الجامع لمسائل المدونةصفحات 719-758

كتاب المكاتب الأول

صفحات 719-758

قال: قال مالك: إذا أصاب أهل البحر النواء والريح الشديد فخافوا الغرق، فأعتق أحدهم عبداً في تلك الحال فهو من رأس المال، ولا يشبه هذا الخوف.
وقد روي عن مالك: إن أمر راكب البحر في الثلث.
-قال ابن المواز: والطلاق على نحو هو من الاختلاف-.
وأما المفلوج، وصاحب حُمى الربع، والأجذم، والأبرص، والمقعد، وذو الجراح والقروح، فما أرقده من ذلك وأضناه وبلغ به حد الخوف عليه فله حكم المريض، وما لم يبلغ به ذلك فله حكم الصحيح، فرب مفلوج، أو يابس الجذام يتصرف ويسافر.
قال ابن القاسم: فكل من لا يجوز قضاؤه في جميع ماله فطلق في حالته تلك، فلامرأته الميراث منه إن مات من مرضه ذلك.
فصل [3 - في الوصية للمطلقة في المرض، وفيمن نكح فيه] ولا تجوز الوصية للمطلقة في المرض وإن تزوجت أزواجاً، لأنها وارثة، فإن قتلته في مرضه خطأً بعد أن طلقها فلدية على عاقلتها، وترث من ماله دون الدية،

وإن قتلته عمداً لم ترث من ماله وقتلت به، فإن عفي عنها على مالٍ لم ترث منه أيضاً.
قال مالك: ومن تزوج في المرض، ثم طلق فيه، أو لم يطلق فلا ترثه، وهو نكاحٌ لا يقر، ولا صداق لها إلا أن يكون قد دخل بها في مرضه فلها الصداق في ثلثه مبدءاً على الوصايا.
قال ابن القاسم: وإن سمى لها أكثر من صداق مثلها كان لها صداق مثلها مبدءاً في الثلث على الوصايا بالعتق وغيره، إلا الدين فإنه يبدأ عليه، لأنه من رأس المال.
وقيل: إن لها المسمى في الثلث مبدءاً وإن كان أكثر من صداق المثل، وروي عن مالك.
واختلف في الزائد على صداق المثل، فقيل: يبطل، قاله ابن القاسم، وقيل: تحاص به الوصايا.
واختلف فيه قول مالك إذا صح، فقال: يثبت النكاح، وقال: يفسخ وقد تقدم هذا في كتاب النكاح.

[فصل 4 - فيمن ارتد في مرضه ومن طلق نصرانية أو أمة فيه] ومن كتاب الأيمان بالطلاق قال: ومن ارتد في مرضه فقتل على ردته لم ترثه ورثته المسلمون ولا زوجته، إذ لا يتهم أحد بالردة على منع الميراث.
ومن كتاب ابن المواز: وإن رجع مسلماً، ثم مات في مرضه فلا ترثه.
قال ابن القاسم: وإن طلق المريض نصرانية، أو أمةً، ثم أسلمت النصرانية أو عتقت الأمة بعد العدة، ثم مات من مرضه ذلك لورثتاه، وكذلك روى عنه أصبغ في العتبية.
وقال سحنون: ولا يرثانه، ولا يتهم في ذلك، وكذلك في طلاق ألبتة إلا أن يطلق واحدةً ويموت في العدة بعد أن أسلمت هذه، وعتقت هذه فيرثانه.
وكذلك عنه في كتاب ابنه.
قال: وإن مات بعد العدة ولم يرتجع لم يرثاه

[فصل 5 - فيمن لاعن في مرضه ثم مات والمريض يطلق زوجته قبل البناء ثم يتزوجها قبل صحته] ومن المدونة: وإن قذفها في مرضه فلاعن، ثم مات من مرضه ذلك ورثته وإن طلق زوجته قبل البناء، ثم تزوجها قبل صحته فلا نكاح لها إلا أن يدخل بها، فيكون كمن نكح في المرض وبنى فيه.
قال سحنون في كتاب ابنه: يريد أن هذا النكاح فسخ قبل البناء لعلة الصداق الذي يعطيها، فإذا دخل بها لم يفسخ، لأن الصداق وجب بالبناء وأما الميراث فهو ثابت- يريد: فيكون الصداق من الثلث مبدءاً-.
وقد أنكر بعض فقهائنا القرويين قول سحنون هذا وقال: يفسخ نكاحه وإن دخل، لأن صداقه إنما هو من الثلث، ولا يدري ما يحمل الثلث منه، فكيف يقر نكاحه ويباح له وطء امرأةٍ صداقها غير مستقر، وليس كالنكاح بالغرر، لأن الغرر إذا بنى فيه وجب صداق المثل لا ينقص منه شيء، وهذا من الثلث، ولا يدري ما يحمل الثلث منه، وظاهر الكتاب أنه يفسخ، لأنه قال: وهو كمن نكح في المرض وبنى فيه.
قال الشيخ: إلا أن يكون له مال مأمون يكون ثلثه أضعاف صداقها، فيصح قول سحنون.
قال أبو عمران: ولو حمل أجنبي عن الزوج صداقه فلا يفسخ النكاح، لأن الصداق قد ثبت للمرأة في مال الأجنبي، والميراث ثابت بالنكاح الأول، ولو

كان ذلك على وجه الحمالة، فهي كمسألة الكتاب، لأن الأجنبي إنما يطالب بالصداق في عدم الزواج.
قال الشيخ: يجب أن يثبت، لأن الصداق ثابت لها على كل حال، فانظر.
[فصل 6 - في إرث المطلقة ممن لم يصح صحة بينة وممن طلق في مرضٍ غير مخوف] ومن المدونة: قال ربيعة: ومن طلق في مرضه، ثم تماثل، ثم نكس، ورثته إلا أن يصح صحة بينة.
قال ابن شهاب: ومن كان به مرض لا يعاد منه، رمد، أو جرب، أو ريح، أو لقوة، أو فتق، فطلق حينئذٍ فإنها لا ترثه.
قال ربيعة: إنما ترثه في المرض المخوف.

[الباب الثاني عشر]

فيمن طلق إحدى زوجتيه ثم مات ولم تعلم المطلقة أو مات عن أمٍ وابنتها ولم تعلم الأولى أو عن خامسةٍ غير معلومة

[فصل 1 - فيمن طلق إحدى زوجتيه ثم مات ولم تعلم المطلقة] قال ابن القاسم: وبلغني عن بعض أهل العلم فيمن نكح امرأتين فبنى بواحدةٍ ولم يبن بالأخرى حتى طلق إحداهما طلقة، ثم مات ولم تنقض العدة، وجهلت المطلقة، فللمدخول بها الصداق كاملاً، وثلاثة أرباع الميراث، وللتي لم يبن بها ثلاثة أرباع الصداق وربع الميراث.
قال الشيخ: ووجه/ ذلك: أن المدخول بها قد وجب لها صداقها بالمسيس وتتداعى هي وصاحبتها في الميراث، فتقول لها: أنت المطلقة ولا ميراث لك، ولي جميعه، وتقول التي لم يدخل بها: بل أنت المطلقة ولي نصفه، فقد سلمت التي لم يبن بها لصاحبتها نصف الميراث، وتنازعا في النصف الباقي، فيقسم بينهما نصفين بعد أيمانهما، فيصير للمدخول بها ثلاثة أرباعه، وللأخرى ربعه، وتتداعى أيضاً الورثة مع التي لم يبن بها في الصداق، فيقولون لها: أنت المطلقة فلك نصف صداقك، وتقول هي: بل صاحبتي المطلقة وليه جميعه، فقد سلموا لها النصف بلا منازعة، وتداعوا في النصف الباقي فيقسم بينهما نصفين بعد أيمانهما، فيكون لها ثلاثة أرباع صداقها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو مات بعد انقضاء العدة، أو كان الطلاق ثلاثاً، أو مات قبل انقضائها فالصداق على ما ذكرناه، والميراث بينهما نصفين.

قال الشيخ: وعلة ذلك: أن كل واحدةٍ تدعي أن صاحبتها المطلقة، والميراث لها خاصة، فيقسم بينهما نصفين بعد الأيمان، والعلة في الصداق كما تقدم.
ومن كتاب ابن سحنون: ولو كانت الواحدة مفوضاً إليها ولم تعلم، وطلق واحدةً ولم تعلم، فللمدخول بها النصف المسمى، نصف صداق المثل، وللتي لم يدخل بها ثلاثة أثمان المسمى.
قال الشيخ: ووجه ذلك: أن المدخول بها تارةً يجب لها المسمى وتارةً صداق المثل، فأعطيت نصف كل صداق، والتي لم يبن بها يقول لها الورثة: أرأيت لو كنت أنت المسمى لك، وجهل طلاقك، أليس يجب لك ثلاثة أرباع الصداق، على ما قدمنا؟ فتقول: نعم، فيقولون لها: إنك أنت المفوض لها، ولا شيء لك منه، وتقول هي: بل صاحبتي، ولي ثلاثة أرباع الصداق، فيقسم بينهما نصفين بعد الأيمان، فيكون لها ثلاثة أثمان المسمى، والميراث بينهما كما تقدم في المسألة الأولى.
قال: ولو كانت المسمى لها معروفة والمدخول بها مجهولة فالميراث بينهما وللمسمى لها سبعة أثمان صداقها، لأن نصفه ثابت بكل حال، ونصفه يثبت في ثلاثة أحوال، ويزول في حال.

  • قال الشيخ: يريد أن يثبت في أن لا تكون مطلقة، ومات قبل البناء، ولا تكون مطلقة، ومات بعد البناء، أو تكون مطلقة بعد البناء، ويزول في حال أن تكون المطلقة قبل البناء- قال: فيسقط ربعه، وللتي لم يسم لها نصف صداق مثلها، لأن الصداق يثبت لها في حالين ويزول في حالين.
  • قال الشيخ: يريد أن يثبت أن تكون مدخولاً بها مطلقةً أو غير مطلقة، ويزول إلا أن تكون مدخولاً بها مطلقةً أو غير مطلقة-.
    قال: فإن لم تعرف المسمى لها أيضاً، قيل لهما: معكما مسمى لها مجهولة وجب لها يبعة أثمان المسمى كما ذكرنا، ومفوض إليها مجهولة لها نصف صداق المثل، فيقسم ذلك كله بينهما، فإن كان صداق مثلهما مختلفاً، صداق هذه ستون وصداق هذه أربعون، فاجمع نصف هذا ونصف هذا يصير خمسين يكون بينهما مع سبعة أثمان المسمى كما ذكرنا.
    [فصل 2 - فيمن مات عن أمٍ وابنتها ولم تعلم الأولى] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو نكح أماً وابنتها في عقدين، ثم مات ولم تعلم الأولى منهما، فإن بنى بهما فلكل واحدةٍ/ صداقها المسمى ولا ميراث لهما.
  • قال الشيخ: لأن الصداق استحقاه بالدخول، وإنما لم يكن لهما شيء من الميراث، لأن بالدخول بهما حرمتا عليه، ووجب فسخ نكاحهما، فهما في حكم البائنتين قبل الموت، فلم يجب لها شيء من الميراث-.
    قال ابن القاسم: وإن لم يبن بهما فالميراث بينهما، ولكل واحدةٍ نصف صداقها اتفق أو اختلف.
    قال ابن المواز: بعد أن تحلف كل واحدةٍ لصاحبتها أنها هي الأولى.
    قال الشيخ: لأن صداق الأولى وميراثها صحيح، فلما لم تعرف، وادعت كل واحدةٍ منهما أنها الأولى أعطيت كل واحدةٍ نصف صداقها، لأنه يجب لها تارةً، ويسقط تارةً، فوجب أن تعطى نصفه بعد يمينها، وكذلك الميراث.

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن مات عن خامةٍ غير معلومة.
قال ابن اللباد: وعلى الأم والابنة عدة الوفاء، لأن نكاح واحدةٍ صحيح، ولا يدرى أيتهما هي، ولو بنى بهما لم يلزمهما غير ثلاث حيض استبراء، وإن بنى بواحدةٍ معروفةٍ فلها صداقها كله، ونصف الميراث، لأنها تنازع الورثة فيه، وقاله ابن حبيب.
وقال ابن المواز: لا شيء لها من الميراث لاحتمال أن تكون هي الآخرة، فلا تورث بالشك.
قال: وقيل: لها نصفها، ولا يعجبني.
قال ابن اللباد: وعليها من العدة أقصى الأجلين، ولا شيء للتي لم يدخل بها من صداقٍ ولا ميراث، ولا عدة عليها.
قال: وإن بنى بواحدةٍ ولم تعرف فلكل واحدةٍ نصف صداقها ونصف الميراث بينهما نصفين.
قال الشيخ: وإنما ذلك لأن المدخول بها إن كانت الأولى فنكاحها ثابت، وإن كانت هي الآخرة بطل نكاحها ونكاح الأولى، فلما ثبت الميراث مرةً وسقط أخرى أعطيناهم نصفه، والصداق تنازع كل واحدةٍ فيه الورثة، فيكون لها نصف صداقها، ونحوه لابن سحنون.

[فصل 3 - فيمن مات عن خمس نسوةٍ ولم تعلم الخامسة] قال الشيخ: وقال شيخنا عتيق بن عبد الجبار الفقيه: وإذا هلك عن خمس نسوة ولم تعلم الخامسة، فالميراث بينهن أخماساً، دخل بهم أو ببعضهن، أو لم يدخل بواحدةٍ منهم، وأما الصداق فإن دخل بجميعهن فلكل واحدةٍ صداقها المسمى، لأنها استوجبته بالمسيس، وإن لم يدخل بواحدةٍ منهن فليس لهن إلا أربع صدقات بينهن، فيجب لكل واحدةٍ أربعة أخماس صداقها، اختلفت الصدقات أو اتفقت.
وإن دخل ببعضهن فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: يكمل لمن دخل بها جميع صداقها، وتبقى من لم يدخل بها على أصل القسمة، يكون لها أربعة أخماس صداقها.
وقال بعضهم: وهو الصواب: ونحوه لابن سحنون: يكون لمن دخل بها جميع صداقها، ويتداعى الورثة مع من لم يدخل بها، فيقسم ما تداعيا فيه بينهم، وبيان ذلك: إن دخل بواحدة، أن الورثة يقولون للأربع البواقي: إنما لكن ثلاثة صدقات، لأن الخامسة فيكن، ويقلن النسوة: بل لنا أربع صدقات والخامسة هي المدخول بها، فلهن ثلاث صدقات بلا منازعة، ويتداعون في الرابع، فيقسم بينهم فيكون للنسوة ثلاث صدقاتٍ ونصف، فيقسم ذلك بينهن على أربعة، فيكون لكل واحدةٍ سبعة أثمان صداقها.
وكذلك على قوله/ لو دخل باثنتين، لكان للبواقي تارةً صداقان إن كانت الخامسة فيهن، وتارةً ثلاث صدقاتٍ إن كانت الخامسة في المدخول بهما، فيكون لهن صداقان ونصف، تأخذ كل واحدةٍ منهن خمسة أسداس صداقها، ولو دخل

بثلاثٍ لكان للاثنتين الباقيتين تارةً صداقان، وتارةً صداق، فلهما صداق ونصف، يكون لكل واحدةٍ ثلاثة أرباع صداقها، ولو دخل بالأربع لقال الورثة للباقية: أنت الخامسة فلا شيء لك، وتقول هي: بل الخامسة في أولئك ولي جميع صداقي، فيكون لها نصفه.
قال الشيخ: فيكون على هذا القول إذا دخل ببعضهن للنسوة أربع صدقات ونصف أبداً، فيعطى للمدخول بها جميع صداقها، ويقسم ما بقي على من لم يدخل بها.
قال ابن حبيب: يعطى لكل واحدةٍ ممن لم يدخل بهن نصف صداقها، لأن المنازعة فيه بينها وبين الورثة، والأول أصوب.
ولو طلق واحدةً منهن معلومة، ثم مات ولم يدخل بواحدةٍ منهن لكان لهن أربع صدقات إلا ربع، لأن الورثة يقولون للمطلقة: إن كنت الخامسة فلا شيء لك، وإن لم تكوني فلك نصف صداقك، فتعطى ربع صداقها، ويقولون للبواقي: إن كانت الخامسة فيكن فلكن ثلاث صدقات ونصف، وإن كانت هي المطلقة فلكن أربع صدقات، فيعطين ثلاث صدقات ونصفاً، فيكون لكل واحدة سبعة أثمان صداقها، وإن جهلت المطلقة فسمت الأربع صدقات للأربع بينهن، فيكون لكل واحدةٍ صداقها إلا نصف ثمنه.
والله أعلم.

[الباب الثالث عشر]

في الشهادة في الطلاق والإقرار به والدعوى فيه

[فصل 1 - في الشهادة في الطلاق واختلاف الشهود به] قال الله عز وجل: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ادعت المراة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد عدلٍ استحلف زوجها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهدٍ آخر، وجاز طلاقه».
قال ابن القاسم: وإن شهد رجلان على رجلٍ أنه طلق واحدةً من نسائه معينة وقالا: أنسيناها، لم تجز الشهادة إن أنكر الزوج، ويحلف بالله ما طلق واحدةً منهن.

  • وقال ابن المواز: لا يمين عليه -.

قال ابن القاسم: وإن شهدا أنه قال: إحداهن طالق، قيل للزوج: إن نويت واحدةً تذرها وإلا طلقن عليك كلهن، فإن شهد أحدهما بتطليقة، والآخر بثلاث، لزمته تطليقة، ويحلف على البتات، فإن نكل طلقت عليه ألبتة، قاله مالك، ثم رجع فقال: يسجن حتى يحلف.
قال ابن القاسم: والطلقة الواحدة لزمته حلف أو لم يحلف.
قال مالك في الواضحة: وإن شهد عليه رجل بطلقةٍ وآخر بالبتة فقد اختلفا فيحلف على تكذيب كل واحدٍ منهما ولا يلزمه شيء.
قال الشيخ: وقد قال سحنون في هذه المسألة فيمن قال مثل هذا القول هذا خلاف قول أهل الحجاز.
قال الشيخ: ويحتمل أن يكون معنى هذه المسألة في رواية ابن حبيب: أنهما شهدا في مجلسٍ واحدٍ ولفظةٍ واحدة، فيكون هذا تهاتراً، أو يكون في مجلسٍ على قول من قال: إن ألبتة لا تتبعض، وأما قول من قال: إن ألبتة تتبعض، فإن تلزمه واحدة ويحلف على البتات كمسألة الكتاب.
ومن المدونة: قال مالك: وإن شهد أحدهما أنه حلف بالطلاق/ أن لا يدخل الدار، وأنه دخل، وشهد الآخر أنه حلف أن لا يكلم فلاناً، وأنه كلمه، لم تطلق عليه لاختلافهما.

قال ابن القاسم: ويلزم الزوج في قول مالك اليمين أنه لم يطلق، فإن نكل سجن [حتى يحلف] كما ذكرنا، وفي قول مالك الأول: أنه إذا نكل طلقت عليه.
قال الشيخ: يريد: أنه يلزمه بنكوله هاهنا طلقتان.
قال مالك: وكذلك الحرية في هذا، وإن شهد أحدهما أنه طلقها يوم الخميس بمصر في رمضان، وشهد الآخر أنه طلقها يوم الجمعة بمكة في ذي الحجة، طلقت عليه، وكذلك الحرية- يريد: لأنه من وجه الأقوال بخلاف الأفعال.
قال الشيخ: لأن الأقوال تتكرر وتعاد، فيكون الحكم في الثاني إعادة للأول كالإقرار بالأموال، وذلك خلاف الأفعال، لأن كل فعلٍ له حكم في نفسه لا يكون تكراراً للأول، وعدتها من يوم شهد الآخر، لأنه بشهادته وقع الحكم بالطلاق، والعدة تتعقب بالطلاق المحكوم به لا تتقدم عليه.
قال الشيخ: وإنما تصح الشهادتان في البلدين إذا كان بينهما من المدة قدر مسافة ما بين البلدين فأكثر، فأما لو شهد أنه طلقها يوم الخميس في رمضان بمصر، وشهد الآخر أنه طلقها في الخميس الثاني بمكة، فهذا تكاذب، فتسقط الشهادتان، هذا بيِّن.

ومن المدونة: قال مالك: وإذا شهد أحدهما أنه قال في رمضان: إن دخلت دار عمرو بن العاص فامرأتي طالق، وشهد الآخر أنه قال ذلك في ذي الحجة وشهدا عليه هما أو غيرهما أنه دخلها بعد ذي الحجة طلقت عليه، وإن شهدا عليه جميعاً في مجلسٍ واحدٍ أنه قال: إن دخلت دار عمرو بن العاص فامرأتي طالق، وشهد أحدهما أنه دخل في رمضان، وشهد الآخر أنه دخلها في ذي الحجة طلقت عليه كمن حلف بالطلاق ألا يكلم فلاناً، فشهد عليه رجل أنه كلمه في السوق، وآخر أنه كلمه في المسجد حنث.
وكذلك يمينه بالعتق، وإنما الطلاق حق من الحقوق وليس هو حداً من الحدود.
قال الشيخ: يريد بالحد الشهادة على الزنا أنها لا تجوز إلا على فعلٍ واحد ووقتٍ واحد.
ابن المواز: ولو شهدوا أنه دخلها لزمته اليمين، ولو شهد واحد على يمينه وآخر على دخوله، فلا يمين عليه حتى يشهد اثنان على فعلٍ أو يمين، فيحلف على تكذيب الشاهد الباقي، ولو شهد واحد بيمينه وبدخوله، فيحلف أنه ما حلف أو ما دخل، يحلف على أيهما شاء.
ومن المدونة: وإن شهد أحدهما بالبتة والآخر بقوله: أنت علي حرام، أو بالثلاث، لزمته الثلاث، وكذلك واحد بخليةٍ وأخر ببريةٍ أو بائن، قال مالك: وإذا اختلفت الألفاظ في الشهادة، وكان المعنى واحداً كانت شهادةً واحدة، وإن شهد

واحد أنه طلق ألبتة، وشهد الآخر أنه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، وشهد هو وآخر أنه دخلها، لم تطلق عليه، لأن هذا شهد على فعل، وهذا على إقرار، وإن شهد أحدهما أنه طلقها على عبدها فلان، وشهد الآخر أنه طلقها على ألف درهم، فقد اختلفا، فلا تجوز.
قال سحنون في غير المدونة: هذا إذا كان الزوج والزوجة منكرين لشهادتهما، وأما إن ادعى الزوج أحدهما فإنه يحلف معه ويأخذ ما شهد له به، ويحلف على شهادة الآخر أنه ما طلقها- يريد إذا انكرت المرأة شهادة شاهده، وادعت شهادة الآخر.
قال ربيعة: ومن شهد عليه ثلاثة، يقر كل واحدٍ بطلقةٍ ليس معه صاحبه، فأمر أن يحلف فأبى فليفرق بينهما، وتعتد من يوم نكل، ويقضى عليه بالطلاق.
قال أبو محمد: أراه يريد أنه يلزمه بالنكول الثلاث.
قال الشيخ: وقول ربيعة هذا خلاف لقول مالك، لأن مالكاً لا يحلفه، ويلفق عليه الشهادات، فيلزمه واحدة، لأنه من وجه الإقرار، كما قال في الذي شهد عليه رجل أنه طلق يوم الخميس وشهد عليه آخر أنه طلقها يوم الجمعة ففلق عليه الشهادة وألزمه طلقة، فكذلك يلزم في هذا.
قال أبو محمد: ولو شهدوا أن ذلك في وقتٍ واحد لزمته واحدة ولو يلزمه يمين، وإن ورخوا كلهم وقتاً واحداً كانت العدة منه،/ لا من يوم الحكم، ولو ورخ كل واحدٍ منهم تاريخاً لاعتدت من التاريخ الثاني، ولو اتفق اثنان على تاريخٍ قديم، أو حديثٍ كانت العدة منه.

ولو أقر الزوج بتاريخٍ قديم، والبينة بتاريخٍ حديث كانت العدة من الحديث.
قال ابن المواز: وإن شهد شاهد أنه طلقها طلقةً عام أول، وشهد الآخر أنه طلقها طلقةً العام لزمته واحدة.
قال: وقال ابن القاسم: وإن شهد شاهدان بطلقةٍ وآخران بطلقة، وآخران بطلقةٍ في مجالسٍ متفرقة، والزوج يقول: هي واحدة أشهدتهم بها، فلا ينفعه، وهي ثلاث، وذلك كشهادتهم بالمال.
وقال أصبغ: أرى أنه يحلف، ولا يلزمه إلا طلقة إذا كان قوله لكل شاهدين: اشهدا أني طلقتها، ولو قال: اشهدا أنها طالق، لزمته ثلاث.
قال الشيخ: ولو قال قائل: إن ذلك سواء، ولا يلزمه إلا طلقة واحدة ويحلف، لكان صواباً، كما لو قال لها في مجلسٍ واحد: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنه ينوي، وكالذي طلق امراته فقال له رجل: ما صنعت؟ فقال: هي طالق، أنه نواه إن نوى إخباره، فكذلك هذا.
قال أصبغ: وأما الديوان فإن كانت بغير كتابٍ فذلك مال واحد إذا تقاربت أوقات الشهادة، كمن يشهد هاهنا، ثم يقوم فيشهد هاهنا، ولو كانت بكتابٍ واحدٍ كان مالاً واحدا، ولو كانت بكتبٍ متفرقة كانت ثلاثة أموال.
ومن المدونة: قال ابن شهاب: وإن شهد واحد بواحدة، وآخر باثنتين وآخر بثلاث، لزمته اثنتان، يريد: ويحلف على الطلقة الثالثة مع الذي شهد بثلاث.

فصل [2 - في شهادة الأعمى والمحدود في القذف ومن لا تجوز شهادته في الطلاق] قال مالك: وتجوز شهادة الأعمى على معرفة الصوت في الطلاق وغيره، وكذلك من سمع جاره من وراء جدارٍ يطلق وإن لم يره ولو يشهده، وكذلك القذف يمر به فيسمعه، فليشهد به وإن لم يشهده.
وتجوز شهادة المحدود في القذف على الطلاق إذا حسنت حالته، وكان صالحاً فزاد صلاحاً.
ولا تجوز شهادة ذمي على مسلم، أو ذمي، ولا تجوز شهادة السيد على طلاق عبده زوجته، وهي أمة للسيد أو لغيره، أو حرة، ولا مع رجلٍ يشهد معه، لأنه عيب يتهم على إزالته.
ولا تجوز شهادة النساء في الطلاق وإن شهدن مع رجل، لأنها شهادة على حكمٍ يثبت في البدن كالقتل، ولا تجوز شهادتين إلا في الأموال، وفيما يغبن عليه كالولادة والاستهلال والعيوب، وتمام هذا في كتاب الشهادات.
[فصل 3 - فيمن شهد عليه رجلان أنه أمرهما بكذا وهو ينكر ومن حلف بالطلاق على نفي ما أقر به] ولو شهد رجلان على رجلٍ أنه أمرهما أنه ينكحاه، أو يبيعا له بيعاً، أنهما قد فعلا، وهو ينكر، لم تجز شهادتهما، لأنهما خصمان، ولو أقر لهما بالوكالة وقال لهما: لم تفعلا، وقالا: قد فعلنا، فالقول قولهما.
وإن شهد قوم على رجلٍ أنه أعتق عبده، والعبد والسيد ينكران، فالعبد حر إذ ليس للعبد أن يرق نفسه.

ومن أقر أنه فعل كذا، ثم حلف بالطلاق أنه ما فعله، وقال: كنت كاذبا في إقراري، صدق مع يمينه، ولا يحنث، ولو أقر بعد يمينه أنه قد فعل ذلك، ثم قال: كنت كاذباً لم ينفعه، ولزمه الطلاق بالقضاء.
قال الشيخ: لأن الأول إنما حلف بالطلاق أنه كذب فيما أقر به، فلا تطلق عليه امرأته، ويحلف بالله عز وجل أنه كذب، والثاني أنه أقر أنه حنث في يمينه بالطلاق، فوجب أنه يطلق عليه.
قال ابن القاسم: فإن لم تشهد/ البينة على إقراره بعد اليمين، وعلم هو أنه كاذب في إقراره عندهم بعد يمينه، حل له المقام عليها بينه وبين الله تعالى، ولم يسع امرأته إن سمعت إقراره هذا المقام معه إلا أن لا تجد بينة، ولا سلطاناً، فهي كمن طلقت ثلاثاً ولا بينة لها، فلا تتزين له، ولا يرى لها شعراً ولا وجهاً إن قدرت، ولا يأتيها إلا وهي كارهة، ولا تنفعها مرافعته، لا يمين عليه إلا بشاهد.
[فصل 4 - فيمن شهد عليه بالطلاق وهو ينكر] قال مالك: ومن طلق زوجته في سفره ثلاثاً ببينة، ثم قدم قبل البينة فوطئها ثم أتت البينة فشهدوا بذلك، وهو منكر للطلاق ومقر بالوطء فليفرق بينهما، ولا شيء عليه.
قال يحيى بن سعيد: ولا يضرب- يريد الحد-.
قال سحنون: ولو شهد أربعة أنه طلقها، وأقر الزوج بالوطء بعد وقت الطلاق، وحد الطلاق، حددته.
ولو قالوا: نشهد أنه طلقها، ثم وطئها حددته أيضا.
وقد روي عن مالكٍ فيمن شهد عليه أربعة عدول أنه طلق امرأته ألبتة، وأنهم رأوه يطؤها بعد ذلك، وهو مقر بالمسيس، أنه يفرق بينهما ولا حد عليه.

قال سحنون: وأصحابنا يأبون هذه الرواية، ويرون عليه الحد.
قال الشيخ: وقال سحنون في إيجاب الحد عليه خلاف للمدونة في التي شهدت عليه البينة في سفره.
وقد اختلف قول ابن القاسم وأشهب في الأمة بعتقها في سفره، وتشهد بينة على ذلك، ثم يقدم فيطؤها، ويستغلها، فاختلفا في الغلة، واتفقا أن لا حد عليه، ولا فرق بين هذه وبين الحرة، والله أعلم.
[فصل 5 - في الدعوى في الطلاق] ومن المدونة: وإن ادعت امرأة أن زوجها طلقها، وأقامت شاهداً، لم تحلف معه، ولا يقضى بشاهدٍ ويمينٍ في طلاقٍ، ولا قذفٍ، ولا نكاحٍ، ولا عتقٍ إلا في الأموال، وجراح العمد والخطأ يحلف مع شاهده ويقتص في العمد ويأخذ العقل في الخطأ، كما يقسم مع الشاهد الواحد في قتل العمد والخطأ ويستحق مع ذلك القتل العمد، والدية في الخطأ.
قال يحيى بن سعيد: من طلق وأشهد، ثم كتم هو والبينة ذلك إلى حين موته، فشهدوا بذلك حينئذ، فلا تجوز شهادتهم إن كانوا حضوراً، ويعاقبون، ولها الميراث.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا ماتت المرأة فشهدوا أن الزوج كان طلقها ألبتة فلا يرثها، وإن كان إنما مات هو ورثته.

قال الشيخ: جعله ابن القاسم كالمطلق في المرض، لأن الطلاق إنما يقع يوم الحكم، ولو كان يوم القول لكان فيه الحد، وقال مالك في الذي طلق في سفره، ثم قدم فوطئ ثم قامت عليه البينة، وهو منكر، لا يحد، ويفرق بينهما، وكذلك في سماع ابن القاسم: أنه إن ماتت لم يرثها، وإن مات ورثته.
قال سحنون: لعل البينة كانوا حضوراً معه فلم يقوموا عليه حتى مات.

  • قال الشيخ: يجب على ذا أن لا يثبت طلاقه، وترثه ويرثها- وقد رواها عيسى عن ابن القاسم عن مالك: إن الشهود إن كانوا غيباً سنين، ثم أتوا بعد موته فشهدوا، قال: ترثه، وما يدريك ما كان يدرأ به عن نفسه، أرأيت لو كان حياً ولم يقر أترجمه؟ وقال يحيى بن عمر: لا ترثه.
    وذكر الأبهري هذه المسألة على ما قد بينا من التفرقة بين موته وموتها، ثم قال: يحتمل أن يكون معنى المسألة إذا طلقها في مرضه، بل المسألة كذلك أن يطلقها في مرضه ثلاثاً فترثه ولا يرثها.
    ومن المدونة: ومن ادعى نكاح امرأةٍ وأنكرت، فلا يمين له عليها/ وإن أقام شاهداً، ولا تحبس، ولا يثبت النكاح إلا بشاهدين- وقد تقدم هذا في كتاب النكاح أتم مما هاهنا-.
    وإن ادعت امرأة أن زوجها طلقها، لم يحلف الزوج، وترك وإياها.
  • قال الشيخ: لأن ذلك طريق إلى دعوى من تريد أذى زوجها، وفراقه وإعناته في كل وقت-.
    قال ابن القاسم: وإن أقامت شاهداً حلف الزوج، ومنع منها حتى يحلق، وكذلك روي في الحديث، فإن نكل، فروي عن مالكٍ أنها تطلق عليه مكانه، وعدتها من يوم الحكم.
  • قال الشيخ: لأن نكوله كشاهدٍ آخر، وروي ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام- وروي عن مالكٍ أيضاً أنه يحبس أبداً حتى يحلف، أو تطلق عليه.
    قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: إذا طال سجنه دين، وخلي بينه وبينها، ولم تطلق عليه وإن لم تحلف، وهو رأيي.
    قال الشيخ: فوجه قوله: إنه يحبس حتى يحلف، لأن الشاهد والنكول أضعف من الشاهد واليمين، فلما لم يحكم بشاهدٍ ويمينٍ في الطلاق كان أن لا يحكم بالشاهد والنكول أولى، والحديث إذا وردت فيه زيارة تردها الأصول كانت الأصول أولى.
    قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: اعلم أن المرأة إذا أقامت على زوجها شاهداً واحداً بالطلاق فحلف الزوج، ثم وجدت شاهداً آخر أنه يلفق إلى الأول، ويقضى بشهادتهما على الزوج بالطلاق.
    وكذلك العبد يقيم شاهداً على سيده بعتقه، فينكر ويحلف، ثم يجد العبد شاهداً آخر، فإنه يلفق مع الأول، ويقضى بعتق العبد، وهذا منصوص لأهل المذهب.
    وإذا أقامت بطلاقه شاهداً فأبى أن يحلف، فسجن على أحد الأقاويل، فقال ابن نافع في كتاب ابن مزين: إذا أبى أن يحلف وطال ذلك على المرأة ضرب له أجل الإيلاء.
    وقال الشيخ أبو عمران: لا يدخل عليه الإيلاء في هذا على ما في المدونة، ألا ترى أنه قال: يسجن أبداً حتى يحلف، ففي قوله هذا دليل على أن لا مدخل للإيلاء في هذا، ألا ترى أن الغائب إذا لم يترك لزوجته نفقة، أو الحاضر إذا امتنع من الوطء لا يكون فيه الإيلاء.

قال بعض فقهائنا: وما اعتل به أبو عمران لا يلزم، لأن الزوج إن امتنع من الوطء مطلوب به، ومطلوب بالنفقة، فالحاكم يطلق عليه إن لم تصل المرأة إلى ذلك، فيرتفع الضرر عنها.
وفي مسألة ابن نافع: إن لم يدخل عليه الإيلاء، فالمراة تبقى أبداً بلا وطء، والزوج يستطيع دفع ذلك باليمين، فتركه ضرر بها.
فقول ابن نافع لذلك حسن، ولا حجة لمسألة المدونة أنه يسجن أبداً، لأن المرأة لم تقم عليه بالوطء، ولو أقامت عليه لضرب له أجل الإيلاء، والله أعلم.
ومن المدونة: وامرأتان في ذلك بمنزلة رجلٍ واحدٍ تحلف إذا كانتا ممن تجوزان شهادتهما في الحقوق، وكذلك في الحرية.
قال في كتاب العتق: ولا تجوز في ذلك شهادة أم المرأة، أو عمتها، أو خالتها، وليس ذلك مثل الحقوق، ولا تحلف الزوجة، أو العبد مع الشاهد في هذا ولا يقضى بشاهدٍ ويمين في ذلك، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما قضى به في الأموال، والطلاق من معنى الحدود.
ومن العتبية: قال سحنون في المرأة تدعي أن زوجها طلقها ولا بينة لها، ثم مات الزوج، فطلبت ميراثها منه، وقالت: كنت كاذبة فيما ادعيت، قال: لها الميراث.

قال: وكذلك إذا جحدت النكاح، ثم أقرت بعد موته، فلها الميراث، ثم قال: لا أرى لهذه ميراثاً بخلاف المدعية الطلاق، لأن هذه لم يثبت لها عقد نكاح.
قال أبو بكر بن اللباد: وقال بعض رواة أهل المدينة: إن أكذبت نفسها بعد موت زوجها مدعية الطلاق فلا ميراث لها، وإن أكذبت نفسها في حياته ثم مات فلها الميراث.
وقال سحنون في التي تدعي طلاق زوجها ألبتة ولا تثبت ذلك، ثم تفتدي منه ثم تريد تزويجه قبل الزوج، وتزعم أنها كذبت أولاً، قال: لا يقبل قولها، ولا تنكحه إلا بعد زوج، وليس كالميراث، وروى أصبغ عن ابن القاسم نحوه.
ومن كتاب ابن المواز: قال في أمة تعتق وهي تحت عبدٍ فتختار نفسها ولا نية لها: فهي واحدة بائنة.
قلت: فإن قالت بعد أن اختارت: إنما أردت ألبتة؟ قال: لا يقبل منها ما لم يتبين ذلك عن اختيارها/ في الحكم، ويقال لها: إن كنت صادقة فلا تتزوجيه إلا بعد زوجٍ والأمر في ذلك إليك، وليتورع هو عنها.
قال محمد: ولم يعجبنا هذا الجواب، بل يمنع منها إلا بعد زوج، وهي كالمرأة تغر وقد ملكت نفسها بخلعٍ، أو صلحٍ أن زوجها كان طلقها ألبتة، فلا تمكن منه إلا بعد زوج.
وكذلك التي تدعي أن زوجها كان طلقها ألبتة، وهو ينكر، ثم يصالحها، وتبين منه بعد طلقةٍ فتريد تزويجه، وتقول: كنت كاذبة، وإنما أردت الراحة منه، فإن لم تكن ذكرت ذلك بعد أن بانت منه لم تمنع من نكاحه، وأمرها إلى الله عز

وجل، وإن أقرت بعد أن بانت منه بأنه طلقها ألبتة منعت منه، حتى تنكح زوجاً غيره.
قال ابن المواز: والتي تزعم أن زوجها طلقها ولا بينة لها فلتفتد منه بما قدرت عليه، وإن قدرت على ضربه وقتله إذا أرادها فلتفعل، وهو كالعادي والمحارب.
وبالله التوفيق، لا رب غيره لا إله إلا هو.
كمل كتاب الأيمان بالطلاق بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه الجميل وبمنه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

[الكتاب التاسع]

كتاب الظهار

[الباب الأول]

باب جامع القول في الظهار

وما يلزم منه ولا يلزم [فصل 1 - في الظهار وأدلة تحريمه] قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
وقال القاضي عبد الوهاب: فالظهار يحرم بهذه الآية، وفيها على تحريمه أدلة: أحدها: إكذابهم في تشبيهم الزوجة بالأم، والثاني: إخباره بأنه منكر من القول وزور، والثالث: إخباره تعالى بأنه يغفر ويعفو عنه.

قال أبو داود: ونزلت آية الظهار في شأن خويلة بنت مالك، وقالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول لي: اتقي الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾.
قال الشيخ: ومن أوجبه على نفسه لزمه لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فقد ألزمه الله تعالى الظهار وأوجب عليه الكفارة إن أراد العودة من قبل أن يتماسا، والدليل أن العودة إرادة الوطء لا نفس الوطء أنه أوجب في الكفارة قبل الوطء، لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وهو الصحيح/ من قول مالك.

قال الشيخ: ويحتمل أن يكون أراد به الوطء، لأنهم حرموا على أنفسهم الوطء بالظهار، فإذا عادوا إليه لزمتهم الكفارة من قبل أن يتماسا ثانية، ولا وجه لقول من قال: إن العودة إعادة قول الظهار، لأن القول الأول إما أن يكون أوجب التحريم فالكفارة تجب بإزالة التحريم، وهو بالعزم على الوطء، أو بالوطء نفسه، أو يكون القول [الأول] لم يوجب تحريماً فالقول الثاني مثله، ولا تجب في الوجهين كفارة، وذلك خلاف القرآن فيبطل ما قالوه.
[فصل 2 - فيما يكون ظهاراً من القول] ومن المدونة: قال ابن القاسم فيمن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي.
فهو مظاهر.

  • قال الشيخ: وهذا صريح الظهار-.
    قول مالك: ومن ظاهر بشيءٍ من ذوات محارمه من نسبٍ أو رضاعٍ فهو مظاهر.
    قال ابن القاسم: وإن ظاهر من صهرٍ فهو مظاهر.
  • قال الشيخ: لأن هؤلاء كلها محرمات على التأييد كالأمهات-.
    قال: وإن قال لها: أنت علي كرأس أمي أو كقدمها أو كفخذها ونحوه، فهو مظاهر.
  • قال الشيخ: لأنه عضو من ذات محرم كالظهر-.
    قال: وقد قال مالك فيمن قال: أنت علي مثل أمي، أنه مظاهر.

وقال بعض كبار أصحاب مالك: إذا وجدت القائل لزوجته: رأسك طالق، أصبعك طالق، يدك حرام، فرجك حرام، قدمك حرام، يجب عليه في هذا الطلاق كما أن القائل لزوجته: رأسك علي كظهر أمي، مظاهر، وكذلك في العضو والبطن والفرج والظهر، وكذلك في ذوات المحارم، ويلزمه بكل ذلك الظهار.
قال مالك: وإن قال لها: أنت علي حرام مثل أمي، ولا نية له فهو مظاهر.
قال ابن القاسم: وقوله: حرام كأمي، عندي مثله، وهذا مما لا اختلاف فيه.
قيل له: لم جعله مالك مظاهراً ولم يجله ألبتة، وهو يقول في الحرام أنه ألبتة؟ قال: لأنه جعل للحرام مخرجاً حين قال: مثل أمي.
قال غيره من كبار أصحاب مالك: ولا تحرم به، لأن الله عز وجل أنزل الكفارة في الظهار، ولا يعقل من لفظ به شيئاً سوى التحريم، وروى ابن نافع عن مالكٍ نحوه.
قال ابن القاسم: ولو لم يذكر أمه كان البتات في قول مالك.
قال مالك في كتاب ابن المواز: قوله: أنت علي حرام كأمي، أو مثل أمي، ظهار ما لم يرد به الطلاق، وكذلك عنه في سماع ابن القاسم، وقاله ابن القاسم.
وروى عنه عيسى في "أنت أحرم من أمي" أنها ألبتة.
قال ابن المواز: قال عبد الملك في قوله: أنت أحرم من أمي، ينوي الطلاق أنه الظهار، وقد قصد القائلون بالظهار التحريم، ولم يعرفوا غيره، فأنزل الله عز وجل فيه الكفارة.

قال ابن المواز: إنما هذا فمن سمى الظهر عند مالك، فأما من لم يسمه فيلزمه ما نوى، فإن لم ينو شيئاً فهو مظاهر.
[فصل 3 - فيمن قال: أنت علي كظهر فلانة، لامرأةٍ أجنبية] ومن المدونة: قال مالك: وإن قال لها: أنت علي كظهر مالك، لامرأةٍ أجنبية فهو مظاهر.
قال ابن القاسم: وسواء كانت ذات زوجٍ أم لا.
وقال غيره: هي طالق ولا يكون مظاهراً، وهو قول عبد الملك.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم في ثبوته: أنه شبه امرأته بظهرٍ محرمٍ عليه كالأم.
ووجه قول عبد الملك: أن الظهار يتعلق بتحريمٍ مؤبد وذلك منتف في الأجنبية، والتشبيه بها يقتضي أن تحرم عليه كتحريمه، وذلك لا يكون إلا بالطلاق، ولأن الظهار إنما نزل في التشبيه بذوات المحارم، فلا يعدى به بابه، ويلزم من ظاهر بغيرهن ما ألزم نفسه من أنها تحرم عليه كالأجنبية، وذلك لا يكون إلا بالطلاق بالتشبيه إياها بالدم ولحم الخنزير.
قال الشيخ: ولا ينوى به غيره وإن نوى به الظهار، إلا أنه إن قال:

نويت به الظهار، لزمه الظهار، وإن تزوجها بعد زوجٍ أخذه بالبتات بإقراره وبالظهار بنيته.
قال الشيخ: وقول ابن القاسم أولى، لأن الأم تحريمها تحريم مؤبد، والأجنبية قد تحل له يوماً ما، فلا تكون أشد حالاً من الأم إذا سمى الظهر.
[فصل 4 - فيمن قال: أنت علي كفلانة الأجنبية، ولم يذكر الظهر] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت علي كفلانة الأجنبية، ولم يذكر الظهر فهو البتات، وإن قال: كفلانة، في ذوات المحارم فهو ظهار، لأن ها وجه الظهار، إلا ان يريد التحريم فهو البتات.
قال الشيخ: اعرف قوله: إلا أن يريد التحريم فهو البتات، أنه بخلافه إذا سمى الظهر في ذوات المحارم أنه ظهار وإن نوى به التحريم.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: وإن جاء مستفتياً وقال: أردت في الأجنبية الظهار، صدق، قال: وإنما معنى مسألة الكتاب إذا قال: لم تكن لي نية، أو شهدت عليه بذلك بينة فقال: أردت بذلك الظهار، فإنها تطلق عليه، ثم إن تزوجها بعد زوجٍ لزمه الظهر بما نوى في أول قوله.
وقال ابن المواز: قال مالك وأصحابه: إذا سمى الظهر في الأجنبية فهو ظهار وإن نوى به الطلاق، وإن قال: كفلانة، وهي أجنبية، فقال عبد الملك: هو طلاق، ولا ينفعه إن أراد الظهار، وكذلك قوله: أحرم من فلانة، وقال أشهب: هو ظهار إلا أن يريد به الطلاق.

قال الشيخ: وهذه الرواية أعدل إذا سمى الظهر في الأجنية أنه يكون مظاهراً بلا اختلاف من مالكٍ وأصحابه.
قال ابن سحنون: قال أصبغ: وقيل في التظاهر بالأجنبية لا يلزمه ظهار، لأنه يحل له نكاحها، وقال مالك وأصحابه: هو مظاهر، لأنها في وقته عليه حرام.
قال سحنون: وإن قال لامرأته: أنت علي كظهر فلانة الأجنبية إن دخلت الدار، ثم تزوج فلانة، ثم دخل الدار، فلا شيء عليه.
قال أبو محمد: انظر: إن دخل الدار ثم تزوجها قبل يكفر.
قال الشيخ: والذي أرى أن الظهار قد لزمه بدخول الدار، ولا يلزمه تزويج الأجنبية كما لو ماتت الأجنبية بعد دخوله الدار.
[فصل 5 - فيمن قال: أنت علي كظهر أبي أو غلامي] قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت عليه كظهر أبي أو غلامي، فهو مظاهر وقاله أصبغ.
وقال ابن حبيب: لا يلزمه ظهار ولا طلاق، وإنه لمنكر من القول.
قال: وإن قال: أنت علي كأبي أو غلامي، فهو تحريم.
قال الشيخ: والصواب ما قاله ابن القاسم، لأن الأب والغلام محرمان عليه كالأم وأشد، ولا وجه لقول ابن حبيب، لا في أنه لم يلزمه الظهار ولا الطلاق إذا سمى الظهر، ولا في أنه ألزمه التحريم إذا لم يسم الظهر، لأن من يلزمه فيه شيء إذا سمى ظهراً لا يلزمه شيء إذا لم يسم الظهر كتشبيه زوجته بزوجةٍ له أخرى أو أمةٍ له.

[فصل 6 - فيمن قال: أنت علي مثل كل شيء حرمه الكتاب أو أنت علي كبعض ما حرم من النساء] ومن المدونة: قال ربيعة: وإن قال لها: أنت علي مثل كل شيء حرمه الكتاب، فعليه الظهار، لأن الكتاب حرم عليه أمه وغيرها مما حرم الله عز وجل.
قال الشيخ: وقال بقول ربيعة ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، وقال ابن نافع: بل هو البتات، لأن الكتاب حرم الميتة والخنزير وغيرهما.
قال الشيخ: والقياس عندي أن يلزمه الظهار والطلاق ثلاثاً، وكأنه قال لها: أنت علي كأمي وكالميتة والدم ولحم الخنزير، فيلزمه الظهار بتشبيهه بالأم والتحريم بالميتة والدم وغيرهما، فتطلق عليه الآن ثلاثاً، فإن تزوجها بعد زوجٍ لزمه الظهار.
ومن المدونة: قال ربيعة وابن شهاب: وإن قال لها: أنت علي كبعض ما حرم علي من النساء، فذلك ظهار.
قال سحنون في العتبية: إن قال لها:/ أنت أمي، في يمينٍ أو في غير يمين، فهو ظهار.

قال محمد: إلا أن ينوي به الطلاق فيكون البتات، ولا ينفعه إن نوى واحدة.
قال سحنون: وإن قال: إن وطئك وطئت أمي، فلا شيء عليه، وإن قال: يا أمه ويا أخته، فلا شيء عليه، قاله ابن القاسم في المدونة.
[فصل 7 - في الظهار من الإماء، والذمي يظاهر ثم يسلم] ومن الظهار قال مالك: ومن تظاهر من أمته، أو من أم ولده، أو من مدبرته، فهو مظاهر، لعموم الآية، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره.
قال ابن شهاب: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فالسرية من النساء وهي أمة.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لإظهار في ملك اليمين، والحجة عليهما ما قدمنا من الكتاب والسنة.
ومن المدونة: ومن تظاهر من معتقةٍ إلى أجلٍ لم يكن مظاهراً.
قال أبو محمد: وكذلك من أمةٍ يملك بعضها، لأنهما لا يحلان له.

قال مالك: وإذا تظاهر الذمي من امرأته، ثم أسلم لم يلزمه الظهار كما لا يلزمه طلاقه في الشرك، والظهار من ناحية الطلاق.
قال مالك: وكل يمين كان عليه من طلاق أو عتاق أو صدقة أو شيء من الأشياء فهو موضوع عنه إذا أسلم.
قال الشيخ: قال الله -عز وجل- ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ فكما كان الشرك يحبط جميع أعماله في الإسلام، كان الإسلام يحبط جميع أعماله في الشرك، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجب ما قبله».

[فصل 8 - في المجوسي يظاهر من زوجته المجوسية بعد إسلامه] ومن «المدونة»: قال مالك: والمجوسيان إذا أسلم الزوج، ثم ظاهر منها أو طلق مكانه، ثم أسلمت بقرب إسلامه، فذلك يلزمه؛ لأنها لم تخرج من ملك النكاح الذي ظاهر فيه أو طلق، ألا ترى أنها تكون عنده لو لم يطلق على النكاح الأول بلا تجديد نكاح من ذي قبل.
قال ابن المواز: ولا يلزمه ذلك عند أشهب.
قال الشيخ: لأنها قبل إسلامها غير زوجة، وقول ابن القاسم أولى؛ لأن إسلامها بالقرب يقر نكاحها الأول بغير تجديد نكاح، فكأن الفرقة لم تقع بعد.

قال بعض الفقهاء: والفرق بين من ظاهر من مكاتبته ثم عجزت بقرب ظهاره منها أنه لا شيء عليه، وبين المجوسي يسلم عن مجوسية فظاهر منها ثم تسلم هي بالقرب أن الظهار يلزمه: أن المكاتبة اشترت نفسها، وتميزت عن وطئه وهذه هي زوجة بعد إسلامه في حال ظهاره لم تخرج من عصمته بعد، والمكاتبة كالأجنبية، وإن كان قد تعجز، والأجنبية قد تتزوجه ثم لا يلزمه فيها ظهاره المتقدم.
قال الشيخ: وعلى قول أشهب: إن المسألتين سواء، لا يحتاج فيهما إلى فرق.
قال الشيخ: وقال بعض أصحابنا: إنه إن تظاهر من معتقة إلى أجل، أو مكاتبة، أو أم ولد، أو أمة فيها شرك فتزوجهن بعد العتق أن ذلك الظهار يلزمه فيهن فلا يطأ حتى يكفر، وكذلك إن عجزت المكاتبة.
وهذا عندي غلط؛ لأن الله تعالى إنما ألزم الظهار فيمن يحل له وطؤها وتصح منه العودة، لقوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فأما من ليس له فيها عودة، ولا يحل له وطؤها فليس من ذلك؛ ولأنه إنما حرم حرامًا، فلم ينقلها عما كانت عليه، والآخر حرم حلالا، فأباحت له الكفارة ما حرَّم، ولا فرق بينها وبين الأجنبية لعلة اجتماعهما في منع الوطء وتحريمه، ولا حجة له بارتفاع الحد عنه في وطء المكاتبة؛ لأنه وطء حرام لا تصح العودة فيه.

[فصل 9 - في ظهار المرأة من زوجها] ومن «المدونة»: وإذا تظاهرت امرأة من زوجها لم تكن مظاهرة.
ابن المواز: وكذلك إن أجابته به في تمليك.

قال الشيخ: لأن الله تعالى إنما جعل الظهار والطلاق للرجال بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾، ولا مدخل للنساء مع الرجال في ظهارٍ أو في طلاقٍ أو تمليكٍ إلا أن يجعل لهن ذلك.
[فصل 10 - في ظهار الصبي والمعتوه والمكره] ومن المدونة: ولا يلزم الصبي ولا المعتوه الذي لا يعقل ولا المكره ظهار ولا طلاق ولا عتق.
قال الشيخ: لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة- فذكر الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق»، وقال صلى الله عليه سلم: «حمل عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، ولأن المكره غير قاصد لما استكره عليه وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات»، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾.

فصل [11 - في ظهار السفيه] ومن كتاب ابن المواز: والسفيه إذا ظاهر لزمه ونظر له وليه في أن يكفر عنه أو يطلق عليه ويزوجه غيرها، وقاله سحنون.
ابن المواز: وقيل: يصالح عنه.
قال أصبغ: ولا يجزيه إلا العتق إن كان له مال، فإن لم يكن له مال صام، ولا يمنع من الصوم، فإن أبى فهو مضار.
وقال ابن المواز: إذا لم ير له وليه أن يكفر بالعتق فله هو أن يكفر بالصيام قال: ولو رأى له وليه أن يكفر عنه بالعتق فكفر به ثم ظاهر ثانيةً فلا يعتق عليه ثانيةً، قال: فإن لم ير له أن يكفر بالعتق طلق عليه من غير أن يضرب له أجل الإيلاء.
ابن المواز: وأحب إلي أن لا يطلق عليه إلا بتوقيف الإيلاء إن طلبت المرأة ذلك فيوقف لها بعد أربعة أشهر، فإن قال: أنا اصوم شهرين، ترك وأجزأه، لأنه في ملائه ممنوع من ماله، وله أن يبدأ في الصوم من الآن، لأنه يقول: كنت أرجو أن يعتق عني وليي، فإن لم يصم طلقت عليه.
قال: وقال ابن وهب في العتبية: وله أن يعتق بغير إذن وليه إن كان (؟؟)، فإن لم يكن إلا رأس لم أحب له إلا الصيام.
[فصل 12 - في ظهار السكران] ومن المدونة: قال مالك: ويلزم السكران الطلاق.
قال ابن القاسم: وكذلك الظهار عندي يلزمه، لأن الظهار إنما يجر إلى الطلاق.

قال الشيخ: ولأنه إنما ألزمه ذلك؛ لأنه هو الذي أدخل السكر على نفسه؛ ولأن معه بقية من عقله ولم تأت فيه سنة كما أتت في غيره، وقد روي أن ابن عمر قضى عليه بطلاقه في سكره.

[فصل 13 - في ظهار المجبوب والمعترض والشيخ الفاني] ومن كتاب ابن سحنون: قال علي بن زياد: ولا يلزم المجبوب ولا المعترض ولا الشيخ الفاني ظهار، إذ لا يصلون إلى الوطء.
قال الشيخ: واعتباراً بالإيلاء.

[فصل 14 - فيمن قال عن امرأة أجنبية: هي أمي ومن قال لمطلقته: لا راجعتك حتى أراجع أمي] قال مالك: من عرض عليه نكاح امرأة فقال: هي أمي، فهو ظهار، إن تزوجها قال: وإن قال: في امرأة طلقها والله لا راجعتك حتى أراجع أمي فلا شيء عليه إن فعل إلا كفارة يمين.
ومن «العتبية» قال ابن القاسم فيمن قال لأمته: لا أعود أمسك حتى أمس أمي فلا شيء عليه.

[فصل 15 - فيمن قال لامرأته: إن شئت الظهار فأنت علي كظهر أمي] ومن المدونة ومن قال لامرأته: إن شئت الظهار فأنت علي كظهر أمي، فهو مظاهر إن شاءت الظهار، قلت: أذلك لها ما دامت في المجلس أو حتى توقف؟ قال: بل حتى توقف.
وقال غيره: إنما هذا على اختلاف قول مالك في التمليك في الطلاق.
قال مرة: حتى توقف.
وقال أيضاً: ما داما في المجلس فكذلك الظهار.
قال الشيخ: ومذهب ابن القاسم في كل ما يكون تفويضاً إليها في تمليك، أو طلاق، أو ظهار، أو عتق، أن ذلك بيدها.
وإن قاما في المجلس ما لم توقف.
والغير يرى أن اختلاف قول مالك يدخل في ذلك كله، وفي كتاب «التخيير والتمليك»، بيان هذا.
قال الشيخ: وفرق بعض القرويين على قول ابن القاسم بين قوله: أنت طالق إن شئت، وأمرك بيدك إن شئت، قال: وذلك أن القائل: انت طالق إن شئت، لو لم يقل: إن شئت كان طلاقاً لا خيار فيه، فأفاد بقوله: إن شئت، التفويض إليها في ذلك، وأما الذي يقول: أمرك بيدك.
فسواء عليه ذكر إن شئت، أو يسكت عنها، قد فهم أن مراده: إن شئت الطلاق، فزيادة إن شئت لا تؤثر شيئاً، ووجودها وعدمها سواء، فكان الحكم لذلك مختلفاً.
قال الشيخ: وهذا قول له وجه، ولكن ظاهر قول ابن القاسم ما قدمنا، وقاله أيضاً بعض القرويين.

جارٍ التحميل