أعتقا للمسلمين، وأما لو أسلمت بعد أن أعتقت أم ولده؛ فلا يرجع إليه أولادها، وهي على دينه، أو بعد أن أسلمت ويرجع إليه، ولا التي أولدها وهي على دينه، ولا يرجع إليه، ولا التي أولدها بعد أن أسلمت.
ابن المواز: ولو أسلم هو وحده بقيت له أم ولد بما تقدم، وإن لم تلد بعد إسلامه حتى مات؛ فهي حرة من رأس ماله، وإن يسلما فله بيعها، وإن مات فأراد ورثته بيعها: فقال ابن وهب: إن تحاكموا إلينا منعناهم من ذلك، فإن أبوا وأرادت هي حكمنا؛ فليس لها ذلك، وإن رضوا بحكمنا ثم بدا لهم؛ فليس لهم ذلك.
وقال المغيرة في كتاب ابن سحنون: إذا مات [فاستأذنت حاكم] المسلمين سن بها سُنة أم الولد للمسلم.
وكذلك يقول: إن حنث بطلاق امرأته أو حرية غلامه فرجعت المرأة والغلام ذلك إلى حكم المسلمين فليطلق عليه ويعتق.
قال سحنون: وهذا خلاف مالك وأصحابه [وما علمنا منهم من يقوله غيره في ذلك كله].
ومن الواضحة قال ابن الماجشون: إذا أسلمت أم ولد الذمي؛ فإن أنفق عليها، أوقفت له على يدي مسلم، ولم تعتق، فإن مات: أعتقت، وإن أسلم كانت له أم ولد.
وقال ابن عبد الحكم: توقف حتى ت حيض حيضة، فإن أسلم فيها وإلا أعتقت.
وابن القاسم يعجل عتقها.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وما ولدت أم ولد الذمي من غير سيدها بعد أن أولدها فلا يعتقون بإسلامها كانوا صغاراً أو كباراً، كما لا يعتقون لو عجل السيد عتقها، وإنما يعتقون بموت سيدها، ولا يكونون مسلمين بإسلامها؛ لأن الولد تبع للأب في الدين وللأم في الرق.
وإن أسلم كبارهم وآجرناهم عليه، ولم يعتقوا إلا موت السيد، ولو جنت الأم؛ لجبر سيدها على افتكاكها، ولو جنى ولدها؛ لم يجبر على افتكاكهم، وإنما عليه أن يفديهم بدية الجناية، أو يسلم خدمتهم، فيختدمهم المجروح حتى يستوفى أرش جرحه؛ فيرجعون إلى سيدهم، أو يموت السيد قبل ذلك فيعتقون، ويتبع ببقية الجناية.
وإن أسلمت أمة الذمي ولها ولد من زوج؛ لم يكن ولدها مسلم بإسلامها صغيراً كان أو كبيراً إذا كان أبوه نصرانياً، وتباع الأم وحدها دون الولد، إلا أن يكون الولد صغيراً لم يستغن عنها فيباع معها من مسلم، وليس لمشتريه أن يجعله مسلماً إذا كره ذلك أبوه، وبقي على دين أبيه.
وقد قال مالك في مسلم زوج أمته من عبده وهما نصرانيان فحدث لهما ولد فأراد السيد أن يجبر الولد على الإسلام والولد صغير؛ فليس ذلك للسيد.
قال ابن القاسم: وإن أسلمت أم ولد المكاتب الذمي؛ وقفت، فإن أعتق؛ أعتقت عليه، وإن عجز وكان سيده نصرانياً رق وبيعت عليه.
م: يريد وكذلك إن كان سيده مسلماً وأبقاها بيده؛ فإنها تباع إلا أن ينتزعها منه، وللمكاتب بيعها إذا خاف العجز وطلب ذلك، وإن لم يطلبه؛ فهي موقوفة عنده كما ذكرنا، وقاله أصبغ.
قال أبو إسحاق: وهذا يدل: أن المكاتب بالعجز لا يكون منتزع المال؛ لأنه لو كان منتزع المال لم يبع عليه؛ لأنها ملك لسيده، وسيده مسلم.
في أم الولد تكاتب أو تعتق على مال أو تباع
قال مالك: ولا يجوز أن يكاتب الرجل أم ولده؛ لأنه يستسعيها في الكتابة، ولا خدمة له فيها، وأما إن أعتقها على مال يعجله منها فجائز.
ابن القاسم: لأن القطاعة كأنه أخذ مالها وأعتقها وقد كان له أن يأخذه ولا يعتقها، وأما الكتابة فكأنه باعها خدمتها ورقها إذ يستسعيها في ذلك، وأمهات الأولاد لا سعاية فيهن، ولا غلة، ولا أن يستخدمها في مثل استقاء الماء والطحين وشبهه، وإنما له فيهن المتعة.
[قال أبو إسحاق: وانظر لو رضيت بالكتابة فقد يجوز ذلك؛ لأنها إن أدته في حياة
السيد أعتقت، وإن ماتت بطلت بقية الكتابة، ولا ضرر في ذلك].
قال ابن القاسم: وإن كاتبها فسخت الكتابة إلا أن يفوت بالأداء، فتعتق ولا ترجع فيما أدت؛ لأن له انتزاع مالها ما لم يمرض فإذا مرض لم يكن له ذلك؛ لأنه إنما ينتزعه الآن لورثته.
قال بعض فقهائنا: ولو كاتبها في مرضه ودفعت إليه شيئاً فينبغي أن ترجع عليه بذلك، وتطلب تركته إن مات في ذلك.
قال: وأعرف لسحنون فيمن أعتق بعض عبده ثم أخذ من العبد مالاً، وأعتق باقية؛ أنه يرد المال، ولو مات كان ذلك في تركته يطلبه به العبد، فكذلك مسألة أم الولد هذه والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وأما ولدها من غيره ممن ولدتهم بعد ولادتها منه فله أن يستخدمهم، ويقتلهم، ويسلم في الجناية خدمتهم، بخلاف أمهم، وهم بمنزلتها في العتق بعد موت السيد، يعتقون من رأس المال.
وفي كتاب ابن سحنون قال مالك رحمه الله وكان ربيعة يقول: إنهم أحرار في حياة سيدها، قال: ولم يؤذن له في إنكاحها.
قال مالك وأحب إلي الا يعتقوا إلا بعتق أمهم بعد موت السيد، وأكره له أن يزوجها، وربما كان له منها الولد الكبير فيريد بذلك مساءته.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وللسيد أن يعجل عتق أم ولده على دين يبقى عليها برضاها وليس له ذلك بغير رضاها إذ ليس له أن يستعملها وإذا كانت برضاها جاز كامرأة اختلعت من زوجها بدين جعله عليها إذ ليس له فيها إلا الاستمتاع.
وقال يحيى بن سعيد وغيره: لا تجوز كتابة أم الولد وأما إذا قاطعها سيدها بشيء يتعجل به عتقها فجائز، وإن مات السيد وعليها الذي اشترت به نفسها أتبعت به ولو كانت كتابة سقطت، وعتقت من رأس المال.
قال ابن القاسم: وإذا كاتب الذمي أم ولده الذمية ثم أسلمت عتقت وسقطت عنها الكتابة.
م: قال بعض فقهائنا هذا بناه على قول مالك في أم ولد الذمي تسلم أنها تعتق عليه وأما على قوله توقف حتى يسلم أو يموت فتعتق فيجب إذا كاتبها فأسلمت أن يخير بين أن تتمادى على كتابتها فتعتق بأدائها أو تعجز نفسها فتبقى موقوفة له، وأما على القول
الذي قال فيه: إن أم ولد الذمي إذا أسلمت تباع ويدفع إليه ثمنها؛ فهي كأمة له كاتبها، تباع كتابتها من مسلم، ولا تكون أسوأ حالاً من الأمة.
فصل
وقد تقدم في الباب الأول الحجة في منع بيع أمهات الأولاد بالسُّنة والإجماع.
قال مالك: فيمن باع أم ولده فأعتقها المبتاع؛ نقض البيع والعتق وعادت له أم ولد، وإما إن ماتت بيد المبتاع قبل أن يردها فمصيبتها من البائع ويرد الثمن.
قال ابن القاسم: وإن لم يعلم للمبتاع موضعاً؛ كان على البائع طلبه حتى يرد إليه الثمن، ماتت أم الولد أو بقيت، وكذلك إن مات البائع أو المبتاع أو ماتت هي بعد موت السيد أو قبله، أولم يمت السيد وهي مليء أو معدم؛ فالثمن في ذمته حتى يرده إلى المبتاع أو إلى ورثته.
قال ابن حبيب قال مطرف عن مالك: ولو أولدها المبتاع فالوالد به لاحق، ولا قيمة عليه فيه؛ لأن البائع أباحه فرجها وإنما له قيمة الولد، لو بيعت عليه بغير طوعه.
وقاله أصبغ.
وقال ابن الماجشون: عليه قيمة الولد عبيد.
وقال ابن عبد الحكم: بل على أنهم يعتقون بموت البائع.
قال ابن الماجشون: ولو زوجها المبتاع لعبده فولدت له لردت مع ولدها للبائع، ويكون لولدها حكم ولد أم الولد.
وقال أصبغ: ذلك سواء أولدها المشتري أو زوجها فولدت لا شيء للبائع من ولدها ولا قيمة؛ لأنه هو أباحها.
قال أبو محمد بن أبي زيد: قوله في ولد الزوج فيه نظر.
قال أصبغ: ولو باع أم ولده على أنها حرة بشرط مشروط لم ترد وولاؤها لسيدها، ويسوغ له الثمن كما لو أخذ مالاً على أن يعتقها، ولو باعها على أن يعتقها المبتاع على أنها حرة ساعتئذٍ فهذه ترد ما لم تفت بالعتق فتمضى، والولاء للبائع، ويسوغ له الثمن؛ لأن المبتاع علم أنها أم ولد، وشرط فيها العتق، فكأنه فكاك، ولو لم يعلم أنها أم ولد لرجع بالثمن.
قال أصبغ: ومن قال لأم ولده: إن وطئتك فأنت حرة؛ لم تعتق عليه؛ لأنه بقي له فيها تلذذه بغير الوطء، وبقي له فيها وطؤه حلال، ولو ان يملك أختها لم يحل له وطء أختها حتى يحرم فرج هذه بغير هذه اليمين، وقد قال جل الناس إلا مالكاً رحمه الله في أم الولد إذا حرم فرجها حل له استخدامها إلى موته.
في أم ولد المأذون، والمكاتب والمدبر إذا عتقوا
وأجمعوا أن حمل كل ذات رحم إذا كان من زوج بمنزلة أمه، وأن كان من ملك بمنزلة أبيه في الحرية والرق، وهو في الوجهين بمنزلته في الدين والانتساب.
قال مالك: فإذا اشترى العبد المأذون له في التجارة أمة بإذن سيده أو بغير إذنه، ثم عتق وقد كانت ولدت منه أولاداً أو كانت حاملاً منه يوم العتق فهي تبع له كماله، ولا تكون له بذلك أم ولد؛ لأن ذلك الولد رق للسيد إذ أولدها وهو عبد فولده من أمته مثله.
قال ابن القاسم: إلا أن يملك المأذون حملها قبل أن تضعه.
م: يريد: بهبة أو صدقة أو بشراء، وإن كان لا يجوز شراؤه إلا أنه إذا وقع البيع فقد وقع الفوت في الجنين بحصول الحرية فيه؛ لأنه معتق بنفس الشراء، لا كما زعم بعض أصحابنا: أنه لا يفوت إلا بالوضع، فإذا ملك حملها بأحد هذه الوجوه كانت بذلك أم ولد.
م: وأما لو اشترى المأذون زوجته حاملاً منه ثم أعتقه السيد فإن الولد وأمه يتبعانه؛ لأن الولد في هذا الموضع كماله، ويعتق عليه، وتكون أمه بذلك أم ولد، بخلاف الذي يولد أمة نفسه.
والفرق بينهما: أن هذا الولد بمنزلة أمة؛ لأنه من نكاح وأمه قد صارت بالشراء أمة للعبد، فكذلك ولدها، ألا ترى أنهما يباعان عليه في الدين وإن زايلها، فإذا عتق تبعته بما في بطنها وعتق عليه جنينها فوجب أن تكون به أم ولد، وكذلك عندي إن ولدته قبل العتق
ثم عتق الأب؛ لأن الولد عنده حتى ينتزعه منه سيده، فإذا أعتق تبعه الولد وأمه؛ لأنه ماله وكانت الأمة بذلك أم ولد والله أعلم.
وأما إذا أولد العبد أمة نفسه فولده بمنزلته، وهو عبد للسيد، فكذلك ولده، فإذا أعتق لم يتبعه، فهذا فرق ما بينهما.
قال ابن المواز: ولا تباع الأمة في دينه قبل أن تضع.
م: يريد عتق أو لم يعتق، وقاله أصبغ عن ابن القاسم في العتبية.
ومن المدونة قال مالك: لو أن العبد حين أعتقه سيده أعتق هو جاريته وهي حامل منه ثم أعجل لها ذلك، وكانت حدودها حدود أمة حتى تضع فيرق الولد للسيد الأعلى وتعتق هي بالعتق الأول فيها بغير إحداث عتق، ألا ترى: أن من دبر عبده أو كاتبه وللعبد أمة حامل منه؛ أن جنينها رق، ولا يدخل في تدبير ولا كتابة، والأمة بعد الوضع تبع للمكاتب كماله، إلا أن يشترطه المكاتب، أو يدخله السيد في التدبير.
قال سحنون في الذي أعتقها المأذون بعد عتقه توقف أحكامها، فإن وضعت كانت حدودها حدود أمة؛ لأنه اليوم تم عتقها، وإن أنفش فحدود حرة؛ لأنها حرة من يوم العتق إذ لو علم أنه ريح لم توقف.
واختلف قوله في أم ولد المأذون فقال: له بيعها.
وقال: لا يبيعها إلا بإذن السيد.
وكذلك قال ابن القاسم في المدونة ورواه عنه ابن حبيب قال وقال أصبغ: له بيعها بغير إذن السيد، ورواه أشهب عن مالك.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكلما ولد لمدبر أو مكاتب من أمته مما حملت به بعد عقد التدبير أو الكتابة فهو بمنزلته يعتق مع المكاتب بالأداء أو مع المدير في الثلث، وإذا عتقا كانت الأمة أم ولد بذلك لهما، كان الولد الآن حياً أو ميتاً وقاله مالك.
قال ابن القاسم: لأن ولدها بمنزلة أبيه فوجب أن يجري فيها ما جرى في ولدها.
قال سحنون ولملاك قول ثان: إنها لا تكون أم ولد بذلك، وقاله أكثر الرواة في المدبر خاصة، إذ كان لسيده انتزاعها إن لم تكن حاملاً، وأن المدبر لا يبيعها إلا بإذن السيد.
قالوا: وأما المكاتب فهي له أم ولد إذا عتق إذا كان السيد ممنوعاً من ماله، وليس للمكاتب بيعها وإن أذن له سيده حتى يخاف العجز.
ابن المواز وقال أشهب وعبد الملك لا تكون أم ولد بما حملت بعد عقد التدبير وعقد الكتابة وعتق الأجل وإن ولدته بعد تمام الحرية في الولد إلا أن للولد حكم الأب، وإن شك في الحمل؛ فإن ولدته لأقل من ستة أشهر من تمام عتق الأب لم تكن به أم ولد؛ قالا: لأن ما في بطنها لم يملكه الأب، وقد جرى لغيره فيه حرية، فلا تكون أم ولد بما جرت لغيره فيه حرية.
قال ابن المواز: وأن القياس، وربما غلب الاستحسان في بعض العلم، وقول مالك وابن القاسم أحب إلي؛ لأن كل ولد تلده الأمة من سيدها فله حكم أبيه، وما ولدته من غير سيدها فهو بمنزلتها.
ومن المدونة: وسأل ابن كنانة مالكاً عن مدبر اشترى أمةً فوطأها فحملت ثم عجل سيده عتقه وقد علم أن ماله يتبعه أترى ولده يتبع المدبر؟ فقال: لا، ولكن إذا وضعته كان مدبراً على حكم ما كان عليه الأب قبل أن يعتقه السيد والجارية تبع للعبد؛ لأنها ماله.
قال ابن القاسم: واختلف قول مالك هل تكون هذه الأمة بهذا الولد أم ولد أم لا؟ وإذا مات المدبر وترك ولداً حدث في تدبيره من أمته ثم مات السيد كانت أم ولد المدبر وما ترك من مال لسيده ويعتق ولده في ثلث السيد بعد موته؟
قال في كتاب ابن المواز: ولو مات المدبر وأمته حامل منه رقت وكان ولده مدبراً، ولو مات السيد والمدبر حتى عتق مع ولده ومع ما في بطن أمه بالحصص، فإن خرجوا بقيت أم ولد المدبر أم ولد.
م: يريد: على الاختلاف، وإن أعتق بعضهم بقيت له رقيق إن شاء، وإن أولدها بعد ذلك لم تكن له أم ولد؛ لأن نصفه رقيق ولو أعتق باقية وهي حامل منه لم تكن به أم ولد بخلاف المعتق إلى أجل يعتق وأمته حامل منه أنه تكون له أم ولد؛ لأنه كتمام
الأجل فيه، ولو مات قبل الأجل؛ رقت وكان ولدها معتقاً إلى أجل، والأجل فيه كموت السيد في المدبر، وموته قبل الأجل كموت المدبر قبل سيده، وأما أم ولد المكاتب إن مات فبخلاف ذلك؛ هذه تعتقد فيما ترك إن ترك ولداً، أو فيما تسعى هي وهم.
واختلف فيه إن ترك أخاه أو أباه معه في كتابة:
فابن القاسم يرقها.
وأشهب: يعتقها معهما فيما ترك لا في سعايتها، وهذا في الكتاب مذكور.
ابن المواز: وقال عبد الملك: في العبد والمدبر والمعتق إلى أجل أو ابن أم ولد من أجنبي دبر أمته بإذن السيد ثم أحبلها السيد؛ فإنها حرة حين تبين حملها؛ لأن إذن السيد بتدبيرها كالانتزاع، فصارت كمعتقة إلى أجل، لا تحل للسيد ولا للعبد، ثم صارت أم ولد للسيد، لا يحل لها وطؤها فعتقت.
جامع القول في استلحاق الولد
قال الله سيحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ فكل جائز النسب أو مستلحق به فهو على ذلك حتى يتبين كذبه.
م: واستلحاق الولد عند ابن القاسم على ثلاثة أوجه: وهو أن يستلحق ولداً ولد عنده من أمته أو ولدته بعد أن باعها لمثل ما تلحق فيه الأنساب، ولم يطأ المبتاع ولا زوج، ولا يتبين كذب المستلحق له؛ فهذا يلحق به بلا خلاف.
والثاني: أن يستلحق ولداً لن يولد عنده ولا علم أنه ملك أمة بشراء ولا نكاح؛ فهذا يلحق به عند ابن القاسم إذا لم يتبين كذبه ولا يلحق به عند سحنون.
والثالث: أن يستلحق ولداً في ملك غيره أو بعد أن أعتقه غيره؛ فهذا لا يلحق به عند ابن القاسم إذا أكذبه الجائز لرقه أو لولائه.
وقال أشهب: يلحق به، ويكون ابناً لهذا، ومولى لمن أعتقه، وعبداً لمن ملكه، وإن أعتق مولاه؛ ورث أباه وورثه.
قال سحنون في كتاب ابنه: وما علمت بين الناس اختلافاً أن إقرار الرجل يولد الولد أو بالأجداد أو بالإخوة أو غيرهم من سائر القرابات؛ لا يجوز ولا يثبت به نسب مع وارث معروف أو م غير وارث.
قال هو أصبغ: وإنما يجوز إقراره بولد الصلب خاصة؛ أقر به في صحته أو مرضه، كان له ولد غيره أو لم يكن له، فإذا كان له أخ أو ابن أخب معروف فأقر بأخ آخر أو بابن عم؛ فإقراره باطل، وميراثه للوارث المعروف، وإن لم يكن له وارث معروف، ولا موالي غير هذا المقر به؛ فإنه يجوز إقراره له، ويستوجب ميراثه ولا يثبت به نسب، وإن أتى بعد ذلك آخر فأقام بينة أنه وارثه؛ كان أحق بالميراث من المقر له.
وقال أيضاً سحنون: لا يجوز إقراره له، ولا يرثه، وإن لم يكن له وارث معروف؛ لأن المسلمين يرثونه فذلك كالوارث المعروف.
قال ابن سحنون وإنما اختلاف أصحابنا وأهل العراق في مثل هذا لاختلافهم الأصل؛ لأنهم قالوا: إذا لم يكن له وارث معروف، كان له أن يوصي بماله كله لمن أحب،
فذلك جوزوا إقراره لمن ذكرنا من القرابات، وأصحابنا لا يجيزون له أن يوصي إلا بالثلث، وإن لم يكن له وارث معروف.
قال أصبغ: ولو أقر بأن هذا الرجل وارثه وله ورثة معروفون فلم يمت المقر حتى مات ورثته المعروفون؛ فإن ميراثه لهذا الذي كان أقر له أنه وارثه؛ وكأنه أقر ولا وارث له.
فصل
ومن المدونة قال مالك فيمن باع صبياً ولد عنده ثم أقر بعد ذلك أنه ابنه؛ لحق به، ورد الثمن إلا أن يتبين كذبه، وقد نزلت بالمدينة فقضي بها بعد خمس عشرة سنة.
م: اختلف فقهاؤنا القرويين: هل يرجع المشتري على البائع بنفقة الولد إلى يوم استلحاقاً؟ فحكى لنا عن الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن: أنه يرجع عليه بالنفقة [وهو كمن تعمد طرح ولده فأنفق عليه، وهل أنه يرجع عليه بالنفقة؟] فكذلك هذا، هذا أشد؛ لأن الذي يطرح ولده متأول في طرحه لغرض يريده، والمستلحق لا تأويل له.
وقال غيره: لا يرجع بالنفقة إذ له غلته، وكما لو اشترى عبداً فاستحق بحرية؛ أنه لا يغرم أجر خدمته، وتكون خدمته بنفقته.
قيل: فلو كان صغيراً لا خدمة فيه؟
قال: لا نفقة له، وإن كان صغيراً؛ لأنه ممن تكون فيه الخدمة في المستقبل، وليس كمن طرح ولده.
وقال غيرهما: إن كان فيه خدمة وأقر المبتاع بخدمته أو ثبت أنه خدمة؛ فلا نفقة له، والنفقة بالخدمة، وإن كان صغيراً لا خدمة فيه رجع بالقيمة.
م: وهذا أعدلها؛ لأنه اشتراه للخدمة، والنفقة عليه فقد حصل له غرضه فلا تباعة له.
م: وذكر مثل هذا عن سحنون.
قال ابن القاسم: وكذلك لو لم يولد عنده، أو لم يعرف أنه ملك أمه بشراء أو نكاح؛ فإنه يلحق به، وكذلك إن استلحق عبده أو أمته؛ فقال: إنهما ولداي لحقا به إلا أن يتبين كذبه في ذلك كله؛ فلا يلحق به.
وقد قال مالك: من ادعى ولداً لا يعرف كذبه فيه؛ لحق به.
قال سحنون: هذا كله لا أعرفه، وسيأتي له خلافه.
قال ابن القاسم: والذي يتبين به كذبه؛ مثل أن يكون له أب معروف، أو هم من المحمولين من بلد لا يُعلم أنه دخلها كالزنج والصقالبة، أو تقوم بينة أن الأم لم تزل زوجة لغيره حتى ماتت.
قيل له: فإن قالوا: لم تزل ملكاً لغيره؟
قال: لا أدري ما هذا، ولعله تزوجها، وأما إن كان استلحق مسلماً محمولاً من بلد دخلها؛ لحق به.
قال أشهب في كتاب ابن سحنون: ولو سُبي رجل وصبي فأعتقا فادعاه ابناً؛ لم يتوارثا بذلك.
ودعوى الصبي من أب أو ابن أخ أو أم سواء، جاء ذلك عن عمر مجمل أنه لا يلحق نسب إلا من ولد في الإسلام.
ابن حبيب قال مطرف وابن الماجشون: ولو باع رجلٌ عبده فاتخذ الجواري عند المشتري، وتوالد له الأولاد، ثم يستلحقه البائع؛ فإنه يلحق به هو وكل ولد له، ويصير جداً لهم، ويرجع إلى البائع بجميع ما عنده من مال، ويرد البائع الثمن، ولا قيمة عليه في ولد العبد، وكذلك لو مات العبد ثم استلحقه؛ فإنه يلحق به ولد العبد، ويأخذ ماله، ويغرم الثمن، وإن كان إنما زوجه المشتري أمته، أو أمة غيره، لم يأخذ البائع الولد، وإنما يأخذ العبد وماله إلا أن ولده ينسبون إليه هو وأبيعهم، وقاله أصبغ.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ولد عنده صبي فأعتقه ثم استلحقه بعد أن كبر الصبي؛ لحق به، وإن أكذبه الولد.
قال: وإن استلحق صبياً في ملك غيره أو بد أن أعتقه غيره؛ لم يصدق إذا أكذبه الحائز لرقه، أو لولائه، ولا يرثه إلا ببينة ثبتت، وكذلك إن استلحق ابن أمة لرجل وادعى نكاحها وأكذبه السيد؛ لم يلحق به، ولا يثبت نسبه منه إلا أن يشتريه فيلحق به ويكون حراً؛ كمن وردت شهادته بعتق عبد ثم اشتراه؛ ولأنه أقر بأنه ولد بنكاح لا بحرام، وإن ابتاع الأم لم تكن به أم ولد.
م: لأنه أولدها في ملك غيره، ولو اشتراها حاملاً، وادعى أن حملها منه بنكاح؛ فإن الولد يلحق به وتكون هي به أم ولد، والله أعلم.
قال ابن القاسم: ولو أن سيد الولد أعتقهم قبل أن يشتريهم مستلحقهم؛ لم يثبت نسبهم من هذا الذي ادعاهم، ولا يوارثهم إلا بأمر يثبت؛ لأن الولاء قد ثبت لسيدهم، فلا ينتقل عنه إلا ببينة.
ابن المواز وقال أشهب يلحقون بمن ادعاهم قبل أن يعتقوا أو بعد، ويثبت نسبهم منه ألا أن ولاءهم لسيدهم، ومتى أعتقهم ورثوا أباهم وورثهم.
ومن المدونة قال: ومن ابتاع أمة وولدها، أو ابتاعها بلا ولد، فولدت عنده لما يلحق فيه الأنساب، ولم يدعه فادعاه البائع؛ فإنه يلحق به، ويرد البيع، وتعود هي أم ولد إن لم يتهم فيها.
قال ابن المواز: لا تهمة في هذا إذا كان مليئاً والولد معها.
وقال ابن القاسم: إن اتهم فيها وهو مليء، لم يرد إليه إلا الولد بحصته، ولا ترد هي حتى يسلم من خصلتين: العدم، والصبابة فيها.
ابن المواز واختلف فيها إن كان عديماً:
فروى أشهب عن مالك: أنه يصدق فيه وفيها، ويرد أو يتبع بالثمن ديناً، وأخذ به أشهب وابن عبد الحكم.
ابن حبيب: وقاله أصبغ.
ابن المواز: وروى أشهب أيضاً: أنه لا يصدق فيها ويصدق في الولد، ويرد بحصته من الثمن، وبه قال ابن القاسم إلا أن تقوم بينة أنه أقر قبل بيعها بالمسيس، فيرد بيع الأم والولد في عدمه، ويتبع بالثمن، وذكره ابن حبيب عن عبد الملك.
قال: وإذا كان الولد حملاً ثم وضعته؛ حُسب بقيمته يوم وضعته.
قيل: فلم لا كان قيمته يوم أقر به؟
قال: ليس كالمستحقة؛ لأن ولد تلك لو مات لم يلزم أباه قيمة، ولو مات ولد هذه لزم اباه حصته من الثمن.
قال: وإن كان بيع معها فقيمته يوم البيع، وذلك في الوجهين بقدر ما ينويه من الثمن، ولو لم يكن معها ولد، أو كان معها ولد فمات، ثم أقر أنها ولدت منه؛ فهو مصدق إلا أن يتهم فيها بصبابة أو يكون عديماً، فلا يصدق، وهذا كله: إن لم يعرف مسيسه إياها إلا بإقراره اليوم، فأما إن قيد إقراره بذلك قبل بيعها؛ فإنه مصدق في ملائه وعدمه، كان معها ولد أو لم يكن، ورفيعة كانت أو وضيعة، كأم ولد بيعت.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية فيمن باع أمة حاملاً، ثم أقر أن الحمل منه؛ فإن اتهم فيها بصبابة؛ لحق به الولد خاصة، وأدى قيمته يوم أقر به.
م: وتفسير ذلك: أن يقال: كم قيمته يوم عقد الصفقة على هيئته الآن، ثم تقوم الأم بلا ولد، ثم يعرف كم قيمته من قيمة الأم، فيرد من الثمن ما يخص الولد، وهذا خلاف ما ذكره ابن حبيب من أن يرد قيمة الولد يوم الوضع، وهذا يجري على اختلافهم في المكاتبة تلد بعد الكتابة؛ فيبلغ الولد السعي قبل أداء الكتابة؛ ماذا يكون على الولد من الكتابة؟
فقيل: عليه ما يخصه يوم الحكم أن لو كان هكذا معها يوم عقد الكتابة.
وقيل: بل عليه قدر طاقته يوم بلوغ السعي، أن لو كان هكذا معه يوم عقد الكتابة، وهذا يشبه قول ابن حبيب يوم الوضع في هذه المسألة، والأول يشبه قول ابن القاسم.
قال ابن القاسم: وإن كان المستلحق عديماً؛ لحق به وتبع بقيمته، وإن لم يتهم فيها بصبابة، ولأنها صلحت في بدنها وفرهت وهو مليء؛ فلترد إليه، ويرد الثمن، ولا قيمة عليه في الولد، وإن كان غير متهم وهو عديم؛ لحق به، وأتبع بقيمته يوم أقر به.
م: يريد على الحصة ولا ترد الأمة إليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى الولد بعد عتق المبتاع الأمة؛ لم أقبل قوله فيها، وإن كان لا يتهم فيها؛ لأن عتقها قد ثبت، ولا ترد إليه إلا ببينة إلا ببينة
ابن حبيب وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
ابن القاسم وقد قال مالك فيمن اشترى جارية فأعتقها ثم ادعى البائع أنه كان أولدها: أنه لا يقبل قوله إلا ببينة، فكذلك مسألتك؛ لا يقبل قوله في الجارية بعد العتق إلا ببينة، ويقبل دعواه في الولد؛ ويلحق به، ويرد الثمن لإقراره أنه ثمن أم ولده، ولو كان الود خاصة هو المعتق، أثبت الولاء لمعتقه وأحلقت النسب بمستلحقه، ووارثه، وأخذ الأم إن لم يتهم فيها لدناءتها، ورد الثمن، وإن اتهم فيها؛ لم ترد إليه.
قال أبو محمد وغيره: ولا يرد الثمن حينئذٍ إذا اتهم فيها.
م: يريد: وهذا إذا كان الولد يوم البيع حملاً؛ لأن البائع لم يأخذ له حصة، فيجب عليه ردها، والمشتري قد أعتقه؛ فلا حجة له، ولو لم يعتقه لكانت له حجة؛ لأن عبده أخذ من يديه، وأما لو كان مولوداً وبيع معها؛ لرد حصته من الثمن؛ لأنه استلحقه ورد إليه، وقد كان أخذ له حصة، فوجب عليه ردها؛ لأنه ثمن ولده، ولا حجة على المبتاع في رده الولد، كما لا حجة عليه في عتقه الأم، ويرد البائع ثمنها؛ لأنه ثمن أم ولد، فكذلك يرد حصة الولد؛ لأنه ثمن ولده، وأما الحمل؛ فلم يأخذ له حصة، وإنما أخذ ثمن الأم، وقد أبقيت للمبتاع، فلا يرد إليه شيء من الثمن.
قال بعض شيوخنا: وإذا باع صبياً ثم استلحقه فتبين كذله فلم يرد إليه؛ فإنه لا يرد الثمن، كقول الشيخ أبي محمد في الأمة.
وحكى عن بعض شيوخنا إذا قامت بينة أن أم الصبي المستلحق لم تزل زوجة لفلان حتى ماتت؛ وجب على المستلحق الحد، وكذلك إذا عُرف للولد نسب؛ فإنه يحد مدعيه، وكأنه نفاه من نفسه؛ لأنه قال: لست ابن فلان.
م: والفرق بين استلحاق الرجل واستلحاق المرأة: أن الرجل يُلحقه بنفسه، والمرأة تلحقه بغيرها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعاه بعد عتق المبتاع الأم والولد، مضى ذلك، وألحقت به نسب الولد، ولم أزل عن المبتاع ما ثبت له من ولائهما، ويرد البائع الثمن؛ لأنه
ثمن أم ولده، وكذلك إن استلحقه بعد موتها؛ فإنه يرد الثمن؛ لأنه ثمن أم ولد.
قيل لابن القاسم في باب آخر: أرأيت من باع صبياً وُلد عنده فأعتقه المبتاع ثم التلحقه البائع أقبل دعواه وينقض البيع فيه، ولا يعتق؟
قال: أرى إن لم يتبين كذب البائع فالقول قوله.
قال سحنون: هذه المسألة أعدل قوله في هذا الأصل.
قال ابن القاسم: والذي يبتاع الجارية فتلد بعد الشراء بيوم؛ فيدعيه [فهذا ممن قد] تبين كذبه، ولا تكون به أم ولد، ولا يعتق عليه ولد، ولا يثبت نسبه إلا أن يكون أصل الحمل في ملكه، وإن كان أصل الحمل في غير ملكه؛ لم يقبل دعواه إلا أن تكون الأمة كانت له زوجة، ثم ابتاعها وهي حامل؛ فيجوز دعواه.
قال سحنون هذا كلام جيد.
وقال غيره يعني أشهب ومن ابتاع أمة وولدها وقد ولدت عنده أو عند المبتاع لمثل ما تلد له النساء ولم يطأها المبتاع ولا زوج، أو باع الولد وحبسها، ثم استلحق الولد، وهو الأم عند المبتاع أو أحدهما، وقد أحدث فيهما أو في أحدهما عتقاً أو تدبيراً أو كتابة، أو لم
يحدث شيئاً؛ فذلك كله منتقض، ويردا أحدهما إلى البائع، ولد لاحق، وأم ولد، ويرد هو الثمن.
قال سحنون: فإن كان عديماً فبعض أصحابنا يقول: يتبع بالثمن ديناً.
وقال آخرون وقاله مالك: يرد إليه الولد خاصة بما ينوبه من الثمن للحوق النسب، وأنه يرد إلى حرية، ولا ترد الأم؛ لأنه يتهم أن يردها للمتعة بغير أداء ثمن.
قال: وإذا لم يورد الولد عند بائع أو مبتاع، لما يلحق إلى مثله الأنساب، ولم أنقض لذلك صفقة مسلم، أحدث المبتاع في ذلك عتقاً أم لا؛ لأن النسب لا يلحق به أبداً، إلا أن تلد الأمة وهي في ملكه، أو عند من ابتاع منه لما يلحق فيه الأنساب، ولم يحز الولد نسباً معروفاً، أو كانت عنده زوجة فزالت، أو أتت بولد لما يلحق به الأنساب، وإلا لم يلحق به.
قال سحنون: هذا أصل جيد.
قال في كتاب ابنه: ولو استلحق الولد بعد أن مات وصدقه المشتري؛ فإن كان أحدث في الأمة عتقاً أو تدبيراً أو كتابة أو إيلاداً فلا ترد إليه، وإن لم يحدث شيئاً؛ ردها وأخذ الثمن، وكذلك لو لم يصدقه ولم يكذبه؛ فليرجع عليه بالثمن، وإن أكذبه لم يرجع
عليه بشيء، واستحسن إن صدقه وقد أعتقها أو دبرها أو أولدها لم يرجع إليه بالثمن، وتقر على حالها، وأما إن كاتبها فلتسأل هي، فإن أقرت به انتقضت الكتابة، وعادت إليه إم ولد، ورد الثمن، وإن كذبته، سعت في الكتابة، فإن أدتها أعتقت، ورجع المبتاع على البائع بالثمن، وما أدت من الكتابة لها وهي حرة، وهذا استحسان.
فصل
ومن كتاب ابن ميسر: ومن أقر بولد أمة عبده؛ فهو به لاحق إذا ولدته وهي في ملك عبده، ولم ينسبه العبد إلى نفسه، وهي أم ولد، وإن كان ولدته في غير ملك العبد؛ فالولد أيضاً لاحق بالسيد، والأمة أمة لعبده إن تركها له السيد، وكذلك أمة مدبره.
م: معنى قوله: وإن ولدته في غير ملك العبد: إن العبد اشترى الأمة وولدها فادعى السيد أنه كان تزوجها عند البائع من العبد، وأن هذا الولد منه؛ فهذا يلحق به الولد، ولا تكون أمه أم ولد، كما لو اشتراهما السيد لنفسه ثم استلحق الولد وادعى نكاح الأمة؛ فإن الولد يلحق به، ولا تكون له الأمة أم ولد، وقد تقدم هذا.
وأما أمة مكاتبه؛ فإن لم يدعه المكاتب؛ لحق بالسيد وأدى قيمة المكاتب، وكانت به أم ولد، وإن ولدته في غير ملك المكاتب انتظر بالمكاتب؛ فإن عجز لحق الولد بالسيد وله أخذ الأمة، وليست بأم ولد، وإن أعتق المكاتب فإن صدق سيده؛ لحق به الولد في قول ابن القاسم، ولو استلحق ولد أمة ولده؛ لحق به إن لم يدعه الولد لنفسه، ولم يحزه نسب معروف، ويغرم قيمة الأمة لولده في ملائه، ويتبع في عدمه، وهي له أم ولد، وعليه
الأب إن لم يعذر بجهل، وإن ولدته في غير ملك الابن؛ فأمه أمة للولد، والولد عتيق على أخيه، وأما أمة والده؛ فهي كأمة أجنبي إن استلحقه بما يجوز به الاستلحاق وصدقة الأب؛ عتق على الجد، ولم تكن هي به أم ولد، وإن لم يصدقه، لم يلحق به إلا أن يملكه يوماً ما، وإن استلحقه بما لا يجوز به الاستلحاق لم يلحق به وعليه الحد إن ثبت على قوله.
ولو استلحق الجد ولد أمة ابن ابنه فقد اختلف فيه:
فقيل: هو كالأب في الحرمة ودراية الحد.
وقيل: ليس ذلك إلا في الأب خاصة.
فصل
ومن كتاب ابن سحنون: ومن ابتاع أمة فأولدها ثم قامت بينة أن البائع كان أقر قبل بيعها أنها ولدت منه؛ فالترد إلى الأول أم ولد، ويأخذ من المبتاع قيمة ولده مرسلة، كولد المستحقة، وكذلك لو ماتت بيده؛ لرجع المبتاع بالثمن على البائع، ورد إليه قيمة الولد فيتقاصان ويترادان الفضل، ولو لم تمت حتى مات البائع؛ قضي بحريتها من يوم موته، فإن أصابها المبتاع بعد ذلك؛ لزمه لها صداق المثل في قول المغيرة، وابن القاسم لا يرى عليها مهراً.
قال سحنون: ويرجع بالثمن في مال الميت، ولها حكم الحرية في قول مالك والمغيرة.
وقد اختلف في المشكوك في حملها بعد موت السيد الواطئ لها تقذف أو يموت لها ولد حر:
فقيل: إن صح الحمل ووضعت؛ فلها حكم الحرة في ذلك من يوم مات السيد.
وروى ابن القاسم وغيره عن مالك: أن لها حكم الحرة من يوم يتبين حملها، وإن لم تضع.
قال سحنون: وإن بيعت من عبد مأذون فأولده، ثم ثبت إقرار بائعها الحر قبل البيع أنها أم ولد له؛ فلترد إليه أم ولد، ويرد معها ولد العبد يكون بمنزلتها، ولا يوطأ شيء من بناتها بملك اليمين؛ لأنهن معتقات إلى أجل وإنما يوطأن بالنكاح.
م: انظر قوله: ولا يوطأ أحد من بناتها بملك يمين، وكيف يجوز أن يملكهن أحد غير سيد أمهن، وهو أيضاً لا يجوز له وطأهن؛ لأنهن كالربائب المدخول بأمهاتهن، فقوله: يوطأن بملك يمين؛ يوهم أنه يملكهن غير سيد أمهن وذلك لا يصح؛ لأنهن لا يجوز بيعهن، ويعتقن بموت سيد أمهن من رأس المال.
فصل
ومن العتبية قال سحنون فيمن قال في ثلاثة أولاد من أمته أحدهم ولدي: يريد: ثم مات قال: فالصغير منهم حرا على كل حال؛ لأنه كان المستلحق الكبير، فالأوسط والصغير حران بحرية الأم، وإن كان المستلحق الأوسط؛ فالصغير حر، وإن كان الصغير؛ فالكبير والأوسط عبدين، ففيهما الشك ولهم تفسير.
وقال المغيرة في موضع آخر: إنه يعتق الأصغر وثلثا الأوسط وثلث الأكبر؛ لأنه إن كان أراد الأكبر فكلهم أحرار، وإن أراد الأوسط؛ فهو والأصغر حران، وإن أراد الأصغر؛ فهو حر وحده، فالأصغر لا تجده في هذه الأحوال إلا حراً، والأوسط ثابت
العتق في حالين، ويرق في حال، فيعتق ثلثاه، والأكبر ثابت العتق في حال ويرق في حالين، فيعتق ثلثه.
وقال ابن عبد الحكم: يعتقون كلهم بالشك.
قال ابن المواز: ولو قالت الأم هم من سيدي؛ فأقر السيد بالصغير، وقال في الأول والأوسط: لم تلديهما أنت؛ فالقول قوله، [ولو أقر بالأوسط] وقال في الأول: لم تلديه، أو ولدتيه قبل أن تلدي مني؛ فذلك له، وهي مصدقة في الأصغر أنه منه، ويلحق به إلا أن يدعي الاستبراء فيه، وإن أقر بالأول فقط لزمه الثاني والثالث، إلا أن يدعي استبراء فيهما أو في أحدهما فلا يلزمه.
يريد: ويكون ابن أم ولد ويعتق بعتقها بعد موت السيد.
ومن العتبية قال سحنون: ومن أقر عند موته أن فلانة جاريته ولدت منه، وأن ابنتها فلانة ابنتي، وللأمة ابنتان غير التي أقر بها، فمات ونسيت البينة والورثة:
قال إذا أقر بذلك الورثة؛ فهن كلهن أحرار، ولهن ميراث واحدة من البنات يقسم بينهن، ولا يلحقه نسب واحدة منهن.
قال: وإن لم يقر بذلك الورثة، ونسيت البينة اسمها؛ فلا تعتق واحدة منهن.
فصل
قد تقدم في الباب الأول ذكر الأمة تدعي أنها ولدت من سيدها؛ أنها لا تلحقه إلا أن تقيم شاهداً على إقراره بالوطء، وامرأتين على الولادة، أو شاهدين على إقراره بالوطء، وامرأة على الولادة؛ فتحلف ولو أقامت شاهدين على إقراره بالوطء، وامرأتين على الولادة؛ لثبت نسب الولد، وكانت هي أم ولد.
قال ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم: ومن شهد عليه شاهد: أنه أولد أمته هذه؛ هذا الولد، وشهد آخر: أنه أقر أنه أولدها هذا الآخر لولدٍ أصغر من الأول، وشهد الثالث: أنه أقر أنه أولدها ثالثاً بعينه أصغر من الاثنين.
قال في كتاب ابن المواز: وقد مات السيد قالا: فقد أجمعوا على إقراره أنها أم ولد، ولكن لم يجتمع بذلك شاهدان إلا من يوم إقراره بالحبل الثاني؛ فصارت بشهادتهما من يومئذٍ أم ولد، وإن اختلفا في الولد وصار الابن الثاني كابن أم ولد؛ فوجب أن يلحق بسيدها، وكذلك الثالث، يريد: وإن لم يقم لها شاهدان؛ لأنه ابن أم ولد لم يعلم من السيد أنه أكره وادعى الاستبراء.
قال ابن عبد الحكم: ولو شهد شاهد أنه أقر أنها ولدت منه [هذا الولد، وشهد آخر أنه أقر أنها ولدت منه] آخر بغير عينه ولا يعرف الأول منهما؛ فلا يلحق به واحد منهما، وتكون أم ولد لاجتماعهما على إقراره أنها أم ولد، ولو عرفنا الصغير ألحقناه به.
وبعد هذا باب في الأمة يطؤها المتبايعان في طهر فتلد فتدعى له القافة.
في اللقيط وفي الحملاء يدعون المناسبة
قال الله سبحانه ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
وقال عمر بن الخطاب: اللقيط حر، وولاؤه للمسلمين، وعقله على بيت المال.
قال مالك: ومن التقط لقيطاً فأتى رجل فادعى أنه ولد لم يصدق، ولم يلحق به إلا أن يكون لدعواه وجه؛ كرجل عرف أنه لا يعيش له ولد، فزعم أنه [رماه؛ لأنه] يسمع قول الناس: أنه إذا طرح عاش ونحوه مما يدل على صدقه؛ فإنه يلحق به، وإلا لم يصدق إلا ببينة.
وقال غيره: إذا علم أنه لقيط لم يقبل فيه دعوى أحد إلا ببينة.
وقيل لابن القاسم: فإن صدقه الملتقط؟ قال: أراه شاهداً، ولا تجوم شهادة واحد من اليمين في النسب، قيل: فإن ادعاه ملتقطه؟ قال: هو وغيره سواء، لا يقبل دعواه إلا على ما وصفنا.
ابن المواز قال أشهب: يقبل قول من ادعاه ملتقطه أو غيره إلا أن يتبين كذبه.
م: خالف كل واحد من ابن القاسم وأشهب في اللقيط أصله في الاستلحاق، وابن القاسم يقول إذا استلحق ولداً لم يولد عنده ولا عرف أنه ملك أمه بشراء، ولا نكاح، ولا تبين كذبه؛ فإنه يلحق به، فينبغي على هذا أن يقبل استلحاقه للقيط، وقد قال: لا يقبل.
وقال أشهب في الاستلحاق: إنه لا يلحق به حتى يكون أصل الحمل عنده، أو بعد خروج أمه من عنده لمثل ما تلحق فيه الأنساب، وإلا لم يقبل قوله، وكل واحد خالف قوله.
م: فيحتمل أن يكون هذا من ابن القاسم على قوله الذي يوافق فيه أشهب في الاستلحاق.
ويحتمل أن يكون الفرق بينهما على قوله الآخر: إن اللقيط صار ولاؤه للمسلمين، فذلك كنسب حازه، فلا ينتقل عنه إلا بأمر يثبت وبما يدل أنه ابنه والمستلحق لم يحزه نسب، فوجب أن يلحق.
وأما أشهب: فيحتمل أن يكون هذا منه على ما له في كتاب ابن المواز فيمن استلحق صبياً في ملك غيره أو بعد أن أعتقه غيره؛ فإنه قال: يلحق بمن ادعاه قبل أن يعتق أو بعد، ويثبت نسبه منه إلا أن ولاء المعتق لسيده، ومتى أعتقد المملوك ورث أباه وورثه، فذلك على هذا، والله أعلم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعت امرأة لقيطاً أنه ولدها؛ لم يقبل قولها، [وإن جاءت بما يشبه من العذر.
قال ابن المواز: وقال أشهب: يقبل قولها؛ وإن قالت: من زنا؛ حتى يعلم كذبها.
ابن المواز: إن ادعته من زنا قبل قولها، وأقيم عليها الحد، وإن ادعته من زوج؛ لم يقبل قولها] إلا أن يقر به الزوج فيلحق به.
وقال أيضاً ابن المواز: وأحسن من بلغني إن كان لها زوج حاضر فيلحق به الولد إلا أن ينفيه بلعان، فإن كانا ممن قدما من بلد؛ لم يقبل قولهما إلا أن يقر أنها زوجة فيكونا كالحاضرين، وإن أنكرا؛ لم يلحق به، وتحد المرأة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى لقيطاً نصراني وقد التقطه مسلم؛ فإن شهد له مسلمون؛ لحق به، وكان على دينه إلا أن يسلم قبل ذلك، ويعقل الإسلام فيكون مسلماً.
قال ابن المواز: التقطه عبد أو نصراني وعليه زي النصارى؛ فإنه يكون حراً مسلماً، إلا أن يلتقطه في قرى الشرك ومواضعهم فهو مشرك.
وفي كتاب تضمين الصناع: إن التقطه نصراني ي قرى الإسلام ومواضعهم فهو مسلم، وإن كان في قرى أهل الشرك ومواضعهم فهو مشرك، وإن وجد في قرية ليس فيها إلا الاثنان والثلاثة من المسلمين؛ فهذا إن التقطه نصراني فهو نصراني ولا يعرض له، وإن التقطه مسلم فهو مسلم.
قال ابن المواز وقال أشهب: بل هو مسلم، وكذلك إن التقطه مسلم في قوى أهل الشرك، وإن كان في كنيسة، كما أجعله حراً.
قال ابن المواز: يريد إن كان في أرض الإسلام ومن حكمهم.
ومن تضمين الصناع: قال ومن التقط لقيطاً فكابره عليه رجل فنزعه منه فرعفه إلى الإمام؛ نظر الإمام فأيهما أقوى على مئونته وكفايته، وكان مأموناً فدفعه إليه.
قال مالك: والنفقة على اللقيط احتساباً فإن لم يجد الإمام من يحتسب فيه، أنفق عليه من بيت المال، ولا يتبع اللقيط بشيء مما أنفق عليه، وكذلك اليتامى الذين لا مال لهم.
وفي كتاب ابن المواز: من التقط لقيطاً لزمته نفقته حتى يبلغ ويستغني، وليس له أن يطرحه.
قال ابن القاسم فإن استلحقه أحد ببينة أو بغيرها؛ فليرجع عليه بما أنفق إن تعمد طرحه وكان يومئذ مليئاً، وإن طرحه غيره فلا شيء على الأب.
وقال أشهب: لا شيء على الأب بكل حال؛ لأن هذا أنفق حسبةً، وكذلك من أنفق على يتامى يرى أنه لا مال لهم، ثم تبين لهم مال، فلا يتبعهم؛ لأنه أنفق حسبة.
فصل
ومن المدونة قال مالك: وحدثني الثقة عنده عن ابن المسيب بأن عمر بن الخطاب أبى أن يورث أحداً من الأعاجم إلا من ولد في أرض العرب.
وقال مالك: وذلك الأمر المجتمع عليه عندنا.
م: واختلف الناس فيما معنى قول عمر هذا:
فذهب أكثرهم وجمهورهم: أنه لا يورثهم بقولهم، فأما إذا قامت البينة العادلة على تحقيق نسبهم؛ فإنهم يتوارثون بذلك، فلا فرق بين ولادة الشرك إذا ثبتت وبين ولادة الإسلام.
وذهب [ابن حبيب عن بعض] شيوخه إن معنى قول عمر: أن لا يتوارث بولادة الشرك، وإن ثبتت بالبينة العادلة، قال: ولو كان ثابت بالبينة لما كان بين ولادة الإسلام والشرك فرق.
والدليل للقول الأول: قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فلم يخص ولادة من ولادة، وقد أجمع المسلمون على إيجاب التوارث بين أصحاب [رسول الله -صلى الله عليه وسلم-] بالولادة التي كانت قبل الإسلام، وهي ولادة في الشرك، إذ كانت أنسابهم معروفة مشهورة ثابتة، فدل أن من قلناه أولى، وبالله التوفيق.
[قال ابن حبيب: وهذا الاختلاف في العدد القليل، وأما في الكثير كالعشرين ونحوهم يسلمون أو يفتتحون في قرية أو حصن ثم يقرون في مكانهم فيسلمون؛ فهم يتوارثون بأنسابهم وولادتهم، وإن لم يعرف ذلك إلا بإقرار بعضهم لبعض، لا أعلم فيه اختلافاً.
م: فهذا من قوله يرد قوله في العدد القليل؛ أنهم لا يتوارثون وإن شهد بذلك بينة مسلمون؛ لأنه احتج بظاهر الحديث، فيدخل ذلك عليه في القليل والكثير، وإن احتج:
أن العدد الكثير لا يتواطئون على الكذب، فيلزمه في شهادة البينة العادلة من المسلمين، أرأيت لو شهد ذلك عشرون من المسلمين أترد شهادتهم وتجيز شهادة الذين أسلموا؟ فهذا تناقض بين، وخطأ من القول وبالله التوفيق].
قال ابن شهاب وقد قضى بذلك عمر وعثمان.
قال مالك في الحملاء إذ أعتقوا، أو ادعى بعضهم أنهم إخوة بعض أو عصبته، فأما الذين أسروا أهل بيت أو نفر يسير، تحملوا إلى الإسلام فيسلمون؛ فلا يتوارثون بقولهم، كما فعل عمر، ولا تقبل شهادة بعضهم لبعض؛ [إلا أن يشهد من كان ببلدهم من المسلمين، وأما إن تحمل أهل حصن، أو عدد كبير فأسلموا؛ فإنه تقبل شهادة بعضهم لبعض] ويتوارثون بتلك الولادة.
قال ابن القاسم في المستخرجة: والعشرون عدد كثير، وأباه سحنون.
[قال أبو إسحاق: وفي هذا الكلام نظرٌ؛ لأنه إذا كانوا عدولاً فالأشبه أن تحوز شهادة رجلين، وإن شهد الرجلان المشهود لهما للشاهدين؛ لأن ذلك حقوق مختلفة، كما أجيز شهادة المسلوبين؛ بعضهم لبعض على من سلبهم، وأهل المركب؛ بعضهم لبعض في عقد الكراء، وإنما الذي لا يجوز: أن أشهد لنفسي ولغيري في حق واحد، وأما إذا شهد رجلان لرجلين في ذكر حقٍ، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين في حق آخر على ذلك الرجل بعينه، فلا يضر ذلك، وإن كان ابن القاسم إنما أراد العشرين يقع بهم العلم الضروري، فتخلص إلى السامع العلم بصدق ما قالوه، فلا يحتاج كان إلى عدالتهم، ولا إلى كونهم مسلمين؛ لأن العلم الضروري لا يختص بعدول يخبرونه، ولا مسلمين، ولم يذكر أن بعضهم
ادعى /أن فلاناً ابنه، وقد كان يجب أن يلحق النسب بالدعوى إذ النسب لا يتهم عليه، وإن الاستلحاق فيه جائز.
وفي كتاب محمد: إن المحمول إذا ولد في بلاد الكفر وهو من غير العرب فقال له رجل: ليست لأبيك؛ إنه لا يحد حتى تكون ولادة أبي أبيه في بلاد الإسلام؛ فعلى هذا يلحق الأنساب في الأعاجم بالاستلحاق إذا كانت الولادة في أرض الشرك، وفي هذا نظر].
م: قال ابن حبيب: وإنما لم تقبل شهادتهم بعضهم لبعض في العدد القليل؛ لدخول حمية البادية فيهم، فاتهموا لذلك، وأما في تحامل العدد الكثير فتزول التهمة فيه؛ إذ لا يكاد أن تتواطأ الجماعة على الكذب.
م: اختلف شيوخنا في علة منع جواز شهادة العدد القليل:
فقال بعضهم: إنما ذلك إذا شهد هؤلاء لهؤلاء [وهؤلاء لهؤلاء] فأما إن شهد عدلان منهم لغيرهم؛ جازت شهادتهم في العدد القليل والكثير.
وقال غيره: لا تجوز في العدد [القليل، وإن شهد عدلان على نسب وإن لم يشهد لهم الآخرون لما ذكرنا لدخول الظنة وذلك مرتفع في العدد] الكثير.
وهذا هو الصواب.
ونحوه للشيخ الفقيه -رحمه الله- أبي بكر بن عبد الرحمن.
قيل له: فهل يراع في العدد الكثير العدالة؟
قال: نعم.
قيل: وإن كانوا كالمائتين أو الألوف؟
قال: لا يراعى في مثل ذلك العدالة، إذ لا يتواطأ مثل هؤلاء على الكذب.
وفي المسألة تنازع، وهذا أثبتها.
قال ابن القاسم: وإن ولدت المتحملة توأماً؛ توارثا من قبل الأب والأم، وكذلك توأم الملاعنة، وأما توأم المغتصبة وتوأم الزانية؛ فإنما يتوارثان من قبل الأم خاصة؛ لأن المغتصب والزاني لو استلحقهم لم يلحقوا به، ولو استلحقهم الملاعن؛ لحقوا به، وأما توأم المتحملة فيحمل على أنه من زوج إذا كان في شرك، وقد ألاط ما كان في الشرك، وهو زنا؛ يريد: بالقافة، وقاله مالك في العتبية.
وقال المغيرة وابن دينار في كتاب ابن سحنون: إن توأم الملاعنة والمسبية يتوارثون من قبل الأم خاصة، ووجه ذلك: إن الملاعن نفسه قد نفاه عن نفسه فهما لا يرثانه، فكذلك لا يتوارثان به، وأما توأم المسبية فحكمه حمكم توأم الزانية المتفق فيها أنهما لا يتوارثان إلا من قبل الأم.
م: والأول أصوب.
وروي عن مالك في توأم المغتصبة: أنهما يتوارثان من قبل الأب والأم.
قال أحمد بن نصر: هذا خطأ ولا يتوارثان من قبل الأب لأنه زنا.
م: وتحصيل ذلك أنه لم يختلف في توأم الزانية أنهما يتوارثان من قبل الأم خاصة، واختلف في توأم الملاعنة والمسبية والمغتصبة.
م: والصواب أن توأم المحتملة والملاعنة يتوارثان من قبل الأب والأم، وتوأم المغتصبة والزانية من قبل الأم خاصة، وهو قول ابن القاسم.
في لحاق النسب بالقافية وذكر ميراث المستلحق بهم
روي أن الرسول -عليه السلام- قال لعائشة: ألم تري أن مجززاً نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض، فسُّر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن ليُسَر بالباطل، وقضى عمر -رضي الله عنه- وغيره بقول القافة.
قال مالك: وإنما القافة في ولدٍ من وطء مالكين، ولا لعان في وطء رق، وإما اللعان بين الأزواج، وإذا كان الولد من وطء زوجين؛ فالولد للأول إلا أن تنكح بعد حيضة؛ فهو للآخر إن وضعته لستة أشهر فأكثر.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كانت الأمة بين حرين أو عبدين أو أحدهما عبد أو ذمي والآخر حر مسلم فوطأها في طهر واحد فأتت بولد.
م: يريد: لستة أشهر فأكثر، يريد: من يوم وطء الثاني فادعياه جميعاً دُعي له القافة، فمن ألحقوه به كان بسبيله، مسلماً كان أن نصرانياً أو عبداً، وإن أشركوهما فيه؛ وإلى إذا كبر أيهما شاء، فإن والى الذمي لحق به، ولم يكن الولد إلا مسلماً لاشتراكهما فيه، وكذلك قال عمر: يوالي أيهما شاء.
ومن العتبية قال سحنون وقال غير ابن القاسم: إذا بلغ يبقى ابناً لهما، ولا يوالي واحداً منهما دون الآخر، ولا يزول النسب بشوة الولد، ويكون له من كل واحد نصف بنوة، وكذلك الجواب على قول ابن القاسم إن قال الولد: لا أوالي واحداً منهما، أو قال: أولهما جميعاً.
ابن حبيب وقال مطرف: إذا أشركوهما فيه قيل للقافة: ألحقوه بأنصحهما شيبهاً، ولا يترك وموالاة من أحب، وقاله ابن نافع وابن الماجشون.
قال مالك: والقائف الواحد يجزئ إذا كان عدلاً ولم يوجد غيره، وقد أجازه عمر -رضي الله عنه-.
وروى عنه أشهب: أنه لا يجزئ إلا قائفين في الشهادة؛ ولأن الناس قد دُخلوا.
م: وإذا لم توجد القافة أصلاً بعد الاجتهاد في طلبها؛ فإن الولد يترك إلى بلوغه فيوالي من شاء منهما، كما لو قالت القافة: اشتركا فيه، وليس هو لواحد منهما، وقاله بعض علمائنا، وهو اولى من قول من قال: إنه يبقى موقوفاً حتى توجد القافة.
وسئل الفقيه أبو عمران -رحمه الله-: لم خصت القافة في الإماء دون الحرائر في المشهور من قول مالك؟
قال: لأن القافة إنما يحكم بها من تساوي الفراشين، وهذا إنما يوجد في الإماء، لأن الأمة قد تكون بين جماعة فيطؤونها في طهر واحد فقد تساووا في الوطء والملك، وكذلك ما
حكم فيه عمر بالقافة في وطء الزنا في الجاهلية لتساوي الوطأين في الزنا، وليس أحدهما أقوى من الآخر، وكذلك الأمة باعها رجل من رجل وقد وطأها البائع والمبتاع في طهر واحد؛ لأنهما استويا في الوطء والملك، والحرة لا تكون زوجاً لاثنين في حال واحدة، فلا يصح فيها فراشان متساويان؛ لأنه إن نعي لها زوجها الأول فتزوجت غيره، فليس تقصير الثاني في البحث بما بثبته زوجاً، وكذلك إن كانت في عدة فتزوجت، والثاني غير عالم فتركه الباحث ليس مما يقدح في فراش الأول؛ فلذلك كان الفراش الأول أولى.
ووجه آخر: أن ولد الحرة لا ينفي إلا بلعان، وولد الأمة ينفى بغير لعان، والنفي بالقافة إنما هو ضرب من الاجتهاد فلا ينقل ولد الحرة عن اليقين بالاجتهاد، ولما جاز نفي ولد الأمة بمجرد الدعوى، جاز نفيه بالقافة.
وأما مال روي عن مالك: أن القافة في الحرائر كالإماء؛ فإنما ذلك لصحة علمهم، فوجب استواء الحرائر فيه والإماء.
م: وهذا أقيس، والأول أحوط.
قال سحنون: إذا قالت القافة: ليس لواحد منهما؛ دعي له أيضاً آخرون ثم آخرون وهكذا أبداً؛ لأن القافة إنما دعيت لتلحق لا لتنفي.
قال ابن القاسم في العتبية: وإذا قالت القافة: اشتركا فيه؛ عتقت عليهما الأمة مكانها، ولا يحل لأحدهما وطؤها بملك اليمين، فإذا بلغ الصبي وإلى من شاء منهما فألحق به.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن مات الولد قبل الموالاة عن مال وُهب له، أو ورثه؛ فهو بين الأبوين نصفين؛ كانا حرين أو عبدين، أو أحدهما عبداً أو ذمياً والآخر حراً مسلماً، كما تداعياه.
قال في العتبية: وإن مات الأبوان قبل بلوغه وقف له قدر ميراثه منهما حتى يبلغ فيوالي من شاء منهما ويرثه وينتسب إليه ويرد ما وقف للآخر.
قال ابن حبيب عن الماجشون: يبقى لا أب له وتعتق عليهما الأمة، قلت: ولما ورثتهما منه ولم تورثه منهما؟ قال: إنما قسمت ماله بينهما؛ لأنه مال ادعاه رجلان فلم أجد بداً من ذلك، وهذا لا يكون في موتهما.
وقال أصبغ: يرث من كل واحد منهما نصف ميراث ولد.
قال ابن حبيب: وهذا توريث بالشك.
وبقول ابن الماجشون أقول.
قال ابن القاسم في العتبية: ولو كان إنما مات أحدهما فإنه يوقف للصبي ميراثه منه حتى يبلغ فإن والى الميت ورثه وإن والى الحر رد ما وقف له وإن مات الصبي بعد موت أحدهما وميراثه من الأول موقوف قال: فميراث الصبي للأب الباقي وليس ذلك للأب الميت ولا لورثته شيء ويرد ما وقف للصبي من ميراث الأول إلى ورثته ولو أدخلت الأب الباقي فيما يورث عن الأول لأدخلت ورثة الأول في ميراث الصبي، وهذا