الجامع لمسائل المدونةصفحات 746-785

[الباب الأول]

في دية أهل الكفر، والعبيد، وذكر العاقلة وحملها للدية

[1 - فصل: في مقدار دية أهل الذمة والمجوس في النفس والجراح] روى ابن وهب عن عمرو بن العاص أن النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّم قال: «عَقْلُ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُؤْمِنِ».
وقضى به عمر بن عبد العزيز، وقاله فقهاؤنا -يعني بالمدينة-: أنَّ دية

أهل الكتاب على النصف من دية المؤمن، واجتمع على ذلك أهل العلم، وأن دية نسائهم على النصف من دية رجالهم.
وقال مالك: ما أعرف في نصف الدية فيهم إلا قضاء عمر بن عبد العزيز، وكان إمام هدى وأنا أتبعه.
قال: ودية المجوسي ثمان مئة درهم، ودية المجوسية أربع مئة درهم.
محمد: وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وكثير

من التابعين.
قال: وعلى أهل الذهب ستة وستون دينارًا وثلثا دينار، والمرأة نصف ذلك، وذلك من صرف اثني عشر درهما بدينار، كذلك حسبت الديات، وجراحهم على حساب دياتهم.
محمد: وإن كانوا أهل إبل فدية الرجل منهم ستة أبعرة وثلثا بعير على أسنان المخمسة في الخطأ، بعير وثلث من كل صنف، وفي العمد على المربعة بعيران إلاّ ثلث من كل صنف، والمرأة على نصف ذلك.
قال مالك فيه وفي المدونة: وجراحهم في دياتهم على قدر جراح المسلمين من دياتهم.

2 - فصل [في جناية المسلم على الذمي أو المجوسي خطأ بقتل أو جراح وبالعكس] وإن قتل مسلم ذميًا خطأ حملت عاقلته الدية في ثلاث سنين.
وكذلك إن كانوا جماعة؛ فالدية على عواقلهم.
والدِّيات كلها دية المسلم والمسلمة، والذمي والذمية، والمجوسي والمجوسية؛ إذا وقعت تحملها العاقلة في ثلاث سنين.
وإن جنى مسلم على مجوسية خطأ ما يبلغ ثلث ديتها؛ حملته عاقلته، مثل أن يقطع لها إصبعين، فيحمل ذلك عاقلته؛ لأن ذلك أكثر من ثلث ديتها؛ لأن لها في الإصبعين مثل ما للرجل منهم، وذلك مئة وستون درهمًا، وإنما ثلث ديتها مئة وثلاثة وثلاثون درهما وثلث درهم.
وكذلك كل امرأة دية إصبعيها أكثر من ثلث ديتها؛ لأنها فيها كالرجل.
قال مالك: ولو جنت امرأة على رجل ما يبلغ ثلث ديتها

[198/ب] حملته عاقلتها أيضًا.
قال مالك: والأول أَبْيَن.
قال: وأصل هذا أن الجناية إذا بلغت ثلث دية الجاني، أو ثلث دية المجني عليه؛ حملته العاقلة، وثلث دية المجني عليه أَبْيَن.
قال: ولو جنى مجوسي أو مجوسية على مسلم ما يبلغ ثلث دية الجاني؛ حمل ذلك أهل معاقلتهم الرجال منهم دون النساء، وهم الذين يؤدون معهم الخراج.
قال مالك: وإن جنى نصراني جناية؛ حمل ذلك أهل جزيته، وهم

أهل كورته الذين خراجه معهم.
وإن قتل ذمي مسلمًا خطًأ؛ حمل ذلك عاقلته.
3 - فصل [فيما يلزم بالجناية على عبيد الكفار بقتل أو جراح] وعلى قاتل عبيدهم قيمتهم ما بلغت، كعبيد المسلمين؛ وإن كانت القيمة أضعاف الدية، إلا أن في مأمومة العبد وجائفته في كل واحدة ثلث قيمته، وفي منقلته عُشر قيمته ونصف عُشر قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، وفيما سوى ذلك من جراحاته ما نقصه بعد برئه.
م: إنما قال ذلك: لأن دية العبد هي قيمته فكما كان ذلك فيها من دية الحر، فكذلك يكون فيها من قيمة العبد، وكما كان للحر فيما سواها من جراحاته حكومة كان في ذلك للعبد ما نقصه؛ لأن ذلك تفسير

الحكومة: أن يقوّم المجروح أن لو كان عبدًا سليمًا ثم يقوّم مجروحًا فما نقص من قيمته سليمًا كان على الجارح مثله من الدية، فكذلك يكون في العبد ما نقصه من قيمته فحُكِم فيه حكم الحر في الوجهين، وهذا بين.
م: وإن برأت الجائفة أو المأمومة أو المنقلة أو الموضحة على شين؛ فقال بعض المتأخرين: ينظر إلى ما نقصه ذلك الجرح؛ فإن يكن أكثر من دية الجرح أُعطى ما نقصه، وإن يكن أقل أُعطى دية الجرح، إنما له الأكثر من دية الجرح أو ما نقصه.
وظهر لي أن دية الجرح له ثابتة على كل حال، وله زيادة عليه ما شانه، يقوّم على أنه جريح سالم مما شانه، ثم يقوّم على أنه جريح بذلك الشين، فما نقصه من ذلك غرمه مع دية الجرح، كما يصنع في الحر، وهذا على قول ابن القاسم، وأما على قول أشهب: فلا شيء

عليه إلا دية الجرح المفروضة، ولا شيء عليه في الشَّيْن؛ لأنه كذلك يقول في الحر فاعلم.
4 - فصل [في جناية أهل الذمة بعضهم على بعض] قال ابن القاسم: وإذا أصاب أهل الذمة بعضهم بعضا خطأ حمل ذلك عواقلهم.
قال مالك: وما تظالموا بينهم فالسلطان يحكم بينهم فيه.
5 - فصل [فيما تحمله العاقلة وما لا تحمله، والمراد بالعاقلة، ومقدار ما يحمله أحدهم، وذكر من يحمل العقل ومن لا يحمله، وما يُسقط الدية بعد توظيفها] وإن جرح مسلم ذميًا، أو قطع يديه أو رجليه أو قتله عمدًا فذلك في ماله، ولا تحمل العاقلة من عمد المسلم في [199/أ] جنايته على الذمي إلاّ المأمومة والجائفة، وإنما استحسن مالك حمل العاقلة للمأمومة والجائفة ولم يكن عنده بالأمر البين.

قال ابن القاسم: وقد اجتمع أمر الناس أن العاقلة لا تحمل العمد.
محمد: روى ابن وهب أن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أنهم قالوا: "إِنَّ الْعَاقِلَةَ لاَ تَحْمِلُ عَمْدًا، وَلاَ عَبْدًا، وَلاَ صُلْحًا، وَلاَ اعْتِرَافًا".
وبهذا قال مالك، إلاّ أنه في الاعتراف ربما جعله كشاهد على العاقلة يؤخذ بالقسامة، وأمّا في الجراح فلا، إذ لا قسامة فيها.
ومن كتاب آخر: وحمل العاقلة الدِّية أمر قديم (كان في الجاهلية فأقره النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في الإسلام).

والعاقلة: عشيرة الرجل وقومه، فإن حملوا ذلك بغير إفداح وإلاّ ضُمَّ إليهم أقرب القبائل إليهم حتى يرتفعوا.
محمد: ولم يجد مالك كم يؤخذ من كل رجل، وليس المكثر كالمقل، ومنهم من لا يؤخذ منه شيء لإقلاله.
قال مالك: والمجتمع عليه عندنا أنها على أحرار الرجال البالغين، ولا عقل على النساء، وعلى الصبيان، ولا على مديان، ولا على معدم.
قال في المدونة: وإنما العقل على القبائل كانوا أهل ديوان أم لا، ومصر والشام أجناد قد جندت، فكر جند عليهم جرائرهم دون غيرهم من

الأجناد، لا يعقل أهل مصر مع أهل الشام، ولا أهل الشام مع أهل مصر، ولا أهل الحضر مع أهل البدو، ولا أهل البدو مع أهل الحضر، إذ لا يكون في دية واحدة إبل ودنانير أو دراهم ودنانير، وإن انقطع بدوي فسكن الحضر عقل معهم، وكذلك الشامي يوطن مصر فإنه يعقل معهم؛ بمنزلة رجل من أهل مصر.
ثم إن جنى وقومه بالشام وليس بمصر من قومه من يحمل ذلك لقتلهم؛ ضُمَّ إليه أقرب القبائل بها إلى قومه، وإن لم يكن بمصر من قومه أحد فليضم إليه أيضًا أقرب القبائل من قومه حتى يقووا على العقل، إذ لا يعقل أهل الشام مع أهل مصر.
ويحمل الغني من العقل بقدره، ومن دونه بقدره، وذلك على قدر طاقة الناس في يسرهم.
قال ابن القاسم: ولم يحد لنا مالك في ذلك حدًا، وقد كان يحمل على

[199/ب] الناس في أعطيتهم من كل مئة درهمٌ ونصفٌ.
قال في غير المدونة: وأَكْرَه أن يبعث فيه السلطان من يأخذه فيدخل فيه فساد كثير.
قال سحنون في كتاب ابنه: ويضم عقل أهل افريقية بعضهم إلى بعض من طرابلس إلى طُبْنَة.
محمد: وإنما يجب على كل من كان من أهل العاقلة يوم تقسم عليهم الدية وتوظف حيًا بالغًا ليس يوم مات المقتول، ولا يوم جرح، ولا يوم

يثبت الدم، ولكن يوم تفرّق، فتجعل على الملئ بقدره، وعلى المعسر بقدره، ثم لا يزول عن من مات بعد ذلك أو أعدم، ولا يدخل فيها بعد ذلك من يبلغ من صغير أو يقدم من غائب أو منقطع، ولا يزاد على من أيسر منهم.
قال سحنون: إذا وضعت صارت كدين ثابت لا يسقط عن من مات ويكون في ماله، وانكر قول من قال: يوظف ذلك على بقية العاقلة.
وقال اصبغ: من مات منهم ممن جعل عليه بقدره قبل أن يحل، فلا يكون ذلك في ماله، ويرجع ذلك على بقية العاقلة.
وقال سحنون: ومن استُحِقَّ بملك بعد توظيفها رجع ما كان عليه على بقية العاقلة، ولا يزاد في التوظيف على بني عمه ديته أكثر مما

يجعل على بقية العاقلة، وهم غيرهم سواء وذلك على قدر المال والوجد.
قال أصبغ: ولا يدخل مع العاقلة صبي ولا مجنون، وأما السَّفيه البالغ فيؤخذ من ماله بقدره.
وقاله ابن القاسم وابن نافع.
قال ابن نافع: كما توضع عليه الجزية لو كان نصرانيا.
قال سحنون: ولا يعقل معهم مولى القاتل من اسفل.
وقال أصبغ عن ابن القاسم: يعقل معهم.

[الباب الثاني]

في جناية الصبي والمجنون والأب على ولده

[6 - فصل: جناية الصبي والمجنون، ورأي السلف في ذلك، وما يكون في ماله من جنايته وما لا يكون، وجناية من يفيق أحيانًا] قال مالك: وإذا جنى الصبي أو المجنون عمدًا أو خطأ بسيف أو غيره؛ فهو كله خطأ تحمله العاقلة إن بلغ الثلث، فإن لم يبلغه ففي ماله ويتبع به دينًا في عدمه.
محمد: وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لاَ قَوَدَ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ".
وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال: "كُلُّ مَا أَصَابَ الصِّبْيَانُ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَطَأِ؛ لَيْسَ فِيهِ قَوَدٌ".

"وأٌتِيَ أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه بِغُلاَمَينِ تَقَاتَلاَ فَعَضَّ أَحَدُهُمَا أُذُنَ صَاحِبِهِ فَقَطَعَ بَعْضَهَا فَأبَى أَبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنه أَنْ يَقِيدَ مَنْهُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ".
وقضى عثمان بن عفان رضي الله عنه في صِبْيَان [200/أ] اقْتَتَلُوا فَجَرَحَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: "ألاَّ قَوَدَ بَيْنَهُمْ، وَأَنْ يَعْقِلَ ذَلِكَ عَاقِلَةُ الْجَارِحِ مِنْهُمْ".
وقضى بذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بمشورة الفقهاء: "أَنَّ

عَمْدَ الصَّبيِّ خَطَأٌ لاَ قَوَدَ فِيهِ".
وقاله مالك، قال: وكذلك المجنون.
وَقَدْ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ "أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ أُتِيَ إِلَيْهِ بِمَجْنُونٍ قَتَلَ رَجُلاً فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِ اعْقِلْهُ وَلاَ تُقِدْ مِنْهُ فَإِنهُ لَيْسَ عَلَى مَجْنُونٍ قَوَدٌ".
وقال ذلك ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وابن شهاب رضي الله عنهم: "أَنَّ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَجْنُونِ".
قال أشهب عن الليث عن يحي بن سعيد: ما بلغ الثلث من ذلك فعلى العاقلة، وما كان دون الثلث ففي مال المجنون.

قال أشهب: وقد بلغني "أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أُتِيَ بِمَعْتُوهٍ عَدَاَ عَلَى رَجُلٍ بِسَيْفٍ فَقَتَلَهُ؛ فَضَمَّنَ عَقْلَهُ عَاقِلَةَ الْمَجْنُونِ، وقَالَ: عَمْدُهُ وَخَطَأُهُ سَوَاءٌ".
قال محمد: وإذا بلغ الغلام أو الجارية الحلم، فجرح أو قتل؛ أُقيد منهما ما لم يكونا معتوهين.
قال: وما أخبرتك من أمر الصبي فإنما ذلك فيمن عَرَف منهم ما يعمل، فأما الصبي الصغير فهو كلا شيء فيما أفسد.
وأُخبرت عن ابن القاسم أنه سئل عن الصبي المرضع يفسد شيئا أو يكسر لؤلؤة، أو يطرح ذلك في بئر وشبهه أنه لا شيء عليه.
محمد: يريد: لا يتبع بشيء منه.
قيل: فإن جرح هذا الصغير رجلاً أو فقًأ عينه؟ فلم يُجب فيه بشيء،

وقال: قد تكلم الناس في هذا، وأما ما أفسد فهو بين لا شيء عليه فيه.
قال فيه وفي المدونة: وإن كان المجنون يفيق أحيانًا؛ فما جنى في حال جنونه فهو كما وصفنا، وما جنى في حال الإفاقة فكالصحيح في حكمه في الجراح والقذف، وإذا رفع للقود وقد أخذه الجنون أُخر لإفاقته.
[7 - فصل: في جناية الأب على ولده عمدًا أو خطًأ وإرثه من ماله وديته في الحالين وتعليل ذلك] قال ابن القاسم: ومن قتل ابنه خطأ؛ فديته على عاقلته، ويرث الأب من ماله ولا يرث من ديته، وإن قتله عمدًا كفعل المدلجي فغلظت عليه الدية؛ لم يرث من ماله ولا من ديته.

م: وإنما ورث في الخطأ من المال؛ لأنه غير متعمد للقتل، فلا يحمل عليه أنه استعجل الميراث قبل وقته فحرمه، وإنما لم يرث من الدية؛ لأن عليه حصة منها، فمتى رجع إليه شيء منها صار كأنه لم يخرج ما عليه [200/ب] منها، وكذلك العلة في ميراثه من دية العمد؛ لأنها واجبة عليه، فمتى ورث شيئا منها صار كأنه لم يؤدها كاملة، وأما ميراثه من المال؛ فلأنه استعجل الميراث قبل وقته فحرمه، كالمتزوج في العدة؛ يحرم عليه نكاحها للأبد؛ لأنه استعجله قبل وقته، وهذا أحسن التعليل في ذلك.
والله أعلم.

[الباب الثالث]

في دية الجنين وما تحمله العاقلة منها وجميع أحكامه

[8 - فصل: في دية الجنين] قال مالك: (قضَىَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علّيهِ وَسلَّم في الْجَنِينِ يَخْرُجُ مَيِّتًا بِجِنَايَةِ جَانٍ، بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ).
قال مالك: والْحُمْرَان من الرَّقيق أحب إلي من

السودان، فإن قلَّ: الحمران بتلك البلاد فليؤخذ من السودان.
قال في كتاب محمد: إلا أن يقل الحمران فمن أوسط السودان.
قال في المدونة: والقيمة في ذلك خمسون دينارًا، أو ست مئة درهم، وليست القيمة كَسُنَّةٍ مجتمع عليها، وإنا لنرى ذلك حسنًا، فإذا بذل الجاني عبدًا أو وليدة؛ جبروا على أخذه، إن سوي ما بذل خمسين دينارًا أو ست مئة درهم، وإن سوي أقل من ذلك لم يجيروا على أخذه إلا أن يشاؤا، وليس على أهل الإبل في ذلك إبل، وقد قضىَ النِّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّم بالغُرَةِ والناس يؤمئذ أهل إبل، وإنما تقويمها بالعين أمر مستحسن.

محمد: وقال ربيعة: على أهل الإبل خمس فرائض، بنت مخاض، وبنت لبون، وابن لبون، وحقه، وجذعه، ولم يبلغنا عن مالك في الإبل شيء.
وقال ابن القاسم: لا إبل فيها.
وقال أصحابه بالإبل.
وقال أصبغ: ولا أحسب إلا أن ابن القاسم قال: بالإبل، ورواه عنه أبو زيد.
وأما توقفه وحجته فيه أن الحديث ليس فيه إبل وَهُم أهل إبل، فهذا ينكسر عليه؛ لأنه قد خرج إلى الورق على أهل الورق، والذهب على أهل الذهب.
وقال أشهب: لا يؤخذ من أهل البادية إلاّ الإبل، ولا يؤخذ من أهل الذهب إلا الذهب، ومن أهل الورق إلا الورق، وقد "قوّم عمر رضي الله عنه الغرة؛ عُشر دية الأم الحرة".

9 - فصل [في وراثة دية الجنين] قال مالك: وإذا ضُربت امرأة عمدًا أو خطأ فألقت جنينًا ميتًا؛ فإن عَلِم النساء أنه حمل وإن كان مُضْغَةً أو عَلَقةً أو مصورًا ذكرًا أو أنثى؛ ففيه الغرة بغير قسامة في مال الجاني، ولا تحمله العاقلة، ولا شيء فيه حتى يزايل بطنها، وتورث الغرة على فرائض الله عز وجل.
ابن حبيب: قال ابن الماجشون: قال ابن شهاب: [201/أ] الغرة موروثة على فرائض الله عز وجل.
وقال ربيعة: هي للأم خاصة؛ لأنها ثمن عضو منها.

وقال ابن هرمز: هي للأبوين خاصة على الثلث والثلثين، فإن لم يكن إلاّ أحدهما فجميعها له.
وقال بهذا مالك مرة، وقال به المغيرة، ثم رجع مالك إلى قول ابن شهاب: أنها موروثة على فرائض الله عز وجل.
وقال ابن أبي حازم، والدَّراوردي.
ابن حبيب: وبه قال أصحاب مالك أجمع.
قال ابن نافع: وفي التؤم غرَّتان، ولو صرخا كان فيهما ديتان.

10 - فصل [في الكفارة بقتل الحر والجنين والعبد والذمي] قيل لابن القاسم: فهل على الضارب كفارة.
قال: قال مالك: إنما الكفارة في قتل الحر خطأ، واستحسن مالك الكفارة في الجنين، وكذلك العبد، والذمي، إذا قُتلا ففيهما الكفارة، وفي جنينهما الكفارة.
قال أشهب: وهي في العبد المؤمن أوجب.
وروى أشهب عن مالك: أنه لا كفارة فيه.
وقاله أشهب.
ومن ضرب عبده على الأدب فمات فليعتق رقبة.
قال مالك: في امرأة شربت دواءً فأسقطت؛ فإن كان دواءً يشبه السلامة فلا بأس به، وقد (كوَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وَسلَّم سَعْدًا فَمات).

قال: وإن سقت ولدها الصغير دواء فشرِق به فمات فما عليها الكفارة بواجبة، وإن كفَرت فحسن، وكذلك الطبيب يسقي الرجل الدواء فيموت.
قيل: فقاتل العمد يعفا عنه، أيُكَفِّر؟ قال: نعم، هو خير له.
والكفارة في قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4].

11 - فصل [في خروج الجنين ميتا أو حيًا بعد موت الأم أو قبله، وحكمه لو استهل ثم مات، ومعنى الاستهلال] قال ابن القاسم: ولو ضربها رجل فماتت، ثم خرج الجنين بعد موتها ميتا؛ فلا غرة فيه، وإنما على قاتلها الدية؛ لأنه مات بموت أمه، وعليه كفارة واحدة.
وفي كتاب محمد: وإذا خرج الجنين بعد موتها ميتًا أو حيًا ثم مات؛ فأحب ما فيه إليّ أن تكون فيه الغرة مع دية الأم.
قال أبو محمد: يريد ولم يستهل.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ضرب بطنها خطأ فألقت جنينًا ثم ماتت بجنين في بطنها، أو مات الخارج قبل موتها أو بعد؛ ففي الأم دية واحدة والكفارة، ولا دية في الجنين الذي لم يزايلها ولا كفارة، والذي ألقته إن استهل صارخًا ففيه القسامة والدية، [201/ب] وإن لم يستهل صارخًا ففيه الغرة.

قال مالك في العتبية: الاستهلال: الصياح، فإذا صاح وجب له حكم الحي في الصلاة عليه، وفي دفنه، وميراثه، وليس العطاس استهلالاً.
وقال ابن وهب في غيرها: العطاس والرضاع استهلال.
12 - فصل [إرث الجنين وتوريثه، وعدم توريث القاتل] قال مالك: وإذا خرج الجنين ميتًا أو حيًا، فمات قبل موت أمه، ثم ماتت هي بعده؛ ورثته، ولو ماتت هي وقد استهل، ثم مات بعدها؛ لورثها، ولو خرج الجنين ميتًا، ثم خرج آخر حيا بعده أو قبله، أو ولد للأب ولد من امرأة أخرى، فعاش واستهل صارخًا، ثم مات مكانه، وقد مات الأب قبل ذلك كله؛ كان لهذا الذي خرج حيًا ميراثه من دية الذي خرج

ميتًا، ألا ترى أن أن المولود إذا خرج حيًا يرث أباه الميت أو أخاه قبل ولادته.
قال مالك: ولو ضرب الأب بطن امرأته فألقت جنينًا ميتًا؛ فلا يرث الأب من دية الجنين شيئًا، ولا يَحْجُب، ويرثها سواه.
13 - فصل [في القسامة في الجنين إذا استهل، وهل يقاد ممن تعمد إسقاطه أم لا؟ وما تحمله العاقلة من ديته وما لا تحمله] ومن ضرب بطن امرأة خطأ فألقت جنينًا حيًا، فاستهل ثم مات؛ ففيه القسامة، والدِّية على العاقلة، ولو كان ضرب بطنها عمدًا؛ ففيه القصاص بقسامة، وذلك إذا تعمد ضرب بطنها خاصة.
قال: ولم يكن في الجنين يخرج ميتًا قسامة؛ لأنه كرجل ضُرب فمات ولم يتكلم، وإذا صرخ ثم مات؛ كان كالمضروب يعيش أيامًا ففيه القسامة، إذ لا يُدرى أمات الجنين من الضربة أم لِمَا عرض له بعد خروجه.
محمد: وقال أشهب: إن كان حين استهل مات مكانه؛ فلا قسامة فيه، وإن أقام ثم مات ففيه القسامة، في العمد والخطأ، وفيه الكفارة، ولا قود فيه في العمد، وعمده كالخطأ؛ لأن موته بضرب غيره، وديته في العمد والخطأ

على العاقلة، وسواء ضرب بطنها أو غير بطنها؛ لأن إصابة الولد خطأ، وإنما العمد على الأم.
وقال ابن القاسم: في عمده القود بقسامة، وكذلك عنه في المجموعة إذا تعمد الأجنبي ضرب البطن أو الظهر أو موضع يرى أنه أصيب به الولد؛ ففيه القود بقسامة إذا استهل صارخًا.
فأما لو ضرب رأسها أو يدها أو رجلها، فطرحت دمًا، ثم ألقت الجنين فاستهل؛ ففيه الدية بقسامة، وتكون [202/أ] هذه الدية في ماله لازمة؛ لأن موته عن شبه ضرب عمد، وكما لو أوضح رجلاً عمدًا فتنامى الجرح إلى ذهاب عينه؛ فمذهب ابن القاسم: أن تكون دية العين في ماله.
قال ابن حبيب عن أصبغ: إذا تعمد ضرب بطنها حتى يرى أنه

أراد أن يُسقط ولدها فماتت ومات ولدها بعد أن استهل؛ فليقسم ولاتها وولاة الجنين، أن مِن ضربه ماتا ويقتل، وإن تعمد ضربها في غير البطن فليقسم ولاتها لمن ضربه ماتت ويقتلونه، ويقسم ولاة الجنين لمن ضربه مات، ولهم ديته على العاقلة.
وإن كان الضرب خطأ؛ أقسم ولاتها وولاة الجنين على الضرب، وكان على العاقلة ديتان، وإنما هذا إذا شُهد على الضرب، وإما بقولها فلا يكون ذلك إلاّ على نفسها وحدها يقسم ولاتها ويقتلونه في العمد، ويأخذون الدية من العاقلة في الخطأ، ولا شيء في الجنين؛ لأن ذلك بقولها، وهي شهادة لابنها.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا خرج الجنين حيًا فلم يستهل حتى قتله رجل؛ فلا قود فيه، وفيه الغرة، وعلى قاتله الأدب.
وقال بعض العلماء: فيه الدِّية كاملة في ماله، ولا قود فيه.
قال أشهب: ولا يعجبني هذا، ولو لزم هذا لزم مثله في المضروبة في البطن يخرج جنينها حيًا فيموت ولا يستهل، وإن كان قد قاله كثير من أكابر

العلماء.
14 - فصل [في ضرب المجوسي أو المجوسية بطن مسلمة خطأ أو عمدا] قال في المدونة: ولو ضرب مجوسي أو مجوسية بطن مسلمة خطأ، فألقت جنينًا ميتًا حملته عاقلة الضارب؛ لأنه أكثر من ثلث ديته، وإن كان ذلك عمدًا كان في مال الجاني.
15 - فصل [في جنين الأمة وأم الولد والذمية، وجنين من أسلمت تحت نصراني أو مجوسي، وجنين النصرانية الحرة تحت عبد مسلم] وفي جنين أم الولد من سيدها، ما في جنين الحرة، وفي جنين الأمة من غير سيدها؛ عُشر قيمة أمه، كان أبوه حرًا أو عبدًا.
محمد: وقاله الحسن، وأبو الزناد.

قال أصبغ: قال ابن وهب: فيه ما نقصها من قيمتها، وقول مالك أحب إلينا، وقاله ربيعة، ويحي بن سعيد، وابن القاسم، وأشهب.
قال: فإن استهل ففيه قيمته.
قال ابن القاسم في العتبية: قيمته على الرجاء والخوف.
قال في المدونة: وفي جنين الذمية -يريد: إذا لم يستهل- عُشر دية أمه، أو نصف عُشر دية أبيه، وهو سواء، والذكر والأنثى في ذلك سواء.
ولو أسلمت نصرانية حامل تحت نصراني؛ ففي جنينها ما في جنين النصراني، وذلك نصف عشر دية أبيه، [202/ب] ولو استهل صارخًا ثم مات؛ حلف من يرثه يمينًا واحدة لمات من ذلك، واستحقوا ديته؛ لأن مالكًا قال في النصراني يقتل ويقُوم على قتله شاهد عدل مسلم أن ولاته يحلفون يمينًا واحدة، ويستحقون الدية على من قتله، مسلمًا كان أو نصرانيًا.

وإن تزوج عبد مسلم نصرانية حرة؛ ففي جنينها ما في جنين الحر المسلم؛ لأنه حر بأمه، ومسلم بأبيه.
وإن أسلمت مجوسية حامل تحت مجوسي؛ ففي جنينها ما في جنين المجوسي، أربعون درهمًا.

[الباب الرابع] في الكبير والصغير يقتلان رجلاً، وما يجب على قاتل العمد إن عُفي عنه، والعافي يدعي إنما عفا على الدية، ومن أقر بقتل خطأ، أو جماعة أقروا بقتل عمد أو خطأ، والجماعة يقتلون رجلا خطأ، وفيمن قتل نفسه.

[16 - فصل: في الكبير والصغير يقتلان رجلا] قال مالك رحمه الله: وإذا قتل رجل وصبي رجلاً عمدًا؛ قُتل الرجل، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية؛ لأن عمد الصبي كالخطأ.
م: يريد: وذلك إذا اعتمدوا جميعًا قتله، وتعاقدوا على ذلك، وتعاونوا عليه؛ فيقتل حينئذ الرجل كما لو لم يباشر قتله إلا الصبي والرجل معين له، حتى لو كانا رجلين لقتلا جميعا؛ فحينئذ يجب قتل الرجل، وأما لو لم يتعاقدوا على قتله، ولا تعاونوا عليه، وإنما رماه هذا عمدًا وهذا عمدًا، ولم يعلم من أي ضربة مات؛ لوجب أن لا يقتل الرجل عند ابن القاسم؛ لأن عمد

الصبي كالخطأ، ويكون كما لو رماه الصبي خطأ، والله أعلم.
قال ابن القاسم: ولو كانت رمية الصبي خطأ، ورمية الرجل عمدًا فمات منهما جميعًا فأحب إليَّ أن تكون الدية عليهما؛ لأني لا أدري من أيهما مات.
م: يريد: أن نصف الدية في مال الرجل، ونصفها على عاقلة الصبي.
وقال أشهب: عمد الصبي وخطؤه سواء، وعلى عاقلته نصف الدية، ويقتل الكبير.
قال محمد: وهذا أحب إلينا.
[17 - فصل: في اشتراك الحر مع العبد، والأب مع غيره في القتل، ومن قتله رجلان أحدهما عمدًا والآخر خطأ] مالك: ولو قتل حر وعبد عبدًا عمدًا؛ لقتل العبد، وعلى الحر نصف قيمته في ماله؛ إذ لا يقتل حر بعبد، ولو قتلا آخرًا خطأ؛ فعلى عاقلة الحر نصف الدية، ويخير سيد العبد في أن يسلمه أو يفديه بنصف الدية.

قال مالك في المستخرجة: يُنَجَّم ذلك عليه.
قال ابن القاسم قال مالك: ولو قتل الأب ورجلان ابنه عمدًا؛ قُتل الأب والرجلان، وإن كان بالرمية والضربة؛ لم يقتل به الأب.
قال عبد الملك: وعليه ثلث الدية مغلظة، ويُقتل الرجلان.
محمد: وإذا قتل رجلان رجلاً، جرحه أحدهما عمدًا والآخر خطأ: قال أشهب: يقسمون على أيهم شاؤا؛ فإن أقسموا على المتعمد قتلوا وكانت لهم على المخطئ دية الجناية.
قال محمد: وذلك إذا عُرفت جناية الخطأ من جناية العمد.
قال أشهب: وإن أقسموا على المخطئ كانت لهم الدية كاملة على عاقلته، واقتصوا من المتعمد جرحه إن كان مما فيه القصاص، وإن كان مما لا قصاص فيه أخذوا منه دية جنايته.
وقال فيهما ابن القاسم: إن مات مكانه؛ قتل به صاحب العمد، وعلى

صاحب الخطأ نصف الدية.
قال محمد: هذا إن لم يكن جرح الخطأ معروفًا بعينه.
قال ابن القاسم: وإن عاش بعد ضربهم ففيه القسامية، فإذا أقسموا على واحد برئ الآخر، أما على المتعمد ويقتلونه، ولا شيء على الآخر، وإن أقسموا على المخطئ؛ فالدية لهم على عاقلته، ويبرأ المتعمد.
قال محمد: ويضرب مئة، ويحبس سنة.
18 - فصل [فيما يجب على قاتل العمد إن عُفي عنه] قال في المدونة: ومن ثبت عليه أنه قتل رجلا عمدًا ببينة، أو بإقرار، أو بقسامة، فعفي عنه، أو أسقط عنه القتل؛ لأن الدم لا يتكافأ، فإنه يضرب مئة ويحبس عامًا، كان القاتل رجلاً أو امرأة، مسلمًا أو ذميًا، حرًا

أو عبدًا، لمسلم أو لذمي، والمقتول مسلم أو ذمي، حر أو عبد، لمسلم أو لذمي، وكذلك العبد يقتل وليك عمدًا، فتعفو عنه على أن أخذته فإنه يضرب مئة ويحبس عامًا.
قال أصبغ: لا يحبس العبد ولا الأمة، ولكن يجلدان.
قال مالك: وإذا أقسم على واحد من جماعة فإن من بقي ممن اتهم بالقتل يجلد كل واحد منهم مئة ويحبس سنة.
قال عبد الملك: لأن الولي ملك إشاطة دم من شاء منهم.
قال محمد: وإذا ردت اليمين على المدعى عليه فحلف؛ جلد مئة وحبس سنة، فإن كان عبدًا فلم يحلف المدعون وقد أقاموا شاهدًا على القتل، أو شاهدين على إقرار الميت، فليحلف السيد يمينًا واحدة على

جارٍ التحميل