الجامع لمسائل المدونةصفحات 540-579

كتاب العتق الأول من الجامع

صفحات 540-579

ومن المدونة قال ابن القاسم، وإن قال لأمنه: إن لم تدخلي أنتِ الدار وتفعلي كذا فأنت حرة؛ فإن أراد إكراهها على ما يجوز له من دخول دار أو غيره فله إكراهها على ذلك، ويكون القول قوله ويبر في يمينه، وإن لم يرد ذلك وإنما فوض إليها فإنه يمنع من الوطء والبيع؛ لأنه على [9/ أ. ص] حنث ويتلوم له الإمام بقدر ما يرى أنه أراد من الأجل في تأخير ما حلف عليه وتوقف لذلك الأمة، فإن أبت الدخول أعتقها عليه السلطان ولم ينتظر موته.
وكذلك قال مالك فيمن قال لزوجته: إن لم تفعلي كذا فأنت طالق، أو قال لرجل: إن لم تفعل كذا فأمتي حرة وزوجتي طالق؛ فإنه يمنع من الوطء والبيع وهو على حنث، ولا يضرب له في هذا أجل الإيلاء في الزوجة وإنما يضرب له في يمينه ليفعلن هو فأما هذا فإن الإمام يتلوّم له بقدر ما يرى أنه أراد من الأجل في تأخير ما حلف عليه وتُوقف لذلك الزوجة والرجل؛ فإن لم يفعلا ذلك عتق عليه وطلق ولا ينتظر في هذا في يمينه بالحرية موته.
قال: ولو مات الحالف في التلوم مات على حنث وعتقت عليه الأمة في الثلث وترثه الزوجة؛ لأن الحنث وقع عليه بعد موته.
وقال أشهب: لا تعتق عليه الأمة في التلوم كموته في أجل ضربه لنفسه.

ابن المواز: وكأنه وقت وقتاً؛ لأن السلطان إنما يضرب له ما يرى أنه أراد بيمينه من التأخير ولو لم يضرب له السلطان لكان حانثاً إذا بلغ أمراً ينتهي إليه.
[قال أبو إسحاق: وهذا الذي ذكره أشهب هو الأشبه لأنا إذا قدرنا أن الحالف أراد قدراً معلوماً صار ذلك القدر الذي أراد وجرت به العادة أن الحالفين يريدونه كالأجل المضروب، وإذا مات قبل الأجل على برّ ويطأ على هذا في إيلام التلوم على مذهب من قال: فيمن قال إن لم أفعل كذا إلى أجل كذا؛ أن له الوطء، فأما من قال: هناك لا يطأ لعدم قدرته على البيع مع أنه يقول: لو مات في التلوم لم يعتق إذ عُدّ التلوم كالأجل المضروب.
وفرّق ابن القاسم بين ما ينطق به هو من أجل وبين ما ضرب له مما يرى أنه أراده].
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال لزوجته: إن لم أتزوج عليك أو أفعل كذا فأنت طالق؛ فهو على حنث، ويتوارثان قبل البر، ولا يحنث بعد الموت بخلاف العتق إذ يوصي بالعتق ولا يوصي ميت بطلاق.
قال مالك: وكل من حلف في صحته بعتق رقيقه ليفعلن شيئاً ولم يضرب أجلاً فمات قبل أن يفعله فإنما يعتق رقيقه من الثلث.
قال ابن القاسم: لأن الحنث وقع بعد الموت وكل عتق كان بعد الموت فهو في الثلث؛ لأنه لم يزل على حنث حتى مات فلما ثبت على الحنث حتى مات علمنا أنه أراد أن يعتقهم بعد موته، وقد علمت: أن عتق المريض من الثلث فالذي بعد الموت أحرى أن يكون في الثلث.

فصل قال ابن القاسم: وللحالف بالعتق ليضربن عبده أن يضربه فيبر وليس له أن يبيعه [9/ ب. ص] حتى يضربه إلا أن يحلف على ضرب لا يباح مثله فإني أمنعه منه ويعتق عليه مكانه.
قال سحنون: يريد يحنث مكانه بقضية سلطان.
م: وحكى عن ابن القابسي: إنه إنما يُمكَّن مما يجوز في الضرب إذا كان الجرم اجترمه العبد، وأما إن حلف على ضربه لا لعلة؛ فلا يُمكّن منه قلَّ الضرب الذي حلف عليه أو كثر؛ لأن ذلك من الظلم فلا يمكَّن منه، وذهب أبو محمد إلى أنه يمكن من يسير الضرب وهو ظاهر الكتاب، والقياس قول ابن القابسي والله أعلم.
ومن المدونة قال ربيعة: وإن حلف بحرية غلامه ليجلدنه مائة/ سوط فليوقف ولا يبيعه حتى ينظر أيجلده أم لا، قال ربيعة ومالك: فإن حلف ليجلدنه ألف سوط عجلت عتقه ولا ينتظر به ذلك.
ابن حبيب وقال مطرف وابن الماجشون: إن حلف ليضربنه مائة سوط فقد أساء ويترك وإياه، وإن حلف على أكثر من مائة مما فيه التعدي والشنعة فليعجل الإمام عتقه، فإن ضربه قبل ذلك لم يعتق عليه وليباع عليه إلا أن يلحقه من ذلك أمر فظيع قد أشرف منه على الهلاك فليعتق عليه.

وقال أصبغ: أرى المائة مما يخاف عليه من العَطَب ومن التعدي وليعجِّل عتقه.
وبالأول أقول.
ابن المواز قال ابن القاسم: وإن حلف ليضربنه مائتي سوط أو ثلاثمائة ففعل فأنهكه فلا يعتق عليه إلا أن يبلغ منه مثلة شديدة مثل ذهاب لحمه وتآكله حتى يبقى جلد على عظم فليعتق عليه مثل قطع جارحة.
ومن المدونة قال مالك: وإن حلف بحرية أمته ليضربنها ضرباً يجوز له؛ منع من البيع والوطء حتى يفعل فإن باعها نقض البيع؛ فإن لم يضربها حتى مات عتقت في ثلثه.
وقال ابن دينار: ينقض البيع وتعتق عليه؛ لأني لا أنقض صفقة مسلم إلا إلى عتق تام.

[قال أبو إسحاق: ويصدّق إنه وجب عليها عنده ضرب، وإن أراد ضرباً كثيراً لوجب أن تعتق عليه؛ إذ لا يأذن الناس بمثله، ولو أقر أنه يريد ضربها بغير سبب أوجب ضربها لوجب أن تعتق عليه؛ لأن ذلك معصية لا تجوز أن يمكّن من فعله].
ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: ولو لم يضربها حتى كاتبها ثم ضربها لبرّ.
وقال أشهب: لا يبر.
قال عن مالك: وتمضي على كتابتها ويوقف ما تؤدي فإن عتق بالأداء تم فيها الحنث وصارت حرة وأخذت كلما أدّت؛ فإن عجزت ضربها إن شاء.
وقال أصبغ عن ابن القاسم: مثله في العتبية.
م: تعقب ابن الكاتب هذه المسألة، وأنا أذكر عمدة احتجاجه؛ قال: قولهم: إن ودّا وعتق رد السيد ما أخذ من كتابته، وقال: هو قد كان [10/ أ. ص] عبده وإنما عتق الآن والكتابة خراج فكيف يرد السيد إلى عبده ما أخذ من خراجه؛ لأنه لو لم يفعل حتى مات عتق في ثلثه فدل أنه قبل ذلك عتق، وقد قال ابن القاسم: فيمن استغل عبده ثم استحق بحرية أن ليس عليه ردّ ما استغله ولا ما كاتبه عليه فكيف بهذا، وطوّل في احتجاجه

فذكر هذا الكلام لأبي عمران ففرّق بين هذه المسألة وبين ما ألزم ابن القاسم، وقال: الفرق أن المكاتب مشروط له ألا ينتزع ماله وعلى ذلك دخل فكيف وقد أحرزه، وليس كذلك من حلف بحريته: ليفعلن؛ لأن هذا لم يحرز ماله والذي استُحق بحرية فإنه لا يرجع بما استغل منه، وأما ما استفاد أو وهب له فإنه يرجع به، والمكاتب لا يكون للسيد منه إلا قدر الكتابة فافترقا.
وقول أبي عمران أصوب.
وقد قاله ابن القاسم وأشهب وسحنون.
قال سحنون في المجموعة: وإن مات السيد ولم تؤدِّ الكتابة وثلثه يحملها عتقت فيه وسقط عنها باقي الكتابة، وكان ما وقف ردٌ عليها، وإن كان عليه دين محيط مضت على الكتابة وكان للغرماء النجوم؛ فإن ودت تم عتقها، وإن عجزت كانت وما أخذ منها في دين سيدها.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: ومن حلف بحرية أمته ليضربنها مائة سوط فلم يضربها حتى حملت منه فليس له ضربها وهي حامل وليمنعه السلطان من ذلك ويعتقها عليه؛ فإن ضربها قبل أن تضع برّ في يمينه وأثم عند ربه.
ومن كتاب ابن المواز: وإن حلف ليضربنها فباعها قبل الضرب نسي يمينه أو لم ينس فلم يرد البيع حتى ضربها فقال أشهب: قد برّ، فإن نقصها ضربه غرم النقصان، قال:

وإن حملت من المبتاع لم يبرّ بضربها ويلزمه الحنث وهي حرة لفوتها بالحمل إن كانت على يمينه بينة أو صدَّقه المشتري ويرجع المشتري بجميع الثمن ولا يحاسب بقيمة الولد وقاله مالك.
قال أشهب: فإن لم يصدِّقه المشتري ولا قامت بينة فهي له أم ولد، وينتظر البائع بالثمن تصديق المبتاع فإن آيس من ذلك جعل ثمنها في رقبة يعتقها، وكذلك ذكر ابن سحنون عن أبيه.
ابن المواز وقال ابن القاسم: حملها فوت وهي أم ولد للمبتاع صدَّقه في يمينها أو قامت به بينة ولا تعتق وهي كالمدبرة تباع فتفوت بالحمل، وهذا إن لم يوقِّت لفعله أجلا، وإن لم تحمل فلا يبرّ يضربها عند المبتاع حتى تردّ فيضربها في ملكه/ بخلاف قضاء [10/ ب. ص] الدين، يريد: إذا حلف بحريتها ليقضين فلاناً دينه فباعها قبل القضاء فإنه يبرّ بقضاء الدين وهي عند المبتاع، وكذلك لو ضرب أجلاً فقضى قبل الأجل وهي عند المبتاع لبر قاله ابن الماجشون.

قال ابن حبيب عن أصبغ: فإن ضرب لضربها أجلاً فباعها قبل الأجل فأولدها المشتري فهي حرة عاجلاً على البائع، فمن باع معتقةً إلى أجل فأحبلها المشتري فهي حرة على البائع بغير قيمة ولدها، فإن لم يضرب أجلاً فقال أشهب: تعتق كالمسألة الأولى، وقال غيره - وبه أقول - إنها كالمدبرة تحمل من مشتريها فتمضي أم ولد.
م: واختصار اختلافهم في هذه المسألة هو: إذا حلف بحرية أمته ليضربنها فباعها قبل الضرب؛ فقيل: ينقض البيع ويضربها، وقيل: ينقض البيع وتعتق عليه، وإن لم ينقض البيع حتى ضربها عند المشتري؛ فقيل: يبر به، وقيل: لا يبر به، وإن كان إنما كاتبها هو قبل الضرب؛ فقيل: يبر بضربها في الكتابة، وقيل: لا يبر حتى يضربها بعد العجز، وإن أدّت عتقت ورجعت فيما أدّت، فإن كان إنما أحبلها، فقيل: يبر بضربها وهي حامل ويجري على قول أشهب ألا يبرّ كضربها في الكتاب، وليعجل عليه عتقها، وإن كان إنما أحبلها المبتاع منه فلا يبر بضربها وتعتق إن صدّقه المبتاع في يمينه أو قامت له بينة وردّ إلى هذا ثمنه، وقيل: بل ذلك فوت، وتكون لهذا أم ولد كالمدبرة تباع فتلد من المبتاع والله أعلم بالصواب.

في العتق إلى أجل واليمين به وفي المديان يبتل عتق عبيده قال مالك رحمه الله: ومن أعتق إلى أجل آتٍ لابد منه فله أن ينتفع بمن أعتق بالخدمة إلى ذلك الأجل ويمنع من البيع والوطء.
م: يريد لأنه وطء إلى أجل معلوم فأشبه نكاح المتعة وهذا بخلاف من حلف بالحرية: ليفعلن، أو إن لم يفعل إلى أجل كذا؛ فهو على بر، له أن يطأ؛ لأنه يستطيع على رفع اليمين جملة بفعل ما حلف عليه فخرج من نكاح المتعة.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال لرجل: إن لم أقضك حقك إلى سنة، أو إن لم يقضك فلان حقك إلى سنة فامرأته طالق، فإنه يطأ امرأته في السنة، فإن قضاه هو أو من حلف عليه بها بر، وإن مضت السنة ولم يقضه حنث، وإن طلق امرأته واحدة فانقضت عدتها قبل السنة أو صالحها فمضت السنة وليست له بامرأة ثم تزوجها بعد ذلك فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: والعتق عندي مثله، ولو حلف بعتق جاريته إن لم يفعل فلان كذا إلى أجل سماه لم يحل بينه وبين وطئها في الأجل ويمنعه من بيعها.
م: لأنها مرتهنة بيمين، ولو باعها ردت البيع، ولا أقبل رضاها بالبيع.

م: يريد ولو لم يردّ البيع [11/ أ. ص] حتى مضى الأجل ولم يفعل ما حلف عليه لم يردّ البيع؛ لأن بمضي الأجل حنث، وليست في ملكه فارتفعت عنه اليمين فيها فلا يردّ إذ لا يردّ إلى أمر يترقب فيه حنثه أو بره.
قال ابن القاسم وروي عن مالك: أنه يمنع من وطئها لمنعه من بيعها، وقد قال ابن عمر: لا يجوز للرجل أن يطأ جارية إلا جاريته إن شاء باعها وإن شاء وهبها أو صنع بها ما يشاء.
قال ابن القاسم: فإن كان الفعل في الأجل برّ، وكذلك لو مات في الأجل لم تعتق بموته؛ لأنه مات على بر، ولو لم يمت وحلّ الأجل ولم يفعله حنث وعتقت عليه الأمة بمنزلة: ما لو حلف على فعل نفسه إلا أن يكون عليه دين فيقضى له بحكم المديان يعتق، وقد قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عدنان: إنه لا يجوز لمن أحاط الدَّين بماله، عتق ولا هبة ولا صدقة، وإن كان الدين الذي عليه إلى أجل بعيد إلا بإذن غرمائه ولا يطأ أمة ردّوا عتقه فيها؛ لأن الغرماء إن أجازوا عتقه أو أيس قبل أن يحنث فيها بيعاً عتقت وأما بيعه وشراؤه ورهنه فجائز.
قال مالك: وإن بتل عتق عبيده في صحته/ وعليه دين يغترقهم ولا مال له سواهم ولم يجز عتقهم، فإن كان الدين لا يغترقهم بيع من جميعهم مقدار الدين

بالحصص وعتق ما بقي، وما بيع في الدين منهم فهو رقيق، وإنما القرعة عند مالك في عتق الوصايا والبتل في المرض، وبعد هذا باب فيه إيعاب عتق المديان

باب

فيمن حلف بطلاق إحدى امرأتيه أو عتق أحد عبديه أو قال: لعبدين له أو لعبد ولمن فيه بقية رق، أحدكما حر

قال مالك: ومن حلف بطلاق إحدى امرأتيه فحنث فإن نوى واحدة طلقت التي نوى خاصةً وهو مصدق، وإن لم تكن له نية، أو نوى واحدة فأنسيها طلقتا جميعاً.
قال ابن القاسم: وإن جحد فشهد عليه كان كمن لا نية له.
قال ابن القاسم: وإن قال: رأس من رقيقي حر، ولم ينو واحداً بعينه، فهو يخيّر في عتق من شاء منهم وهو كقوله: رأس منهم صدقة أو في السبيل فهو مخير فيمن شاء منهم، وكذلك قوله لعبديه: أحدكما حر بخلاف الطلاق.

ابن المواز: هذا قول المصريين وروايتهم عن مالك، وقال المدنيون ورواه بعضهم عن مالك: إن الطلاق والعتق سواء، ويختار في الطلاق كما يختار في العتق.
قال ابن المواز: والأول أحب إلينا؛ لأن العتق يتبعض ويجمع في أحدهم بالسهم.
قيل لابن المواز: وإن شهدوا عليه أنه قال: أحد عبديّ حر فأنكر الشهادة [11/ ب. ص] وأبى أن يعتق؟ قال: يقضي عليه السلطان وينفذ الحكم عليه، فإن أبى عتق عليه أدناهما ولم يعتق عليه الجميع وكذلك ورثته بعد موته.
قال ابن المواز: ولو كان في شهادتهما أنه أقر أنه أراد أحدهما ونسيه حكم عليه بعتقهما جميعاً أو على ورثته بعد موته إذا كان قوله ذلك في صحته.
وفي كتاب ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: إذا قامت عليه بينة أنه قال: أحد عبدي حر وهو ينكر أنه يقضى عليه بعتقهما جميعاً، كما لو شهد عليه أنه قال: إحدى امرأتي طالق وهو ينكر.
قال أصبغ: ولسنا نقول بهذا وهو مخيّر في عتق من شاء منهما بخلاف الطلاق أقر أو أنكر.
م: يريد أصبغ: أنه مخير يخيره الحكم، فإن أبى أن يعتق عتق عليه أدناهما كما قال محمد والله أعلم.

قال ابن حبيب عن أشهب وأصبغ: ومن قال: امرأتي فلانة أو فلانة طالق إن فعلت كذا فحنث؛ فإنهما يطلقان عليه، ولو قال: إن فعلت كذا فعبدي فلان أو فلان حر فحنث؛ فليختر أحدهما يعتقه؛ لأنه يعتق بعض عبده ولا يطلق بعض امرأته.
قال ابن المواز: وليس قوله في المرأتين هذه طالق أو هذه كقوله أحدكما طالق، وله أن يختار في إحداهما فيطلقها في قوله هذه طالق أو هذه؛ لأنه أفصح من الاختيار، وأما قوله: إحداكما طالق فيطلقان جميعاً وليس له أن يطلق من شاء منهما إلا أن يكون نوى واحدة بعينها، ولو قال: غلامي حر أو امرأتي طالق فهو مخيّر إما أن يطلق وإما أن يعتق؛ فإن مرض فهو على خياره، فإن أعتق فمن الثلث وإن طلق فهي ترثه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال لعبدين له: أحدكما حر؛ فإن نوى أحدهما عتق عليه من نوى وصدّق في نيته بلا يمين، وإن لم تكن له نية أعتق أيهما شاء.
قال ابن سحنون: وقال أشهب وسحنون: إذا قال: نويت هذا صُدِّق مع يمينه.
قال أشهب: فإن نكل عتقا عليه جميعاً هذا بإقراره له وهذا بنكوله.
قالا: وإن قال: لم أنو شيئاً حلف على ذلك واختار عتق أيهما شاء، وإن قال: نويت واحداً ونسيته عتقا عليه جميعاً.

ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قال: في صحته أحدهما حر ثم قال في مرضه: نويت هذا صُدِّق وعتق من جميع المال إلا أن تكون قيمته أكثر من قيمة الآخر فيكون الفضل في الثلث.
م: قال بعض فقهائنا: وتكون هذه الزيادة مبدأة على الوصايا وعلى العتق والزكاة التي فرط فيها ويحتمل أن تكون مبدأة على المدبرة في الصحة؛ لأنه أمر عقده في الصحة، وإنما جعلت الفضلة في الثلث للتهمة، وغيره يراه من رأس المال ويحتمل أن يبدأ المدبر في الصحة [12/ أ. ص] عليها/ إن كان التدبير عقده قبل أن يقول: أحد عبديّ حر، والله أعلم.
وقال غيره: بل جميعه خارج من جميع المال، ابن المواز: وقاله أشهب وأصبغ.
قال: فإن لم يختر حتى مات: فقال ابن القاسم وأشهب وأصبغ: فإن لورثته من الخيار ما كان له.
وروى عيسى عن ابن القاسم: أنه إن مات ولم يختر أقرع بينهم فإن كانوا ثلاثة أعتق ثلث قيمتهم.
وروى عنه أيضاً: أنه يعتق أثلاثهم بعد موته ويشرع العتق في جميعهم.

وروى عنه سحنون مثل رواية ابن المواز قال سحنون: وبلغني عن مالك أنه قال: إذا كانوا ثلاثة عتق ثلثهم بالسهم وإن كانوا أربعة فربعهم، قال: وأنا أقول بقول ابن القاسم: إن للورثة أن يختاروا إن اجتمعوا وإن اختلفوا أخذت بقول مالك.
وقال ابن المواز عن ابن القاسم: إن اختلفوا عتقت الأدنى.
قال سحنون: ولو قال في مرضه: أحدهما حر ثم مات عتق نصف قيمتها بالسهم إذا حمله الثلث فإن كانت قيمتهما سواء عتق من أخرجه السهم ورقّ الآخر، وإن كان قيمة أحدهما أكثر فإن أخرج السهم الكثير القيمة عتق منه مبلغ نصف قيمتهما ورقّ ما بقي مع الآخر، وإن أخرج الأقل عتق كله وعتق من الآخر تمام نصف قيمتهما، وهو قول مالك وأصحابه إلا المغيرة.
قال سحنون: وكذلك الحكم إذا قال في مرضه: يزيد حر وله عبدان اسمهما يزيد يزيد ثم مات؛ فقال: المغيرة: يعتق نصف كل واحد منهما إن حمل ذلك الثلث وإلا فيقدر ما حمل منهما.
سحنون: وضارع المغيرة في هذا قول العراقيين وزال عن قولنا.
قال ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: إذا قال عند موته لعبديه: أحدكما حر؛ فليعتق عليه نصف قيمتهما بالسهم، وإن قال: يزيد أو سالم حر؛ فليعتق جميع أحدهما

حر بالسهم إن خرج له كان أكثر من نصف قيمتهما أو أقل؛ لأن ما سمي ها هنا معرفة وفي الأول نكرة، وكذلك من قال: أسهموا بين عبدي فمن خرج له السهم فأعتقوه.
م: وتحصيل الاختلاف في هذه المسائل المتقدمة.
إذا قال في صحته لعبديه: أحدكما حر؛ عتق من نوى وصُدِّق فيه بغير يمين، وقيل: بل بيمين.
وإن لم يختر حتى مرض فقال: نويت هذا؛ صُدِّق وعتق جميعه من رأس المال إلا أن تكون قيمته أكثر من قيمة الآخر فيكون الفضل في الثلث، وقيل: بل جميعه خارج من رأس المال.
وإن لم يختر حتى مات: فقيل: لورثته من الخيار ما كان له، وقيل: يقرع بينهما ويعتق نصف قيمتهما بالسهم، وقيل: يعتق نصف كل واحد، وقيل: لورثته الخيار إن اجتمعوا وإن اختلفوا: عتق نصف قيمتهما بالسهم، [وقيل [12/ ب. ص] إن اختلفوا: عتق أدناهما.
وإن قال في مرضه: أحدهما حر ثم مات؛ عتق نصف قيمتهما بالسهم إن حمله الثلث، وقيل: نصف كل واحد إن حمله الثلث.
وإن قال في مرضه: يزيدٌ أو مباركٌ حر ثم مات: فقيل: يعتق جميع أحدهما بالسهم] إن حمله الثلث أو ما حمل منه.

فصل قال ابن المواز: ومن قال لعبديه في صحته: أحدكما حر فلم يختر حتى مات أحدهما فالباقي حر [وكذلك لو مات السيد قبل أن يختار فلم يختار الورثة حتى مات أحدهما والباقي حر] مكانه من رأس المال.
قال: وإذا مات أحدهما ثم قُتل الآخر عمداً فإنه يقتل قاتله حراً كان أو عبداً، وإن قتله خطأ فدية الخطأ على عاقلة الحر، وكذلك لو قتل أحدهما فللباقي حكم الحر مكانه، ولو لم يختر حتى جنى أحدهما فله الاختيار؛ فإن اختار الجاني فليس له ذلك إلا أن يحمل عنه الجناية، وإن اختار لآخر فله فداء الجاني أو إسلامه، فإن مات الجاني قبل الخيار فالباقي حر بغير عتق مؤتنف ويوارث الآخران مكانه، وكذلك لو مات الذي لم يجن أعتق الجاني مكانه وأتبع بالجناية؛ لأنه نفذ فيه عتق كان معقوداً قبل الجناية كالمدبر يجني ثم مات السيد والثلث يحمله.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا قال لعبديه: أحدكما حر فلم يختر حتى مات أحدهما أو استحق بحرية فالباقي حر لا سبيل عليه.

وقال في موضع آخر من كتاب ابنه: فإن مات أحدهما أو مرض السيد وعليه في الصحة بذلك بنية فإنه يسأل؟ فإن قال: أردت الميت؛ حلف ولا عتق للحي، وإن قال: أردت الحي؛ عتق من رأس ماله بعد يمينه، وإن قال: ما أردت واحداً بعينه؛ عتق الحي في رأس المال، وفيه تنازع، وهذا أصح.
ولو أقر بهذا في مرضه أنه كان قاله/ في صحته ولا بينة فيه فلا يعتق الحي في ثلث ولا في غيره، ولو قاله في الصحة فلم يختر قتلا جميعاً؛ فعلى القاتل قيمة عبد ودية حر، ولو قتل واحداً كان الباقي حراً، ولو قطعت يد أحدهما ومات الآخر؛ فعلى القاطع دية يد حر؛ لأنه لما مات صاحبه صار هذا حراً، ولا تقطع يد الجاني وإن تعمد القطع.
قال ابن سحنون: ثم رأيته بعد ذلك نحا إلى أنهما قبل الاختيار لهما حكم العبيد.
وكان محمد بن عبد الحكم وأشهب يقول: فيمن قال: أحد عبديّ حر فاستحق أحدهما أنه حر الأصل فلا شيء عليه في الباقي.
[قال ابن المواز: ولو قال لعبده ولحر: أحدكما حر فلا شيء عليه].

فصل ومن كتاب ابن المواز وابن سحنون وابن حبيب: ومن له ثلاثة أعبد مبارك وميمون وزيد فقال في صحته لمبارك وميمون: أحدكما حر، ثم قال لميمون وزيد: أحدكما حر؛ فإنه يخيّر؛ فإن اختار الذي وقع له القول مرتين وهو ميمون؛ عتق، ورق الباقيان، وإن أرَقّه عتق الباقيان، وكذلك إن مات هذا العبد قبل أن يختار لعتق الأول والثالث؛ لأنه كان قريباً لكل واحد منهما [13/ أ. ص] فامتنع الخيار بموته وأما إن اختار عتق مبارك أو زيد؛ فلا بد من اختيار عتق أحد الباقيين.
قال سحنون: ولو مات السيد قبل أن يختار: قال ابن القاسم: فالخيار لورثته؛ لأنه من عتق الصحة والعتق لا قرعة فيه.
وقال غيره: يقرع بينهما، فعلى هذا يقرع بين الثلاثة؛ فإن خرج ميمون عتق ورق الباقيان، وإن خرج أحدهما دين أقرع بين الآخر وبين ميمون ومن خرج عتق، والعتق في ذلك من رأس المال.

فصل قال ابن سحنون عن أبيه في الصحيح يقول لمكاتبه وعبده: أحدكما حر؛ إنه يسأل فمن قال: أردت عتقه؛ عتق بعد يمينه في قولي، وغيري لا يحلفه.
وإن قال: لم أرد واحداً بعينه أعتق من شاء منهما وحلف وإن غفل عن هذا حتى مرض فمن قال: أردته عتق من رأس المال وإن لم يعيِّن خيِّر فمن اختار عتق من رأس ماله وإن لم يكن هذا حتى مات خيّر ورثته ولو لم يسأل السيد حتى ودى المكاتب فيسأل فإن قال: أردت المكاتب ردّ عليه ما أخذ منه من يوم أعتقه، وإن قال: لم أعين أعتق القنّ كما قلنا في القائل ذلك لعبديه فيستحق أحدهما بحريّة أو يموت فالباقي عتيق.
م: وعلى ما رواه ابن عبد الحكم عن أشهب: لا شيء عليه في الباقي.
قال سحنون: ولو مات السيد قبل أن يسأل وقد أدى المكاتب عتق القن، كما لو مات المكاتب أو استحق بحرية.

فصل قال سحنون: ولو قال في صحته لمدبر وعبد: أحدكما حر سُئل؟ فإن قال: أردت هذا حلف وصدِّق، وإن قال: لم أرد واحداً بعينه فليتخير من شاء منهما ويعتقه فإن مات قبل أن يُسأل؛ نُظر: فإن حمل الثلث المدبر عتق وعتق الآخر من رأس المال، كمن قال: ذلك لعبدين فاستُحِق أحدهما بحرية، وإنما يعتق المدبر في ثلث ما ترك سوى القِّن ولا حجة للمدبر إذا حمله الثلث؛ فإن لم يحمله عتق منه ما حمل، وخيّر الورثة؛ بين أن يعتقوا ما بقي من المدبر، أو عتق جميع القنّ، كما لو كان لوليهم، فإن اختاروا باقي المدبر رقَّ القنِّ، وإن اختاروا القنّ عتق، وعلم أنه الذي كان له العتق في الصحة.
قال ابن المواز وغيره: وإن قال ذلك لهما عند موته أو في وصيته: فليسهم على نصف قيمتهما؛ فإن خرج المدبر عتق فإن بقي من نصف قيمتهما شيء جعل في الآخر إن حمله الثلث، وإن خرج القنّ بدأ بالمدبر ثم عتق القن إن حمله الثلث إلا أن تكون قيمته

أكثر من نصف قيمتهما [فيعتق منه قدر نصف قيمتهما] في بقية الثلث، وإن كان المدبر قدر الثلث عتق كله وبطلت الوصية، ولأشهب فيها قول عابه محمد؛ تَرَكْتُه.
فصل قال سحنون: ولو قال [13/ ب. ص] في صحته لأم ولده ولأمته: إحداكما حرة؛ أنه يحلف ويخيّر كما قال في المدبر والمكاتب ما لم يمت السيد فإن مات عتقت أم الولد وعتقت الأمة من رأس المال كالقائل ذلك لعبدين يستحق/ أحدهما بحرية.
ولو قال ذلك في مرضه ثم مات؛ عتقت أم الولد من رأس المال وعتقت الأمة من الثلث أو ما حمل الثلث منها.
ولو قال: أقرعوا بينهما فمن خرج فأعتقوه؛ فليقرع بينهما، فإن خرجت أم الولد رقّت الأمة، وإن خرجت الأمة عتقت في الثلث وأم الولد حرة من رأس المال.
وإذا قال ذلك لعبدين وأحدهما موصى بعتقه: فهما كالمدبر والقنّ، وكذلك إن كان أحدهما موصى به لرجل والآخر قِنٌّ ما لم يمت السيد في هذا؛ فإن مات فلورثته من

الخيار ما كان له، فإن أعتقوا الموصى به فهو من رأس المال وتبطل فيه الوصية، وإن أعتقوا الآخر عتق أيضاً من رأس المال وتبقى الوصية في الموصى به.
ولو قال هذا في مرضه ثم مات: نُظر إلى نصف قيمتهما وأسهم بينهما فيعتق من خرج في نصف قيمتهما إن حملها الثلث.
ولو اجتمعت أم ولد ومكاتبة ومدبرة ومعتقة إلى أجل وأمة فقال في صحته: إحداكن حرة؛ فإن يخير في عتق واحدة منهن ويحلف، فإن مات عتقت أم الولد في رأس المال، والمدبرة في الثلث، وأدت المكاتبة، وحل أجل المعتقة؛ فليعتق الأمة من رأس المال، والمدبرة في الثلث؛ كما لو متن أو استحققن بحرية.
وفيم ذكرنا كفاية وكله من النوادر وفيها إيعابه وتمامه وبالله التوفيق.

باب

في يمين العبد أو من يولى عليه بالعتق وغيره

قال الله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾.

قال مالك: فلا يجوز للعبد عتق ما يملك إلا بإذن سيده فإن أعتق أو حلف بعتق فيحنث فيه فلم يردّ ذلك السيد حتى عتق العبد فذلك عتق نافذ، ولو ردّه السيد قبل عتقه وبعد حنثه لبطل ولم يلزمه إن عتق يوماً ما.
ابن المواز: وكذلك المكاتب يرد سيده عتقه أو السفيه يردّ الولي عتقه ثم يرشد؛ أنه يبقى رقيقاً بيده بخلاف ما يردّ من عتق المديان ثم يفيد مالا قبل بيع العبد أو بقرب بيعه وقاله ابن القاسم وأشهب.
قال أشهب: وكذلك الزوجة تعتق فتزيد على الثلث فيرده الزوج ثم تزول العصمة والعبد بيدها أنها تسترقه.
وقال ابن القاسم: يعتق عليها بغير قضاء بخلاف السفيه والعبد.
م: والفرق عنده بين عتق المولى عليه والعبد وبين عتق المديان والزوجة؛ أن المولى عليه ممنوع من إتلاف ماله وممنوع من [14/ أ. ص] التصرف في شيء منه إلا بإذن وليه فكان وليه هو المالك، فرده لعتقه إبطال له وكذلك العبد كالمولى عليه فكأنما ماله لسيده

فإذا أعتق فكأنما أعتق مال سيده فرد السيد إبطال له ورجوع إلى حالته الأولى فلا يعود وإن زال الحجر، وأما المديان والزوجة فهما مطلقان اليد في أموالهما من التصرف والتنمية وإنما للغرماء والزوج المنع من الإتلاف؛ لأن لهما حقاً في المال فكان ذلك علة لرد العتق فإذا ارتفعت العلة ارتفع الحكم بارتفاعها ووجب نفاذه، وإنما قال ابن القاسم: يعتق في الزوجة بغير قضاء وفي المديان بالقضاء؛ لأن الغرماء ليس حقهم في عين العبد وإنما لهم مال وإنما يتسلطون على العبد بعد عدم المال فردهم إيقاف للنظر؛ هل له مال؟ فإذا وجد المال نفذ العتق والزوج كان حقه في العبد وغيره وليس رده لأمر بيّن فيه، وإنما هو رد فعل لا رد إيقاف فكان أشبه لرد الولي من رد الغرماء ولذلك رأى أشهب أنه كرد الولي وهو قياسي، وكان عند ابن القاسم أضعف من رد الولي؛ إذ للزوجة التصرف في مالها وإتلاف ثلثه، ولا كلام للزوج وكانت أفعالها أقوى من أفعال المولى عليه ورد زوجها أضعف من رد المولى فتوسط أمرها وجعلها تعتق بغير قضاء، وبالله التوفيق.
قال ابن المواز: وأما إن حلف المولّى عليه والعبد والمرأة بالعتق فلم يحنثوا حتى ملكوا أنفسهم فحنثوا فذلك يلزمهم.

وفي العتبية قال محمد بن خالد عن ابن القاسم في الصبي والعبد والنصراني يحلفون الآن ثم يحنثون بعد زوال ذلك من احتلام وعتق وإسلام؛ أنه لا شيء عليهم والعبد أشدهم/ فيه؛ لأنه إذا أعتق عبده فلم يعلم سيده حتى أعتقه أن ذلك يلزمه.
وقال ابن حبيب قال ابن الماجشون في العبد يحنث بعتق عبده فصمت سيده وقد علم: فإن العبد لا يلزمه عتقهم بصمات سيده وعلمه.
ومن المدونة وسئل مالك عن عبد قال: إن اشتريت هذه الأمة فهي حرة ثم أراد شراءها، قال مال: لا يشتريها ونهاه عن ذلك، وأعظم الكراهية فيه، ولم يذكر أن سيده أمر باليمين.
م: وإنما كرهه مالك إذ للسيد رد عتقه فيها وتبقى بيده يطؤها وقد حلف بحريتها إن اشتراها، فكذلك لو أمره سيده باليمين ولم يأمره بالشراء وأما لو أمره باليمين فحلف وأذن له في الشراء فاشتراها لعتقت عليه ولم يكن للسيد رد ذلك لعتقه بإذنه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال العبد: كل مملوك [14/ ب. ص] أملكه إلى ثلاثين سنة فهو حر فأعتقه سيده، ثم ابتاع رقيقاً قبل تمام الأجل فإنهم يعتقون عليه وهذا أبين من الآول ولكن ما ملك من العبيد، وهو في ملك سيده فلا يعتقوا عليه؛ إذ لا يجوز

عتق العبد لعبيده إلا بإذن سيده سواء تطوع بعتقهم أو حلف بعتقهم فحنث إلا أن يعتق وهم في يديه فيعتقون، وهذا إذا لم يردّ السيد عتقه حتى عتق [فأم إن ردّه سيد قبل عتقه وبعد حنثه لم يلزمه فيهم عتق، ولزمه بعد عتقه عتق] ما يملك بقية الأجل، وقد قال مالك في أمة حلفت بصدقة مالها ألا تكلم أختها فكلمتها: إن عليها صدقة ثلث مالها ذلك بعد عتقها.
قال ابن القاسم: وهذا إذا لم يردّ سيدها ذلك حتى عتقت.

باب

فيمن قال لأمته: أنت حرة إن دخلت هاتين الدارين أو لأمتيه: أنتما حرتان إن دخلتما هذه الدار أو قال ذلك لزوجتيه، وكيف إن قالوا: دخلناها؟

قال مالك رحمه الله: ومن قال لأمته: إن دخلت هاتين الدارين فأنت حرة فدخلت إحدى الدارين حنث وعتقت عليه، وإن قال: لأمتيه إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان أو

لزوجتيه فأنتما طالقتان فدخلتها واحدة منهما فلا شيء عليه حتى يدخلا جميعاً، وقاله ابن القاسم وسحنون.
وروى عن ابن القاسم: إنه يحنث فيها بدخول إحداهما.
وقال أشهب: تعتق الداخلة فقط ولا قول لمن قال: لا يعتقان إلا بدخولهما جميعاً ولا لمن قال: يعتقان جميعاً بدخول واحدة.
م: فوجه قول ابن القاسم الأول: كأنه إنما كره اجتماعهما فيه لوجه ما وعلى هذا أوقعت يمينه فلا شيء عليه بدخول الواحدة.
م: ووجه الثاني: أنه رأى قوله: إن دخلتما يقع على دخولهما مفترقتين ومجتمعتين، ثم قال: فأنتما حرتان؛ فكأنه قال لإحداهما: إن دخل هذه الدار فأنتما

حرتان، ثم قال كذلك للثانية؛ هذا معنى يمينه وإن جمعهما في يمين واحدة فلذلك حنّثه بدخول إحداهما، والله أعلم.
م: ووجه قول أشهب كأنه رأى أن المحصول من يمينه أنه حلف على كل واحدة بحريتها إن دخلت هذه الدار وأن أجملهما في يمين واحدة، فإذا دخلت واحدة عتقت وكذلك الحكم في الزوجات.
ومن المدونة قال مال: ومن قال لعبده: أنت حر إن دخلت هذه الدار أو لزوجته أنت طالق [إن دخلت هذه الدار] فقالت المرأة والعبد بعد ذلك: قد دخلناها؛ فإنه يؤمر فيما بينه وبين الله بفرق زوجته وعتق غلامه [15/ أ. ص]؛ لأنه قد صار في حال الشك في البر والحنث، وأما في القضاء فلا يجبر على طلاق ولا عتق، قال في كتاب الطلاق: ولو صدقها أو لا؛ لزمه الفراق بالقضاء وإن رجعت عن إقرارها.

وقال في كتاب العتق: وكذلك لو قال لهما إن كنتما دخلتما هذه الدار فأنت حرة وأنت طالق فقالاً: قد دخلناها فذلك سواء؛ أقرّا أو لم يقرّا؛ لا يعتق العبد ولا تطلق المرأة بقضاء؛ لأن الزوج والسيد لا يعلم صدق ذلك بقولهما فيؤمر بأن يطلق أو يعتق فيما بينه وبين الله تعالى لا بالقضاء/، وكذلك إن قال لأمته: أنت حرة إن كنت تبغضيني، فقالت: أنا أحبك، أو قال لها: أنت حرة إن كنت تحبيني، فقالت: أنا أبغضك، فإنه ينبغي له أن يعتقها إذ لا يدري أصَدَقَتْه أم لا ولا يقضي عليه.
قال في المجموعة: وكذلك إن قال لعبده: إن كنت تبغضني فأنت حر.
فقال العبد: أنا أبغضك.
قال في كتاب الطلاق: وإن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إن كنت تحبين فراقي، فقالت: أنا أحبه، ثم قالت: كنت كاذبة أو لاعبة؛ فليفارقها ولا يقيم عليها، وإن قال لها: إن كنت تبغضيني فأنت طالق، فقالت: لا أبغضك فلا يُجبر على فراقها ولكن يُؤمر به.

قال في كتاب العتق: وكذلك إن كان فلان يبغضني فعليّ المشي إلى بيت الله، فقال فلان: أنا أحبك فعليه أن يمشي.
وقد قال مالك فيمن سأل امرأته عن خبر؟ فقال لها: أنت طالق إن كتمتيني أن إن لم تصدقيني: فأخبرته، وقالت: قد صدقتك ولم أكتمك، ولا يدري أكتمته ذلك أم صدَقته فإنه يفارقها.
قال ابن القاسم: وكذلك مسائلك هذه كلها وما أشبهها فلا يقضى عليه فيها بحرية ولا طلاق ولكن يؤمر بذلك ولا يُجبر.

باب

فيمن ملك عبده العتق أو ملّكه أجنبياً

قال ابن القاسم: ومن ملّك عبده العتق فقال له: أعتق نفسك في مجلسك هذا أو فوّض ذلك إليه، فقال العبد: اخترت نفسي، فإن قال العبد: نويت بذلك العتق صدق وعتق؛ لأن هذا من أحرف العتق، وإن لم يرد به العتق فلا عتق له.
وقال غيره: إذا قال لعبده: عتقك في يديك، أو قال له: أمرك في يديك في العتق فقال العبد: اخترت نفسي، أنه حر؛ وإن زعم أنه لم يرد بذلك العتق، كما يكون ذلك في المملكة طلاقاً وإن لم ترده.

م: وحكي عن بعض فقهائنا القرويين أن الفرق عند ابن القاسم بين قول العبد: اخترت نفسي وبين قول المملكة: اخترت نفسي، أن الزوج إنما ملكها في أن تقيم أو تفارق، والفراق لا يكون إلا بطلاق، فإذا قالت: اخترت نفسي؛ علمنا أنها أرادت الطلاق، وأما العبد فيمكن أن يختار لنفسه البيع؛ لأنا وجدناه يفارق سيده ويخرج من يده بألوان شتى من البيع [15/ ب. ص] والهبة والصدقة فلا يكون قوله اخترت نفسي عتقاً حتى يريده، وأما الزوجة فلا تخرج من عصمته إلا بالطلاق فهذا مفترق.
وقال غيره: إنما فرّق بينهما؛ لأن العبد إنما ملكه عتقه صراحاً فأجاب بغير صريح العتق فلا يكون عتقاً حتى يريده، ولو أجابة بصريح العتق مثل أن يقول: قبلت عتقي، وأعتقت نفسي، كان قد أظهر لنا أنه قَبِل ما جُعل إليه ويكون حينئذ عتقاً

كالمخيرة التي أجابت ما جعل لها فلما عدل العبد أن يجيب بصريح العتق وأتى بلفظ محتمل كان كالمخيرة تقول: قبلت أمري؛ أنها تُسأل عما أرادت.
م: وهذا كله استئناس ألا ترى أن المخيرة إذا قالت: قبلت نفسي أنها تطلق وإن أجابت بغير ما جعل إليها، وإنما فرّق بينهما؛ لأن هذه الألفاظ إنما وردت في تخيير النساء فقيس العتق عليها فكان أضعف رتبة مما ورد فيه النص والله أعلم، ومع ذلك فقول أشهب أقيس وأحوط للعتق وبه أقول.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإن قال العبد: قد اخترت أمري أو قبلت أمري، ونوى العتق فذلك له وإن لم ينوه، قيل له: ذلك بيدك إن شئت فأعتق نفسك أو دع.
ومن المدونة: وإن قال العبد: أنا أدخل الدار - محمد: أو أسافر - وقال: أردت بذلك العتق؛ فلا عتق له إذ ليس هذا من حروف العتق.
ولو قال السيد لعبده: أدخل الدار؛ يريد بلفظه ذلك العتق لزمه.

والفرق بينهما: أن العبد مدع للعتق إذ أجاب بغير حروفه والسيد مصدّق؛ لأنه مقر على نفسه بالعبد بخلافه، وهو كالمرأة تقول في التمليك: أنا أدخل بيتي/ ثم تدعي بعد ذلك أنها أرادت به الطلاق فلا يقبل قولها، ثم ليس للمرأة والعبد بعد ذلك خيار؛ لأنهما قد تركا ما جعل لهما حين أجابا بغير طلاق، ولا عتاق وهو بخلاف السكوت الذي يترقب فيه الجواب.
ابن المواز وقال أشهب: لهما ذلك ما داما في المجلس، وقولهما الأول كالسكوت، ولا شيء لهما بعد التفرق.
وقال غير ابن القاسم في المدونة: إذا قال العبد: أنا أدخل الدار أو أذهب أو أخرج لم يكن هذا عتقاً إلا أن يريد بذلك العتق فيعتق؛ لأنه كلام يشبه أن يراد به العتق.

قال محمد: وقول ابن القاسم أصوب وقاله عبد الملك.
م: ظاهر كلام محمد أن قول الغير كله خلاف قول ابن القاسم فلم يتكلم على قول العبد: أنا أخرج أو أذهب، والذي يدل عليه الكتاب أنه لا يخالف الغير في ذلك، دليله: قوله فيمن قال لرجل أعتق جاريتي: فقال لها ذلك الرجل: اذهبي، وقال: أدرت بذلك العتق [16/ أ. ص] بأنها تعتق؛ لأنه من حروف العتق، وإن قال: لم أرد بذلك العتق صدّق فكذلك هذا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: والقول فيمن ملّك عبده أو أمته العتق كالقول تمليك الزوجة؛ إن ذلك في يد الأمة والعبد ما لم يفترقا من المجلس فإن تفرقا أو طال المجلس بهما حتى أنهما قد تركا ذلك أو خرجا من الذي كانا فيه إلى كلامٍ غيره

أنه تركٌ لما كان فيه بطل ما جعل في أيديهما من ذلك وهذا أول قول مالك، وبه أخذ ابن القاسم، وعليه جماعة الناس، ثم رجع مالك فقال: لها ذلك وإن قامت من المجلس ما لم توقف أو تتركه يطؤها أو يباشرها أو يتلذذ منها طائعة فيزول ما بيدا.
وكذلك قال في العتق.
وسئل ابن القاسم في باب بعد هذا فيمن قال لأمته: أنت حرة إن هويت أو رضيت أو شئت أو أردت، حتى متى يكون ذلك لها؟ [فقال: ذلك لها]، وإن قاما من مجلسهما مثل التمليك في المرأة ما لم تمكنه من وطء أو مباشرة أو تلذذ منها أو توقف الجارية لتختار حريتها أو تترك [إلا أن يكون شيئاً فوّضه إليها.
م: يريد: مثل هذا الذي تقدم كأنه] قال: وأما أنا فلا أرى لها في التمليك بعد افتراق المجلس شيئاً إلا أن يكون شيئاً فوضه إليها مثل قوله: أنت حرة إن هويت أو شئت فذلك لها وإن قاما من المجلس، وكذلك قال في كتاب التمليك ففرّق بين المبهم وهو قوله: أمرك بيدك وبين قوله: أنت طالق إن شئت أو إذا شئت فجعل لها

القضاء في التمليك ما دامت في المجلس وجعل لها في إذا شئت وإن شئت وإن افترقا من المجلس وقال: لأنه تفويض فوضه إليها.
فصل وقال ابن القاسم [في باب بعد هذا]: ومن أمر رجلين بعتق عبده فأعتقه أحدهما فإن فوّض ذلك إليهما لم يعتق العبد حتى يجتمعا وإن جعلهما رسولين عتق بذلك، وكذلك إن أمر رجلين يطلقان زوجته الجواب واحد.
قال أشهب وغيره من كبار أصحاب مالك: وكذلك لو ملّك أمته مع أجنبي عتقها، أو ملّك ذلك لرجلين سواهما، فلا تعتق حتى يجتمعا على العتق؛ لأن إلى كل واحد منهما ما إلى صاحبه فإن وطأها بإذن أحدهما انتقض الأمر الذي جعله لهما.
م: يريد وإن لم يكن برضا أحدهما فلا ينتقض ما بأيديهما من ذلك إلا أن يطأها بعلمهما ورضاهما.

باب

ما يلزم من ألفاظ العتق وما لا يلزم، ومن أعتق عضواً من عبده

قال مالك: ومن قال لزوجته أو لأمته: ادخلي الدار وهو يريد بلفظه [16/ ب. ص] ذلك حرية الأمة وطلاق الزوجة؛ لزمه ذلك، وإن أراد أن يقول لزوجته: أنت طالق أو لأمته أنت حرة فزل لسانه فقال لها: ادخلي الدار أو نحوه؛ لم يلزمه شيء حتى ينوي أن الأمة حرة والزوجة طالق بما تلفظ به من القول قبل أن يتكلم به فيلزمه، وإن لم يكن ذلك الكلام من حروف الطلاق والحرية.
[وقال أبو إسحاق: لأنه لم يرد الطلاق بالنية؛ فيلزمه على مذهب من ألزم الطلاق بالنية ولا نصيرها لفظا به الطلاق.
واختلف فيمن أراد أن يقول: ادخلي الدار فالآن أنت حرة وأنت طالق؛ فقيل: يلزمه، ولا يعذر بالغلط، وقيل: لا يلزمه ذلك، وكذلك] إن قال لجاريته: أنت برية أو خلية أو بائن أو باتة، أو قال لها: كلي/ أو اشربي أو تقنعي أو اعزبي، يريد بذلك

اللفظ الحرية؛ فهي حرة.
وقد تقدمت مسألة من قال لرجل: أعتق جاريتي، فقال لها ذلك الرجل: اذهبي، يريد به العتق أنها تعتق؛ لأنه من حروف العتق.

فصل قال مالك: ومن قال لعبده: يدك حرة أو رجلك حرة؛ عتق عليه جميعه، كما لو طلق عضواً من امرأته فإنها تطلق عليه.
قال ابن القاسم: وكذلك إن شهدتعليه بذلك بنية وهو يجحد؛ فإنه يعتق عليه.
قال ربيعة: ومن قال في أمته: أشهدكم أن ما ولدته فهو حر، أو قال: رحمها حر، فقال: أما قوله: كلما ولدته فهو حر فما ولدت بعد قوله فعسى أن يعتق، وإن مات الرجل، أو باعها، انقطع ذلك الشرط واسترقت هي وما تلد؛ لأن قوله ذلك لها لا يحرّم بيعها ولا ميراثها؛ لأنه لم يعتق شيئاً رقه يومئذ بيده، ولا ما يكون العتاقة في مثله، وأما قوله: رحمها حر؛ فهي حرة كلها.
ابن حبيب قال أصبغ: إن كان محمل ذلك على الولد إن ما يخرج من رحمها حر فلا حرية لها، وإن أراد الرحم فهي حرة.

جارٍ التحميل