لسحنون أن صاحب السلعة أن أجاز البيع وأراد أخذ الثمن لزم ذلك المشتري بمنزلة من غصب سلعة رجل فباعها والمشتري عالم بالغضب ثم أتى صاحبها فأجاز البيع أن ذلك لازم للمشتري.
وقد جاء لأشهب خلاف ما قاله سحنون في الغصب.
أشهب يقول: إذا علم المشتري بالغصب لم يكن لصاحب السعة أن يجيز البيع؛ لأن الغاصب والمشتري دخلا على الغرر.
م وهذا هو القياس.
وكذلك يجب في الذي أوجب على نفسه خلاص هذه السلعة، والعلة الجامعة بينهما أن المشتري دخل على إن خلص هذه السلعة أو أجاز المغصوب منه البيع تم ذلك، قال: فإن لم يقدر هذا على خلاصها ولا أجاز هذا رد البيع، فذلك غرر، ويصير النقد في ذلك تارة ثمناً وتارة سلفاً.
م وعاب بعض فقهائنا قياس ابن أبي زمنين مسألة خلاص السلعة على
مسألة بيع الغاصب، والمسألتان واحد؛ لأن كل واحد باع سلعة ليست له والمشتري عالم فلا فرق، والمسألة تجري على القولين والله أعلم.
[فصل 13 - السلم في نسل الحيوان بعينها]
قال مالك رحمه الله: ولا يجوز السلم في نسل حيوان بعينها من الأنعام والدواب بصفة وإن كانت حوامل.
م لأنه من بيع الأجنة وقد نهي عنه.
قال مالك: وإنما يكون السلم في الحيوان مضموناً لا في حيوان بعينها ولا في نسلها.
قال: ومن سلف في لبن غنم بعينها أو في صوفها وشرط أخذ ذلك إلى أيام قلائل، فهلك المتبايعان أو أحدهما لزم البيع ورثة المالك لأنه بيع قد تم.
[فصل 14 - السلم في لبن غنم معينة كل قسط بكذا]
ومن كتاب التجارة بأرض الحرب: ولا بأس بالسلم في لبن غنم معينة على الكيل، كل قسط بكذا، كانت الغنم كثيرة أو يسيرة كشاة أو شاتين، بعد أن تكون في أيام لبنها، وسمى أقساطاً معلومة، وما يأخذ كل يوم، ويضرب أجلاً لا ينقضي اللبن قبله، وسواء نقده الثمن أم لا شرع في أخذ اللبن أو كان يشرع فيه إلى أيام يسيرة، وجائز أن يبتاع لبنها ذلك كله جزافاً شهراً أو شهرين أو إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله، وذلك جائز فيما كثر من الغنم كالعشرة ونحوها إذا عرفا وجه حلابها.
وروى أشهب أن مالكاً أجازه في شاة واحدة.
قيل: فإن ابتاع لبن عشرة شياه ثلاثة أشهر في إبانه، فماتت خمس بعد أن حلب جميعها شهراً.
قال: ينظر فإن كانت الميتة تحلب قسطين قسطين، والباقية قسطاً قسطاً، نظر أيضاً، كلم الشهر من الثلاثة أشهر في قدر نفاق اللبن ورخصه، نظر أيضاً، كم الشهر من الثلاثة أشهر في قدر نفاق اللبن ورخصه، فإن قيل: النصف فقد قبض نصف صفقته بنصف الثمن، وهلك ثلثا
النصف الباقي قبل قبضه، فله الرجوع بحصته من الثمن وهو ثلثا نصف الثمن، وذلك ثلث الثمن أجمع، ولو كان موت هذه الميتة قبل أن يحلب شيئاً لرجع بثلثي جميع الثمن، وعلى هذا يحسب أن لو كانت حصة الميتة الثلث أو النصف أو الثلاثة أرباع.
م يريد وله فسخ البيع، لأنه هلك جل صفقته.
فصل 15 - السلم في ثمر قرية صغيرة]
ومن السلم قال مالك: والسلم في ثمر قرية صغيرة مما ينقطع طعامها أو ثمرها في بعض السنة كالسلم في حائط بعينه، لا يصلح السلم في ثمرها إلا إذا أزهى، ويشترط أخذه بسراً أو رطباً ولا يجوز أن يشترط أخذه تمراً، لأن تلك القرية غير مأمونة.
قال أبو محمد: ولا يجوز هاهنا تأخير رأس مال السلم لأنه مضمون في الذمة بخلاف حائط بعينة.
قال غيره: السلف في القرية الصغيرة يوافق السلم في الحائط بعينه
في وجهين أحدهما أن لا يسلم في ثمرها إلا بعد زهوه.
والثاني: أنه يشترط أخذه بسراً أو رطباً ولا يجوز تمراً.
ويخالفه في وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يسلم إلى من ليس له في تلك القرية حائط والثاني: أنه لا يجوز تأخير رأس مال السلم لأنه مضمون وذلك بين.
وقال محمد بن زمنين: وينبغي على أصل قوله أن لا يجوز التسليف في ثمر قرية صغيرة إلا أن يكون ثمرها للمسلف إليه، وإلا كان بمنزلة من باع ثمرة لغيره، واشترط تخليصها فتدبر ذلك فهو بين إن شاء الله.
وقال بعض القرويين: ذلك جائز وإن لم يكن له فيها ثمر، ولا يدخله بيع ما ليس عندك؛ لأن الغالب أن جملة أهل القرية لا يجتمعون على أن يبيعوا.
م فهو في هذا كالسلم في القرى الكبار، وعليه يدل قول أبي محمد؛ لأنه جعله مضموناً في الذمة وهو بين والله أعلم.
[فصل 16 - في السلم في زرع أرض بعينها]
قال مالك رحمه الله: ولا يجوز السلم في زرع أرض بعينها وإن بدا صلاحه أو أفرك، ولا يصلح السلم في الحنطة والحب كله إلا مضموناً لا في زرع بعينه، بخلاف السلم في [تمر] حائط بعينه؛ لأن ذلك إنما يشترط أخذه بسراً أو رطباً، ولا يجوز أن يشترط أخذه تمراً، وهذا الزرع إنما يشترط أخذه حباً فهو كاشتراط أخذ الزهو تمراً فلا يصلح.
قال: ومن أسلف في حائط بعينه بعد ما أزهى أو أرطب.
أو في زرع بعد أن أفرك واشترط أخذه حنطة أو تمراً فأخذ ذلك، وفات البيع -يريد بالقبض- لم يفسخ؛ لأنه ليس من الحرام البين الذي أفسخ هـ، ولكن أكره أن يعمل به فإذا فات لم أفسخه.
قال في كتاب محمد: أكرهه، فإن وقع لم يرد؛ وكذلك في زبيب كرم
بعينه أو في تينه يكره، فإن وقع لم يرد وقاله أشهب.
[فصل 17 - في وقت بيع الحب والسلم فيه]
ومن المدونة: قال مالك: وبلغني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «لا تبيعوا الحب حتى يشتد في أكمامه» وفي حديث آخر (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يشتري الحب حتى يبيض).
قال مالك: وذلك أن ييبس، وينقطع عنه شرب الماء حتى لا ينفعه الشرب.
[قال] ابن المواز: وقال ابن شهاب: حد ذلك أن يفرك، ولم يأخذ به مالك إلا أنه قال: فإن نزل لم يفسخ.
وقال ابن القاسم: يفسخ ما لم ييبس فيمضي.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالسلم في الحنطة الجديدة قبل الحصاد، وفي التمر الجديد قبل الجذاذ ما لم يكن زرعاً بعينه أو حائطاً بعينه.
[فصل 18 - السلم في ثمر القرى المأمونة وفي حديد معدن بعينه]
قال مالك رحمه الله: وإذا كانت القرية مأمونة مثل مصر وخيبر ووادي القرى ونحوها من القرى العظام التي لا ينقطع ثمرها ولا حبها من أيدي
الناس، فلا بأس بالسلم في ثمرها أو في غير ذلك من حبها قبل إبانه أو في أي إبان شاء، ويشترط أخذه في أي إبان شاء، وإن أسلم في رطبها أو بسرها فليشترط أخذه في إبانه وفي أي إبان شاء، وإن أسلم في ذلك إلى رجل ليس له في تلك القرية أرض ولا زرع ولا طعام ولا نخل ولا تمر فذلك جائز.
قال ابن القاسم: والسلم في حديد معدن بعينه كالسلم في قمح القرى المأمونة إن كان المعدن مأموناً لا ينقطع حديده من أيدي الناس لكثرته في تلك المواضع، فالسلم فيه جائز على وزن معلوم وصفة معلومة وإلى أجل معلوم.
[الباب الثالث]
في السلم في الثمار والخضر والبقول والحبوب واللحم
[فصل 1 - اشتراط تعجيل النقد وكون المسلم فيه موصوفاً مؤجلاً]
قال مالك رحمه الله: سئل ابن عباس عن السلم في الطعام فتلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:282].
قال مالك: فهذا يجمع الدين كله.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار سلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم.
(ونهى -صلى الله عليه وسلم- عن الكالئ بالكالئ)، فوجب تعجيل النقد في المضمون.
قال ابن القاسم: ولا بأس بالسلم في الفواكه والثمار إذا وصفه وأجله، وعجل نقده.
[قال] ابن المواز: وإن لم يذكر موضع القضاء لم يفسد به السلم، ويلزمه أن يقضيه بموضع التبايع بسوق تلك السلعة.
ومن المدونة [قال] ابن القاسم: وإن لم يصف ذلك ولا ضرب له أجلاً والثمن عرض أو عين فالسلم فاسد.
[فصل 2 - في السلم فيما ينقطع من أيدي الناس وما لا ينقطع]
قال: وكل ما لا ينقطع من أيدي الناس، فأسلم فيه أي إبان شئت واشترط أخذه في أي إبان شئت.
وأما من ما ينقطع من أيدي الناس في بعض السنة من الثمار الرطبة وغيرها فأسلم فيه في غير حائط بعينه، فلا بأس أن يسلم فيه في إبانه أو في غير إبانه ولكن لا يشترط الأخذ إلا في إبانة، وإن اشترط فيه الأخذ في غير إبانة، فإنه لم يجز، أسلم فيه في إبانه أو قبل إبانه، لأنه يشترط ما لا يقدر عليه.
قال: وإن اشترط أخذه في إبانه ثم انقطع إبانه قيل أن يأخذ ما أسلم فيه، فقال مالك مرة يتأخر الذي له السلف إلى إبانه المقبل من السنة
المقبلة ثم رجع فقال: لا بأس أن يأخذ بقية رأس ماله.
وقال ابن القاسم: من طلب التأخير منها فذلك له إلا أن يجتمعا على المحاسبة فلا بأس به بخلاف السلم في حائط بعينه؛ لأن ذلك معين، فإذا ذهب انفسخت الصفقة ووجبت المحاسبة، وهذا مضمون في الذمة.
وقال أشهب: ذلك سواء، ولا يجوز التأخير وليس له إلا بقية رأس ماله.
وقال سحنون: ليس ذلك لواحد منهما، وقال بقي ففي ذمته إلى قابل وقال أصبغ: من شاء المحاسبة منهما فذلك له إلا أن يجتمعا على التأخير.
م قال بعض فقهائنا: ومعنى قول مالك لا بأس أن يأخذ بقية رأس ماله، يريد إذا اتفقا وهو وفاق لابن القاسم، وإنما جوز لهما الاجتماع على المحاسبة لضرورة فوت الإبان الداخلة عليهما، فلم يتهما على قصد البيع والسلف وهو استحسان.
ووجه قول أشهب أن كل ماله إبان عنده ثم ينقطع، فحكمه حكم الشيء المعين، وأن انقطاعه كفوات عين المعين، إذ لا سبيل إلى وجود مثله.
وأن إلزامه التأخير إلى قابل ظلم له، فوجب لذلك المحاسبة عنده والله أعلم.
ووجه قول سحنون الذي ألزمهما التأخير: لأنه إذا أخذ بقية رأس ماله صار بيعهاً وسلفاً وهما قادران بالتأخير على التحرز منه، وإذ قد يتهمان إلى قصد التراخي على قبضه في الإبان ليتم لهما رد بقية رأس المال فمنعا منه حماية الوجهين وهو القياس.
ووجه قول أصبغ أن الواجب عنده المحاسبة كفوت الشيء المعين ثم أباح لهما التأخير للضرورة التي دخلت عليهما بفوات الإبان، وحمل أمرهما على السلامة، ولم يتهما أن يكونا قصداً البيع والسلف والله أعلم.
م وهذا قول معيب عندهم؛ لأنه إذا كان الواجب عنده المحاسبة، ويجبر الآبي منهما عليها، فاتفقا على التأخير هو فسخ الدين في الدين وبالله التوفيق.
وفي كتاب محمد عن ابن القاسم: أنه يخير إن شاء أن يأخذ بقية رأس ماله وإنشاء أن يؤخره.
وهذا يدخله ما دخل قول أصبغ.
وكذلك عنه في إذا اكترى إلى الحج فلم يأت بالكراء حتى فات الإبان أن المكتري مخير، إن شاء بقي إلى قابل وإن شاء فسخ الكراء وقيل أنه يفسخ الكراء فقط.
وجعل ذلك كالأيام المعينة فهذا يوهن قوله أنه مخير؛ لأنه وجب له أن يأخذ نقده فأخره إلى حج قابل، وحكم الأيام المعينة إذا فاتت فسخ الكراء ولا يأخذ غيرها عوضاً، والفسخ في ذلك يجري على قول أشهب في مسألة الكتاب.
وكذلك قال في من أسلم في ضحايا فأتى بها بعد الوقت أنه يبطل السلم لفوات الإبان، فصارت ضرورة أوجبت الفسخ، وهذا كله جاء على قول أشهب، وقيل غير هذا.
ووقع لأشهب فيمن غصب شيئاً فلم يوجد مثله أن ربه مخير إن شاء أن يؤخره حتى يجده، وإن شاء أن يغرمه قيمته.
وهذا نحو ما قدمناه لابن القاسم، وإنما كان ينبغي على ذهب أشهب أن يغرمه القيمة، ولا يجوز رضاه بالتأخير.
وذكر عن مالك في مسألة الكتاب أنه إن قبض أكثر السلم جاز أن يؤخره بما بقي إلى قابل، وإن قبض اليسير فلا يجوز ذلك ويتحاسبان فاعلم ذلك.
[فصل 3 - موت المسلم إليه قبل الإبان]
م قال بعض فقهائنا القرويين: ولو مات المسلم إليه قبل الإبان فلتوقف تركته حتى يأتي الإبان، ولا سبيل إلى قسم ماله حتى يأخذ هذا حقه.
قيل: فإن كان عليه دين يغترق ماله؟
قال: يتحاصون في تركته، ويضرب لصاحب السلم بقيمة ذلك الشيء الذي أسلم فيه في وقته على ما يعرف منه في أغلب الأحوال من غلاء أو رخص.
م يريد ثم يوقف ما صار له في المحاصة أو التركة كلها إن لم يكن عليه دين حتى يأتي الإبان، فيشتري له ما أسلم فيه، فإن نقص عن ذلك أتبع بالبقية ذمة الميت إن طرأ له مال، وإن زاد لم يشتر له إلا قدر حقه، وترد البقية، إلى من يستحق ذلك من وارث أو مديان ولو هلك ما وقف له في حال الإيقاف، كان من المسلم إليه؛ لأن له نماءه فعليه تواؤه، وحق هذا في غير عين ما وقف له.
[فصل 4 - السلم في القصب الحلو والموز والأترج وشبه ذلك]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا بأس بالسلم في القصب الحلو وفي الموز وفي الأترج وشبه ذلك إذا اشترط فيه شيئاً معروفاً، وسبيل السلم فيه كما اشترطنا فيما ينقطع وفيما لا ينقطع.
قال مالك: ولا بأس بالسلم في الرمان عدداً إذا وصف مقدار الرمانة.
[قال] ابن القاسم: وكذلك في التفاح والسفرجل إذا كان يحاط بمعرفته، ولا بأس بالسلم في ذلك كله إذا كان شيئاً معروفاً.
قال مالك: ويجوز السلم في الجوز على العدد والصفة قال ابن القاسم: أو على الكيل إذا عرف فيه.
م والعرف في بلدنا في الجوز الكيل فلا يجوز السلم فيه إلا على الكيل، أو بيعه نقداً، والسلم فيه على العدد خطر إلا فيما قل.
قال مالك: ويجوز بيع الجوز على النقد جزافاً؛ لأنه مرئي وكذلك البيض وما يكثر عدده.
قال مالك ولا يسلف في البيض إلا عدداً بصفة، وهو العرف فيه، ولا بأس بالسلم في القصيل والبقول إذا اشترط جرزاً أو حزماً أو أحمالاً معروفة، ويسلم في ذلك في إبانه وقبل إبانه ولا يشترط الأخذ إلا في إبانه، ويجوز أن يشترط الأخذ في غير إبانه،
وكذلك القضب والقرط الأخضر، إلا أن يكون القرط الأخضر لا ينقطع من البلد الذي أسلم فيه، فيجوز أن يشترط أخذه في أي إبان شاء، ولا يجوز في شيء من ذلك اشتراط فدادين معروفة بصفة طول وعرض وجودة ورداءة؛ لأنه مختلف لا يحاط بصفته، ولا يكون السلم في هذا إلا على الأحمال والحزم.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: ذلك جائز كله ووجه من لم يجزه أن الجيد مختلف والوسط مختلف، ويلزمه ذلك في الحبوب، ولا مقا له في ذلك.
م وهذا الذي ذكر ابن المواز عن أشهب خلاف قول شيوخنا المتأخرين
أن السلم فيما لا زوال له من الدول والأرضين والحوائط لا يصلح؛ لأن المواضع تختلفن فلا بد أن يصف الموضع ويحده حداً لا يختلفان فيه، فيؤدي ذلك إلى السلم في شيء بعينه وبيع ما ليس عنده، وكذلك السلم في القصيل فدادين؛ لأنه لابد أن يحده فيقول بالموضع الفلاني ومجاور لفدان فلان، وطوله وعرضه كذا، فيؤدي ذلك إلى السلم في بدان بعينه، لا بد من ذلك فيفسد من هذه الجهة، لا من أجل أنه مختلف في الجودة والرداءة وهذا قول واضح والله أعلم.
فصل [5 - السلم فيما يتعذر وجوده وفي الدور]
ومن كتاب أبي إسحاق: ولا يجوز السلم فيما يتعذر وجوده، ولا في الدور؛ لأن السلم إنما يصح فيما يزال فيه، إذا لو وصف له صفة موضع الدار فقد يتعذر عليه شراؤها هنالك.
وكذلك كلما يتعذر عليه وجوده من الصفات، إذ لو كلف شراؤه لتعذر عليه.
فصل [6 - في السلف في الثمار من غير ذكر جنسه أو صفته]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن سلف في تمر ولم يذكر برنيا من صيحاني ولا جنساً من التمر بعينه، أو يذكر الجنس ولم يذكر صفة جودة أو رداءة، فالسلم فاسد حتى يذكر الجنس ويصفه، فإن نزل ذلك على غير وصف ثم اتفقا على أخذ الأرفع لم يجز لفساد عقده، وكذلك السلم في الزبيب وسائر الحبوب إذا كان يختلف.
قال أبو إسحاق: واجتزئ في وصف الطعام أن يقول جيد، ولم يجز في وصف الحيوان بأن يقول فارها ولا في الثياب بجيد.
والفرق بينهن أن الطعام يعرف الجيد منه، ولا يختلف الجيد منه اختلافاً متبايناً، ويكون له الوسط من الجيد والفاره، والجيد من الثياب مختلف اختلافاً كثيراً لا يتقارب.
وكذلك السلم في الزبيب وسائر الحبوب إذا كان يختلف.
قال: ومن أسلم بمصر في حنطة ولم يذكر جنساً قضي له بمحموله وإن كان بالشام قضي له بسمراء -يريد لأنه الذي فهما- قال: ولا بد في
ذلك من الصفة في الجودة والرداءة فإن لم يصف فالسلم فاسد.
[قال] ابن المواز: وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: إن أسلم ولم يسم بمصر سمراء من بيضاء لم يجز، وقاله ابن عبد الحكم وهو أحب إلينا.
وقال أصبغ: ذلك جائز لأن جل طعام مصر البيضاء إلا ما أصابته منه عاهة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أسلم في الحجاز حيث تجتمع السمراء والمحمولة ولم يسم جنساً فالسلم فاسد حتى يسمي سمراء من محمولة ويصف جودتها فيجوز.
قال ابن حبيب: وهذا في مثل بلد تحمل إليه وأما في بلد ينبت فيه أسمر وأبيض فيجزيه، وإن لم يذكر ذلك وذكر جيداً نقياً وسطاً أو مغلوثاً وسطاً.
م وقول ابن حبيب هذا لا وجه لاه، وسواء كان بلد ينبت فيه الصنفان أو يحملان إليه، لابد في ذلك من ذكر الجنسين إذا كانا مختلفين، لا يجزئ ذكر أحد الجنسين، ثم يذكر الجودة والرداءة كما قال ابن القاسم؛ لأن المسلم فيه أبداً لا يكون إلا موصوفاً بصفة لا يختلفان فيه عند القضاء إلا أن يكون لهم عرف فيما يسلفون فيه فيحملان عليه وكأنه عليه دخلا؛ لأن العرف كالشرط.
م وذكر لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن القروي أنه قال: لا يحتاج في السلم في الطعام أن يشترط حنطة حصيد عامه، قال: والرواية أنه إذا أتاه بقمح قديم أنه يجبر على أخذه، فهذا يدل على أنه لا يراعي قديم من جديد، ولو روعي لم يجبر على أخذ قديم وقد اشترط جديداً.
قال: وذلك لا يختلف عندنا بأفريقية.
م وهو يختلف عندنا بصقلية، فلا يجوز حتى يشترط قديماً من جديد.
قال ابن حبيب: وإن أسلم في زيت الماء أو زيت المعصرة، وإن كان يجتمع في ذلك البلد زيت بلدان كثيرة ذكر من أي بلد، ويذكر جيداً أو دنيئاً أو وسطاً، وإلا لم يجز ذلك، وكذلك السمن.
فصل [7 - السلم في أصناف من الطعام كثيرة صفقة واحدة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أسلم مئة درهم في أرداب معلومة من حنطة وأرداب معلومة من شعير وأرداب معلومة من سمسم ولم يذكر ما لكل صنف من الثمن، أو سلم ما ذكرنا في جميع صنوف الأمتعة والطعام والشراب والقطاني والرقيق والحيوان ولم يسم رأس مال لكل صنف
على حده، فذلك جائز إذا وصف كل ما أسلم فيه ونعته وسمى كيل ما ينبغي كيله منه أو وزنه، ولا يبالي كان أجل ما أسلم فيه متفقاً أو مختلفاً فهو جائز لأنها صفقة واحدة.
وكذلك إن أسلمت عروضاً في عروض تخالفها أو في طعام على ما ذكرنا.
م قال بعض العلماء: أجاز الشافعي بيع سلع حاضرة وإم لم يسم ما لكل سلعة من الثمن، ولم يجزه إذا أسلم في ذلك حتى يسم ما لكل سلعة، ثمناً معلوماً.
وهذا تناقض منه.
فصل [8 - السلم في الرؤوس والأكارع واللحم والشحم]
قال مالك: ولا بأس بالسلم في الرؤوس إذا اشترط صنفاً وقدراً معلوماً، صغاراً وكباراً، وكذلك في الأكارع، ولا بأس بالسلم في اللحم والشحم إذا اشترط لحماً أو شحماً معروفاً، ويذكر الجنس من ضأن أو معز ونحوه وإلا لم يجز.
قيل: ولم؟ ولحم الحيوان كله نوع واحد.
قال: والتمر أيضاً كله نوع واحد، ولكن لا يجوز السلم في حتى يسم الجنس برنياً أو صيحانياً.
م يريد لأنه لا يجوز السلم إلا على صفة لا يختلفان عند القبض فيها.
قال ابن حبيب: وإن لم يذكر من أين يأخذ، من جنب أو فخذ أو كتف بجائز ذلك، وإن ذكره فحسن.
قال ابن المواز: قيل لابن القاسم أفيحتاج أن يسمي الناحية التي يأخذ منها يداً أو جنباً أو فخذاً؟
قال: لا وإنما يقول ذلك أهل العراق وهذا باطل، وإنما يسمي السمانة والنحو ماعزاً وأو ضأناً، وقاله مالك.
قال أصبغ: ولو اشترط وسطاً من السمانة جاز.
قال ابن المواز: وإن اشترط سميناً ولم يشترط أي السمين ولم يجد السمين جاز، كقول مالك في الطعام جيد - وهي صفة-، بعد أن يسمي ماعزاً أو غيره، ثم يكون
له السمن المعروف عند الناس والجيد من الطعام العام عند الناس.
قيل لابن القاسم: فإن قضاه مع ذلك بطوناً فأبى أن يأخذه قال: أفيكون لحم بلا بطون.
فقيل بكم قدر ذلك؟
فقال: قد جعل الله عز وجل لكل شيء قدراً، والبطن من الشاة، فكأنه يقول: على قدر البطن من قدر الشاة.
قال: وهذه أشياء قد عرف الناس ناحيتها ووجهها.
ومن المدونة: قال: ويشترط إذا أسلم في اللحم وزناً معلوماً معروفاً، وإن اشترط تحرياً معروفاً جاز إذا كان لذلك قدراً قد عرفوه،
لجواز بيع اللحم بعضه ببعض تحرياً والخبز بالخبز تحرياً.
م قيل معنى قوله في اللحم تحرياً أن يقول له: آخذ منك ما إذا تُحرى كان في وزنه رطل أو رطلان أو نحو ذلك، وذلك فيما يقل ويستطاع تحريه.
قال الأبهري: وإنما جاز بيع اللحم باللحم تحرياً لحاجة الناس إليه، ولو منعوا منه حتى يزنوه لتعذر عليهم وضاق، ولأن الموازين قد تقل.
قال بعض شيوخنا: إنما أجازه مالك عند عدم الموازين للضرورة إلى ذلك، فأما حيث توجد الموازين فإنه لا يجوز حتى توزن، كما لا يجوز بيع الطعام على التحري.
قال محمد بن أبي زمنين: وإنما يجوز على التحري فيما قل من ذلك، ويجزيه أن يقول له: أسلم إليك في لحم يكون قدره عشرة أرطال أو ما سميا، وكذلك هذا في الخبز.
فصل [9 - السلم في الحيتان]
ومن المدونة: قال مالك: والسلم في الحيتان الطرية جائز إذا سمي جنساً من الحوت وشرط ضرباً معلوماً صفته وطوله وناحيته إذا أسلم في ذلك قدراً أو وزناً معلوماً.
قال أبو إسحاق: السلم في الحيتان الطرية جائز، [إذا] سمى الجنس والنحو -أي القدر- لأن الحوت يختلف صغيره وكبيره، والناحية؛ لأن المواضع قد يختلف طعم حوتها في تساويه في القدر، ويرغب في بعضها ما لا يرغب في بعض، فلا بد من صفة تخص ذلك حتى تميزه من غيره.
قال: وما كان ينقطع من طري الحوت فليسلم فيه في إبانه أو قبل إبانه، ويشترط الأخذ في إبانه.
قال ابن المواز: فإن انقطع إبانه قبل أن يأخذ ما أسلم فيه فليأخذ برأس ماله ما شاء من الطعام نقداً، وكذلك في ماله إبان من اللحم فينقطع، فلا بأس أن يأخذ ببقية رأس ماله لحم معز من ضأن أو بقر، رطلاً برطلين، وكذلك العنب يزول إبانه فله أن يأخذ ببقية رأس ماله زبيباً أو عنباً شتوياً، رطلاً برطلين، وهذا كله بعد معرفتهما بما بقي من رأس المال.
م وهذا على قول أشهب فيمن أسلم في الثمار التي تنقطع من أيدي الناس في بعض السنة؛ لأنه يقول إذا انقطت فليس له إلا بقية رأس ماله.
م ويدخل في هذه المسألة الاختلاف الذي دخل في مسألة بيع الثمار اليت تنقطع، لا فرق بينهما.
م وإنما يصح ما قال محمد إذا حكم بينهما بهذا القول أو تراضوا بالأخذ به.
[فصل 10 - من أسلم في صنف فلما حل الأجل أراد أن يأخذ غيره]
ومن المدونة: قال مالك: ومن أسلم في صنف من الحوت، فلما حل الأجل أراد أن يأخذ غيره من جنس الحيتان جاز ذلك.
قال ابن المواز: وكذلك من أسلم في لحم ضأن أن يأخذ كل يوم وزناً معلوماً فله أن يأخذ في يومه لحم بقر، ولا يتعجل منه في ذلك اليوم أكثر مما شرط.
م يريد فيدخله بيع الطعام بالطعام إلى أجل، كأنه عجل له مما له عليه من المعز لحم بقر، وإذا أخذ منه مثل ما حل له عليه كان بدلاً.
قال في الواضحة: ومثله في كتاب ابن المواز ومعناه في المدونة في غير هذا الباب.
قال: وإذا اشترط أن يأخذ في كل يوم من اللحم بوزن كذا وأخذ منه يوماً أكثر من الشرط وودى ثمن الزائد، فإن كان ما أخذ مثل صفة
شرطه فجائز، وإن كان بخلاف الصفة من سمن لحم، أو عظم في الحيتان أو صنف من اللحم غير ماله عليه مثل لحم ضأن من معز، ولم يجز أن يشتري منه زيادة في الوزن.
ولو جاء بمثل الوزن دون الصفة، أو خلاف الجنس ويعطيه معه عرضاً أو عيناً، فم يجز ولا يأخذ أكثر وزناً وأدنى صفة، ويأخذ ثمناً، ويدخل ذلك كله بيع الطعام قبل قبضه.
قال ابن المواز: إلا أن يكون استوفى مثل حقه بغير شرط ثم فضل له فضل، فله أن يشتري تلك الفضلة مثل أن يكون له عليه مئة أردب سمراء فجاءه بمئة بيضاء أو شعير، فقضاه من ذلك حقه ثم أراد أن يشتري منه فضله، ذلك فلا بأس به ما لم يكن شرطاً أو تعاملاً على ذلك، فأما إذا صح اقتضاؤه على غير شرط فلا بأس به، وإنما ذلك في الطعام خاصة، وأما غير الطعام مما يجوز بيعه قبل قبضه فلا بأس به أن يشتري الزيادة بشرط.
فصل [11 - السلم في الطير]
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بالسلم في الطير وفي لحومها بصفة معلومة وجنس معلوم، ومن أسلف في لحم دجاج فحل فلا بأس أن يأخذ لحم الطير كله.
م ولحم طير الماء إ ذا أخذ مثله، ولا يجوز أن يأخذ طير الماء باتفاق من ابن القاسم وأشهب.
قال: وأما إن أسلم في دجاج أو في أوز فأخذ مكانها بعد الأجل طيراً من طير الماء لم يجز، وأجازه أشهب.
قال: وأما إن أسلم في دجاج أو في أوز فأخذ مكانها بعد الأجل طيراً من طير الماء لم يجز، وأجازه أشهب.
قال ابن القاسم: لأن طير الماء إنما به الأكل، فإنما هو لحم، ولا يباع الحيوان باللحم من صنفه، وأجازه أشهب؛ لأنه حي بعد.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: والدجاجة التي قد فسدت لا تبيض ولا تراد إلا للذبح فلا بأس بها بما لا يستحيا من الطير، يداً بيد على التحري؛ لأنه لحم كله.
م ويجوز عند أشهب أيضاً وإن لم يتحر؛ لأنه لحم كله، وقال في
السلم الثالث: وإنما نهى عن اللحم بالحيوان للفضل والمزابنة، فكل ما جاز في لحمه التفاضل، جاز منه الحي بالمذبوح، وفي السلم الثالث إيعاب هذا.
قال مالك في السلم الأول: ومن أسلم في دجاج جاز أن يأخذ مكانها قبل الأجل أو بعده أوزاً أو حماماً وشبه ذلك من الداجن المربوب عند الناس؛ لجواز بيع بعضها ببعض نقداً أو إلى أجل، لأنهما صنفان وكذلك العروض كلها ما خلا الطعام والشراب فإنه لا يجوز بيعه من الذي عليه السلم ولا من غيره حتى يستوفيه لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، إلا أن يعطيك الذي عليه السلم من صنف طعامك مثل ما أسلمت فيه، سمراء من محمولة بعد الأجل، فيجوز على وجه البدل.
وفي السلم الثالث إيعاب هذا.
قال مالك رحمه الله: ويجوز بيع دجاجة بدجاجتين يداً بيد.
قال ربيعة: ومن أسلف صياداً دنانير على صنف من الطير، كل
يوم كذا وكذا طيراً، فأتاه فلم يجد عنده من ذلك الطير الذي أسلف فيه شيئاً فأخذ منه عشرة عصافير بطير واحد مما اشترط عليه جاز.
قال سحنون في كتاب ابنه: معناه أن الطير الذي أسلم فيه مما لا يقتني إنما هي اللحم، والعصافير التي أخذ منه بدله كذلك، فلذلك جاز أن يأخذها على التحري مثل أن تكون العشرة مساوية لذلك الطير الواحد، ولو كان ذلك الطير مما يقتني مثل الداجن المربوب فأخذ فيه طيراً أو عصافير مما لا يقتني لم يجز؛ لأنه اللحم بالحيوان، المنهي عنه، ولو أخذ بدل الطير المقتنى طيرين أو ثلاثة مما تقتني أيضاً كان حلالاً لجواز التفاصيل فيها.
م ولو أسلم إليه في عشرة عصافير مما لا تحيا وشرط أن يأتيه بها حيه، فأتى بعشرة عصافير من ذلك الجنس مذبوحة لم يجز له الرضا بها؛ لأنه اللحم بالحيوان، ولو شرط أن يأتيه بها مذبوحة فأتاه بها حية لم يجز له أخذها حتى تذبح؛ لأنها حية من مذبوحة.
الباب الرابع
في السلم في العروض والصناعات وتراب المعادن والصياغة
[فصل 1 - في السلم في العطر والجوهر والزجاج واللبن وفي
الحطب والجلود ونحوها]
قال مالك رحمه الله: ولا بأس بالسلم في المسك والعنبر وجميع العطر إذا اشترط من ذلك شيئاً معلوماً، وكذلك في الجوهر واللؤلؤ وصنوف الفصوص والحجارة إذا ذكر صنفاً معروفاً بصفة معلومة، وكذلك آنية الزجاج يصفها، وكذلك لا بأس بالسلم في اللبن والجص والزرنيخ والنورة وشبه ذلك مضموناً معلوم الصفة، وفي الحطب إذا اشترط من ذلك قناطير معلومة أو قدراً معروفاً بصفة معلومة، وكذلك في الجذوع وخشب البيوع ونحو ذلك من صنوف العيدان، وفي جلود البقر والغنم، وفي جميع الرقوق والأدم والقراطيس إذا اشترط من ذلك كله شيئاً معلوماً.
ويجوز السلم في نصول السيوف والسكاكين وفي العروض كلها إذا كانت موصوفة مضمونة وضرب لها أجلاً معلوماً وقدم النقد فيها.
[فصل 2 - السلم في ما يصنع في الأسواق] قال بن القاسم: ومن استصنع طستاً أو توراً أو قمقماً أو قلنسوة أو خفين أو لبداً أو استنحت سرجاً أو قارورة أو قدحاً أو غير ذلك مما يعمل الناس في أسواقهم عند الصناع، فإن جعل ذلك موصوفاً مضموناً إلى مثل أجل السلم، جاز ذلك إن قدم رأس المال مكانه أو إلى يوم
أو يومين إذا لم يشترط شيئاً بعينه يعمله منه، أو عمل رجل بعينه، فإن شرط عمله من ناحس أو حديد بعينه أو ظواهر معينه، أو عمل رجل بعينه لم يجز، وإن نقده، لأنه [غرر] لا يدري أيسلم ذلك الحديد والنحاس والظواهر، أو يسلم الرجل إلى ذلك الأجل أم لا؟ فذلك غرر إذ قد يسلم فيعمله له أو يموت قبل الأجل، فيبطل سلف هذا، وقد انتفع المسلم إليه بذهبه باطلاً.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إذا شرع في عمله أو في مثل الأيام اليسيرة جاز، قال: وإنما يكره ذلك إذا كان إلى أجل بعيد، إذ لا يصح السلم فيه في شيء بعينه، فأما من أتى إلى رجل عنده عشرة أرطال حديدة أو نحاس، فاشتراه بعينه على أن يعمل له ذلك النحاس أو الحديد قدراً أو قمقماً بعشرين درهماً، ووصف ذلك، فلا بأس به إذا كان يشرع في عمله عاجلاً، قال: ولا بأس أن يشتري منه تور نحاس على أن يعمله له إذا أراه النحاس: ووزنه ووصف هذا ما يعمله له.
وكذلك ظهارة على أن يعملها له قلنسوة، والحذاء على أن يحذو له، ويشرع في ذلك، قال: ويجوز لمشتري ذلك بعينه بيعه قبل قبضه، قال ابن المواز: بل لا يصلح بيعه قبل قبضه؛ لأنه إذا بيع لم يكن له بد من الضمان فيه، وضرب الأجل، وذلك لا يصلح في شيء بعينه.
قال: والفرق بين الثوب يشتريه على أن يتم له نسجه، والتور النحاس على أن يتم له عمله، أن النحاس إن جاء بخلاف الصفة أعاده إليه، والثوب لا يمكن ذلك فيه، ولا يدري كيف يخرج بقيته.
فصل [3 - السلم في تراب المعادن والصواغين]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يسلم في تراب المعادن عيناً ولا عرضاً؛ لأن صفته لا تعرف، ولو عرفت صفته جاز سلم العروض فيه، ولا يجوز بالعين؛ لأنه يدخله الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلى أجل والله أعلم، وقد