الجامع لمسائل المدونةصفحات 639-678

كتاب المكاتب الأول

صفحات 639-678

[الباب الثاني عشر]

في سكنى المعتدات ونفقة المطلقات

[فصل 1_ في سكنى ونفقة المطلقات] وأوجب الله سبحانه وتعالى السكنى لكل مطلقةٍ بقوله عز وجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:6] / وقوله عز وجل: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:1], ولأن السكنى لحرمة النسب, ولوجوب حفظه, فلا تزول بالبينونة, كما قال ابن أبي ليلى, وتُفارق النفقة لأنها عِوضٌ من الاستمتاع, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المبتوتة: «لا نفقة لها».
فأما ذوات الحمل فلهن النفقة, كان الطلاق ثلاثاً أو واحدة, لقوله عزَّ وجل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:6].
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك في المبتوتة: إذا أنفق عليه بغير قضيةٍ وقد ادعت الحمل ثم بطل الحمل لم يرجع عليها إذا أنفق عليها بدعواها أو بقول القَوابل, وإن أنفق بقضيةٍ رجع عليها.

  • قال الشيخ: لأنه انكشف أن ما قضى به بغير حق_.
    وقال عبد الملك: إن أنفق بغير قضاء فله أن يرجع, ورواه عن مالك.
    قال في كتاب النكاح: وإن أنفق بحكم لم يرجع بشيء عليها.
    قال محمد: وأحب إلى أن يرجع عليها في الوجهين إن تبين ذلك بإقرار منها أو بغير إقرار.
    قال مالك: والغائب إذا طلق ثم أنفقت من ماله لم يرجع عليها بشيء، بخلاف الموت، لأن الحي فرَّط.
    ولو قدم عليها رجل واحد وشهد بطلاقه فأعلمها، أو رجل وامرأتان فليس ذلك بشيء حتى يشهد عندها من يحكم به السلطان في الطلاق.
    وفي منتخب الأحكام: لابن القاسم سماع يحيي قال في المطلقة المبتوتة وهي حامل تطلب الكسوة: إنها إن كانت في أول الحمل فذلك لها، وإن كان لم يبق من أجل الحمل إلا ثلاثة أشهر أو نحوها قوم ما كان يصير لها لتلك الشهور من الكسوة لو اكتست في أول الحمل ثم أعطيت تلك القيمة دراهم.
    ومن المدونة: قال مالك: فكل مطلقة لها السكنى، وكل بائنة بطلاق أو ببتات أو بخلع أو بمباراة أو بلعان ونحوه فلها السكنى، ولا نفقة لها ولا كسوة إلا في الحمل البين، فذلك لها ما أقامت حاملاً، إلا الملاعنة فإنها لا نفقة لها في حملها، لأن ما في بطنها لا يلحق بالزوج.

قال عيسى في كتاب ابن مُزَيْن: وإذا بلغ الإمام من معتدةٍ أنها تبيت في غير بيتها في عدتها فليُعلمها بما جاء في ذلك، ويأمرها بالكفِّ عن ذلك، فإن أبت إلا ذلك أدبَّها على ذلك وأجبرها عليه.
قال أبو بكر الأبهَري: وإذا توفي عنها زوجها في دارٍ فيها بيوتٌ كثيرةٌ فلا تَصِيفُ إلا حيث كانت تَصِيفُ قبل موته، هذا هو الاختيار، فإن خرجت من بيتٍ إلى بيت، أو إلى قاعة الدار فلا بأس بذلك إذا كنت الدار غير مشتركة، فأما المشتركة المسكونة فلا يجوز لها أن تبيت في غير بيتها.
ابن المواز: قال مالك: والكسوة: الدِّرعُ والخِمَار والإِزَار، وليس الجُبَّةُ عندنا من الكسوة.
قال ابن القاسم: ونحن نقضي هاهنا بالجُبَّة، وكذلك في العتبية.
قال فيها يحيي بن يحيي عن ابن القاسم في المبتوتة الحامل تطلب الكسوة: فإن طلقها في أول الحمل فذلك لها، وإن كان في آخره وقد بقي منه شهران أو ثلاثة قُوِّم لها ما يصير لتلك الأشهر من الكسوة لو اكتست من أول الحمل، فتعطاه دراهم.

قال مالك: وإذا طلق امرأته وهي حاملٌ مرضعٌ فعليه نفقة الحمل ونفقة الرضاع جميعًا، وكذلك في كتاب ابن المواز.
[فصل 2_في سكنى ونفقة المطلقة الرجعية والكتابية والصغيرة] ومن المدونة: وكل طلاقٍ فيه رجعةٌ فلها النفقة والكسوة والسكنى حتى تنقضي عدتها، كانت حاملاً أو غير حامل.
-قال الشيخ: لثبوت أحكام الزوجية عليها، وكذلك امرأة المُولي إذا فرِّق بينهما، لأن فرقة الإمام فيها غير بائنة، وهما يتوارثان ما لم تنقض العدة.
قال: / وتجب السكنى في فسخ النكاح الفاسد وذات محرمٍ بقرابةٍ أو رضاعٍ كانت حاملاً أم لا، لأنه نكاحٌ يلحق فيه الولد، وتعتد فيه حيث كانت تسكن، ولا نفقة عليها ولا كسوة، إلا أن تكون حاملاً فذلك عليه.
قال: وللكتابية الحرة على الزوج المسلم من السكنى والنفقة إذا طلقها ما للمسلمة.
قلت: فمن دخل بصبيةٍ يجامَع مثلها فجامعها أو لم يجامعها فطلقها البتة هل لها السكنى؟ فقال: إذا لزمت الجارية العدة لمكان الخلوة بها فلها السكنى.
قال مالك: وإن خلا بها في بيت أهلها فطلقها، ثم قال: لم أطأ، فصدقته أو كذبته فالقول قوله في طرح السكنى، كما أقبله في [طرح] نصف الصداق، وعليها العدة لهذه الخلوة، وإنما تلزم الزوج السكنى إذا لزمه الصداق كاملاً بحيث يجب جميع الصداق تجب السكنى، إلا أنه إن لم يعلم له بها خلوةٌ فلا عدة عليها في طلاقٍ وإن ادعى المسيس.

قال: وإن دخل بها وهي لا يجامَع مثلها لصغرٍ فلا عدة عليها ولا سكنى لها في الطلاق، وليس لها إلا نصف الصداق، وعليها في الوفاة العدة ولها السكنى إن كان ضمَّها إليه والمنزل له، أو قد نَقَدَ كِرَاءه، وإن لم يكن نقلها فلتعتد عند أهلها.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فإن كان إنما أخذها ليكفلها ثم مات لم يكن لها سكنى، وأظنُّ ابن المواز ذكره، وهو بيِّنٌ فاعلمه.
وكذلك الكبيرة يموت عندها زوجها قبل البناء وهي في مسكنها فلتعتد فيه، ولا سكنى لها عليه، إلا أن يكون أسكنها دارًا، لو اكتراها ونَقَدَ الكراء، فتكون أحق بذلك المسكن حتى تنقضي عدتها.
[فصل 3_في سكنى الأمة المطلقة] ومن المدونة: إذا عتقت الأمة تحت عبدٍ فاختارت نفسها، أو لم تعتق فطلقها طلاقًا بائنًا فإن كانت بُوِّئت مع زوجها بيتًا فلها السكنى عليه ما دامت في عدتها، وإن لم تُبَوَّأ معه فلتعتد عند سيدها، وكذلك إن أخرجها سيدها في العدة فسكنت في موضعٍ آخر، فلا شيء على زوجها إذا لم تكن تبيت عنده، ويجبر سيدها على ردها حتى تنقضي عدتها، إلا أن ينقلها من البلد وإن باعها بشرط أن لا يخرجها حتى تنقضي عدتها.
وقال حَمديس: وإذا انتجع سيدها إلى بلدٍ آخر كان له أن يخرجها معه كالبدوية، وهذا خلاف ما روي عن مالك: أنه لا يجوز بيعها إلا لمن لا يخرجها في العدة، وإذا لم يجز ذلك لمشتريها فبائعها أولى.

قال الشيخ: وهذا لا يلزم ابن القاسم، لأن بائعها لا يخرجها إلا أن يضطر إلى الخروج بها، وليس هو مضطرًا في بيعها أن يبيعها ممن يخرجها وهو يجد من لا يخرجها، لأن المشترين كثير، ولو اضطر المشتري بعد شرائها إلى الخروج لأمرٍ حدث غير مختارٍ لذلك لرأيت له أن يخرج بها معه كسيدها والله أعلم.
قال أبو عمران في الأمة إذا بُوِّئَتْ مع زوجها بيتًا: فليس لأهلها أن ينقلوها، وهو لمحمد، قال: ولم يذكر فيه اختلافا، وأشار إلى أنه ليس بخلافٍ لما في المدونة.
ومن المدونة: قلت: فلو انهدم السكن فتحولت إلى موضعٍ آخر بكراء، أو أعتق العبد في العدة هل عليه شيءٌ من السكنى؟ قال: لا سكنى عليه إذا لم تبوَّأ معه بيتًا، وإنما يلزم الزوج ما كان يلزمه حين طلقها، فما حدث بعد ذلك لم يلزم الزوج منه شيء.
قال الشيخ: فإن قيل: هلَّا جعل عليه السكنى إذا عتق كما قال في نفقة الحمل إذا عتق ثم عتقت الأمة، أو كانت حرةً أنه ينفق من يومئذ، وقد ذُكِر عن ابن الكاتب أنه قال: عليه / السكنى من يوم عتق؟ قال الشيخ: يحتمل عندي إنما لم يكن عليه السكنى لحق السيد في كونها عنده، ولو عتقا جميعًا لكان عليه السكنى لزوال حق السيد، وكما تلزمه النفقة في الحمل إذا عتقا.
والله أعلم.

[فصل 4_في نفقة الحامل] ومن المدونة: قال: وليس للأمة الحامل نفقةٌ على زوجها إذا طلقها البتة إذ الولد رقَّ لغيره، كان الزوج حرًا أو عبدًا، وكذلك حرةٌ طلقها عبدٌ البتة وهي حامل، فلا نفقة لها إلا أن يعتق العبد قبل وضعها فينفق على الحرة من يومئذ، وإن كانت أمةً فلا، إلا أن تعتق هي أيضًا بعد عتقه فينفق عليها في حملها، لأن الولد ولده.
فصل [5_في سكنى ونفقة المتوفى عنها زوجها] قال: وليس للمتوفى عنها زوجها نفقةٌ في عدتها وإن كانت حاملاً، ولها السكنى في العدة إن كانت الدار للميت أو بكِرَاءٍ وقد نَقَدَه.
وقال أبو حنيفة: لا سكنى للمتوفى عنها زوجها، ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم للفُريَعة حين قتل زوجها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» ولأن ذلك يتعلق بحق الله عز وجل، وحق الميت، وحق النسب فأشبه الكَفَن.
ومن المدونة: قال مالك: وهي أحق بسكن دار الميت من غرمائه، وتباع للغرماء وتشترط سكناها على المشتري.

قال ابن المواز: قال مالك: فإن ارتابت فهي أحق بالمقام حتى تنقضي الريبة وتحل، وأحب إلينا أن يرجع المشتري على البائع، فإن شاء فسخ بيعه وأخذ الثمن، وإن شاء تمسك بغير شيءٍ يرجع به، لأن البيع إنما وقع على استثناء العدة المعروفة أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولو وقع بشرط زوال الريبة كان فاسدًا.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: أنه لا حجة للمبتاع.
قال سحنون: ولو تمادت الريبة إلى خمس سنين فلا حجة للمبتاع، لأنه قد علم أن أقصى العدة خمس سنين، فكأنه دخل على علم.
ولابن عبد الحكم: أن بيع الدار وشرط سكنى المرأة في عدتها غررٌ لا يجوز عنده، لجواز أن تستريب المرأة.
ومن المدونة: قال مالك: وهي أحق من الغرماء بما فقد كراءه، وإن كانت الدار بكراءٍ ولم ينقد الزوج الكراء وهو موسرٌ فلا سكنى لها في ماله، وتؤدي الكراء من مالها، ولا تخرج إلا أن يخرجها رب الدار، ويطلب من الكراء مالا يُشبه.
قال الشيخ: يريد: إذا كانت مدة الكراء الميت قد انقضت.
وقال بعض القرويين: معنى هذه المسألة: أنه أكرى كل سنةٍ بكذا، ودليله قوله: إذا لم ينقد الكراء فتغرم المرأة الكراء إلا أن يطلب منها صاحب المسكن ما لا يشبه، فشرطه إلا أن يطلب ما لا يشبه يدل على ما قلناه أنه لم يكر سنةٌ بعينها، ولذلك فرق بين أن ينقد وبين ألاَّ ينقد، ولو كانت سنةً بعينها فلا وجه للتفريق بين ذلك، لأن عقد الكراء قد لزم ووجب على الميت في تركته.

وهذا التأويل خلاف النص.
وذكر غيره من القرويين: أن أبا قُرَّة روى عن مالك أنه فرَّق بين أن يكري في السنة بكذا أو يكري سنةً بعينها, فهذا يؤيد ما تقدم أنه إنما يراعي النقد إذا لم ينقد على سنةٍ بعينها, لأنه إذا نقد صارت كالمعينة, وإذا لم ينقد فالكراء غير منعقدٍ لأن لما شاء الفسخ فسخ, وأما إذا عقد سنةً بعينها فسواءٌ نَقَدَ أم لا, لأن الكراء منعقدٌ بينهما وقد لزم ذلك زمته, وهذا خلاف ما في كتاب ابن المواز وغيره من أنه إن أكرى سنةً بعينها لا تكون المرأة أحق بها إلا أن يكون الميت قد نقد الكراء, وهذا التأويل خلاف النص.
وقد قال مالك في كتاب ابن المواز: إذا اكتراها مدةً فمات وبقي من المدة بقيةٌ ولم ينقد الكراء فالكراء لازمٌ للميت في ماله, ولا تكون الزوجة / أحق بذلك, ثم تُحاصُّ الورثة في ذلك, فللورثة إخراجها إلا أن تحب أن تسكن في حصتها, وتؤدي كِرَاء حصتهم.
قال الشيخ: يريد: برضاهم. وإن نقد بعض الكراء سكنت في حصة ما نقد بأسره وكان الحكم فيما لم ينقد كما ذكرنا.
وإن شاء الورثة أن يُكْرُوا منها لزمها المقام, وإن شاؤا إخراجها فذلك لهم, وكذلك صاحب الدار بعد المدة.
فهذا يدل على خلاف التأويل المتقدم.

وذكر عن أبي عمران أنه إذا أكرى الرجل منزلاً ونقد كراءه قبل أن ينتقل إليه ثم مات قبل أن ينتقل إليه فليس للمرأة أن تنتقل إليه وتعتد في الموضع الذي هي فيه.
ومن المدونة: قال مالك: فإن أخرجت أقامت بموضعٍ تنتقل إليه لا تخرج منه ولا تبيت إلا فيه حتى تنقضي عدتها, وكذلك إن أخرجت من المسكن الثاني فاكترت ثالثاً ففيه تعتد وتبيت.
قال ابن القاسم: وأما إن طلقها زوجها طلاقاً بائناً فلزمه السكنى ثم مات في العدة فقد وجب لها السكنى في مال الزوج قبل الوفاة دينا, فلا يسقطه موته, بخلاف المتوفى عنها لو لم يطلقها, وكذلك بلغني عن مالك, وقد روى ابن نافع عن مالك أنهما سواءٌ إذا طلق ثم مات, أو مات ولم يطلق.
قال سحنون: وهذا أعدل.
قال يحيى بن عمر: كما تنقطع النفقة بموته عن الحامل.
قال الشيخ: وفي سماع ابن القاسم عن مالك: أن الحامل إذا اختلعت من زوجها أو طلقها طلاقاً بائناً فلزمته نفقتها ثم مات قبل أن تضع أن النفقة تسقط عنه بموته.
وقد مضى في إرخاء الستور عن ابن نافع عن مالك: أن الحامل إذا اختلعت من زوجها مثل هذا, فيلزم ابن القاسم عند أهل النظر أن يقول في السكنى أنها تنقطع عنها كما تنقطع النفقة.

قال بعض فقهائنا: لا يلزم ابن القاسم هذا, لأن النفقة إنما سقطت بموته لأنها بسبب الحمل, وقد صار الحمل الآن وارثاً, فلذلك وجب سقوطها, وأما السكنى فهي للمرأة وقد وجبت لها عليه في صحته فلزمته كدينٍ لها, فلا يُسقط ذلك موته, والله عز وجل أعلم.
قال الشيخ: لأن السكنى لا تسقط في الموت ولا في الطلاق البائن إن كان المسكن له, أو نقد كراءه, وتسقط في ذلك النفقة, فدل أن السكن أقوى.
[فصل 6_في المطلقة إن كانت في بيت بكراء] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو طلقها وهو في بيتٍ بكراءٍ فأَفلس قبل انقضاء العدة فلرب الدار إخراجها, لأنه أحق بمسكنه.
قال مالك: وقال ابن المسيب: الكراء على الزوج, فإن لم يكن عنده فعليها, وإن لم يكن عندها فعلى الأمير.
قال ابن القاسم: وإذا كانت المرأة في منزلٍ بكراءٍ اكترته فطلقها زوجها فلم تطلب الزوج بالكراء إلا بعد العدة فذلك لها, وكذلك إن كان زوجها لم يفارقها فطلبت منه كراء المسكن الذي اكترته بعد تمام السكن فذلك لها إن كان موسراً حين سكنت, وإن كان عديماً فلا شيء عليه.
قال ابن أبي زمنين: معنى هذه المسألة عندي: أنها إنما اكترت المسكن بعدما تزوجها, فأما إن تزوجها وهي في بيتٍ بكراءٍ فقد قال في كتاب كراء

الدور والأرضين: لا كراء على الزوج إلا أن تكون بيَّنت له أنها إنما تسكن بكراء, وإن لم يكن هذا معناه تناقضٌ من القول, والله أعلم.
[فصل 7_في السكنى والنفقة على الزوج المعدم وفي سكنى ونفقة أم الولد من وفاة سيدها وعتقه لها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا سكنى على معدمٍ في عدة, ولا نفقة في حملٍ إلا أن يوسر في حملها فتأخذه بنفقة ما بقي, وكذلك / السكنى, وإن وضعت قبل يسره فلا نفقة لها في شيءٍ من حملها.
ولأم الولد السكنى في الحيضة إن مات السيد أو أعتقها, ولا نفقة لها, وكل شيءٍ تُحبس عليه فيه من عدةٍ أو استبراءٍ فلها فيه السكنى.
قال مالك: وإن كانت حاملاً حين أعتقها فلها النفقة مع السكنى.
قال غيره: إذا كانت حاملاً في الوفاة فلها السكنى ولا نفقة لها.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن لم تكن حاملاً فلا سكنى لها, ورآها لها أشهب استحساناً من غير إيجاب.
قال ابن القاسم: وإن كانت حاملاً فلها النفقة والسكنى إن أعتقها, ولها أن تبيت في غير بيتها, مات سيدها أو أعتقها.
وقال أصبغ مثل قول أشهب وأشد, ويرى ذلك لها وعليها, ولو كانت حاملاً في الوفاة فلها السكنى ولا نفقة لها.

[فصل 8 - في سكنى ونفقة المرتدة] ومن المدونة: قال مالك: وللمرتدة الحامل النفقة والسكنى مادامت حاملاً.
قال أبو بكر بن اللباد: ليس لها السكنى، وإن لم تتب تسجن حتى تضع.
قال مالك: فإن لم تكن حاملاً لم تؤخر واستتيبت، ولا نفقة لها في هذه الاستتابة، لأنها قد بانت منه، فإما أن تقتل أو ترجع إلى الإسلام، فيكون ذلك طلقة بائنة ويكون لها السكنى.
وذكر الباجي: أن علي بن زياد قال: إذا ارتدت المرأة رغبة في فسخ النكاح، وعلم ذلك منها أن ذلك لا يفسخ النكاح، وتبقى زوجة له على حالها.
[فصل 9 - في سكنى زوجة المعترض والمجوسية إن أسلم زوجها إذا فرق بينهما] ومن المدونة: قال مالك: والمعترض عن امرأته إذا فرق بينهما عند الأجل فلها عليه السكنى في عدتها.
والمجوسيان إذا أسلم الزوج فوقعت الفرقة بينهما وقد بنى بها فلها السكنى

ومن كتاب ابن المواز: وقيل: إن أسلم أحد الزوجين المجوسين فلا نفقة لها ولها السكنى.
قال أصبغ: وإن أسلمت ذمية تحت ذميّ فلها النفقة؛ لأن إسلامه في العدة كالرجعة.
قال ابن المواز: ولا نفقة لها كالمجوسية تسلم تحت مجوسي؛ لأنه لا رجعة له حتى يسلم، وهذا الصواب عندنا.
[فصل 10 - في سكنى المستحاضة] ومن المدونة: قال مالك: وللمستحاضة السكنى في عدتها، ولا ينقطع ما وجب لها من السكنى كمطلقة، أو متوفى عنها زوجها وبها ريبة حتى تزول عنها الريبة.

[الباب الثالث عشر]

جامع مسائل مختلفة من الاستبراء وأمهات الأولاد

قال مالك: ومن كانت له أمة يطؤها ولم تلد منه فمات عنها، أو باعها فاستبراؤها حيضة وإن كانت مستبرأة قبل ذلك؛ لأنها خرجت من ملك إلى ملك، وأما إن أعتقها فإنها تستبرأ بحيضة إلا أن يكون السيد استبرأها قبل ذلك فيجزئها ذلك.

  • قال الشيخ: لأنها خرجت من ملك إلى حرية- وتنكح مكانها إن أحبت، ويحل للزوج وطؤها حينئذ كما لو زوجها السيد وهي ملكه حل للزوج وطؤها مكانه، ويجزؤها استبراء السيد، ولا يجوز للسيد تزويجها حتى يستبرئها.
    قال: ولو أعتق أم ولده بعد الاستبراء، أو مات عنها لم يجزها حتى تستأنف حيضة بعد عتقها، بخلاف الأمة.
    وإن اشترى المكاتب زوجته بعد البناء، فلم يطأها حتى مات، أو عجز، فرجعت إلى السيد فعدتها حيضة، قاله مالك، ثم رجع، فقال: أحب إلي أن تكون حيضتين، وبهذا أخذ ابن القاسم: أن السيد لا يطؤها إلا بعد حيضتين من يوم الشراء، ولو وطئها المكاتب بعد الشراء انفسخت العدة وحلت بحيضة الاستبراء، ولو مات المكاتب، أو عجز بعدما مضى لها عنده حيضتان من يوم الشراء، فصارت الأمة لسيدها لم ينبغ لسيدة أن يطأها حتى تحيض حيضة وإن كان المكاتب قد قال: لم أطأها بعدها، وإن هي خرجت حرة بعد حيضتين لم يكن للسيد وطؤها، ونُكحت مكانها ولا استبراء عليها؛ لأنها خرجت من ملك إلى حرية.

قال مالك: ومن اشترى زوجته قبل البناء وطئها بملك يمينه ولا استبراء.
قال مالك: وإذا اشترى المأذون له في التجارة أمة بإذن سيده أو بغير إذنه فوطئها، ثم عتق وقد ولدت منه أولادًا وهي حامل منه، فهي تبع له كماله، ولا تكون له أم ولد بما ولدت قبل عتقه، ولا بما كانت به حاملاً حين عَتَق؛ لأن ذلك الولد رق للسيد.
قال ابن القاسم: إلا أن يملك المأذون حملها قبل أن تضعه بهبة فتكون به أم ولد.
قال مالك: ولو أن العبد حين أعتقه سيده أعتق هو جاريته وهي حامل منه لم أعجل لها ذلك، وكانت حدودها حدود أمة حتى تضع فيرق الولد للسيد الأعلى، وتعتق هي بالعتق الأول بغير إحداث عتق.
وسأل ابن كِنَانَة مالكًا عن مدبر اشترى أمة فوطئها فحملت، ثم عجل السيد عتقه هل يتبعه ولده كمَالِه؟ فقال: لا ولكن إذا وضعته كان مدبرًا على حال ما كان عليه الأب قبل العتق، والجارية تبع للعبد، لأنها ماله.
قال ابن القاسم: واختلف قول مالك هل تكون بهذا الولد أم ولد أم لا؟ وقد تقدم جميع مسألة المأذون له إلى آخر الكتاب في أمهات الأولاد، وهناك زيادة شرح فيها فاعلمه.
تم طلاق السنة والعدة بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أثيرًا إلى يوم الدين.

[الكتاب الثامن]

كتاب الأيمان بالطلاق

[الباب الأول]

فيمن أخبر بطلاق زوجته، أو قال لها: أنت طالق إن فعلت كذا أو شئت، وتكرير الطلاق واليمين به

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"، فمن عصى الله وحلف بالطلاق فحنث لزمه كمن طلق، وقد قال الله سبحانه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1] وهي الرجعة، فجعلها ثابتة كغير من أوقع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة وألزمه ذلك.
فصل [1 - فيمن أُخبر بطلاق زوجته] قال ابن القاسم: ومن طلق زوجته فقال له رجل: ما صنعت؟ فقال: هي طالق، فإن نوى إخباره فله نيته- يريد: ويحلف.
قال الشيخ: وحكي لنا عن بعض شيوخنا أنه قال: إنما يحلف إذا كان قد تقدمت له فيها طلقة، أو طلق بعد ذلك طلقة؛ لأنها ثلاث في الظاهر، وعلى دعواه طلقتان، فلم يمكن من رجعتها إلا بيمينه، فإن لم يحلف فلا سبيل له إليها فإن طلبته بالنفقة لزمته؛ لإقراره أنها على عصمته، فينفق عليها مادامت في العدة إن

كان مقيمًا على إقراره إلا أن يلتزم الثلاث أو يستأنف طلقة اختيارًا منه، فتصير بائنًا لا نفقة لها عليه، والله أعلم.
وفي كتاب ابن المواز فيمن لقي رجلاً فقال: اشهد أن امرأتي طالق، ثم لقي آخر فقال له ذلك، وقال: أردت بذلك كله طلقة واحدة، قال مالك: يحلف ويُدين، وهذا بين أن اليمين عليه فاعلمه.
فصل [2 - فيمن قال لزوجته: أنت طالق إن فعلت كذا] ومن قال لزوجته: إن دخلت الدار، أو أكلت، أو شربت، أو ركبت، أو قمت، أو قعدت، أو نحو هذا فأنت طالق، فهذه كلها أيمان.
قال الشيخ: يعني: إن أكلت أو شربت شيئًا بعينه، أو قمت أو قعدت إلى وقت كذا، وأما إن لم يكن هذا فيعجل عليه الطلاق الآن، إذ لابد لها من الأكل والشرب والقيام والقعود.
قال مالك: وإذا قال لها: إذا حضت فأنت طالق، لزمه الطلاق مكانه، وإن قال لحامل: إذا وضعت فأنت طالق، طلقت الآن.
قال أبو محمد: قال مالك: لأنه أجل آت في أكثر النساء.
وقال أشهب: لا تطلق عليه حتى تحيض أو تضع، واختلف فيه قول مالك.

قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: أنه لما كان ذلك غالبًا في أكثر النساء حمل أمره على أنه أجل آت لابد منه؛ لأن ذلك أصلهم، كمنع المريض من أكثر ثلث ماله إذا كان الغالب من مرضه الموت، وكذلك الاستثقال في النوم إذا كان الغالب منه خروج الحدث.
ووجه قول أشهب: اعتبارًا بما يمكن أن يكون أو لا يكون، كقوله: أنت طالق إذا دخلت الدار، أو دخلتها فلانة، أو إذا أقدم زيد ونحوه، فإنها لا تطلق حتى يكون ذلك.
[فصل 3 - فيمن قال: إذا طهرت، أو حضت فأنت طالق] ومن المدونة: قال مالك: وإن قال لامرأته وهي حائض: إذا طهرت فأنت طالق، طلقت الآن، وجبر على الرجعة.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: إذا حضت، أو إذا حاضت فلانة- وفلانة ممن تحيض- فأنت طالق، طلقت الآن، وتأخذ في العدة، وتعتد بطهرها الذي هي فيه من عدتها، فإن ارتابت بتأخير الحيض فاعتدت سنة ثم نكحها بعد العدة فحاضت عنده واليمين فيها لم تلزمه بذلك طلقة ثانية، لأني عجلت حنثه بذلك.
فصل [4 - فيمن قال: أنت طالق إذا شئت] وإذا قال لها: أنت طالق إذا شئت، أو إن شئت، فذلك بيدها وإن افترقا حتى توقف أو توطأ أو يتلذذ منها طائعة، وكانت (إذا) عند مالك أشد من (إن)

ثم ساوى بينهما، ولو قبلته قبل القضاء كان تركًا لما جعل لها.
فصل [5 - فيمن قال: إن كنت تبغضينى، أو إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق] وإن قال لها: إن كنت تبغضينى فأنت طالق، فقال: لا أبغضك، فلا يجبر على فراقها ولكن يؤمر به، وإن قال لها: إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق، فقالت: إني أحبه، ثم قالت: كنت كاذبة، فيفارقها ولا يقيم عليها.
فصل [6 - فيمن قال: إن كلمت فلانًا فأنت طالق] وإن قال لها: إن كلمت فلانًا فأنت طالق، ثم قال لها ذلك ثانية في ذلك الرجل فهي إن حنث طلقتان حتى يريد واحدة، ولو كان ذلك في يمين بالله فقال والله لا أفعل كذا، ثم قال بعد ذلك: والله لا أفعل كذا، لذلك الشيء بعينه، فحنث لم يلزمه إلا كفارة واحدة بخلاف الطلاق.
قال ابن القاسم: ألا ترى أنه لو قال: والله والله لا أكلم فلانًا، فكلمه، لم يلزمه إلا كفارة واحدة، ولو قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن كلمت

فلانًا، فكلمه طلقت عليه ثلاثًا إلا أن ينوي واحدة، ويريد بالبقية إسماعها، وأما إن قال لها: إن كلمت فلانًا فأنت طالق، ثم حلف بمثل ذلك في رجل آخر فكلمها كانت طلقتين، ولا ينوى إلا أن يكون المحلوف عليه/ رجلاً واحدًا فينوى كما وصفنا، وبعد هذا باب في تكرير الطلاق.
فصل [7 - فيمن حلف بالطلاق على أن فلانًا قال كذا وكذا] قال مالك: ومن قال لرجل: امرأتي طالق، لقد قلت لي كذا وكذا، فقال الآخر: امرأته طالق إن قلته، فليدينا ويتركا إن ادعيا يقينًا.
فصل [8 - فيمن قال: إن لم أطلقك فأنت طالق] قال ابن القاسم: وإن قال لها: إن لم أطلقك فأنت طالق، لزمه مكانه طلقة إذ لابد له من الطلاق.
وقال غيره: لا يلزمه الطلاق إلا أن ترفعه إلى السلطان ويوقفه.
فصل [9 - فيمن حلف بالطلاق على ما لا يمكن فعله] ومن قال لرجل: امرأتي طالق لو كنت حاضرًا لِشرك مع أخي لفقأت عينك، فإنه حانث؛ لأنه حلف على شيء لا يبر فيه ولا في مثله.

ومن الواضحة: قال أصبغ فيمن حلف على أمر قد سلف أن لو أدركه لفعل كذا: فهو حانث، كان مما يمكنه فعله أو لا يمكنه، مثل أن يحلف لغريمه: لو جئتني أمس لقضيتك حقك، فهو حانث؛ لأنه غيب لا يدري أكان فاعلاً أم لا، وإنما يفترق ما يمكن وما لا يمكن في المستقبل، فما كان يمكن فعله من قضاء دين، أو عطية مال، أو شق ثوب، أو ضرب وشبهه، فلا شيء فيه حتى يفعل أو لا يفعل، وما لا يمكن من شق جوف أو فقء عين، أو قتل، أو قطع وشبهه فهو حانث مكانه، وقاله ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: سواء حلف على أمر سلف أو أمر مستقبل، فإن كان يمكن فعله فلا شيء عليه، وإن كان غير ممكن فهو حانث في الوجهين إلا أن تكون له نية في فعل غير ما سمى، وقاله مالك فيهما، ألا ترى أن مالكًا قال في الذي حلف بالطلاق في شيء كان بينه وبين رجل لو أدركه البارحة لفعل كذا وكذا من أمه، وأمه ميته، وقال: إنما نويت أن أشجه لو أدركته، أو أصنع به شيئًَا، وقد علمت وفاة أمه، فدينه مالك ولم يحنثه.
قال ابن الماجشون: فهذا فيما سلف، ولو لم تكن له نية فيما قد لفظ به مما لم يمكن فعله لحنثه مالك كما حنث القائل: لو كنت حاضرًا لشرك مع أخي لفقأت عينك.
قال الشيخ: وهذا أشبه بظاهر المدونة، ألا ترى قول مالك وعلته في المسألة لأنه حلف على شيء لا يبر فيه ولا في مثله.

[الباب الثاني]

فيمن طلق إلى أجل أو وقت أو حلف به على عيب

[فصل 1 - في الطلاق إلى أجل] ولما أجمعوا على إبطال النكاح إلى أجل، وعجلوا المؤجل من حل العقدة وجب مثله في الطلاق المؤجل أن يعجل إيقاعه، وقاله عدد كثير من الصحابة والتابعين، بخلاف العتق إلى أجل، إذ قد بقي له في المملوكة الخدمة، ولم يكن في الزوجة غير الاستمتاع الذي حرم عليه.
قال ابن القاسم: فكل من طلق إلى أجل آت لزمه الطلاق مكانه، وأما من قال لامرأته: إذا قدم فلان، أو إن قدم فلان فأنت طالق، فلا يلزمه طلاق حتى يقدم فلان، وليس هذا من الشك الذي يفرق به، ولا هو أجل آت على كل حال وإنما الشك الذي يفرق به لو قال رجل: امرأته طالق إن كلم فلانًا، ثم شك فلم يدر كلمه أم لا، فهذا تطلق عليه، إذ لعله في يمينه حانث وهو لا يوقن أنه فيها بار، وكل يمين بالطلاق لا يعلم صاحبها أنه فيها بار فهو فيها حانث، وإن قال لها: أنت طالق بعد قدوم فلان بشهر، طلقت عليه حين قدومه، ولا ينتظر به الأجل، وإن قال لها: أنت طالق إذا مت أنا، أو إذا مت أنت، لم يلزمه شيء، إذ لا تطلق ميتة ولا يوصي ميت بطلاق.
وإن قال لها: إن مات فلان فأنت طالق، أو قال لها: أنت طالق قبل موته بشهر، لزمه الطلاق من ذلك كله مكانه.

ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: ومن طلق امرأته إلى مئة سنة، أو إلى مئتي سنة، فلا شيء عليه، وأراه من قول مالك.
وقال ابن الماجشون في المجموعة: إذا طلقها إلى وقت لا يبلغانه، أو لا يبلغه عمر أحدهما لم يلزمه.
قال سحنون: وإذا أعتق عبدًا إلى وقت لا يبلغانه أو لا يبلغه العبد لم يلزمه، وإن كان يبلغ مثله العبد ولا يبلغه السيد فهي وصية من الثلث، وإن كان إلى وقت يشبه أن يبلغه عمر أحدهما فهو من رأس المال.
وإذا قال: إذا ماتت ابنتك فأنت طالق، ثم ماتت مكانه عند تمام كلامه قبل القضاء عليه من غير مرض لم يتوارثا؛ لأن الطلاق وقع عليه عند تمام كلامه، وقاله ابن عبد الحكم.
ولو قال: يوم أموت فأنت طالق، فهو مطلق إلى أجل.
قال الشيخ: إذ قد يموت آخر النهار فيقع الطلاق عليها أول النهار.
قال عيسى: وكذلك لو قال: يوم تموتي أنت، وقال أشهب: لا شيء عليه.
قال أشهب في المجموعة: وكذلك قبل موتي بشهر، وهو أصله في العتق إلى مثل هذا أنه من الثلث لأنه لا يكشفه إلا الموت.
ابن المواز: وقال ابن القاسم وابن وهب: وإن قال: إن مت إلى خمسة أشهر فأنت طالق، فلا شيء عليه، كأنه قال: إن مت أنا إليها فأنت طالق بعدها، وإن قال قوله يريد: لا أموت فيها، طلقت مكانها.
سحنون: وإن قال لها: أنت طالق إذا صليت أنا، أو إذا صليت أنت، طلقت عليه الساعة، لأنه أجل آت، ولابد من الصلاة.

قال محمد بن عبد الحكم فيمن قال: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانًا اليوم، أو: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانًا غدًا، قال: إن كلمه اليوم طلقت عليه بواحدة، وإن كلمه غدًا فلا شيء عليه.
قال أبو محمد: هذا خلاف أصل قول مالك، والطلاق يلزمه إذا كلمه غدًا وليس لتعلق الطلاق بالأيام وجه.
ابن حبيب: قال ابن الماجشون: إذا قال لزوجته ولم تحض: إذا حضت فأنت طالق، طلقت عليه الآن، ولو كانت قد قعدت عن المحيض لم تطلق عليه إلا أن تحيض.
أبو محمد: ويقول النساء: إنه دم حيض.
[فصل 2 - فيمن قال: أنت طالق كلما حضت] ومن المدونة: وإن قال لها: أنت طالق كلما حضت، طلقت عليه الآن ثلاثًا.
وقال سحنون: إذا قال لها ذلك وهي طاهر لزمته طلقتان.
ووجه قول سحنون هذا: كأنه قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، وإذا حضت الثانية فأنت طالق، وإذا حضت الثالثة فأنت طالق، فهي إذا حاضت الثالثة بانت منه، فكأنه أوقع الثالثة بعد أن بانت منه، فلا يلزمه، ونحو هذا التعليل لسحنون.
قال الشيخ: ووجه قول ابن القاسم: كأنه قصد إلى تكثير الطلاق كمن قال: أنت طالق مئة مرة.

[فصل 3 - فيمن قال: أنت طالق كلماء جاء يوم أو شهر أو سنة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق كلما جاء يوم أو شهر أو سنة، طلقت عليه الآن ثلاثًا، ولم تعد عليه اليمين إن نكحها بعد زوج؛ لأن الملك الذي طلق فيه قد ذهب.
وإن قال لأجنبية: أنت طالق غدًا، فتزوجها قبل غد فلا شيء عليه إلا أن ينوي إن تزوجتك فتطلق عليه إذا تزوجها مكانه.
قال سحنون: بعضها صواب وبعضها خطأ.
قال الشيخ: قال أبو عمران: إنما الصواب قوله: كلما جاء يوم، وأما كلما جاء شهر، أو سنة، فمذهبه في ذلك: أن تطلق الساعة طلقة، ثم يُنظر هل تذهب عدتها في الشهر، أو في السنة، فإن ذهبت لم يقع عليها طلاق، كما قال في قوله: أنت طالق كلما حضت.
فصل [4 - فيمن قال: إذا حملت فأنت طالق] قال ابن القاسم: ومن قال لزوجته: إذا حملت فأنت طالق، لم يُمنع من وطئها، فإذا وطئها مرة طلقت عليه حينئذ، ولو كان قد وطئها في ذلك الطهر قبل مقالته طلقت عليه مكانه، وتصير بعد وطئه أول مرة كالتي قال لها زوجها: إن كنت حاملاً فأنت طالق، وقد قال مالك في مثل هذا: هي طالق؛ لأنه لا يدري أحامل هي أم لا.

وقال ابن الماجشون في المسألة الأولى: له وطؤها في كل طهر مرة، مثل العتق.
وقال أشهب: لا شيء عليه حتى يكون ما شرط.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: فلأنه إذا وطئها صار من حملها في حال الشك لا يدري أحملت فيجب عليه الطلاق، أو لم تحمل فلا يجب عليه، وكل من حنث أم لا فهو حانث.
ووجه قول أشهب: أن من أصله أنه لا يطلق إلا على من طلق إلى أجل آت لابد منه، وأما ما يمكن أن يكون أو لا يكون فلا يلزم به طلاق، ولا نقل: حكم هذا أصلهم، وكما لو قال لحامل: إذا وضعت فأنت طالق عنده، وكقوله: إذا قدم فلان فأنت طالق، فلا تطلق عليه إجماعًا منهما.
ووجه قول ابن الماجشون: أن ليس من كل وطء يكون الحمل، فوجب أن لا تطلق عليه حتى يُختبر أمر هذا الوطء ويمسك عن وطئها، إذ لا يدري هل حملت منه فيحنث أم لا، قياسًا على الأمة إذا قال لها: إذا حملت فأنت حرة.
والفرق عند ابن القاسم بين الأمة والحرة أنهم أجمعوا أنه لا يجوز الطلاق إلى أجل، ويجوز العتق إلى أجل، هذا مذهب مالك وأصحابه.
ومن المجموعة: قال أشهب: وإن قال لها: وإن لم أحبلك فأنت طالق، أنه يطؤها أبدًا حتى تقعد عن الحمل، ويؤيس لها منه، وكذلك إن قال في أمته: إن لم أحبلك فأنت حرة.

[فصل 5 - فيمن قال: إذا حملت فوضعت فأنت طالق] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها وهي غير حامل: إذا حملت فوضعت فأنت طالق، فإن كان وطئها في ذلك الطهر طلقت عليه مكانها، ولا ينتظر أن تضع، ولا أن تحمل، وقد قال مالك: لا تحبس ألف امرأة لامرأة واحدة يكون أمرها في الحمل غير أمرهن.
ومن المجموعة: قال سحنون: إذا قال لحامل: إذا حملت فأنت طالق، فلا تطلق بهذا الحمل إلا بحمل مؤتنف.
[فصل 6 - فيمن قال: إن لم يكن بك حمل او إذا وضعت فأنت طالق] ومن المدونة: وإن قال لها: إن لم يكن بها حمل، أو: إذا وضعت فأنت طالق، طلقت مكانها، ولا ينتظر بها حتى يعلم أحامل هي أم لا، إذ لو ماتت قبل أن يتبين ذلك لم يرثها.
وأخبرني ابن دينار: أن مالكًا قال في رجل قال لزوجته وهي حامل: قد أكثرت علي من ولادة الجواري، إن لم يكن في بطنك غلام فأنت طالق، أنها تطلق عليه الساعة، ولا ينتظر بها أن تضع، فإن ولدت غلامًا لم ترد إليه، وهذا عند مالك كقوله: إن لم تمطر السماء في وقت كذا فأنت طالق البتة، قال مالك: فإنها تطلق عليه الساعة؛ لأن هذا من الغيب، ولا ينتظر به إلى ذلك الوقت لينظر أيكون فيه المطر أم لا، ولو مطر في ذلك الوقت لم ترد إليه.

قال مالك: وأما إن قال لها: إن لم يقدم أبي في وقت كذا فأنت طالق، فبخلاف ذلك، إذ قد يدعي علم قدومه بالخبر يأتيه، أو غيره، وليس هذا كمن حلف على غيب.
قال ابن حبيب: من قال لحامل: إذا وضعت جارية، أو إذا مطرت السماء غدًا فأنت طالق، فلا شيء عليه حتى يكون ذلك، بخلاف قوله: إن لم تلد جارية، أو لم تمطر السماء غدًا، أو إن لم تحض غدًا، أو شبه ذلك فهذا يعجل حنثه، فإن لم يرفع ذلك إلى الإمام حتى ولدت، أو كان المطر فلا شيء عليه، وأما إذا قال: أنت طالق إذا مطرت السماء، أو إذا خسفت الشمس فإنها تطلق عليه الساعة؛ لأنه أجل آت لا محالة، وقال ابن الماجشون وأصبغ.

[الباب الثالث]

باب آخر من اليمين بالطلاق

وتكرير الطلاق فيه وعودته في ملك ثان [فصل 1 - فيمن قال: إن لم أفعل كذا فأنت طالق] قال ابن القاسم: ومن قال لامرأته: إن لم أدخل هذه الدار، أو أفعل كذا فأنت طالق، لم يقع عليها الطلاق حين تكلم بذلك، ولكن يمنع من وطئها حتى يفعل ما حلف عليه، وإن رفعته امرأته ضرب له من يوم ترفعه إلى أجل المولى، ولا ينظر إلى ما مضى قبل ذلك من الشهور، وإنما يضرب له الأجل من يوم حلف، لو حلف بيمين من الأيمان أن لا يطؤها فلا تحتاج في هذا إلى رفعه إلى الأمام؛ لأنه لو وطئ قبل أن ترفعه زال إيلاؤه وبر، والأول لو وطئ قبل أن ترفعه لم يسقط عنه اليمين التي عليه إذا لم يفعلها.
قال الشيخ: حكي عن أبي محمد وغيره: إذا حلف بالطلاق إن لم يفعل كذا، وقف عن وطء زوجته حتى يفعل، فتعدى فوطئ، ثم فعل ما حلف عليه، أنه لا يلزمه استبراؤها من ذلك الوطء؛ لأن الوقف ها هنا ضعيف.
وبعض العلماء يقولون: إن له أن يطأها حتى يفعل، ولا يحال بينه وبينها، وهي بخلاف من وطئ في الطلاق الرجعي.
قال ربيعة ويحيى بن سعيد: إن وطئ في الطلاق الرجعي ولم ينو بوطئه الرجعة، فهذا لا يطأ حتى يستبرئ؛ لأنه طلق والحالف لم يطلق.

فصل [2 - في تكرير الطلاق] وإن قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم قال: كل امرأة أتزوجها من بلد كذا- لبلدها- فهي طالق، أو قال لها بعد ذلك والنساء معها: إن تزوجتكن فأنتن طوالق، فإن نكحها لزمته طلقتان ولا ينوي.
وإن قال لأجنبية: إن تزوجتك، أو: يوم أتزوجك فأنت طالق طالق طالق، أو قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن تزوجتك، وقدم ذكر الطلاق قبل التزويج فهي ثلاث إن تزوجها، إلا أن يريد واحد فيدين.
قلت: فإن قال لامرأته: أنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق؟ قال: وقف فيها مالك، وقال: في النسق بالواو إشكال.
قال ابن القاسم: ورأيته يريد بقوله: إنها ثلاث تطليقات، ولا ينوى، وهو رأيي.
قال مالك: وأما إن قال لها: أنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق، فهذه بينة أنه لا ينوى، وهي ثلاث البتة، ولا ينوى، وكذلك إن قال ذلك لأجنبية وقال معه: إن تزوجتك، والواحدة تبين غير المدخول بها، والثلاث تحرمها إلا بعد زوج، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين.

قال ربيعة: ومن قال لامرأته قبل البناء: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كلامًا نسقًا فهي ثلاث ولا يُنوى ولا تحل له إلا بعد زوج.
فصل [3 - في عودة ما حلف به على المرأة في ملك ثان] قال ابن القاسم: ومن قال لزوجته: إن أكلت هذا الرغيف فأنت طالق، فلم تأكل منه شيئًا حتى طلقها واحدة، فبانت منه وتزوجت غيره فأكلت بعضه لم يحنث بذلك، فإن طلقها فتزوجها الحالف فأكلت بقيته، أو بعضه وهي في عصمته حنث ما بقي من طلاق ذلك الملك الذي عقد فيه اليمين شيء، فإذا تم رجعت عنده على ملك مبتدأ، ولم يحنث بما أكلت عنده في الملك الثاني؛ لأن الملك الأول لما ذهب طلاقه صار بمنزلة من لا يمين عليه- يريد: ولو أكلت عنده في العصمة الأولى بعض الرغيف لم يعد عليه حنث إن أكلت منه في الملك الثاني؛ لأنه حنث مرة، وكل يمين حنث فيها مرة بطلاق فلا تعود إليه في التي حنث فيها إن نكحها.
وإن قال لها: أنت طالق إن دخلت الدار، فصالحها، فدخلتها بعد الصلح في غير ملكه لم يلزمه شيء إن نكحها.
قال مال: وإن قال لها: أنت طالق ثلاثًا إن دخلت هذه الدار، فطلقها ثلاثًا، ثم تزوجها بعد زوج، ثم دخلتها فلا شيء عليه.
قال الشيخ: لأنه إنما كان حلف بطلاق ذلك الملك الذي طلقها فيه ثلاثًا، فقد ذهب الطلاق الذي حلف به، ولا يحنث بطلاق قد ذهب، ولو كان إنما طلقها واحدة أو اثنتين لحنث بدخولها الآن، لباقي طلاق ذلك الملك، تزوجها قبل زوج أو بعد زوج، ثم لا تحل له إلا بعد زوج، ولا يحنث بدخولها في ملك غيره، وكذلك أكلها للرغيف في ملك غيره.

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: من طلق دون الثلاث، ثم ارتجع بنكاح، أنها تكون عنده على بقية طلاق الملك الأول، ولو كان الطلاق ثلاثًا رجعت على طلاق مبتدأ.
وإن قال لعبده: أنت حر إن كلمت فلانًا، فباعه هو، أو باعه عليه السلطان في فلس، ثم كلمه، ثم اشتراه، أو وهب له، أو تصدق به عليه، ثم كلمه حنث بكلامه الآن لا بكلامه وهو في غير ملكه، وإن ورثه، أو ابتاعه من ميراث أبيه وهو قدر مورثه فأقل، ثم كلمه لم يحنث، واشتراؤه إياه بمنزلة مقاسمته إخوته، وإن بان أكثر من مورثه حنث.
قال سحنون: هذه المسألة ضعيفة جدًا، ورأى أشهب: أن بيع السلطان له في الفلس يزيل التهمة كالميراث، ولا تعود بعده اليمين عليه.
وقد تقدمت هذه المسألة في كتاب العتق.
ومن الخلع: وإن حلف بالطلاق ثلاثًا إن لم أقض فلانًا حقه إلى يوم كذا فلما قرب الأجل وخاف الحنث طلقها واحدة، فانقضت العدة قبل ذلك الأجل، أو صالحها قبل ذلك الأجل، ثم نكحها بعد الأجل، في الوجهين لم تعد عليه اليمين وإن لم يقض فلانًا حقه، وكره له مالك أن يفعل هذا هربًا من الحنث، فإن فعل فلا شيء عليه.

ومن الأيمان بالطلاق: ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق يوم أدخل دار فلان، فدخلها ليلاً، أو حلف على ليل فدخلها نهارًا حنث، إلا أن ينوي نهارًا دون ليل، أو ليلاً دون نهار، فينُوى.
وقد ذكر الله عز وجل الليالي بدلاً من الأيام فقال تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 2] وإن قال لها: أنت طالق إن دخلت دار فلان، ودار فلان، فدخلت إحداهما حنث، ثم إن دخلت الثانية لم تطلق ثانية.
وفي الباب الأول: مسألة من قال لزوجته: إذا طرهت فأنت طالق، أنها تطلق الآن ويجبر على الرجعة.

[الباب الرابع]

في الشك والمجهول في الطلاق

وقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام الشاك في صلاته أن يبني على يقينه فكذلك يجب على كل شاك الانتقال إلى حال يرتفع فيه شكه، والطلاق أحق ما احتيط فيه، إذ روي: "أن هَزله جِد".
وقد قال ابن عمر وغيره: يُفرق بالشك ولا يُجمع به.
قال مالك: ومن لم يدرِ كم طلق، أواحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا فهي ثلاث.
قال ابن القاسم: فإن ذكر في العدة أنها أقل فله الرجعة، وإن ذكر بعد العدة كان خاطبًا، ويصدق في ذلك، وإن بقي على شكه حتى تزوجها بعد زوج ثم طلقها واحدة لم تحل له إلا بعد زوج، لأنه لا يدري لعل طلاقه أولاً إنما كان طلقتين، ثم طلق أخرى فصارت ثلاثًا، فلا تحل له إلا بعد زوج، فإن تزوجها أيضًا بعد زوج ثم طلقها أيضًا طلقة لم تحل له أيضًا إلا بعد زوج؛ لأنه لا يدري لعل طلاقه أولاً كان طلقة، وطلق أخرى وهذه الثالثة، فلا تحل له إلا بعد زوج، فإن تزوجها أيضًا بعد زوج، ثم طلق واحدة لم تحل له أيضًا إلا بعد زوج، إذ قد

يمكن أن يكون الطلاق الأول ثلاثًا فرجعت عنده في النكاح الثاني على ملك مبتدأ ثم طلق ثلاثًا مفترقات، فلا تحل له إلا بعد زوج، وكذلك يصنع بعد خامس وسادس ومئة زوج، إلا أن يبت طلاقها وهي تحته في أي نكاح كان، فتعود إن رجعت إليه على نكاح مبتدأ يقينًا.
وقاله ابن نافع في غير المدونة.
وروي عن مالك: أنه إن نكحها بعد ثلاثة أزواج زال الشك فيها، وقاله أشهب وأصبغ.
وقال ابن وهب: إذا طلقها ثلاثًا وإن كن مفترقات فإنها ترجع على ملك مبتدأ.
قال الشيخ: فوجه قول أشهب: أنه لا يخلو أن يكون الطلاق الأول طلقة، أو طلقتين، أو ثلاثًا، فإن كان ثلاثًا فقد تزوجها بعد زوج، وإن كان اثنتين فقد طلقها بعد أن تزوجها بعد زوج طلقة فصارت ثلاثًا، ثم تزوجها بعد زوج، وإن كانت واحدة فقد طلقها بعد الزوج الأول واحدة وبعد الزوج الثاني ثانية، وطلقة الشك الأولى ثالثة، فوجب أن يزول الشك بعد ثلاثة أزواج، والله أعلم.
ووجه قول ابن وهب: أنه إذا طلقها ثلاثًا مفترقات يقينًا فقد زال الشك كما لو طلقها الثلاث في كلمة.
ومن المدونة: ومن لم يدر بما حلف، بطلاق، أو عتق، أو مشي، أو صدقة، فليطلق نساءه، ويعتق رقبة، ويتصدق بثلث ماله ويمشي إلى مكة، يؤمر ذلك كله ولا يجبر من غير قضاء، وكذلك إن حلف بطلاق فلم يدر أحنث أم لا، أمر بالفراق.
وقيل: يقضى عليه، في غير المدونة.

قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران: أن ذلك يؤخذ من المدونة: قال في الذي حلف بطلاق زوجته: إن كلم فلانًا، ثم شك بعد ذلك، فلم يدر أكلمه أم لا، أن زوجته تطلق عليه، فظاهر هذا أنه على الجبر.
وذكر في غير هذا الكتاب: أنه يؤمر ولا يجبر.
قال أبو عمران: وأما مسألة من شك فلم يدر كم طلق، فها هنا يستحسن القضاء؛ لأن هذا شاك في بقاء عصمته عليها- يريد لأنه أيقن بالطلاق وإنما شك في العدد، فهو أشد ممن لا يدري هل وقع عليه طلاق أم لم يقع.
وقال بعض القرويين في مسألة الذي لم يدر كم طلق، أثلاثًا أو أقل: ليس يقال ها هنا إنها ثلاث بالحكم، لأنه لو حكم عليه بالثلاث ما نفعه أن يذكر في العدة أنه إنما كان طلق أقل من الثلاث فيكون أملك بها.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن كان ذا وسوسة في هذا فلا شيء عليه.
قال ابن حبيب: وإن قال: لا أدري أحلفت فحنثت، أو لم أحلف ولم أحنث فلا شيء عليه.
ابن المواز: قال مالك فيمن قال لامرأته: أنت طالق، فقيل له: ما نويت؟ فقال: لا أدري، فهي البتة.
قال ابن المواز: لأنه لم يقل: لم أنو شيئًا، وإنما قال: لا أدري ما نويت، فكأنه نوى شيئًا فنسيه.

قال الشيخ: وقيل عن أبي عمران في الذي يقول: جميع الأيمان تلزمني، قال: تلزمه جميع الأيمان من الطلاق والعتق وغير ذلك.
فقيل له: ما يلزمه من الطلاق؟ فقال: هي مسألة متنازع فيها، والذي أرى أن الواحدة عليه بلا شك، ويستحب له أن يلزم نفسه الثلاث.
فقيل له: من الأيمان خليه وبرية ونحوه؟ فقال: هذا ما لا غاية له، ويلزمه أيضًا: كلما تزوجتك فأنت طالق.
قال بعض فقهائنا: وقال أبو بكر بن عبد الرحمن القروي: تطلق عليه زوجته بالثلاث عندي؛ لأن الخلية والبرية والحرام وغير ذلك مما تحرم به الزوجة، فدخل تحت يمينه لقوله: جميع الأيمان تلزمني، وأنكر ما ذهب إليه غيره من أنه تلزمه طلقة.
واستحسن بعض فقهائنا قول أبي عمران قال: ولا يكون أسوأ حالاً ممن حلف بالطلاق قصدًا إليه، ولا نية له أنه إنما يلزمه المباح من الطلاق، وهو واحدة.
قال الشيخ: فظهر لي أن قول أبي بكر بن عبد الرحمن أقوى؛ لأن الذي يقول: جميع الأيمان تلزمني، إنما قصد التشديد، فيجب أن يلزم ذلك، وإذ أكثر عادات الناس الأيمان بالثلاث في وقتنا؛ لأن أكثرها إنما يقع على الجهر، فيجب أن يلزم ذلك؛ ولأن الخلية والبرية تدخل تحت ذلك، وليس كمن قال: أنت طالق؛ لأن هذا قد خص جنسًا من الطلاق، والذي قال: جميع الأيمان، قد جمع الأيمان، ومن الأيمان الطلاق واحدة، والطلاق ثلاثًا، والخلية والبرية والبتة فكيف يقصره على أقلها مع ما بينا أن الثلاث أكثر أيمان أهل وقتنا، وأن الذي يقول: جميع الأيمان: إنما قصد التغليظ سفهًا منه، والله أعلم.

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لزوجته: أنت طالق إن كنت دخلت الدار، فقال: قد دخلتها، فكذبها، ثم قالت: كنت كاذبة، أو: لم تقل، فإنه يؤمر بفراقها ولا يقضى عليه به، ولو صدقها أولاً لزمه الفراق بالقضاء وإن رجعت عن إقرارها.
وقال مالك في من سأل زوجته عن شيء فقال لها: إن لم تصدقيني، أو إن كتمتيني فأنت طالق البتة، فأخبرته، فليفارقها ولا يقيم عليها، وما يدريه أصدقته أم لا، وقاله الليث.
وإن قال لها: إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق ثلاثًا، فقالت: إني أحبه، ثم قالت: كنت كاذبة، أو لاعبة، فليفارقها ولا يقيم عليها، فإن قال لها: إن كنت تبغضينى فأنت طالق، فقالت: لا أبغضك، فلا يجبر على فراقها ولكن يؤمر به.

[الباب الخامس]

في تبعيض الطلاق، ومن طلق عضوًا من امرأته أو قال: إحدى نسائي طالق، أو طلقتك قبل أن أتزوجك أو أنا صبي، أو مجنون، أو طلق بالعجمية

[فصل 1 - في تبعيض الطلاق] ولما لم تنقسم الطلقة الواحدة لزم من طلق بعض طلقة جميع الطلقة كما لم تنقسم الحيضة في الأمة فاعتدت لحيضتين.
قال ابن القاسم: ومن طلق بعض طلقة لزمه طلقة كاملة.
قال ابن شهاب: ويوجع ضربًا من قال ذلك وهو أملك بها.
قال ربيعة: وإن قال لها: أنت طالق طلقة ونصفًا، لزمه طلقتان، وإن قال لها: طلقتين ونصفًا فهي ثلاث.
قال ابن القاسم: ومن قال لأربع نسوة له: بينكن طلقة إلى أربع، طلقن واحدة واحدة، وإن قال: خمس إلى ثمان، طلقن اثنتين اثنتين، وإن قال: تسع إلى ما فوق، طلقن ثلاثًا ثلاثًا.
فصل [2 - فيمن طلق عضوا من امرأته] ومن قال لامرأته: يدك، أو رجلك، أو أصبعك طالق، طلقت كلها، وكذلك العتق.

جارٍ التحميل