ابن وهب: وقال نحو قول مالك؛ ربيعة، وابن شهاب، وعطاء، ومجاهد، وأبو الزناد.
ابن وهب: وَقضَى عُمَرُ عبدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه في أَمَةٍ عَضَّتْ إِصْبَعَ صَبِيِّ فَضَمَرَتْ إِصْبِعُهُ فَمَاتَ؛ "أَنْ يَحْلِفَ وُلاَتُهُ خَمْسِينَ يَمِينًا لَمَاتَ مِنْ عَضَّتِهَا، وَتَكُونَ الأَمَةُ لَهُمْ، وَإِلاَّ فَلاَ شَيءَ لَهُمْ".
قال مالك: وإن قتل حر عبدًا فعليه قيمته ما بلغت وإن جاوزت الدية، وإن جرحه فعليه ما نقصه بعد برئه.
قال مالك: وموضحة العبد، ومنقلته، وجائفته، ومأمومته، في ثمنه بمنزلتهن في دية الحر، قال عبد العزيز: إذ لا ينقصون ثمنه إذا برئت، فلابد أن يكون فيهن ما ذكرنا.
55 - فصل [في القصاص في جراح العبيد، وتخيير سيد المجروح، والفرق بين الحر والعبد في القتل عمدًا فيعفى عنهما على الدية]
قال مالك: والقصاص في المماليك بينهم كهيئته في الأحرار، نفس الأمة بنفس العبد، وجرحها بجرحه؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178]، وقال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45].
قال مالك: يخير سيد المجروح، إن شاء استقاد، وإن شاء أخذ العقل، إلا أن يسلم إليه الجاني سيده.
ابن وهب: وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إَذَا جَنَىَ الْعَبْدُ فَلَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ غُرْمٌ فَوْقَ رَقَبَتِهِ، إِنْ أَحَبَّ أَسْلَمَهُ أَوْفَدَاهُ".
وقال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: "يُقَادُ الْعَبْدُ مِنَ الْعَبْدِ في كُلِّ عَمْدٍ يَبْلُغُ نَفْسَهُ فَمَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الْجِرَاحِ، فَإِنِ اصْطَلَحُوا فَقِيْمَةُ
الْمَقْتُولِ عَلَى أَهْلِ الْقَاتِلِ".
وقاله عمرُ بن عبد العزيز.
والقضاء أن ليس في العبد دية مؤقته، وإنما هو سلعة يقل ثمنه ويكثر، قال ذلك عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وغيرهما رضي الله عنهما، وإنما ذكر الله عز وجل الدية في الحر.
قال مالك: وإن جرح عبد عبدًا عمدًا فقال سيد العبد المجروح: لا أقتص ولكن آخذ العبد الجارح إلا أن يفديه سيده بالأرش، وقال سيد الجارح: إما أن تقتص وإما أن تدع فالقول قول سيد المجروح، وكذلك في القتل.
م: لأن نفس القاتل قد وجبت لسيد المقتول فإن شاء قتله أو أحياه؛ فإن أحياه صار عمده كالخطأ، فرجع الخيار إلى سيده؛ بين أن يسلمه أو يفديه.
والفرق بين العبد في هذا وبين الحر يقتل حرًا فيعفى عنه إلى الدية فيأبى؛ أن ذلك لا يلزمه على قول ابن القاسم: أن العبد سلعة تملك، فلما جاز قتله وإتلافه على سيده جاز استرقاقه وخروجه من ملك سيده، والحر لا يتملك ولا يجوز أخذ ماله إلا بطوعه، وأيضا فإنه يقول: أُءدي قصاصي وأبقي مالي لورثتي، والعبد لا حكم له في نفسه، ولا حجة لسيده؛ لأن قتله وأخذه عليه سواء إلاّ أن يدفع الأرش، فلا حجة لورثة المقتول؛ لأنهم رفعوا عنه القود، فصار فعله كالخطأ، ولا يستقيم ذلك في الحر؛ لأنه كان تكون الدية على عاقلته، وهي لا تحمل شيئا من عمده، فأمرهما مفترق.
ومن المدونة قال مالك: وإذا جنى العبد جناية خيّر سيده كما ذكرنا، فإن مات العبد قبل تخيير سيده بطلت الجناية.
م: لأن الجناية إنما كانت في رقبته وقد ذهبت الرقبة.
قال: وإذا جنى العبد وله مال كانت رقبته ومال في جنايته، يقال لسيده: ادفعه وماله أو افده بعقل جنايته، ولو كان العبد مديانًا فأهل دينه أحق بماله والجناية في رقبته.
قال سحنون: إنما يخير السيد في الجناية إن كان مال العبد عرضًا أو عينًا لا وفاء فيه، فأما إن كان عينًا فيه وفاء فلا يخير ها هنا.
م: يريد: ويدفع الجناية من مال العبد.
56 - فصل [في عبدي الرّجل يجني أحدهما على الآخر ويريد السيد أن يقتص من الجاني]
قال مالك: وللرجل أن يقتص من عبده لعبده في النفس والجراح، ولا يكون ذلك إلا عند السلطان ببيِّنة تثبت، وكذلك في قطع [192/أ] السرقة لا يقطعه إلا السلطان، وإنما للسيد أن يقيم حد الخمر والزنى، فإن قطع يد عبده في سرقة دون الإمام؛ عوقب إلاّ أن يعذر بجهل، ولا يعتق عليه إذا كان له بسرقته بيِّنة؛ لأن بعض الصحابة قد قطع دون الإمام، وإنما زُجر الناس
عن ذلك لئلا يدعي من مثَّل بعبده أنه سرق.
وقد سئل مالك عن رجل عَدَا فقتل قاتل وليه دون الإمام؟ قال: إن كان هو الذي إليه العفو والقتل لم يلزمه غير الأدب، لئلا يجترأ على الدماء.
57 - فصل [في العبد يُجرح أو يُقذف ثم يقر سيده بعتقه]
وإذا جرح رجل عبدًا أو قذفه، فأقر سيده أنه أعتقه عام أول؛ لم يصدَّق
السيد على ذلك إلا ببينة، وأرشه أرش عبد يكون للعبد دون سيده لإقراره بحريته، ولو قامت بالعتق بينة كان له حكم الحر في ذلك كله، أقر السيد أو جحد.
ولو جرحه السيد أو قذفه ثم ثبت أنه كان أعتقه قبل ذلك، والسيد جاحد، فلا شيء عليه من ذلك إلا أنه يحكم عليه بالعتق.
وجعل له ابن القاسم حكم الحر مع الأجنبيين بخلاف السيد.
وقال غيره: إذا جحد عبده العتق فأثبت ذلك ببينة فله حكم الحر فيما مضى من حد أو جرح له أو عليه، مع أجنبي أو مع السيد ذلك سواء، وبه قال سحنون.
م: وهو القياس.
وقد تقدمت هذه المسألة في كتاب العتق الثاني أتم مما هاهنا.
58 - فصل [في جناية العبد المباع هل هي في رقبته أو في ذمته]
قال مالك: ومن باع عبدًا سارقًا دلَّس به، فسرق من المبتاع فرده على سيده بالعيب؛ فذلك في ذمته، إن عتق يومًا ما.
وقال سحنون: بل ذلك في رقبته.
م: لتعديه.
وكذلك اختلفوا إذا أُودع المأذون وديعة فأكلها.
قال مالك: ولو سرق من أجنبي مالا قطع فيه فرده على البائع؛ فهي جناية، إما أسلمه البائع أو فداه بها، بخلاف سرقته من المبتاع إذ لا يقطع في سرقته من المبتاع لإذنه له في دخول بيته وائتمانه عليه، وسرقته من الأجنبي يقطع فيها، وإنما يلزم المبتاع ما حدث عنده من العيوب من غير العيب الذي دلَّس له به البائع.
م: يريد ولو لم يدَّلس [192/ب] فرده بعيب السرقة، لردَ معه ما نقصه القطع.
ولو سرق مالا قطع فيه واستهلكه لم يرده المبتاع حتى يفديه، ولو كان إنما سرق من المبتاع فرده لم يتبعه بشيء إلاّ بعد عتقه؛ لأن ذلك في ذمته.
قال ابن القاسم: وما سرق العبد من سيده فلا يتبع بشيء منه، عتق أو رق، قل ما سرق من ذلك أو كثر.
59 - فصل [في العبد يغتصب حرة أو أمة]
قال مالك: وإن اغتصب العبد حرة، أو أمة نفسها، ففي رقبته للحرة صداق مثلها، وللأمة ما نقصها، أما فداه سيده بذلك، أو أسلمه، وقضى بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال ربيعة في عبد افتض بكرًا: فهو لها إلا أن يكون صداقها دون
رقبته؛ فإنه يباع في غير أرضها فتأخذ صداقها من ثمنه، وما فضل فلسيده.
ابن وهب: وأن عمر بن عبد العزيز أُتِيَ بِعَبْدٍ افْتَضَّ جَارِيةً وَهِي كَارِهَةٌ؛ "فَجَلَدَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ثُمَّ بَاعَهُ بِغَيْرِ أَرْضِهَا، وَأُعْطِيَتْ ثَمَنَهُ".
"وقضى عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه فِيمَنْ اسْتَكْرَهَ بِكْرًا أَنْ يَغْرَمَ الصِّدَّاقَ مَعَ الْحَدِّ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَكَانَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَدَاهُ أَهْلُهُ إِنْ أَحَبُوا وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَقَلَّ فَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ الْعَبْدُ".
قال أبو الزناد: وإن كانت أمة غرم ما نقصها.
60 - فصل [في إقرار العبد على نفسه بالجناية]
قال ابن القاسم: وإن أقر عبد أنه وطئ هذه المرأة أو هذه الأمة غصبًا؛ لم يصدَّق إلا أن تأتي وهي مستغيثة أو متعلقة به،
وهي تدمى إن كانت بكرًا وإن كانت ثيبًا أدركت وهي مستغيثة متعلقة؛ فإنه يصدق.
وقد قال مالك في عبد أقر أنه وطئ على أصبع صبي فقطع، قال: إن أدرك الصبي وهو متعلق به يدمى صدق في مثل هذا، وخيّر سيده في أن يفديه أو يسلمه، ولا يتهم هاهنا بقرار إلى شيء، وما لم يتبين هكذا لم يصدَّق، ولا يلزم ذمته إن عتق.
ألا ترى أن إقرار الحر بقتل خطأ؛ يلزم العاقلة بقسامة، فإنه أبى الأولياء من القسامة فلا شيء على العاقلة، ولو اتهم أنه أراد غنى ولد المقتول لقرابة أو صداقة؛ لم يلزمه، هو ولا عاقلته شيء، فكذلك لا يلزم العبد كما لا يلزم السيد
[193/أ] وقضىَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في أَمَةٍ أَقَرَّتْ أَنَّهَا عَضَّتْ إصْبَعَ صَبِّيِّ، وَقَدْ ضَمَرَتْ إِصْبَعُهُ فَمَاتَ؛ "أَنْ يَحْلِفَ وُلاَتُهُ خَمْسِينَ يَمِيْنًا لَمَاتَ مِنْ عَضَّتِهَا وَيَاخُذُوا الأَمَةَ وَإِلاَّ فَلاَ شَيءَ لَهُمْ".
وقد تقدم هذا.
قال ابن القاسم: وما أقر به العبد مما يلزمه في جسده من قتل أو قطع أو غيره؛ فإنه يقبل إقراره.
قال أبو الزناد: إذا أقر طائعًا غير مسترهب.
قال ابن القاسم: وما آل إلى غرم على سيده فلا يقبل إقراره فيه إلا ببينة على فعله، مثل إقراره بغصب أمة أو حرة نفسها ولم يكن من تعلقها به ما وصفنا؛ فلا يصدق.
يريد: ويحد.
قال: وكذلك إقراره بجرح، أو بقتل خطأ، أو باختلاس مال أو استهلاكه، أو سرقته إذا كانت لا قطع فيها، ولا يعلم ذلك إلا بقوله؛ فلا
يصدَّق العبد على سيده، ولا يتبع العبد بشيء من ذلك إن عتق.
قال ابن وهب: أخبرني من أثق به قال: سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: "مَضَتِ السُّنَّةُ ألاّ يجوز اعتراف العبد على نفسه بما يدخل غرمًا على سيده إلا ببينة، إلا اعترافه بما يقام عليه في جسده، من حد، أو قود، أو قطع، أو قتل؛ فإنه يؤخذ به ويقام عليه".
قال مالك: وإن أقر العبد أنه قتل حرًا عمدًا؛ فلوليه القصاص، فإن عفا على أن يستحييه لم يكن له ذلك، وله معاودة القتل إن كان ممن يظن أن ذلك له، كعفو الولي عن رجل حر قُتل وليه عمدًا على أخذ الدية فيأبى القاتل أدائها فللولي أن يقتله.
وإذا أقر بسرقة، فقال المسروق منه: أنا آخذ السرقة وأعفو عن قطع يده ولا أرفعه إلى الإمام؛ لم يكن له شيء من ذلك.
ومن العتبية روى أشهب وابن نافع عن مالك في عبد اعترف بقتل خطأ؛ فلا شيء على سيده ولا يمين.
قيل: فإن أقام سيد المقتول شاهدًا؟ قال: يحلف معه.
قيل: فإن نكل أيحلف سيد المقر؟
قال: ما أرى ذلك.
ومن كتاب ابن المواز، قال ابن القاسم: ويقبل إقرار المكاتب بالدين، ولا يقبل في الجناية.
وقال أشهب [193/ب] في الجناية: أن للسيد أن يبطل عنه ذلك قبل عتقه، فإن عتق قبل أن يبطله لزم ذلك المكاتب، يلزمه الأقل من قيمته أو من دية ذلك الجرح، ولو كان قد أبطله سيده؛ سقط ذلك عنه، إلا أن يقر به بعد عتقه.
وقال ابن القاسم: إقراره باطل قبل عتقه وبعد عتقه.
قال محمد: وهو صواب؛ لأن جنايته برقبته، فإما فداه سيده أو أسلمه عبدًا، هذا أصل مالك وأصحابه.
قال أحمد: قول أشهب أصح بخلاف العبد يقر بالجناية بعد عتقه؛ لأن جناية العبد في رقبته، وجناية المكاتب في ماله إن كان له مال يؤديها، وإن لم يرض سيده ولا يكون على سيده إلا بعد عجزه.
[61 - فصل: ما يلزم الحر بإقراره بالجناية على العبد]
محمد: قال مالك: ولو أقر حر أنه جرح عبدًا أو ضربه، فأقام أيامًا ثم مات؛ فعليه قيمته، ولا يمين على السيد لَمِنْ ضربه مات.
قال محمد: وأحب إلي أن لا يكون للسيد شيء حتى يحلف لمن ضربه مات، وروى نحوه ابن القاسم عن مالك.
قال ابن القاسم: فإن نَكَلَ حلف مَن ضَرَبَهُ: ما مات من ضربِه، فإن نَكَل ضَمِن قيمته وبالله التوفيق.
[الباب الثاني عشر]
في جناية المكاتب، والجناية عليه، وإقراره، وغير ذلك من أحكامه
[62 - فصل: في جناية المكاتب، وعجزه عن أرش جنايتة، وأداء سيده عنه]
قال مالك رحمه الله: أحسن ما سمعت من جناية المكاتب عمدًا أو خطًأ أنه إن أدّى جميع العقل حالاً وإن جاوز قيمة رقبته، وإلا عُجِّزَ وخُيِّر سيده في أن يسلمه رقًا أو يفديه بالأرش ويبقى له رقًا، وعجزه عن الأرش قبل القضاء عليه به وبعده سواء، ولا ينجَم عليه الأرش، بخلاف العاقلة.
ابن وهب: قال ابن شهاب وعطاء ومجاهد: "مضَت السُّنة به".
قال مالك: ولو قوي على أداء ما حلَّ من الكتابة دون الأرش حالاً
فقد عجز؛ لأن الأرش وحقوق الناس ينبغي أن تؤدى قبل الكتابة.
قيل: فإن عَجِزَ المكاتب عن أداء العقل وأداه عنه سيده، هل يبقى على كتابته؟
قال: إذا لم يقو على أداء الجناية؛ رق مكانه، وخيّر سيده بين أن يسلمه أو يفديه رقًا، وكذلك إن جنى على سيده فلم يعجل له الأرش عجزه.
م: وقال بعض فقهائنا: إن أدى عنه سيده الأرش على أن لا يرجع عليه بما أدَى بقي على حاله مكاتبًا؛ لأن الجناية سقطت، [194/أ] فإن أدَى عنه على أن يتبعه به:
فعلى مذهب من يرى أنه يجبر عبده على الكتابة: يجوز ذلك، ويكون ككتابة من السيد مبتدأة.
وعلى مذهب من يقول أنه: لا يجبره على الكتابة لا يجوز
ذلك، ويرجع العبد له رقًا؛ لأنه قد عجز عن الأرش، فوجب إرقاقه، وقد دفع السيد ذلك عنه فداء له.
[63 - فصل: في المكاتب يبيع أم ولده في جنايته]
قال ابن القاسم: وللمكاتب بيع أم ولده في جنايته إن خاف العجز، كما له بيعها في عجزه عن الكتابة.
م: قال بعض علمائنا: وإن باعها من غير خوف العجز:-
فعلى القول الذي يراها أم ولد له إذا عتق ينبغي أن يرد البيع إلا أن يفوت بشيء من عقود الحرية، فيمضي ذلك فيها؛ لأنها إن ردت قد
يحصل لها أن تكون أم ولد بأداء الكتابة أو لا يحصل لها إن عجز، فلا تنقل عن أمر متحقق قد حصل لها إلى أمر يكون أو لا يكون.
وعلى قوله: لا تكون له أم ولد إن عتق؛ فهذه لا يرد بيعها على كل حال.
والله عز وجل أعلم.
64 - فصل: في عجز المكاتب عما يُصالح عليه، وإقراره بالقتل]
قال ابن القاسم: وإذا جنى مكاتب جناية عمدًا، فصالحه منها أولياء الجناية على مئة دينار فلم يؤدها حتى عجز، فإن ثبت الجناية؛ خير السيد في إسلامه أو افتدائه بالأقل من المئة أو قيمة الأرش.
وإن أقر مكاتب بقتل عمدًا أو خطأ فصالح منه على مال؛ لم يجز، ولهم في العمد قتله بإقراره، فإن لم يقتصوا لم يكن لهم في مال المكاتب شيء، ولا في رقبته إن عجز.
وإن أقر مكاتب بقتل خطأ لم يلزمه شيء؛ عتق أو عجز، ولو أقر بدين؛ لزم ذمته؛ عتق أو رق.
[65 - فصل: في المكاتب يقتل رجلاً له وليان فيعفو أحدهما]
وإذا قتل مكاتب رجلا له وليان عمدًا، فعفى أحدهما؛ فإن أدّى إلى الآخر نصف الدِّية تمادى على كتابته وإلا عجز وخيِّر سيده في إسلامه نصفه أو افتدائه بنصف الدية، ولا شيء للعافي، أدّى نصف الدية المكاتب أو السيد بعد عجزه، إلا أن يزعم أنه عفا لأخذ الدية ويستدل على ذلك وإلا لم يقبل قوله.
[66 - فصل: في المكاتب يجني فيؤدي كتابته قبل القيام عليه بالجناية]
وإذا جنى المكاتب ثم أدّى الكتابة، وعتق قبل القيام عليه؛ فلا عتق له إلا أن يؤدي الجناية حالة للقائم بها وإلا رق، وخير سيده؛ فاما فداه أو أسلمه ورد معه ما اقتضى من نجم بعد الجناية، ولا يحبس ذلك إذا أسلمه.
67 - فصل [في المكاتب يموت عن مال وعليه دين وجناية، أو معه ولد حدثوا في كتابته، وعجزه وأداء ولده عنه]
وإذا مات مكاتب وترك مالاً وعليه دين وجناية خطأ؛ فأهل [194/ب] الدين أولى بماله؛ لأن الجناية في رقبته والدين في ماله، فإن فضل من ماله شيء كان لأهل الجناية حتى يستوفوا الجناية.
وإن مات ولا دين عليه؛ فأهل الجناية أولى بماله من سيده إلا أن يدفع إليهم السيد الأرش، والعبد مثله.
وإن مات ولم يترك مالا بطلت الجناية والدين.
وإذا كان على المكاتب دين وجناية ومعه ولد حدثوا في كتابته؛ لم يلزم الولد دينه، وتلزمه الجناية في حياة الأب إذا لم يقدر عليها الأب، فإن لم يؤدها الابن عُجِّزًا.
وقال غيره: وكذلك الدين إن لم يؤده الولد عجزا، إذ لا تؤدى كتابة قبل دين.
قالا: فإن عجز أسلم السيد الجاني وحده أو فداه، والدين باق في ذمته.
محمد: قال أشهب: عجز المكاتب عن قضاء دينه كعجزه عن قضاء دية جرحه، تنقض كتابته ويرق، ويتبع بذلك في ذمته.
قال محمد: ولا يعجبنا هذا، وليس عجزه عن قضاء دينه بمنزلة عجزه عن دية جنايته، ألاَ ترى أن العبد يكون عليه دين لا وفاء له به؛ فلا بأس أن يكاتبه سيده، ولا يصلح أن يكاتبه وفي عنقه جناية صغرت أو كبرت؛ لأن الجناية في رقبته، فهي أولى من كتابته، والدين إنما هو في ذمته أو مال يوهب له، وقد يؤدي كتابته إذا كان عليه دين من حيث لا سبيل لأهل دينه فيه من اجارته.
وقد قاله ابن القاسم عن مالك في المكاتب يؤدي كتابته وعليه دين، فيقوم الغرماء يريدون أخذ ما دفع في كتابته؛ أن ذلك ليس لهم إلا أن يعلم أن الذي أخذ السيد هو من أموالهم، فإن لم يعلم ذلك؛ لم يكن لهم شيء مما أخذ السيد.
قال غيره في المدونة: ولو أدّى الولد الدين أو الجناية وعتقا؛ لم يرجع على أبيه بشيء؛ كادائه عنه الكتابة؛ لأنهما إنما اعتقا بأداء ذلك، كما يعتقان بأداء الكتابة.
قال ابن القاسم: ولو مات الأب قبل القيام عليه ولم يترك مالاً؛ بطلت الجناية والدين، ولم يلزم ولده من ذلك شيء، وإنما كان للأب معونة مال الولد في خوف العجز في جنايته، فإذا مات عنها عديمًا لم يلزم ولده من دينه شيء ولا من جنايته أيضًا.
محمد: إلا أن يدع الجاني مالاً؛ فللمجني عليه أخذ الجناية منه وهو أولى به ممن معه في الكتابة، ومن السيد، وكذلك لو قتل فما أخذ فيه فللمجني عليه من أرشه، إلا أن يفدي ذلك منه السيد أو المكاتبون معه؛
لأن فضلة ذلك محسوب لهم على السيد [195/أ] في آخر كتابتهم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قام ولي الجناية في حياة الأب، ولا مال له، فاختار الولد أدائها ويتمادوا على كتابتهم، فلم يؤدوها حتى مات الأب؛ لزمهم ذلك.
[68 - فصل: موت المكاتب وعليه دين وترك عبدًا جانيًا]
وإذا مات المكاتب وترك دينًا عليه، وترك عبدًا قد جنى قبل موته أو بعده؛ فولي الجناية أحق بالعبد إلا أن يفتكه غرماء المكاتب بالأرش؛ فذلك لهم، وكذلك عبد الحر المديان يجني جناية.
ومن جنى ما لا تحمله العاقلة وعليه دين وليس له إلا عبد؛ ضرب فيه أهل دينه وأهل جنايته؛ لأن ذلك كله لزم ذمته.
69 - فصل [الجناية على المكاتب من سيده أو أجنبي عمدًا أو خطأً]
ومن قتل مكاتبه عمدًا أو خطأ، ومعه ولد في الكتابة؛ فليقاصوا السيد
بقيمته في آخر نجومهم، ويسعون فيما بقي، فإن وفى ذلك بالكتابة عتقوا، وإن كان فضل أخذوه بينهم بالميراث، كانوا ممن كاتب عليهم أو حدثوا معه في الكتابة.
وكذلك إن قتله أجنبي، فأخذ السيد قيمته؛ فليقاص ولده بها كما وصفنا، ولو شجه السيد موضحة؛ فليقاصه في آخر نجومه بنصف عشر قيمته مكاتبًا على حاله في أدائه وفوته، وكذلك إن جرحه؛ فليحسب له ذلك في آخر كتابته.
وكذلك المكاتبة تلد ولدًا في كتابتها فيقتله السيد؛ فإنه يغرم قيمته، فإن كان فيه وفاء بالكتابة كان قصاصًا، وإن كان فيه فضل عن الكتابة أخذت الأم من ذلك الفضل قدر مورثها.
محمد: قال أشهب: إن قتله خطأ وفي قيمته وفاء وفضل عن الكتابة؛ أخذت الأم ثلث ما فضل، وهو مورثها منه ويسقط عن السيد ثلثاه،
وإن كان القتل عمدًا لم يسقط عن السيد منه شيء، وغرم الجميع، وإن كان فيه فضل كان ذلك لأولى الناس به بعد السيد.
م: والصواب ألاّ فرق بين العمد والخطأ؛ لأن القيمة التي تجب على السيد كالدية فلا ينبغي أن يرث منها شيئًا؛ لأن قاتل العمد والخطأ لا يرثان من الدية، فيجب أن يكون الباقي بعد موروث الأم لأولى الناس بعد السيد، كان قتله عمدًا أو خطأ.
والله عز وجل أعلم.
[70 - فصل: في المكاتب يُقتل تحسب له قيمته ويعتق من معه من أب أو ولد بوفائها لنجومه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا قُتل مكاتب، ومعه في الكتابة أبواه وولده يعجل للسيد قيمته، وحسب ذلك من آخر النجوم، فإن
أوفت بالكتابة عتقوا فيها، ولا تراجع بينهم، وإن كان في القيمة فضل فهو لورثته الذين معه [95/ب] في الكتابة ميراتًا.
وكذلك لو كان السيد هو الجاني، وليس لغرماء المكاتب أو العبد في قيمتهما إذا قُتلا شيء، قتلهما أجنبي أو السيد، ولا في شيء من قبل رقبتيهما من نفس أو جرح، كما لا يدخلون في ثمن العبد إن بيع، والدين باق في ذمتهما، وعلى قاتل المكاتب قيمته عبدًا مكاتبًا في قوة مثله على الأداء وصفته، ولا ينظر إلى قلة ما بقي عليه وكثرته، حتى لو بقي عليه دينار فقط، وآخر لم يؤد شيئا، فقتلهما رجل، وكانت قوتهما على الأداء سواء، وقيمة رقابهما سواء، فقيمتهما متفقة وإذا تفاضلت قِيَم الرقاب خاصة وقوة الأداء واحدة فقيمتهما مختلفة؛ وإنما يقوم على قدر قوته على الأداء مع قيمة رقبته.
وفي كتاب المكاتب ذكر من وضع عن مكاتبه ما عليه في المرض أنه يجعل في الثلث الأقل من قيمته مكاتبًا أو من قيمة كتابته.
وقيل: بل عدد الكتابة، فأي ذلك حمل الثلث جازت الوصية.
71 - فصل [في الأبوين يكاتبان فيولد لهما ولد ويُجنى عليه]
ومن كاتب عبده وأمته وهما زوجان في كتابة واحدة، فحدث بينهما ولد، ثم جُني على الولد ما قيمته أكثر من الكتابة؛ فللسيد تعجيل الكتابة من ذلك ويعتقون، وما فضل فللولد ولا يرجع على أبويه بما عتقا به، وأما ما أكتسب الابن فهو له، وعليه أن يسعى معهما، ويؤدي في الكتابة عل قدر قوته وأداء مثله، وليس للأبوين أن يأخذا ماله إلا أن يخافا العجز؛ فإن لهما أن يؤديا الكتابة من مال الولد، وكذلك إن كان للأبوين مال وخاف الولد العجز؛ فإن الكتابة تؤدى من مال الأبوين، وليس للأبوين أن يعجزا أنفسهما إن كان لهما مال ظاهر، وكذلك الولد، ولا يرجع بعضهم على بعض بشيء مما أدّى عن أصحابه.
وفي كتاب المكاتب إيعاب هذا.
[72 - فصل: موت المكاتب وتركه وُلْدًا لا يستطيعون السعي]
قال مالك: وإذا مات مكاتب وترك ولدًا لا سعاية فيهم؛ رقوا مكانهم إلاّ أن يكون فيما ترك ما يؤدى عنهم نجومهم إلى أن يبلغوا السعي فيفعل ذلك بهم، أو يترك ولدًا ممن يسعى فيدفع المال إليهم؛ فإن لم يقووا ومعهم أم ولد للأب دفع إليها المال إن لم يكن فيه وفاء، وكان لها أمانة وقوة على السعي؛ فإن لم يكن فيها ذلك وكان في المال مع ثمنها إن بيعت كفاف [196/أ] الكتابة؛ بيعت وأديت الكتابة، وعتق الولد أو يكون في ثمنها مع المال ما يؤدى إلى بلوغ الولد السعي، فإن لم يكن ذلك رقوا أجمعون مكانهم.
73 - فصل [الجناية على المكاتب كالجناية على العبد]
قال مالك: لا اختلاف عندنا أن ما جُني على المكاتب كجناية عبد، وإن ذلك يتعجله السيد، ويحسب عليه من آخر النَجوم؛ لحجته أن يعجز المكاتب فيرجع إليه معضوبًا.
74 - فصل [في جناية عبد المكاتب]
وإذا جنى عبد المكاتب فلسيده أن يسلمه أو يفديه على وجه النظر.
75 - فصل [في جناية عبد المكاتب عليه]
والمكاتب إذا قتله عبده فلسيده إن يقتص منه في النفس والجرح بأمر الإمام، كعبدين له إلا أن يكون مع المكاتب ولد في كتابته فيصير له مثل ما للسيد من الحجة في النفع بماله، فإن اجتمع هو وهم على القصاص قتلوا، ومن أبى ذلك من سيد أو ولد فلا قتل للباقي، ثم إن صار العبد للولد بالأداء أو للسيد بالعجز؛ لم يكن لمن عفا منه ومنهم أن يقتله إن صار إليه، وإن صار لمن كان أراد القتل من ولد أو سيد فله أن يقتل.
76 - فصل [في قتل المكاتب أو العبد لرجل عمدا والعفو عنهما على استرقاقهما]
وإذا قتل المكاتب رجلاً عمدًا فعفا أولياؤه على استرقاقه؛ بطل القتل، وعادت كالخطأ، وقيل للمكاتب: أدِّ الدِّية حالة، فإن عجز عن ذلك خيِّر
سيده بين إسلامه أو افتدائه بالدية.
قال محمد: إذا جنى المكاتب فقيل له: أدِّ الجناية، فقال: ما عندي.
فقد عجز، فيخبر سيده في إسلامه أو افتدائه عبدًا، وإن قال: ما عندي الآن ولكن اودي إلى أيام؛ فإنه لا يرق إلاّ بالسلطان فيقول له السلطان: إن أديت هذا من يومك وشبهه وإلا فأنت رقيق؛ جاز، فإن أدّى وإلا فقد عجز، وخيّر فيه سيده.
قال في المدونة: وكذلك العبد إذا قتل رجلاً عمدًا فعفا أولياؤه على أن يكون لهم؛ فسيده مخيّر كما ذكرنا.
[77 - فصل: في جناية المكاتب على عبد سيده أو مكاتبه]
وإذا جنى مكاتب على عبد لسيده أو على مكاتب آخر لسيده وهو معه في كتابة أو ليس معه في كتابة؛ فعليه تعجيل قيمته للسيد، فإن عجز رجع رقيقًا ويسقط ذلك عنه، وكذلك ما استهلك له؛ لأنه أحرز ماله،
بخلاف العبد يجني على السيد؛ لأن العبد لو استهلك مالاً لسيده لم يلزمه غرمه.
78 - فصل [في العبدين يكاتبان كتابة واحدة فيجني أحدهما على الآخر]
ومن كاتب عبدين له في كتابة، فقتل أحدهما الآخر، عمدًا أو خطأ، وهما أخوان أو أجنبيان، فللسيد أخذ القيمة في الخطأ، ويخيّر في العمد [196/ب] بين أن يقتص أو يعفو على أخذ القيمة، فإن أخذها في عمد أو خطأ، وكان فيها وفاء بالكتابة عتق بها الجاني، واتبعه السيد بحصة ما عتق به منها في عمد أو خطأ، كان أخًا أو أجنبيًا.
م: لأنه لا يرث من القيمة كما لا يرث القاتل من الدية.
قال: ولا أتهم الجاني أن يكون أراد تعجيل العتق في القيمة التي أدّى إذا كان على أدائها قادرا قبل العتق ويعتق بها، فأما إن لم يكن للجاني مال، أو كان معه أقل من القيمة، وللمقتول مال؛ فلا أعتقه فيما تركه المقتول، إن
قتله عمدًا إذا استحيي للتهمة على تعجيل العتق هاهنا، ويكون عليه قيمة المقتول؛ فإن كانت كفافًا عتق، واتبعه السيد بما ينوبه منها وإلا عجز، وإن أدَّى القيمة ولم تف بالكتابة، أخذها السيد وحسبها له في آخر الكتابة.
محمد: ولا يؤدى من مال المقتول تمام الكتابة، وإن كانا أخوين.
قال ابن القاسم: ويسعى هذا القاتل فيما بقى عليه، فإن أدّى عتق، ورجع عليه السيد بما كان حسبه له من القيمة في حصته من الكتابة، وإن كان القتل خطأ؛ عتق القاتل في تركة المقتول؛ إذا لم يكن في القيمة التي أدّى وفاء بالكتابة، كان أخًا أو أجنبيًا؛ لأنه لا تهمة عليه، إلا أن السيِّد يرجع على الأجنبي.
بما أدّى عنه من المال الذي تركه المكاتب وبقيمة المقتول
أيضًا، ولا يرجع السيد على الأخ بما عتق به من التركة، ويرجع عليه بقيمة المقتول؛ لأن القاتل خطأ يرث من المال، ولا يرث من الدية.
محمد: قال أشهب: وإذا لم يكن مع الأخ القاتل خطأ ما يؤدي منه القيمة، أو كان معه بعضها؛ عجل تمام الكتابة من مال المقتول وعتق، واتبع القاتل بجميع القيمة أو بما أُدِّى عنه منها، وإن كان في القيمة التي أدّى وفاء بالكتابة فإنما تؤدى الكتابة من هذه القيمة لا من مال المقتول، وقاله ابن القاسم، وأشهب.
ابن المواز: وإذا كان أخوان في كتابة، فقتل أحدهما الآخر، ولم يكن السيد قبض من الكتابة شيئًا، وقيمة المقتول مثل الكتابة فأداها القاتل وعتق؛ فليرجع عليه السيد بما عتق به منها، وذلك نصفها إن كانا [197/أ] في الكتابة معتدلين.
وقال أشهب: يرجع عليه بجميعها، وجعله كموت أحد المكاتبين؛ أنه لا يوضع بذلك عن الباقي شيء ولا يعجبنا ذلك؛ لأن قيمة المقتول عوض منه في النفع بها، والميت إذا ترك مالاً أُدِّيت منه الكتابة، ورجع على من معه من الأجنبيين بحصته بعد محله، وإذا لم يدع شيئا لم يرجع على الباقين بشيء، وهذا قول ابن القاسم، وعبد الملك، وغيرهما.
وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
[79 - فصل: في المكاتب يقتله أجنبي، ومن كاتبوا كتابة واحدة فجنى أحدهم وعجزوا عن الغرم]
ومن المدونة: والمكاتب إذا قتله أجنبي فأدّى قيمته؛ عتق فيها من كان معه في الكتابة، ولا يرجع عليه بشيء إذا كان ممن لا يجوز له ملكه.
وإذا جنى أحد المكاتبَين في كتابة فعَجَز عن الغرم فإن لم يؤد من معه في الكتابة الأرش حالاً عُجِّزَا، وإن لم يحل شيء من نجومهما، وخيّر
السيد في الجاني وحده، ولو أدّى الذي معه الأرش ثم عتقا؛ رجع به عليه إلا أن يكون ممن يعتق عليه فلا يرجع عليه، كأدائه عن الكتابة.
قال محمد: قال أشهب: وكذلك كل من بينهما رحم وإن لم يتوارثا.
محمد: ولا يعجبنا هذا بل يرجع على كل من لا يعتق عليه بالملك لو كان حرًا، وهذا قول ابن القاسم، وعبد الملك، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
[80 - فصل: في قتل المكاتبة ولدها عمدًا]
قال في المدونة: وإذا قتلت مكاتبة ولدها عمدًا لم تقتل به ولا يقاد من الأبوين إلا في مثل أن يضجعه فيذبحه، وليس للمكاتب أن يعفو عن قاتل [عبده] عمدًا أو خطًأ على غير شيء إن منعه سيده؛ لأنه معروف صنعه؛
لأن للسيد منعه من هبة ماله، ومن صدقته، ويخيّر سيد الجاني إذا كان عبدًا بين فدائه أو إسلامه رقًا للمكاتب، ولو طلب هو أن يقتص وعفا سيده على أخذ قيمة العبد فذلك للسيد دونه إلا أن يعجل المكاتب كتابته فيتم له ما يشاء من عفو أو قصاص.
[81 - فصل: في جناية السيد على مكاتب مكاتبه]
وإذا قتل السيد مكاتبًا لمكاتبه أو عبدًا؛ غرم له قيمته معجلاً، ولم يقاصه بها من كتابته؛ لأنه جنى على مال له لا على نفسه، فإن كان للمكاتب الأسفل ولد فللمكاتب الأعلى تعجيل تلك القيمة من سيده ويأخذها قصاصا من آخر كتابة المقتول، ويسعى ولد المقتول فيما بقي، وإن كانت كفافًا عتقوا، وإن كان فضلا ورثوه.
قال ابن المواز: [197/ب] وإن كان السيد عديمًا بيع عليه كتابة مكاتبه فيما وجب عليه لمكاتبه من قيمة المكاتب المقتول ويكون
المكاتب مكاتبًا لمن اشتراه على حاله، فإن عجزت كتابته عن قيمة المقتول اتبعه المكاتب المباع، بذلك وإن أراد المكاتب أن يشتري كتابة نفسه بما وجب له على سيده من قيمة مكاتبه فذلك له، وهو أحق بذلك من غيره، ويخرج حرًا.
م: وهذا جارٍ على قول الغير في كتاب أمهات الأولاد إذا وطئ الرجل أمةَ مكاتَبِهِ فحملت، وعلى قول ابن القاسم فيها يجب أن يكون يقاصه السيد بالكتابة في العسر؛ فإن كانت كفافًا عتق المكاتب، وإن بقي له من القيمة شيء اتبع به سيده، فذلك كما قال في وطء أمة مكاتبه، وهذا بيِّن.
82 - فصل [من عجل عتق مكاتبه أو عبده فماتا وعليهما دين]
قال في الجنايات: ومن عجل عتق مكاتبه أو أعتق عبده وكتب عليهما مالاً يدفعانه إليه وثبتت حرمتهما ثم ماتا، أو فلسا؛ لم يدخل السيد مع الغرماء ولا يكون له إلا ما فضل بعد الدين.
م: والسيد هاهنا بخلاف المجني عليه يقوم على الجاني وقد فلس؛ فإنه يحاص الغرماء بدية جرحه، ولأن دين المجني عليه إنما وجب ذلك عليه بسبب فعل الجاني فأشبه ما يستحدثه من ديون المبايعات، وما جعله السيد على عبده لا صنع للعبد فيه ففارق جنايته، وأيضًا فإن عتق عبده على مال يكون عليه ككتابته إياه، فكما لا يحاص بالكتابة