علمه، فإن نكل أسلمه أو فداه بالدية، ويضرب مئة.
قال اصبغ: ولا يحبس.
وقد قيل: يحلف العبد خمسين يمينًا، ويجلد مئة، وإن كان ذلك من جرح أو ضرب فمات من ذلك فنكل المدعون فلا ترد اليمين هاهنا عند أشهب، وابن عبد الحكم، ويجلد [203/ب] العبد مئة.
قال أصبغ: ولا يحبس، ويصير الجرح إن ثبت، في رقبة العبد.
قال ابن القاسم: وليس في قتل الخطأ حبس ولا تعزير.
قال مالك: ومن اقتص منه من جرح عمدًا فإنه يعاقب، وكذلك إن كانت منقلة فعليه مع الغرم العقوبة.
19 - فصل [في العافي يدعي إنما عفا على الدية]
وإذا قتل عبد وليك فعفوت عنه ولم تشترط شيئا؛ فذلك كما لو عفوت عن الحر ولم تشترط الدية ثم تطلب الدية.
قال مالك: لا شيء لك إلا أن يتبين أنك أردتها؛ فتحلف بالله ما عفوت على ترك الدية إلا لأخذها ثم يكون ذلك لك.
قال ابن القاسم: وكذلك العبد لا شيء لك إلا أن يُعرف أنك إنما عفوت لتسترقه فذلك لك ثم يخير سيده.
قال مالك: ولو عفوت عن العبد على أن تأخذه رقيقا، وقال سيده: أما أن تقتله أو تدعه؛ فلا قول له، والعبد لك إلا أن يشاء سيده دفع الدية إليك ويأخذه؛ فذلك له، وهذا إذا ثبت قتله إيَّاه ببينة، وإن كان بإقرار العبد فليس للولي أن يستحييه على أخذه، وليس له إلا أن يقتل أو يدع.
20 - فصل [فيمن أقر بقتل خطأ، أو جماعة أقروا بقتل عمدا أو خطأ، والجماعة يقتلون رجلاً خطأ]
قال مالك: ومن أقر بقتل رجل خطأ؛ فإن اتهم أن يكون أراد غنا ولد المقتول كالأخ والصديق لم يُصدّق، وإن كان من الأباعد صُدِّق، إن كان ثقة مأمونًا ولم يخف أن يُرشا على ذلك ثم تكون الدية على عاقلته بقسامة، ولا تجب عليه بإقراره، فإن أبى ولاة الدم أن يقسموا فلا شيء لهم في مال المقر، وإذا لزمت العاقلة كانت في ثلاث سنين وإن أبى ولاة الدم أن يُقسموا فلا شيء لهم على العاقلة، ولا في مال المقر، كما لو ضرب رجل فقال: قتلني فلان خطأ؛ فإنه يُصدَّ، ويكون العقل على عاقلة القاتل بقسامة، وإلا لم يكن لهم في مال المدعى عليه شيء.
ومن غير المدونة: ولو قال رجلان: إننا وفلانًا قتلنا فلانًا عمدًا؛ لم يصدقا عليه؛ إذ لا عدالة لهما، وإن قالا: خطأ فعلى ولاة الدم القسامة مع قول هذين إذا كانا عدلين؛ لأن هذين مقران على أنفسهما فلا تحمل ذلك العاقلة بغير قسامة، ويقسمون على الثالث لأن قول هذين فلان معنا
لوث بينة، ولو كانت قاطعة كانت الدية بغير قسامة، وليس لولاة الدم أن يقسموا على المقرين دون المنكرين، ولا أن يقسموا على ثلثي الدية، ولا أعرف قسامة في غير دية كاملة، وقد قال مالك إذا أتى الأولياء [204/أ] يشاهد أن فلانًا وفلانًا وفلانًا قتلوه، أو شهد على قول الميت ذلك؛ فإنهم يقسمون على قاتليه الثلاثة، وتكون الدية على عواقلهم، فكذلك هذا؛ ولأنه لو شهد رجل لابنه ولأجنبي لم يجز للأجنبي ولا للابن.
ومن المدونة: وإذا قتل عشرة رجالٍ رجلاً خطأً وهم من قبائل شتى؛ فعلى قبيلة كل رجل عُشر الدية في ثلاث سنين، وعلى كل رجل منهم كفارة، ولو جَنوا قدر ثلث الدية حملته عواقلهم أيضًا في سنة، وما كان دون الثلث ففي أموالهم ولا تحمله عواقلهم.
21 - فصل [فيمن قتل نفسه]
قال في غير المدونة: ومن قتل نفسه عمدًا أو خطأ لم تحمله العاقلة، وإنما ذكر الله عز وجل الدية فيمن قتل غيره.
[الباب الخامس]
في القصاص في عين الأعور والقصاص له
[22 - فصل: في دية عين الأعور]
قال مالك: ودية عين الأعور دية البصر كله ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم، أو مائة من الإبل؛ إذا كان ذلك خطأ.
قال محمد: وذكر ذلك ابن المسيب أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان قضيا بذلك، وقاله سعيد، وقضى به عمر بن عبد العزيز، وكتب به إلى عامِلِه على المدينة
عبد الرحمن بن الضحاك محمد: وقاله ابن عباس، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يَسَار، وقاله مالك، عن ربيعة، وابن شِهاب.
قال سليمان بن حبيب: قال علماؤنا: وسواء أخذ في الأولى عقلا أو أصابها ذلك بأمر من السماء؛ ففي الباقية الدية كاملة، وهو قول مالك وأصحابه أجمع.
23 - فصل [في أعور العين اليمنى يفقأ يمنى رجل صحيح، والقصاص في اليد والأسنان]
قال مالك: وإذا فقأ أعور العين اليمين يمين رجل صحيح خطأ فعلى عاقلته نصف الدية، وإن فقأها عمدًا فعليه خمسمائة دينار في ماله، وهو كأقطع اليد اليمنى يقطع يمين رجل صحيح، فدية اليد في مال الجاني، ولا يقتص من اليد أو الرجل اليمنى باليسرى، ولا اليسرى باليمنى، وكذلك العين.
وقاله ابن عمر.
ولا يقاد سن إلا بمثلها في صفتها وموضعها، الرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى، فإن لم يكن للجاني مثل التي طرح رجع ذلك إلى العقل.
قال مالك: وإن كان المفقؤة عينه أعور بعينه اليسرى فله في عينه اليمنى ألف دينار.
قال [204/ب] ابن القاسم: لأنه لا قصاص له في عين الجانين ولأن دية عين الأعور ألف دينار.
[24 - فصل: في الأعور يفقأ عين الصحيح التي مثلها باقية له]
قال مالك: وإن فقأ الأعور عينَ الصحيح التي مثلها باقية للأعور فللصحيح أن يقتص، وإن أحب فله دية عينه ثم رجع مالك فقال: إن أحب أن يقتص اقتص، وإن أحب فله دية عين الأعور ألف دينار.
قال ابن القاسم: وقوله هذا أعجب إليّ.
محمد: وقاله عمر بن الخطاب،
وعثمان بن عفان، وقاله ابن شهاب، ويحي بن سعيد، وقاله عبد الملك وأصبغ.
رضي الله عنهم أجمعين.
قال أصبغ: وهو السُّنَّة والصواب.
قال محمد: وهو أحب إليَّ.
قال محمد: وأخذ أشهب بقول مالك الأول: أنه ليس له إلاّ القود.
قال أشهب: وبلغني ذلك عن ابن عمر أنه قال: "تُفْقأُ عَيْنُهُ، قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45]، قال ابن عمر: الْيُمْنىَ بِالْيُمْنَى، وَالْيُسْرى بِالْيُسْرى".
قال: وقاله ربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة.
قال محمد: وليس ما احتج به أشهب من قول ابن عمر، وربيعة، وغيره، حجة له؛ لأنه مخالف لقولهم في هذا بعينه؛ "لأنهم يقولون في الأعور إذا فقئت عينه: ليس له إلا القصاص".
حتى أن ربيعة يقول: "القصاص في كل شيء حتى الجائفة والمنقلة والمأمومة"، وهذا خلاف للأثر.
وأما حجته في قول الله عز وجل: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45]، فقد قال في الأعور تفقأ عينه: أنه بالخيار، إن شاء استقاد، وإن شاء دية عينه ألف دينار.
وهو الصواب، وهو خلاف من احتج بقوله.
[25 - فصل: في الأعمى يفقأ عين رجل عمدا، في الأعور يفقأ عيني رجل عمدًا]
ومن المدونة قال مالك: وإن فقأ أعمى عين رجل عمدًا؛ فديتها في ماله لا على العاقلة.
قال مالك: وإن فقأ أعور العين اليمنى عيني رجل جميعًا عمدًا؛ فله القصاص من عينه ونصف الدية من العين الأخرى.
قال ابن المواز: وقاله أشهب، قال: وقاله عطاء، وربيعة.
وقال القاسم، وسالم: "تفقأ عينه الباقيه بعينيه كلتيهما، وليس عليه غير ذلك".
قال أشهب: ولسنا نرى ذلك صوابًا.
قال محمد: أما إن فقأهما عمدًا في ضربة واحدة، أو في فور واحد فللمجني عليه دية عينه اليمنى خمس مئة دينار، إذ لا قصاص له فيها، ويخير في عين الأعور اليسرى، فإن شاء [205/أ] فقأها أو تركها وأخذ منه ديتها ألف دينار، وإن كان ذلك خطأ فليس له إلا ألف دينار في عينيه جميعًا، وإن فقأهما واحدة بعد واحدة فإن كان ذلك خطأ ففيهما ألف وخمس مئة دينار على عاقلة الجاني لا تبالي بأيهما بدأ، وإن كان ذلك عمدًا، نُظرت: فإن بدأ بفقأ اليمنى فله فيها خمس مئة دينار إذ لا نظير لها،
ويخير في اليسرى فإن شاء استقاد منها فتركه أعمى، وإن شاء تركها وأخذ ألف دينار، وإن بدأ باليسرى التي مثلها باقية للأعور فله أن يستفيد منها ويأخذ في عينه اليمنى ألف دينار، وإن شاء تركها وأخذ ديتين ألفي دينار.
محمد: وقاله مالك وأصحابه.
[26 - فصل: في السمع يذهب من الأذن، ودية ما منه زوج في الإنسان]
ومن المدونة قال مالك: ومن ذهب سمع أحدى أذنيه فضربه رجل فذهب سمع الأخرى فعليه نصف الدية بخلاف عين الأعور.
قال ابن القاسم: وليس الدية عند مالك في شيء واحد مما هو زوج في الإنسان مثل اليدين والرجلين وشبههما إلا في عين الأعور وحدها لما جاء فيها من السنة، وإنما في كل واحد من ذلك نصف الدية سواء
ذهب أولاً أو آخرًا.
قال محمد: وذلك أن الناظر بالعين الواحدة يبصر بها ما يبصر بالعينين جميعًا، ولا تجد أحدًا من الخلق يقوى بيد واحدة، ولا برجل واحدة قوته بكلتيهما.
م: وبهذا احتج أشهب في المجموعة على العراقيين؛ لأنهم يقولون: في عين الأعور نصف الدية كأحدى اليدين.
قال أشهب: وأما السمع فيسأل عنه، فإن كان يسمع بالأذن ما يسمع بالاثنين فهو كالبصر، وإلا فهو كاليد والرجل.
[27 - فصل: الجناية على البصر الذي قد ذهب بعضه بجناية]
قال فيه وفي كتاب محمد: وإذا أصيب من كل عين نصف بصرها ثم أصيب باقيهما في ضربة؛ فإنما له خمس مئة دينار؛ لأنه إنما ينظر بهما
نصف نظرهما، وكذلك إن أصيب بباقي أحدهما فإنما له مئتان وخمسون دينارًا، ثم إن أصيب بباقي بصر الأخرى فله هاهنا خمس مئة دينار؛ لأن ذلك قام مقام نصف جميع بصره، كما فيها لو كانت صحيحة ألف دينار.
محمد: وقال عبد الملك عن مالك: إذا أصيب النصفان الباقيان من كل عين بضربة واحدة؛ كان فيهما ألف دينار لأنهما كعين واحدة، وإن كان ذلك مفترقا ففي الأولى على حساب خمس مئة، وفي الثانية على حساب ألف.
ولو ضرب صحيح ضربة أذهبت نصف [205/ب] بصر إحدى عينيه، فأخذ نصف ديتها مئتين وخمسين، ثم أصيب ما بقي من عينيه
جميعًا بعد ذلك فله ألف دينار، لأنه بصره كله، ولو لم يصب إلا نصف العين الناقصة وبقيت الصحيحة فليس فيها إلا تمام ديتها مئتان وخمسون ديناراً ما دامت له عين أخرى، وهذا مالا اختلاف فيه بين أصحاب مالك.
قيل: فإن أصيب الصحيحة أو نصفها وبقي نصف المصابة بحاله؟ قال: قد اختلف في هذا أصحاب مالك.
فقال أشهب: له في الصحيحة إن ذهبت كلها ثلثا الألف، وإن ذهب نصفها؛ فثلث الألف، ثم على حساب هذا ما دام نصف الأولى قائما.
محمد: فصار عنده فيما ذهب من العين المصابة على حساب خمس مئة، وفيما ذهب من العين الصحيحة على حساب ثلثي الألف.
وقال ابن القاسم، وعبد الملك: ليس له فيما يصاب به من العين الصحيحة إلا على حساب خمس مئة، ذهبت كلها أو بعضها ما دام في الأخرى بصر، وإذا لم يبق في الواحدة بصر فما ذهب من الثانية فعلى حساب ألف دينار.
قال عبد الملك: ولو بني ذلك على القياس حتى يجعل في الأخرى ثلث الألف لخرج ذلك إلى خلاف الحق.
قال سحنون في المجموعة: وناقض أشهب في هذا أصحابه بقوله: إذا أصيب بقية المصابة والأخرى صحيحة أن له تمام ديتها مئتان وخمسون.
قالوا: وإن كان يلزمه أن يجعل فيها ثلث الألف كما حكم في الصحيحة بثلثي الدية، وأحسن ذلك أن يكون في الصحيحة خمس مئة، لأنه بقي له نصف عين، ثم إن يكن في الصحيحة خمس مئة؛ لأنه بقي له نصف عين، ثم إن أصيب هذا النصف عين فله في قولهم أجمع خمس مئة دينار نصف دية عين الأعور.
[الباب السادس]
فيمن يضرب فيدعي ذهاب بصره أو سمعه أو بعض ذلك
[28 - فصل: كيفية اختبار بصر أو سمع من ضرب فأدعى تأثره بذلك]
قال مالك رحمه الله: ومن أصيب إحدى عينيه فنقص بصرها، غلفت له الصحيحة، ثم جعل له بيضة أو شيء في مكان يختبر به منتهى السقيمة، فإذا رآها حولت إلى موضع آخر؛ فأن تساوت الأماكن أو تقاربت صدق، وقيست الصحيحة ثم أعطى بقدر ما انتقضت المصابة من الصحيحة، والسمع مثله يختبر بالأمكنة أيضا حتى يعرف صدقه.
محمد: [206/أ] قال ابن القاسم وأشهب عن مالك: ويحلف
على ذلك.
قال أشهب وابن نافع: وإن اختلف قوله ل يصدق.
قال أشهب: ولا تبالي بأي عين بدأت.
قال: وإذا اختلف قوله بأمر بين؛ لم يكن له شيء.
قال أصبغ: وهذا قول مالك وأصحابه.
وقال عيسى بن دينار: إذا اختلف قوله؛ عقل له الأقل مع يمينه.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن ادعى المضروب أن جميع سمعه أو بصره قد ذهب اختبر، إن قدر على ذلك، بما وصفنا.
قال في كتاب محمد: يختبر بالإشارة في البصر، والصوت في السمع، ويغتفل مرة بعد مرة.
قال في الكتابين: فإن لم يقدر على اختباره على حقيقته وأشكل أمره؛ صدق المضروب مع يمينه، وقاله مالك، وقال: الظالم لم أحق أن يحمل
عليه.
محمد: وقال أشهب: وروى ما ذكرنا من اختبار البصر بالبيضة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقاله عطاء، وابن شهاب رضي الله عنهما.
قال أشهب: وكذلك لو أدعى أنه نقص بصر عينيه جميعا، أو أذنيه، فإنه يقاس بالبيضة في البصر، والصوت في السمع، كما وصفنا؛ فإذا اتفق قوله أو تقارب، قيس له بصر رجل وسط مثله، فيحسب منتهى بصر ذلك الرجل، وسمعه، ثم يعتبر ما نقص من ذلك المضروب ثلثاً أو ربعاً، أو نصفا أو ما كان فيعطي بقدر ما نقص من سمعه وبصره بعد يمينه على ما ادعى، والظالم أحق بالحمل عليه، ولم يذكر ابن وهب عنه اليمين.
[الباب السابع]
فيمن جرح رجلاً عمداً أو خطأ فترامي الجرح إلى أكثر من ذلك
قال مالك رحمه الله: ومن شج رجلاً موضحة خطأ فذهب من ذلك سمعه عقله؛ فعلى عاقلته ديتان، ودية الموضحة؛ لأنها ضربة واحدة.
قال ابن القاسم: وكما لو شجه موضحة ومأمولة في ضربة فعقلهما على العاقلة، وأما لو شجه موضحة ومأمومة في ضربة عمداً لاقتص منه امن الموضحة، وحملت العاقلة المأمومة.
[29 - فصل: في الجاني يقتص منه فإن ماثل وإلا فالعقل في الزائد]
قال: وإن ضربه موضحة عمداً فذهب منها سمعه وعقله؛ فإنه يقاد من الموضحة بعد البرء، ثم ينظر إلى المقتص منه، فإن برأ ولم يذهب سمعه وعقله من ذلك كان في ماله عقل سمع الأول وعقله، وقد يجتمع في ضربة واحدة قصاص وعقل.
محمد: وقال أشهب: إذا برأ المقتص منه ولم يذهب سمعه [206/ب] عقله؛ كان عقل ذلك على العاقلة.
قلت لمحمد: كيف يكون ذلك على العاقلة، وقد أخبرتني أن ابن القاسم وأشهب قالا فيمن ضرب يد رجل عمداً فشلت: أنه يقتص من الضارب فإن شلت يده وإلا كانت دية اليد في مال الضارب؟
قال محمد: أما ابن القاسم، وعبد الملك، وأصبغ، فيجعلون ذلك كله في ماله، ترامى الجرح إلى زيادة فيه، أو ذهاب عضو غيره؛ لأن العمد جر ذلك كله.
أما أشهب فيقول: كل جرح ترامى إلى زيادة لم يخرج إلى شيء غيره مما لو كان خطأ لم يكن له دية الجرحين إنما له دية الأكثر فذلك في العمد في
ماله؛ مثل أن يجرحه موضحة فتعود مأمومة، فعقل المأمومة فقط في الخطأ على العاقلة، وفي العمد في ماله، وقاله مالك أصحابه في هذا.
قال أشهب: وأما كل جرح ترامى حتى ذهب غيره فكان فيه في الخطأ دية الجرحين؛ مثل أن يوضحه فيذهب بصره أو سمعه، فذلك في العمد يكون ترامى إليه على العاقلة، يتقص من الجرح الأول إن كان مما فيه القصاص، جعل ذلك من العمد الذي لا يقدر على القصاص منه، وهو في الجاني قائم.
قال محمد: وأحب إلينا أن يكون ذلك كله في ماله؛ لأنه مما جره العمد، لو كان ذلك كالخطأ لكان إن ترامى ذلك إلى النفس أن يكون فيه الدية على العاقلة، وهذا لم يقل به أحد من العلماء بل فيه القصاص؛ لأن أصله كان عمداً، قد قال ذلك أشهب ولم يقدر يخالف فيه، ولكان أيضا من جرح يد رجل عمداً فشلت، فاقتص من الجارح فلم تشل يده أن يكون عقل المجروح الأول على العاقلة، وقد قال أشهب مع
أصحابه/: أنه في مال الجاني، فهذا كله في نوع واحد، والله عز وجل نسأله التوفيق.
م: وقال أشهب في المجموعة كقول ابن القاسم، عبد الملك، أن ذلك كله في مال الجاني ولا شيء على العاقلة، قاله: في إذا أوضحه فذهب من ذلك سمعه عقله.
قال في المدونة: ولو قطع إصبع رجل عمداً فشلت من ذلك يده أو أصبع أخرى؛ اقتص من الجاني في الأصبع، ويستأني به فإن برأ ولم تشل يده، عقل ذلك في ماله.
قال مالك: وهذا أحب ما في ذلك إلى من الاختلاف.
وإن ضرب [207/أ] رجلا خطأ فقطع كفه فشل الساعد، فعلى عاقلته دية اليد لا غير؛ لأنه ضربة واحدة.
30 - فصل [في جراح العمد تنتشر إلى النفس، والفرق بين التنامي إلى النفس والتنامي إلى العضو]
ومن المجموعة/ نحوه في كتاب محمد، قال مالك في جراح العمد تنتشر فيعظم الجرح: فليس عليه قود إلا مثل ما أصاب، وليس عليه فيما انتشر إليه قود وإنما فيه العقل إلا أن ينتهي إلى النفس؛ فيقتل به بقسامة.
قال ابن الماجشون: والفرق بين التنامي إلى النفس وبين التنامي إلى ما يزيد من الجرح إلى عضو: أن النفس لا بعض فيها للقود والجرح فيه للقود بعض، فليجعل الجديد موضعا جعله الأول.
م: يريد: ثم يعقل له ما تنامي إليه الجرح.
وقال في كتاب ابن المواز: الفرق بين تنامي الجرح إلى النفس فيقتص منه، ولا يقتص فيما تنامي إلى غير النفس، أنه إذا بلغ إلى النفس، كان القصاص بالنفس، فسقط كل جرح لهذا أو لغيره؛ لأن الجرح عاد نفسا ألا ترى أن الجارح لو قطع يدي رجل ورجليه، وفقاً عينيه، ثم ضرب عنقه بعد الجراح؛ لاقتص منه بالقتل وسقطت عنه الجراح.
وكذلك لو كان إنما فعل بغير هذا، ثم قتل هذا لكان القصاص بالقتل يسقط كل جرح لهذا أو لغيره؛ فإذا قطع يده خطأ ثم مات مكانه، فدية نفسه على العاقلة فقط، وسقطت دية يده، إن كان ذلك عمداً اقتص منه بالقتل فقط.
م: يريد: فلما كان القتل يسقط كل جرح قبله صار لا حكم للجراح الأولى معه، ولما كان الجرح لا يسقط ما تقدمه من الجراح التي موضعها في الجارح قائم، وجب أن يكون حكم الجرح الأول باق، فإذا تنامى إلى
جرح أكثر منه اقتص من الجارح الأول، فإن تنامي إلى ما تنامي إليه جرح الأول فأكثر مضي ذلك، وإن لم يتنام إلى غيره؛ كان له فضل عقل الثاني على الأول.
[31 - فصل: في الموضحة تتنامى منقله، أو تذهب منها العيم، والملطا والباضعة والدامية تتنامى موضحة]
محمد: وقال مالك مرة: إذا شجه موضحة عمداً ليس فيها هشم فتنقلت على الدواء حتى صارت منقلة؛ أرى أن يستقاد من الجارح موضحة، فإن انتقلت بالمستقاد منه أو زادت أو مات فذلك بذلك وإن لم ينتقل كان له بقية دية المنقلة، وهو ما بين المنقلة والموضحة، وذلك عشر فرائض، ومن الذهب مئة دينار.
قال مالك: وكذلك [207/ب] لو شجه ملطا فصارت موضحة؛ أقيد أيضا منه ملطا، فإن صارت موضحة إلا عقل له ما بقي.
قال محمد: وقال مالك أيضا في الموضحة وحدها إذا آلت إلى منقلة: أنه يؤخذ من الجارح عقل المنقلة، وإن كان عمداً، ولا يقتص منه بشيء، وقال: أخاف أن يكون كانت منقلة من أول، والبطء لا يأتي منه نقل العظام لولا أن الضربة هشمت العظم.
قال ابن القاسم وهو أحب إلى، إليه رجع مالك، وليس هكذا ما سواه من الجراح.
قال مالك: ولو شجة موضحة خطأ فصارت منقلة، كان فيها عقل المنقلة، وكذلك لو شجه ملطا، أو باضعة أو دامية، فانتشرت حتى صارت موضحة؛ كان في ذلك عقل الموضحة فقط، وهو الأكثر.
قال أشهب: ول استغررت الموضحة حتى ذهب من ذلك العين لأعطى العقلين عقل الموضحة مع عقل العين.
قال محمد/ ولا يشبه هذا الشجاج؛ لأن هذا جرح آل إلى جرحين
مفترقين، فلذلك أعطاه مالك الديتين، دية الموضحة ودية العين.
فأما الموضحة إذا صارت منقلة فهو جرح واحد في موضع واحد، فليس فيه إلى عقل واحد، وهو الأكثر الذي ترامى إليه، هذا كله في الخطأ.
وقد فسرت لك قول مالك في العمد: أنه لا يقتص إلا من الجرح الأول، إن كان مما يستقاد منه ثم يكون فيما ترامى إليه فضل ديته على الأول إلا أن يترامى جرح المستقاد من أيضا إلى مثله أو أكثر، وهذا كله قول مالك وأصحابه إلا ما بينا من اختلاف قول مالك في الموضحة تعود منقلة.
[الباب الثامن]
في الصلح عن الدم، وجناية النائم ومن جنى ما لا تحمله العاقلة
[32 - فصل: في الصلح عن الدم في العمد الخطأ]
قال مالك: وقاتل العمد إذا صولح على أكثر من الدية فذلك جائز؛ كان من أهل الإبل أو غيرهم لأنه إنما فدى نفسه فما تراضوا به جاز.
قال: وإذا قبلت دية العمد مبهمة فهي في مال القاتل مربعة، ولا شيء على العاقلة.
ومن جني خطأ وهو من أهل الإبل، فصالح الأولياء عاقتله على أكثر من ألف دينار؛ فذلك جائز إن عجلوها، فإن تأخر لم يجز؛ لأنه دين بدين.
ولو جني عمدا فصولح الجاني على مال إلى أجل جاز ذلك؛ لأن هذا دم [208/أ] وليس بمال.
ولو صالح الجاني على العاقلة، والجناية خطأ مما تحملها العاقلة،
فقالت العاقلة: لا نرضى بصلحه ولكنا نحمل ما علينا من الدية؛ فذلك لهم.
33 - فصل [فيما أصاب النائم والنائمة]
وما أصاب النائم من شيء يبلغ به ثلث الدية؛ فهو على عاقلته.
وقال مالك في امرأة نامت على ولدها فقتلته: إن ديته على عاقلتها وتعتق رقبة.
34 - فصل [في جناية من كان من أهل الإبل، ومقدار دية الإصبع منها]
قال مالك: ومن جني من أهل الإبل ما لا تحمله العاقلة؛ فذلك في ماله من الإبل فإن قطع أصبع رجل خطأ؛ كان في ماله ابنتا مخاض، وابنتا لبون وابنا لبون، وحقتان، وجذعتان وكذلك لو جني ما هو أقل من بعير؛ كان ذلك عليه في الإبل.
[الباب التاسع]
في القسامة، وما يوجبها من شهادة، إقرار، أو تهمة.
[35 - فصل: في العمل بالقسامة] محمد: قال أشهب: والقسامة سنة لا رأى لأحد فيها، و (كانت
في الجاهلية فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام
قال غيره: وكذلك قال ابن شهاب لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
قال مالك: وما ذكر الله عز وجل من شأن البقرة التي ضرب القتيل
بلحمها فحيي، وأخبر من قتله؛ دليل أنه يقسم مع قول الميت.
قال أبو محمد: فإن قيل: إن ذلك آية؟
قيل: إنما الآية حياته، فإذا صار حيا لم يكن كلامه آية وقد قبل قوله فيه.
و (سن الرسول عليه السلام الإيمان في القسامة)
قال ابن المواز: فإن قيل: قد يدعي على عدوه؟
قيل: فالعدواة مزيدة في الظنة واللطخ ومما يقوي قوله مع الأيمان.
قال غيره: و (لم يدع النبي صلى الله عليه وسلم الحارثيين إلى الإيمان حتى ادعوا على اليهود القتل)، بينهم يومئذ عدواة ظاهرة، وأمر قوي به دعواهم.
قال غيره: وقد فرق الله عز وجل بين حكم الدماء وغيرهم تعظيما للدماء، فجعل الدية على من لم يجن.
وغيرنا يحكم بالدية مع القسامة في القتيل يوجد في المحلة فأخرجوا
ذلك عن سائر الحقوق، فهي مع قول الميت أو الشاهد العدل أولى.
36 - فصل [فيما يوجب القسامة من قول الميت أو لوث، وما يكون لوثا وما لا يكون]
قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا، وما أدركت الناس عليه؛ أن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما أن يقول الميت: دمي عند فلان، أو يأتي ولاته [208/ب] من بينة وإن لم تكن قاطعة.
واختلف في المدونة: هو الشاهد العدل الذي يرى أنه حاضر الأمر، ولا يقسم مع شهادة المسخوط، ولا النساء، ولا العبيد، ولا الصبيان، قال: وإنما يقسم مع الشاهد العدل.
وبه أخذ ابن القاسم، وابن وهب، وابن عبد الحكم.
محمد: وروى عنه أشهب: أن اللوث الشاهد وإن لم يكن عدلا.
قيل له: أفترى شهادة المرأة من ذلك؟.
قال: نعم، وليس شهادة العبد من ذلك.
وبهذا أخذ أشهب
وأما شهادة العبد، والصبي، والذمي؛ فلم يختلف فيه قول مالك وأصحابه: أنه ليس بلوث.
قال ابن عبد الحكم: ولا شهادة للنساء في قتل عمد، ولا يكون لطخا.
محمد: يريد: في امرأة واحدة، وأما امرأتان فيقسم مع شهاتهما إن كانتا عدلتين، ويقتل بذلك، قاله ابن القاسم.
قال ابن الحكم عبد الحكم: ويوجب القسامة ما يدل على قتل القاتل بأمر
بين؛ مثل أن يرى يجره ميتاً، أو يرى خارجاً ملطخا بالدم من منزل يوجد فيه القتيل وليس معه غيره ومثل أن يعدو عليه في سوق عامر فيقتله فيشهد بذلك من حضره.
يريد: وإن لم يعرفوا، فإن تظاهر ذلك كاللوث تكون معه القسامة، قاله من أرضي.
وقال ابن حبيب: وروى ابن وهب عن مالك: أن شهادة النساء لوث؛ ومثل أن يرى المتهم بحذاء المقتول وقربه، ولم يره حين أصابه.
وقال ربيعة، ويحيى بن سعيد: إن شهادة المرأة لطخ توجب القسامة،
قالا: وكذلك شهادة العبيد، والصبيان، واليهود، والنصارى، والمجوس، إذا حضروا قتلاً فجأة، أو لضرب أو لجرح فذلك يوجب القسامة.
قال في المجموعة/ هذا لا يقوله مالك ولا أحد من أصحابه.
قال ابن حبيب: قال مطرف عن مالك/ ومن اللوث الذي تكون به القسامة؛ اللفيف من السواد، والنساء والصبيان، وغير المعدول، يحضرون ذلك.
ومن روى عنه: أن اللوث الشاهد العدل فقد وهم، وإنما كان يسأل: هل الشاهد العدل لوث؟ فيقول: نعم، واللوث مثل ما أخبرتك، وقد حكم به عندنا.
[209/أ] وقال ابن الماجشون، وأصبغ مثل قول مطرف.
قال ابن المواز: إن شهد عدل أنه قتله غيلة لم يقسم مع شهادته.