده، فهذا إنما وهب نخله بعد عشر سنين فذلك جائز للموهوب إن سلمت النخل إلى ذلك الأجل ولم يمت ربها ولا لحقه دين فله أخذها بعد الأجل، وإن مات ربها أو لحقه دين فلا حق له فيها.
وقد تقدمت هذه موعبة في كتاب الحبس، وبالله التوفيق.
الجزء: 19 - الصفحة: 580
[الباب الرابع] في صدقة البكر وذات الزوج
قال مالك: وإذا تزوجت الجارية البكر ولم تدخل بيتها فلا تجوز صدقتها ولا عتقها في ثلث ولا غيره حتى تدخل بيتها وتكون رشيدة فذلك لها حينئذ، ويكون في ثلثها، وليس بعد الدخول حد مؤقت يجوز صنيعها إليه وإنما حدها الدخول إذا كانت مصلحة.
قال محمد بن المواز: قال ابن عبد الحكم: في البكر البالغ- عليها ولي- لا يجوز كل ما تصنع في مالها، وإن لم يول عليها فجائز ما صنعت من بيع وشراء، فأما عتق أو صدقة أو عطية فلا، وكذلك قال أبو زيد والحارث، وسحنون يجوز صنيعها كله ما لم تول بولاية ولي.
ومن المدونة قال ربيعة: كل امرأة أعطت وهي في سترها فلها الخيار بعد أن يبرز وجهها بين رد ما أعطت أو الرضى به فينفذ.
ومن العتبية روى أشهب عن مالك: في البكر تتصدق على أبويها، ثم تتزوج ويدخل بها زوجها فتقوم في ذلك، فذلك رد ولها أخذه،
الجزء: 19 - الصفحة: 581
قال ابن نافع: ولو أقامت بعد البناء سنتين أو أكثر، ثم قامت وقالت: لم أكن أعلم أنه لا يلزمني، فلها رد ذلك، وتحلف.
قال محمد: قال مالك: للبكر أن ترد ما صنعت قبل أن تصير إلى زوجها، ولو أجاز الزوج ما صنعت قبل أن يبني بها لم يجز ذلك، ولو ماتت البكر ولم يرد وليها ما صنعت أو لم يعلم، فلورثتها رد ما أعطت، كما يكون لها لو وليت نفسها ما لم تجزه بعد أن تلي نفسها أو تتركه بما يُعلم أنه رضى، ولو مات العبد الذي أعتقت لم يورث إلا بالرق، ولا يرث هو الأحرار أيضًا، والله أعلم.
تم كتاب الصدقة والحمد لله وحده وصلواته على محمد نبيه
وآله وصحبه وسلم.
يتلوه كتاب الهبة.
الجزء: 19 - الصفحة: 582
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا