الجامع لمسائل المدونةصفحات 303-342

والحيوان والرقيق ليس له إلا أخذه بموضع وجده، والبز هو فيه مخير بين أخذه أو أخذ قيمته بموضع غصبه.
قال سحنون: البز كالحيوان ليس له إلا أخذه حيث وجده.
وقال أشهب: الحيوان كالبز، وهو مخير في أخذه أو قيمته ببلد الغصب.
قال: وكذلك الطعام له أخذه به حيث وجده بعينه أو مثله ببلد الغصب، وفرق أصبغ بين البلد البعيد والقريب.
م وقال بعض الفقهاء: جعل سحنون نقل البز والعروض من بلد إلى بلد كاختلاف الأسواق، وقد يفرق بين هذا وبين اختلاف الأسواق بالضرر الذي أُدخل على ربها في نقلها - وقد قالوا في العبد إذا جنى عند الغاصب جنايةً عمداً أن لربه أن يغرمه قيمته؛ كالتأثير في عينه - بخلاف حوالة الأسواق؛ لأن ذلك كالعيب فيه، مع بقاء الأسواق فهو يحط عنه في ذلك السوق بعينه، وكذلك يجب في حدوث الإباق والسرقة.
قال: وأحسن ما قيل في الحيوان أن ليس نقلها فوتاً؛ لأنها تمشي بخلاف العروض، فليس لربها إلا أخذها، وجعل أشهب ذلك كالتغير في البدن.
قال: والأشبه في المكيلات والموزونات ما قاله ابن القاسم إذ لا ظلم في ذلك على المغصوب؛ إذ مثله يقوم مقامه، ولا يظلم الغاصب، كما لو غصب قمحاً فطحنه، إنّ الأعدل من الأقاويل: أن عليه مثله، ولا يأخذ الدقيق.

[الباب الثامن] القضاء فيما اغتله الغاصب أو نتج عنده أو سكنه أو استهلكه

. [(1) فصل: في القضاء فيما نتج عند الغاصب من المغصوب، وفي تعدي المكتري والمستعير، وهل له المطالبة بما أنفق على المغصوب].
قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((الخراج بالضمان)).
يريد: ضمان الشراء لا ضمان الغاصب، وقال: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق))، فالغاصب هو العرق الظالم، وفي كتاب الاستحقاق إيعاب هذا.
قال ابن القاسم: فيما أثمر عند الغاصب من نخل أو شجر أو تناسل من الحيوان أو جُزّ من الصوف أو حلب من اللبن، فإنه يرد ذلك كله مع ما اعتصبه لمستحقه، وما أكل: رد المثل فيما له مثل أو القيمة فيما لا يقضى فيه بالمثل، وليس له اتباع المستحق بما أنفق في ذلك أو سقى أو عالج أو رعى، ولكن له المقاصة بذلك فيما بيده من غلته - لأن عن عمله تكونت؛ ألا ترى أن الأجير أحق بها في الفلس - فإن عجزت الغلة عن ذلك لم يرجع على المستحق بشيء، وقاله أشهب في المجموعة.

وقال أيضاً ابن القاسم: لا شيء له فيما سقى أو عالج أو أنفق وإن كان ذلك [44/ب] سبباً للغلة، وقاله مالك، وبه أخذ ابن المواز، قال: إذ ليس بعين قائمة، ولا يقدر على أخذه، ولا مما له قيمةٌ بعد القلع فيرد؛ وهو كما لو غصب مركباً خراباً فأنفق في قلقطته وزفته وتزجيجه وأطرافه وحوائجه، ثم اغتل منه غلةً كبيرةً، فلربه أخذه مقلفطاً مصلوحاً بجميع غلته، ولا غرم عليه فيما أنفق عليه إلا مثل الصاري والأرجل والحبال وما يوجد له ثمن إذا أخذ، فللغاصب أخذه، وإن كان بموضع لا غناء له عنه؛ إذ لا يجد صارياً ولا أرجلاً ولا أحبلاً إلا هذه، أو لا يجد ذلك إلا بموضع لا ينال حمله إليه إلا بالمشقة والمؤنة العظيمة، وهو مما لا بد له منه مما يجري المركب به حتى يرده إلى موضعه فربه مخيرٌ أن يعطيه قيمة ذلك بموضعه كيف ما كان، أو يسلم ذلك إليه.
[فرع: فيمن أنفق على المغصوب بوجه شبهة].
م وقد اختلف أيضاً فيمن سقى وعالج بوجه شبهةٍ كالمشتري والموهوب له: فقال ابن القاسم: لا يأخذ المستحق حتى يدفع قيمة السقي والعلاج.

وقال عبد الملك: بل يأخذ ذلك ذلك بغير شيء، وكذلك عنده فيمن اشترى داراً فبيضها أو عبداً صغيراً لا خدمة له، فأنفق عليه حتى كبر أن صاحبه يأخذه بغير شيء؛ لأنه لا عين قائمة لما أخرج.
م وإنما يجب هذا في المعتدي، وقول ابن القاسم في هذا أصوب، والله أعلم.
[المسألة الأولى: إذا مات المغصوب وبقي ما نتج منه] ومن المدونة: وإن ماتت الأمهات وبقي الولد أو ما جز منها أو حلب، خير ربها، فإما أخذ قيمة الأمهات يوم الغصب ولا شيء له فيما بقي من ولدٍ أو صوفٍ أو لبنٍ، ولا في ثمنه إن بيع، وإن شاء أخذ الولد إن كان ولد، وثمن ما بيع من صوف أو لبن ونحوه، وما أكل أو انتفع به من ذلك فعليه المثل فيما له مثلٌ والقيمة فيما يقوم ولا شيء عليه من قِبل الأمهات؛ ألا ترى أن من غصب أمة ثم باعها فولدت عند المبتاع ثم ماتت، فليس لربها أن يأخذ أولادها وقيمة الأمة من الغاصب؟ وإنما له أن يأخذ الثمن من الغاصب أو قيمتها يوم الغصب أو يأخذ الولد من المبتاع ثم لا شيء له عليه ولا على الغاصب من قيمة الأم، ولكن للمبتاع الرجوع على الغاصب بالثمن، ولا يجتمع على الغاصب غرم ثمنها وقيمتها.
[فائدة: في اتفاق ابن القاسم وأشهب في المغصوب ينتج ثم يقوم ربه، واختلافهما في فوت أحدهما قبل الاستحقاق].
م اتفق ابن القاسم وأشهب فيمن غصب أمة أو حيواناً، فولدت الأمة والحيوان واغتله الغاصب ثم قام ربها، فإنه يكون مخيراً بين أخذ الأمهات والأولاد والغلة أو أخذ قيمة الأمهات يوم الغصب، ولا شيء له غير ذلك، واختلفا إن ماتا أو أحدهما: فقال ابن القاسم: يكون مخيراً بين أخذ قيمة الأمهات يوم الغصب أو أخذ ما

وجد منها مع الغلة، ولا شيء له غير ذلك، وإن ماتا جميعاً فليس له إلا قيمة الأمهات يوم الغصب.
وقال أشهب: إن ماتا جميعاً ضمن قيمة الأمهات يوم غصبها وقيمة الأولاد يوم الولادة، وإن مات أحدهما أخذ الحي وقيمة الهالك، يريد: قيمة الولد يوم الولادة وقيمة الأم يوم الغصب.
م: لأنه عنده غاصب بجميع ذلك، وكأنه غصب الولد يوم ولدوا أو غصب الغلة يوم أخذها، وإذا كان ذلك قائماً أخذه كله، وإن فات أغرمه قيمة الأمهات يوم الغضب، وقيمة الولد يوم ولد وقيمة الغلة يوم أخذها، وكان يجب على هذا إذا كان ذلك كله قائماً أو أغرمه قيمة الأمهات أن له أن يأخذ الولد والغلة، فبان أن قول ابن القاسم أصح.
ولأشهب قول كقول ابن القاسم، وذلك أنه أنكر قول [45/أ] من قال: - في الأمة تلد من المشتري - أن المستحق يأخذ قيمتها يوم أحبلها وقيمة ولدها، فقال: إذا لزمته قيمتها يوم الوطء فقد صار له الولد بعد أن لزمته بالقيمة، وقال في غاصب الدابة إذا أكراها فعطبت: فإن شاء ربها أخذه بقيمتها يوم الغصب ولا كراء له، وإن شاء أخذ كراءها فقط.
قال ابن عبدوس: فهذا يدل من قوله أنه إذا أخذ القيمة يوم الغصب لم يكن له شيء في ولدٍ ولا غلةٍ؛ لأنه إنما جاء بعد أن ضمن الأمهات فهم له.
م وهذا هو الصواب إن شاء الله.

[(2) فصل: في القضاء فيما اغتله الغاصب أو أسكنه أو استعمله.
المسألة الأولى: في الرباع يغصبها ثم يسكنها أو يغتلها].
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكل ربع اغتصبه غاصب فسكنه أو اغتله أو أرضاً فزرعها، فعليه كراء ما سكن أو زرع بنفسه، وغرم ما أكراها به من غيره ما لم يحاب، وإن لم يسكنها ولا انتفع بها ولا اغتلها، فلا شيء عليه.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: عليه كراء كذلك وإن علم أنه أغلق الدار وبور الأرض وأوقف الدابة والعبد؛ لأنه منعه من ذلك.
قال عبد الوهاب: وهذا قول الشافعي.
ودليلنا أنها منافع لم تستوف من المغصوب، فلم يضمنها الغاصب؛ أصله منافع البضع؛ مثل أن يحبس حرة عن التزويج حتى مضت مدة من الزمان؛ فإنه لا يضمن مهر مثلها؛ أو كبضع الأمة يمسكها مدة عن سيدها.
م: وهذا لا يلزم ما رواه ابن حبيب؛ لأن الأبضاع لا تكرى، والدور والأرض والدابة مما يكرى، فهذا مفترق.
[المسألة الثانية: إذا استعمل ما غصبه من رقيق أو دواب وبقي بحاله لم يتغير في بدن؟] ومن المدونة قال ابن القاسم: وما اغتصب من دواب ورقيق أو سرقه، فاستعملها شهراً أو طال مكنها بيده أو أكراها وقبض كراءها، فلا

شيء عليه في ذلك، وله ما قبض من كرائها، وإنما لربها عين شيئه، وليس له أن يلزمه قيمتها إذا كانت على حالها لم تتغير في بدن، ولا ينظر إلى تغير سوق.
قال أبو محمد: وفيما حكاه أبو الفرج عن مالك أنه قال: إن سكن أو ركب فلا شيء عليه، وإن أكرى وقبض غلة، غرمها وحبس منها ما أنفق, م: ووجه هذا: أن كراء ما أكراه عوض في منافع ملك غيره، فهو كالعين القائمة يلزمه ردها، وما سكن بنفسه لم يأخذ له عوضاً فيلزمه رده.
م: والصواب في ذلك عندنا أنه يلزمه كراء ما سكن أو ركب؛ لأنه استهلك منافع ملك غيره؛ كاستهلاك عين ملك غيره، فوجب عليه غرمه في الوجهين.
[المسألة الثالثة: إذا استعمل الغاصب ما غصب فتغير المغصوب في بدنه].
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو استعمل الدابة حتى أعجفها أو أدبرها فتغيرت في بدنها، فلربها أن يضمنه قيمتها يوم غصبها وإلا أخذها، ولا كراء له.
م: يريد: وإذا أخذها لم يضمنه ما نقصها، بخلاف ما لو قطع لها عضواً عنده، هذا يغرم ما نقصها، والفرق عنده أن العجف ليس بأمر ثابت لا يزول وقطع العضو هعو تأثيرٌ قائمٌ لا يعود إلى ما كان عليه كزوال العجف،

وأشهب يساوي بين ذلك ويقول: ليس له إلا عين شيئه أو يضمنه قيمتها يوم غصبها.
وهذا أصوب.
[المسألة الرابعة: في الفرق بين ما غصب من الدواب والرقيق وما غصب من الدور] قال ابن القاسم: ولم يكن على الغاصب والسارق كراء ما ركب من الدواب بخلاف ما سكن من الربع أو زرع من الأرض؛ لأنه أنفق عليه، وهو لو أنفق على الصغير من رقيق أو حيوان حتى يكبر كان لمستحقه أخذه بزيادته، ولو يكن له ما أنفق أو علف أو كسى، ولو كان ذلك ربعاً فأحدث فيه عملاً كان له أخذ ما أحدث فيه، فهذه [45/ب] وجوهٌ مفترقة.
قال أبو محمد وناقضه أشهب وابن المواز في هذا الفرق فقالا: إنما يرجع في نفقة الدار في عينٍ قائمة، وليست النفقة على الصغير بعينٍ قائمة.
ابن المواز: وقال أشهب: عليه رد الغلة في الحيوان والعبيد والإماء، وله المقاصة فيها بالنفقة والمؤنة.
قال سحنون: وقد روى ذلك عن مالك أنه يغرم له غلة الحيوان والعبيد.
وقال أشهب: إن الدور والأرضين والحيوان والعبيد كلها سواءٌ، يرد ما اغتل في ذلك كله، ويقاص بما أنفق وعمل وعلف ورعى، وإنما الذي فيه الحديث - ((الخراج بالضمان)) - إنما هو لمن ضمن بغير تعد، فأما الظالم المتعدي فليس من ذلك.

وقال ابن القاسم في كتاب الاستحقاق: عليه أن يرد ما قبض من كراء أو غلة في دور أو رقيق، قال غيره: ولو أكرى ذلك الغاصب وحابى فيه لأخذه بالمحاباة، فإن أعدم أخذ بها المكتري، وقاله سحنون.
م: وروي عن مالك أنه لا يرد شيئاً من كراءٍ أو غلةٍ أو استخدام في ربع أو حيوان أو رقيق أو غيره.
[فائدة: في حصر الأقوال في الفرق بين الرباع والرقيق ووجه كل قول] م: فصار في هذا الأصل أربعة أقوال: قولٌ فرق فيه بين الرباع والرقيق.
وقول: أن لك سواءٌ، وعليه رد الغلة.
وقول: أنه ليس عليه ردها في ذلك كله.
وقول إن سكن بنفسه أو ركب، فلا شيء عليه، وإن أكرى أو اغتل رد ذلك.
ويحاسب بما أنفق في هذه الأقوال، وقيل لا يحاسب.
م: فوجه التفريق بين الرباع والحيوان قد ذكره ابن القاسم؛ ولأن الحيوان غير مأمون؛ لأنه يسرع إليه التغيير والتلف باستعماله، فيلزمه قيمته فوجب أن يكون له خراجه بضمانه، وليس كذلك الرباع لأنها مأمونة في الغالب.
ووجه القول بأنه يرجع عليه في كل ذلك؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه))؛ ولأنه انتفع بملك غيره من غير ملك تقدم له ولا شبهة، فلزمه قيمة ما انتفع به؛ أصله إذا ابتدأ بالاستخدام

والسكنى من غير غصب.
زووجه القول بن المنافع غير مضمونة أصلاً؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((الخراج بالضمان)) فهو على عمومه؛ ولأن الغاصب لما كان ضامناً للعين بقيمتها يوم الغصب لم يكن لمنافعها حكم في الضمان؛ لأنها تابعة للعين، ولأن الضمان بالجناية أكد من الضمان بالاستخدام وغيره، وقد ثبت أن الغاصب لو جنى على بعض أطراف المغصوب، لم يكن للمالك إلا أخذه ناقصاً بلا أرش، أو إلاسلامه والرجوع بالقيمة يوم الغصب عند أكثرهم، فكان بأن لا يرجع في المنافع أولى.
م: وقد ذكرنا وجه القول الرابع، وقال بعض البغداديين في جميع ذلك كله، وبالله التوفيق.
قال بعض أصحابنا: وإنم فرق ابن القاسم بين غلة الغنم من صوف أو لبن وبين غلة العبيد والدواب - على أحد قوليه -؛ لأن غلة الدابة والعبد متكونة بسبب الغاصب وفعله، والألبان والأصواف ليس له فيها فعلٌ، إنما هي ناميةٌ بأنفسها أو متولدةٌ عن الأعيان، فوجب أن يكون لها حكم الأعيان، والله أعلم.
[المسألة الخامسة: في الفرق بين الغاصب والمكتري والمستعير يردون ما حبسوه بحاله] ومن كتاب الغصب قال ابن القاسم: وأما المكتري والمستعير يتعدى

بالمسافة تعدياً بعيداً، أو يحبسها أياماً كثيرة ولم يركبها، ثم يردها بحالها فربها مخير في أخذ قيمتها يوم التعدي، أو يأخذها مع كراء حبسه إياها بعد المسافة، وله في الوجهين على المكتري الكراء الأول، والغاصب والسارق ليس عليه في مثل هذا قيمةٌ ولا كراءٌ إذا ردها بحالها.
قال [46/أ] ابن القاسم: ولولا ما قاله مالك لجعلت على الغاصب والسارق كراء ركوبه إياها، وأضمنه قيمتها إذا حبسها عن أسواقها؛ كالمكتري، ولكن آخذ فيها بقول مالك، ولقد قال جُلّ الناس: إن الغاصب والسارق والمكتري والمستعير بمنزلةٍ واحدةٍ، ولا كراء عليهم وليس عليهم إلا القيمة، أو يأخذ دابته.
م وقد ذكرت الفرق بين المستعير والمكتري، وبين الغاصب لسحنون وابن المواز.
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: إن الفرق بين الغاصب وبين المستعير والمكتري، أن المستعير والمكتري إنما تعدوا على المنافع لا على الرقاب، فغرما كراء ما تعديا عليه من تلك المنافع، والغاصب إنما قصد غصب الرقاب وقد كانت في ضمانه، وإن أصابها شيءٌ من أمر الله تعالى ضمنها، فوجب أن يكون له غلتها؛ لأنها متولدة عن فعله وعما في ضمانه، ولو قصد إلى غصب المنافع خاصةً مثل أن يريد دابة يركبها إلى موضع كذا فيأخذها غصباً لذلك، لكان عليه كراؤها بلا اختلاف من قول ابن القاسم، ويصير كالمستعير والمكتري، وإنما فرق بينهما لاختلاف السؤال، وإذا اتفقا كانوا سواء.

م وينتقض عليه هذا الفرق في غصبه الرباع، فقد قال ابن القاسم: إن عليه رد ما أكراها به، وهو قد غصب الرقاب.
[(6)] فصل [إذا غصب داراً فسكنها ثم انهدمت من غير فعله] قال ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن سكن داراً غصباً للسكنى - بمثل ما سكن المسودة حين دخلوا - فانهدمت من غير فعله لم يضمن إلا قيمة السكنى، إلا أن تنهدم من فعله، وأما لو غصبه رقبة الدار ضمن ما انهدم وكراء ما سكن.
وقاله أصبغ.
قال ابن القاسم: وإذا نزل سلطان على مكترٍ فأخرجه من الدار وسكن، إن المصيبة على أهل الدار، ويسقط عن المكتري ما سكن السلطان.
وقاله مالك وأصبغ.
وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية قال: وقضى به الحزمي حين قدم المسودة.
ومن المجموعة قال ابن القاسم وعبد الملك: فيمن اكترى داراً أو أرضاً فاغتصبها منه رجلٌ فسكن أو زرع: إن الكراء على المكتري إلا أن يكون سلطاناً ليس فوقه سلطان يمنعه منه إلا الله سبحانه، وليس السلطان كغيره.
م: صواب؛ لأن منع السلطان - الذي لا يستطاع دفعه - كمنع ما هو من

أمر الله تعالى كانهدام الدار وقحط الأرض أو غرقها في إبان الزراعة الذي لا يُستطاع دفعه، وأما ما يستطاع دفعه فوجب أن تكون المصيبة من المكتري؛ لأنه إنما اشترى سكنى فغصبت منه، كما لو اشترى عرضاً أو حيواناً فغصب منه أن المصيبة منه لا من البائع؛ ولأنه إن غرم الكراء رجع به على الغاصب فلم تقع عليه جائحة، والأول لا يستطيع الرجوع على أحدٍ فافترقا.
[(3)] فصل [في تعدي المكتري والمستعير] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا زاد مكتري الدابة أو مستعيرها في المسافة ميلاً أو أكثر ضمن، وخير ربها: فإما ضمنه قيمتها يوم التعدي ولا كراء له في الزيادة، أو أخذ منه كراء الزيادة ولا قيمة عليه، وله على المكتري الكراء الأول بكل حالٍ.
م وعلى قوله في العبد الرهن إذا أعاره لمن يستعمله، أنه لا يضمن إلا أن يكون عملاً يعطب في مثله - وهو قد نقله من موضعٍ لم يؤذن له فيه - والأشبه في هذا كله الضمان، وهو مذهب سحنون في العبد الرهن.
[المسألة الأولى: إذا تعدى فيما استعار من دابة ثم ردها بحالها] ومن المدونة قال ابن القاسم، ولو ردها [46/ب] بحالها والزيادة يسيرة مثل البريد واليوم وشبهه، لم تلزمه قيمتها، وإنما له كراء الزيادة فقط، وإن كان أصابها في تعديه عيبٌ مفسدٌ، فلربها تضمينه قيمتها، وإن كان يسيراً لم يضمن إلا ما نقصها.

قال أبو محمد: يريد: يأخذ ما نقصها مع كراء الزيادة، وهذا طرحه سحنون في رواية يحيى.
م: قال بعض أصحابنا: إذا أصاب الدابة في تلك الزيادة عيب يسير - فوجب على هذا المعتدي غرم ما نقصها - وجب أن يسقط من كراء الزيادة على المسافة مقدار ذلك الجزء: إن نقصها الربع أو الخمس سقط من كراء الزيادة ربعه أو خمسه.
م: صوابٌ؛ لأن قيمة ذلك النقص إنما ضمنه يوم تعديه؛ كأنه إنما حمل على ما ضمنه؛ كما لو هلك جميعاً فضمن قيمتها يوم التعدي لم يكن عليه من الكراء شيء، فكذلك إذا هلك بعضها فيضمنه، وجب أن يسقط كراؤها.
والله أعلم.
م: قال بعض الفقهاء: إن كان النقص بسبب السير أغرمه النقص فقط، وإن كان من غير السير، فله الكراء مع النقص.
م: وعلى ما تقدم سواءٌ كان النقص بسبب السير أو بغيره؛ لأنه إنما يغرمع النقص يوم التعدي، فكأنه إنما سار على ما قد ضمنه، إلا أن يكون تعدي عليها بما نقصها بعد رجوعه من الزيادة؛ فهذا يكون عليه النقص والكراء؛ لأن النقص وجب بعد أن وجب الكراء.
م: وعلى قوله إن كان النقص بسبب السير - فإنما يكون له ما نقص - ينبغي أن يكون مخيراً بين أخذ النقص أو الكراء.
قال: وقد وقع في كتاب محمد في الدجاجة إذا غصبها فحضن تحتها

بيض غيرها أن له ما نقصت وكراء حضانتها، قال: وفي هذا نظر؛ لأنه إذا كان النقص بسبب الحضانة فأغرمه النقص، فكيف يكون له الكراء؟.
[(4)] فصل [فيمن استعار دابة إلى موضع ثم تنحى فنزل فهلكت في رجوعه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن استعار دابة ليشيع عليها رجلاً إلى ذي الحليفة فبلغها ثم تنحى قريباً فنزل، ثم رجع، فهلكت في رجوعه، فإن كان ما تنحى إليه من منازل الناس لم يضمن، وإن جاوز منازلهم ضمن.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ: إذا كانت الزيادة مما لا خيار لربها فيها - إذا سلمت - ثم رجع بها سالمة إلى المواضع الذي تكاراها إليه، فماتت أو ماتت في الطريق إلى الموضع الذي تكاراها فيه، فليس لربها إلا كراء الزيادة؛ كرده لما تسلف من الوديعة، ولو كانت الزيادة كثيرة مما لربها تضمينه فيها - وإن رجعت بحالها - فهو ضامن.
م: إنما يصح هذا إذا كانت الزيادة يسيرة مما يعلم أن تلك الزيادة لم تعن على هلاكها، فيكون هلاكها بعد ردها إلى الموضع المأذون فيه بأمر من الله لا صنع للمتعدي فيه، ويكون حينئذٍ كهلاك ما تسلف من الوديعة بعد رده لا محالة، وإن كانت الزيادة كثيرة مما يعلم أنها أعانت على هلاكها كاليوم واليومين، وإن كان لا يضمن في ذلك لو ردها بحالها؛ فإنه يضمن هاهنا؛ لأن تلك الزيادة قد أعانت على هلاكها، والله أعلم، وهذا في الأكرية مستوعب.

[الباب التاسع] فيما وهب الغاصب أو أعاره أو أكراه

[(1) فصل فيما وهبه الغاصب] قال مالك: ومن غصب طعاماً أو إداماً أو ثياباً ثم وهب ذلك لرجل فأكل الطعام والإدام ولبس الثياب حتى أبلاها ولم يعلم بالغصب، ثم استحق ذلك رجلٌ، فليرجع بذلك على الواهب إن كان مليئاً، وإن كان عديماً أو لم يقدر عليه، رجع بذلك على الموهوب، ثم لا رجوع للموهوب على الواهب بشيء.
[47/أ].
قال ابن المواز: وقال أشهب: يتبع أيهما ساء؛ كما قال مالك في المشتري يأكل الطعام أو يلبس الثياب: إن للمستحق أن يتبع أيهما شاء، ويبتدئ بأيهما شاء.
قال ابن القاسم في المجموعة: وإن كان الواهب غير غاصبٍ لم يتبع إلا الموهوب المنتفع.
م: وهذا خلاف ما قاله في كتاب الاستحقاق في مكري الأرض يحابي في كرائها، ثم طرأ له أخٌ يشاركه وقد علم به أو لم يعلم، فإنما يرجع بالمحاباة على أخيه إن كان مليئاً، فإن لم يكن له مالٌ رجع على المكتري، فقد ساوى في هذا بين المتعدي وغيره، وهذا أصله في المدونة أنه يرجع أولاً على الواهب إلا أن يعدم، فيرجع على الموهوب، إلا أن يكون الموهوب عالماً فهو كالغاصب في جميع أموره ويرجع على أيهما شاء.
م: وقول أشهب أقيس؛ ولا يكون الموهوب أحسن حالاً من المشتري، وبه أقول.

م: ووجه قول ابن القاسم في ابتدائه يغرم الغاصب؛ لأنه كالم متعد، والموهوب غير متعد، والظالم أحق أن يحمل عليه، فإن لم يوجد أو لم يقدر عليه أو كان عديماً كان للمستحق أن يرجع على الموهوب؛ لأنه يقول: الموهوب وضع يده على مالي، وانتفع به خطأً، فوجب عليه غرمه؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء.
فإن قيل: فما الفرق بينه وبين المشتري، والمشتري غير متعد، وقد جعل للمستحق أن يبدأ بغرمه إن شاء أو بغرم الغاصب.
قيل: المشتري إذا أغرمه المستحق رجع بثمنه على الغاصب، والموهوب إذا أغرمه لم يرجع إذ لا عهدة له على الغاصب، وهو يقول: لم ألبس على معاوضة؛ فلا يرجع علي إذا كان ثم من يرجع عليه.
[(2) فصل فيما أعاره الغاصب] ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك لو أعاره الغاصب هذه الثياب فلبسها لبساً ينقصها، فليرجع بنقصها على الغاصب إن كان مليئاً، وإن كان عديماً رجع على المستعير، ثم لا يرجع المستعير بما يغرم من نقص الثوب على المعير.
ومن المجموعة قال أشهب وسحنون: إذا كان المعير غاصباً فليس لربه تضمينه النقص، وإنما له أن يضمنه الجميع، ولا شيء له على المستعير، وإذا كان الغاصب عديماً، بيع الثوب في القيمة واتبع المستعير بالأقل من تمام القيمة أو ما نقص لبسه للثوب، إلا أن يكون قد كان للغاصب مالٌ وقت لباس المستعير ثم زال المال، فلا يضمن المستعير شيئاً، يريد: لا تباعة على الغاصب بالقيمة، وإن شاء المستحق أخذ الثوب وما نقصه اللبس من المستعير فذلك له في عدم الغاصب أو ملئه؛ لأن النقص لم يجب على الغاصب فيكون ليس له طلب المستعير حتى لا يجب شيء على المعير.

[(3)] فصل [فيما أكراه الغاصب] قال ابن القاسم: وأما إن أكرى منه الثوب فلبسه لبساً ينقصه، فلربه أن يأخذ ثوبه من اللابس ويضمنه ما نقصه اللبس، ثم للمكتري الرجوع على الغاصب بجميع الكراء ويصير كالمشتري.
ومن كتاب العارية وكتاب محمد قال ابن القاسم: ولو كانت دابة فأكراها الغاصب فعطبت تحت المكتري، فلا شيء على المكتري لرب الدابة، ويتبع الغاصب بقيمتها، إلا أن تكون ماتت من شيء فعله المكتري بها، بخلاف ما أكله المشتري ولبسه حتى أبلاه؛ هذا يغرمه المشتري لمستحقه ويرجع بالثمن على الغاصب.
قال ابن المواز: وهذا لمالك.
[المسألة الأولى: في الكلام على تفريق ابن القاسم بين العبد والدابة المستأجرة يعطبان] وقد روى ابن القاسم عن مالك فيمن واجر عبداً ولم يعلم أنه عبدٌ ليبلغ له كتاباً إلى بلدٍ فعطب: أنه ضامنٌ [47/ب]، مثل ما يتلف المشتري بنفسه مما اشتراه أن لمستحقه أن يضمنه.
قال ابن المواز: وفرق ابن القاسم بين العبد الدابة التي أكراها فعطبت، وما بينهما فرقٌ - وكذلك لو لم يركبها وبعضها مع غيره إلى بعض القرى - قال ابن المواز: وهما سواءٌ، وفيهما الضمان.
م: والفرق بينهما أن العبد لا يمكن أن يضمن منافعه لسيده، فلما لم يضمن له ذلك أشبه المستأجر له الموهوب في عدم الغاصب، أنه يرجع عليه، ومكتري الدابة من الغاصب يجد ربها الغاصب يرجع عليه؛ فلذلك لم يرجع على المكتري، ولو لم يجد الغاصب لأمكن أن يرجع على المكتري ويكون كمسألة العبد، ويصير المكتري كمن ركب دابة إنسان بغير إذن ربها فهلكت تحته،

فإن قيل: المكتري كالمشتري، وهو يقول في المشتري فيما هلك بانتفاعه: إن للمستحق أن يرجع إن شاء عليه أو على الغاصب، قيلك إنما ذلك فيما هلك بنفس فعله كطعامٍ أكله أو ثوبٍ لبسه حتى أبلاه أو عبدٍ قتله، ومكتري الدابة لم تهلك بنفس فعله، وإنما هلكت تحته بأمر من الله، ولو حملها ما تعطب في فعطبت لذلك، أو تعمد قتلها لوجب أن يرجع عليه إن شاء أو على الغاصب، وهو في هذا كالمشتري إن ركب الدابة فهلكت بأمرٍ من الله تعالى لم يضمن، وإن هلكت بسبب فعله ضمن، فهذه أمورٌ مفترقة، ومالك أعلم بها من غيره، والله أعلم وبالله التوفيق.
قيل لابن المواز: فقد قال مالك في المشتري يهدم الدار أنه لا يضمن؟ قال: وقد قال مالك في قطعه الثوب: إنه ضامت.
قال ابن المواز: صوابٌ كله، والفرق أن الدار يقدر على إعادتها ولا يقدر على أعادة الثوب؛ وكذلك كسر الحلي كهدم الدار ليس بمتلفٍ، وقاطع الثوب كذابح الشاة وكاسر العصا، وكذلك بعثه للغلام إذا هلك فيه فهو تلفٌ له، وكذلك راكب الدابةن والباعث بها تهلك في ذلك.
م: وهذه مسائل أنا أتبع النص فيها إذا لم أجد خلافها، ولو قال قائل: إن هدم الدار وذبح الشاة وكسر الحلى وركوب الدابة وبعث العبد سواءٌ، لم أعبه، ولكنا قياساً؛ لأن هذا مالٌ قد تبين أنه لغيره، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وهدم الدار أشد من ذبح الشاة؛ إذ لا يعيد الدار إلى مثل ما كانت عليه إلا بمثل قيمتها صحيحة أو أكثر، وقد يشترى بثمن الشاة مذبوحة مثلها حية، فلم يدخل عليه كبير ضررٍ، وأما قوله: هذه تعود إلى ما كانت عليه وهذه لا تعود، فضعيف.

[الباب العاشر] فيمن ادعى قبل رجل غصباً وبقية التداعي في الغصب

[(1) فصل: فيمن ادعى قبل رجل غصباً] قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل غصباً وهو ممن لا يتهم بذلك عوقب المدعي، وإن كان ممن يتهم بذلك نظر فيه الإمام فأحلفه، فإن نكل لم يقض عليه حتى يرد اليمين على المدعى كسائر الحقوق، وقد قال مالك: في امرأة ادعت أن فلاناً استكرهها وتعلقت به، فإن كان ممن لا يُشار إليه بذلك حدث له، ولم تحد عند غيره، ولم تحد هي إن جاءت بولد بعد هذا لما بلغت من فضيحة نفسها.
قال ابن القاسم: وإن كان ممن يشار إليه بذلك، نظر فيه الإمام.
م: ولم يكن عليها حدٌّ في رميه، وعوقب لها بقدر حاله وتهمته، واختلف هل لها صداقٌ أم لا؟ وهل إن وجب لها الصداق هل تأخذه بيمين أو بغير يمين؟ والأشبه أن يكون عليها اليمين على قول من رأى لها [48/أ] الصداق،

وقد قيل في الذي رئي حين حملها فدخل بها داراً أنها تحلف وتأخذ الصداق، فإذا حلفت بعد ما ظهر عداه، فالذي لم يظهر إلا قولها وتعلقها به أحرى أن تكون بيمين.
[فائدة: في حصر الأقوال في ادعاء الغصب] م: وقيل الناس في مسألة الغصب على ثلاثة أوجه: فإن كان المدعي عليه الغصب ممن يليق به ذلك، هدد وسجن، فإن لم يخرج شيئاً حلف، وفائدة تهديده لعله يخرج عين ما غصب إذا كان يعرف بعينه، وأما ما لا يعرف بعينه فلا فائدة في تهديده؛ إذ لو أخرج بالتهديد ما لا يعرف بعينه لم يؤخذ منه حتى يقر آمناً.
وإن كان من أوساط الناس لا تليق به سرقة لم يلزمه يمين، ولا يلزم راميه بذلك شيءٌ إذا ادعى أنه أخذه له.
وإن كان من أهل الخير والدين لزم القائل له ذلك الأدب، وأشهب يقول: لا أدب على المدعي بحال، ولا يمين على المدعى عليه بحالٍ إذا لم يحقق عليه الدعوى.
[(2) فصل: فيمن ادعى سلعة هي وديعة بيد آخر أنها له وأقام البينة وربها غائب] ومن المدونة: ومن بيده سلعةٌ وديعةٌ أو عاريةٌ أو بإحارةٍ وربها غائبٌ، فادعاها رجلٌ وأقام البينة أنها له، فليقض له بها بعد الاستيناء واليمين

أنه ما باع ولا وهب؛ لأن الغائب يقضى عليه، إلا أن يكون ربها بموضع قريبٍ فيتلوم له القاضي، أو يأمر بأن يكتب إليه فيقدم.
[(3) فصل: في اختلاف الغاصب والمغصوب منه في المغصوب] قال ابن القاسم: وإذا قال الغاصب: غصبت الثوب خلقاً، وقال ربه: بل جديداً، صدق الغاصب مع يمينه، فإن حلف أدى قيمته خلقاً، ثم إن قامت بينةٌ تسهد أنه غصبه جديداَ، فإن كان ربه غالماً بالبينة، فلا شيء له، وإن لم يكن عالماً رجع بتمام القيمة، وهذا في كل الحقوق، حلف عند السلطان أو عند غيره.
وقال أشهب في المجموعة: البينة العادلة أولى من اليمين الفاجرة - قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه - فإن شاء تمسك رب الثوب بثوبه، وإن شاء أخذه بقيمته يوم الغصب ورد عليه الثوب إن لم يفت، وإن باعه ربه بعد أن أخذ خلقاً قاصه في القيمة بالثمن، وإن وهبه فلا شيء عليه؛ لأن الغاصب أباحه ذلك ظلماً، وليتبع الغاصب الذي صار الثوب بيده فيأخذه منه أو قيمته يوم لبسه إن كان أبلاه، وإن تلف عنده فلا شيء عليه؛ لأنه لم يكن ضامناً.

[الباب الحادي عشر] فيمن غصب شيئاً فأحدث فيه صنعة

[(1) فصل فيمن غصب ثوباً فصبغه] قال ابن القاسم: ومن غصب ثوباً فصبغه، خير صاحبه في أن يأخذ من الغاصب قيمته يوم غصبه أو يعطيه قيمة صبغه ويأخذ ثوبه مصبوغاً، ولا يكونان شريكين في الغصب.
وقال أشهب في غير المدونة: له أخذ الثوب، ولا شيء عليه في صبغه، كمن بنى ما لا قيمة له بعد القلع.
وفي كتاب محمد: ومن غصب غزلاً فنسجه، فعليه قيمة الغزل، كمن عصب خشبة فعلها توابيت، وفي هذا كله اختلاف.
قال بعض الفقهاء، ويشبه أن يكون كالثوب يخاط لأنه إنما أحدث فيه تأليفاً لا قيمة له إذا أزبل.
قال ابن القاسم في تضمين الصناع: وإن قطعه الغاصب وخاطه، فلربه أخذه ولا غرم عليه في الخياطة أو يضمنه قيمته يوم الغصب، وهذا الفرق بين الخياطة والصبغ.
[(2) فصل: فيمن غصب حنطة فطحنها] ومن الغصب قال ابن القاسم: ومن غصب حنطة فطحنها دقيقاً، فأحب ما فيه إلى أن يضمن مثل الحنطة.

وقال أبو محمد وقال [48/ب] أشهب: وإن شاء أخذ الدقيق ولا شيء عليه في طحنه.
قال ابن القاسم في كتاب السرقة: ولو طحنها سويقاً ثم لته ثم قطع ولا مال له غيره، فأبى رب الحنطة أخذ السويق، فليبع ويشتر له من ثمنه مثل حنطته.
م: ويجوز له أخذ السويق ملتوتاً في الحنطة إذا رضيا؛ لجواز بيع الحنطة بالسويق متفاضلاً، ولو غصبه سويقاً فلته فإنما عليه مثله، ولا يجوز أن يتراضيا أن يأخذه ويعطيه ما لته به؛ لأنه التفاضل بين الطعامين؛ وكذلك لو ضرب الفضة دراهم، أو صاغها لم يجز له أخذها ويعطيه أجرته للتفاضل بينهما.
قال ابن القاسم وأشهب في المجموعة: إذا طحن الحنطة سويقاً ولته، فليس لربها أخذه، فإن لم يكن للسارق مالٌ بيع السويق عليه، فاشتري منه مثل حنطة هذا، فإن كان فيه فضلٌ فللسارق، فإن كان نقص أتبع به.
قال أشهب: وليس كالثوب يصبغ أو يقطع والعمود يدخل في البنيان؛ لأن اسم ذلك قائمٌ بعد، والسويق ليس بالقمح قد صار سويقاً، فعليه مثل الحنطة.
[(3) فصل: فيمن غصب ذهباً مصوغاً] ومن المدونة: ومن غصب لرجل سوارين من ذهب، فاستهلكهما فعليه قيمتهما مصوغين من الدراهم، وله أن يؤخره بتلك القيمة، وكذلك من غصب لرجلٍ ثوباً فحكم عليه بقيمته، فلا بأس أن يؤخره بتلك القيمة، وأما من كسر

لرجل سوارين، فإنما عليه قيمة الصياغة، لأنه إنما أفسد له صنعة.
قال ابن المواز: بخلاف العروض في الفساد الكثير؛ لأنه لم يفسد له عين الذهب إنما أفسد له صنعةً وهو لم يقبضها، فيضمن بالغصب قيمتها.
م: والذي رجع إليه ابن القاسم في كتاب الرهن أنه إذا كسرهما لزمته قيمتهما وكانا له.
ابن المواز وقال أشهب: عليه أن يصوغهما له، وهو أحب إليّ من قيمتهما أو مما نقصهما، وقد قاله مالك فيهما وفي الجدار يهدمه.
فإن لم يقدر أن يصوغهما فعليه ما نقصا ما بين قيمتهما مصوغين ومهشومين، ولا أبالي قوماً بذهبٍ أو بفضةٍ.
وفي كتاب محمد: فيمن اغتصب حلياً فكسره ثم أعاده إلى هيئته أن عليه قيمته، وهذا هو الصواب على مذهب من لا يرى أن يقضى بمثل هذا في الصياغة؛ لأن هذه الصياغة غير تلك، فكأنه أفات السوار، فعليه قيمته يوم أفاته، وعلى مذهب أشهب يأخذها؛ لأنه يقول: من استهلك لرجلٍ سواراً فعليه أن يصوغه له، وكذلك الحائط يهدمه فيلزمه أن يبنيه له.
[(4) فصل: فيمن غصب خشبة أو حجراً فبني عليهما] ومن المدونة قال: ومن غصب خشبةً أو حجراً فبنى عليهما، فلربهما

أخذهما وهدم البناء، وكذلك إن غصب ثوباً وجعله ظهارة الجبة، فلربه أخذه أو يضمنه قيمته.
قال أبو محمد: وله أخذ عين شيئه، وتفتق له الجبة، ويهدم له البناء، والهدم والفتق على الغاصب.
م: وظاهر هذا أن له أيضاً أن يضمنه قيمة الخشبة، وكان الغاصب لما أفاتها رضي منه بالتزام قيمتها، وقد قيل لبس للمغصوب منه أخذها إذا كان في ذلك خراب بنيان، وهذا لأن ما يدخل على الغاصب في خراب بنيانه أعظم مما يدخل عليه فيها إذا عملها تابوتاً، فإذا كان ليس له أخذها في ذلك فأحرى أن ليس له أخذها بهدم بنيان الغاصب.
ومن كتاب الحاوي قال مالك: فيمن ابتاع خشبة فبنى عليها، فليس لربها قلعها للضرر؛ إذ ليس الباني بغاصب.
[(4) فصل: لو حول الغاصب المغصوب عن حالته التي عصبه عليها] ومن المدونة: ولو عمل الغاصب من الخشبة باباً أو غصب تراباً فعمل منه ملاطاً أو عصب حنطة فزرعها وحصد منها حباً كثيراً، أو غصب سويقاً

فلته بسمن، أو غصب فضة فصاغها حلياً [49/أ]، أو ضربها دراهم، أو غصب حديداً أو نحاساً أو رصاصاً فعمل منه قدوراً أو سيوفاً، أو أتلفه، فعليه في هذا كله مثل ما غصب في صفته ووزنه وكيله، أو القيمة فيما لا يكال ولا يوزن، وكذلك في السرقة؛ لأن من ابتاع ما يكال أو يوزن بيعهاً جزافاً فأتلفه، فليس ذلك فوتاً وعليه مثل صفته أو كيله؛ وكذلك الغصب.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: في الفضة يصوغها حلياً والثوب يصبغه أو يقطعه أو يخيطه والقمح يطحنه سويقاً: إن لربه في هذا كله أخذه إن شاء أو يضمنه المثل فيما يقضى بمثله القيمة فيما يقوم ولا حجة له بالصنعة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ)).
وقال سحنون: كل ما تغير بالصنعة حتى صار له اسمٌ غير اسمه، فليس لربه أخذه وهو فوت.
وفي كتاب السرقة كثيرٌ من هذا.
[(2)] فصل [فيمن غصب وديا فغرسه في أرضه] ومن كتاب الغصبك ومن غصب ودياً - صغاراً من نخلٍ أو شجرٍ - فقلعها وغرسها في أرضه فصارت بواسق، فلربها أخذه، كصغيرٍ من الحيوان يكبر.

قال سحنون في كتاب ابنه: هذا إذا كانت إذا قلعت نبتت في أرض أخرى.
وقال ابن حبيب عن أصبغ: لربه أخذه وإن كان قد طال زمان ذلك وكثر، كان مما ينبت أو لا، إلا أن يشاء ربه أن يدعه ويأخذ من الغاصب قيمته نابتاً يوم قلعت، فذلك له.
[فرع: فيمن أخذ الغرس وله دالة على صاحبه] قال أصبغ: وإن كان إنما أخذ الغرس دالةً على صاحبه فغرسه في أرضه، فإن قام ربه بحدثان ما غرسه فله قلعه، وإن كان قد نبت وعلق.
قال: فأما إن طال زمانه فليس له أخذه، وأرى دالته عليه شبهةً إذا كان من أهل الدالة عليه، ويكون له عليه قيمته قائماً يوم قلعه.
[المسألة الأولى: لو غصب غرساً فباعه وغرسه المبتاع] ولو غصب غرساً فباعه وغرسه المبتاع وهو لا يعلم فاستحق بعد أن نبث وعلق قال: يخير ربه في ثلاثة أوجه: إما أخذ من الغاصب الثمن أو القيمة يوم الغصب - قيمته قائماً - وإن شاء قلعه وأخذه، ما لم يطل زمانه وتتبين زيادته ونماؤه فليس له قلعه ويأخذ من المشتري إن شاء قيمته يوم غرسه في أرشه، ويرجع المشتري بالثمن على الغاصب.
م: لما يدخل على المشتري من الضرر في قلعه وذهاب خدمته وسقيه

وعلاجه فأشبه ما يدخل عليه من الضرر في إيلاد الأمة على قوله يأخذ قيمتها لما يدخل عليه من الضرر، وكذلك هذا.
[المسألة الثانية: إذا امتلخ من شجرة ملخاً فغرسه في أرضه، وكيف إذا امتلخه وله دالة على صاحبه].
قال أصبغ: وإن امتلخ من شجرة رجلٌ ملخاً متعدياً فغرسه في أرضه فنبت، فله قلعه بحدثانه، ولا يقلعه بعد طول الزمان، وله عليه قيمته عوداً يوم ملخه إلا أن يضر ذلك بالشجرة، فيكون عليه مع ذلك قيمة ما نقص من الشجرة.
م: إذا أغرمه قيمة ما نقص من شجرة فلم كان له أن يغرمه مع ذلك قيمة ملخه؟ ولِمَ لم يكن كمن قطع أصبع عبد رجلٍ؟ فإنما عليه ما نقصه لا غير ذلك، وإذا كان ذلك لا ينقص من شجرة، فلم كان عليه قيمته عوداً مملوخاً ولم تكن عليه قيمته قائماً في شجرة؟ كما إذا قلع له غرساً فغرسه في أرضه ولا ينقص ذلك من ثمن حائط المغضوب منه، فقد قال: له أن يغرمه قيمته قائماً، فما الفرق؟

قال، ولو امتلخه مدلاً فلا يقلعه، قام بحدثان غرسه أو بعد طول الزمان، وليتحلله منه، فإن حلله، وإلا غرم له قيمته عوداً مملوخاً.
[فرع: فيمن باع سلعة تعرف بأنها لرجل وزعم أنه وكيله] ولسحنون: فيمن باع سلعةً تعرف برجل، وزعم أنه وكيله على البيع، وغاب ولا يعرف ذلك إلا بقوله، فاشترى منه من يعلم أن الدار [49/ب] للغائب، فقدم فأنكر، فإن كان الوكيل يقوم في الدار، وينظر فيها ويعمل حتى ثبتت له شبهة الوكالة، فالغلة للمشتري، وإن لم تكن له شبهة فالمشتري منه كالغاصب، والغلة للمستحق، وكذلك الأم تبيع حق الصبيان وهي غير وصية، ثم يبلغ الأطفال، فإن كانت الأم تحوط وتقوم وتنظر فيه، فباعت وهي كذلك، فالغلة للمبتاع.
[(3)] فصل [فيمن غصب خمراً فخللها] [المسألة الأولى: فيمن غصب خمراً لمسلم فخللها] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن غصب مسلم خمراً من مسلم فخللها، فلربها أخذها؛ لأن مالكاً قال: إذا ملك المسلم خمراً فليهرقها، فإن اجترأ وخللها فليأكلها.
قال أبو محمد: وإنما كان لربها أخذها؛ لأنها قد حلت، وليس للغاصب فيه

صنعةٌ يحتج بها.
[المسألة الثانية: فيمن غصب خمراً لذمي فخللها] قال أشهب: ولو كانت لذمي كان مخيراً في أخذها خلا أو قيمتها خمراً يوم الغصب.
[المسألة الثالثة: فيمن غصب خمراً لذمي فأتلفها] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن غصب لذمي خمراً فأتلفها، فعليه قيمتها يقومها من يعرف القيمة من المسلمين.
قال سحنون: يقومها من كان حديث عهدٍ بالإسلام.
قال ابن المواز: لا تخفى قيمتها على المسلمين.
وقال ابن الماجشون: لا شيء عليه؛ لأنه لا قيمة للخمر، ولا للميتة.
م: قال عبد الوهاب: وهو قول الشافعي.
فوجه قول ابن القاسم: أنه أتلف عليه ظلماً ما يعتقد ملكه، ويقر عليه، فلزمته قيمتها؛ أصله إذا أتلف عليه ثوباً، ووجه قول عبد الملك: فلأنه لا قيمة للخمر فلم يلزمه سوى الأدب؛ كما لو عدا على مرتد فقتله لم تلزمه ديته، وأدب لافتئاته على الإمام.

[الباب الثاني عشر] فيمن غصب شيئاً - أو أودعه قمحاً - فخلطه بغيره.

[(1) فصل: فيمن غصب قمحاً وشعيراً فخلطهما] قال ابن القاسم: ومن غصب لرجلٍ قمحاً ولآخر شعيراً فخلطهما، فعليه لكل واحد مثل طعامه.
قال في كتاب محمد: فإن لم يكن عنده شيء بيع المختلط فاشترى من ثمنه لكل واحد مثل طعامه، فإن لم يبلغ قسم الثن على قدر قيمة القمح وقيمة الشعير، ثم يشتري لكل واحد بما وقع له مثل طعامه، وما بقي اتبعاه به ديناً، وإن رضيا بقسمة الثمن على هذا جاز، وإن اختلفا، فمن شاء أخذ حصته من الثمن أخذها، ويشترى للآخر بما وقع له منه مثل جنس طعامه.
[المسألة الأولى: هل يجوز أن يصطلحا على أن يقتسما ذلك المختلط بينهما على قيمة الطعامين، وأما على قدر كيل طعام كل واحد، فجائزٌ إذا رضيا جميعاً] ونحوه قال أشهب في المجموعة قال: لا يقتسمان ذلك إلا بالسواء إذا كانت مكيلتهما واحدة، ولا يجوز أن يقتسماه على القيم؛ لأنه يدخله التفاضل في الطعامين.
وقال ابن القاسم: تجوز قسمته على قدر قيمة القمح من قيمة الشعير، وهو مذهبه في المدونة.

وقال سحنون: ليس لهما أن يتركا الغاصب ويأخذا الطعان فيقسماه لا على تساوٍ ولا على قيمة؛ لأن أحدهما لو اتبع الغاصب بمثل طعامه لم يكن للآخر أن يقول له: أنا آخذ من هذا الطعام مثل مكيلتي؛ لأنه ليس بعين طعامه، ولا لهما أخذ المختلط؛ كمن عصب خشبةً، واغتصب نجاراً عملها باباً لم يكن لهما أخذ الباب ليشتركا فيه، هذا بقيمة خشبته وهذا بقيمة عمله؛ لأن ذلك تغير، وإنما تلزمه القيمة.
[المسألة الثانية: لو قال أحدهما: أنا آخذ الطعام كله وأغرم لصاحبي مثل طعامه] قال ابن المواز: ولو قال أحدهما: أنا آخذ الطعام كله وأغرم لصاحبي مثل طعامه لم يجز؛ وكأنه أخذ [50/أ] بما وجب له على الغاصب من القمح قمحاً وشعيراً مختلطاً.
وقال أشهب في المجموعة: ليس ذلك له في القضاء، وأما على التراضي، فذلك جائز.
قال يحيى بن عمر: إذا أعطاه ذلك على التراضي قبل التفرق، وإلا لم يجز.
[المسألة الثالثة: لو اختلط ملكان من غير عداءٍ من أحد] قال سحنون في كتاب آخر - وهو في المدونة -: ولو أنه اختلط من غير عداء من من أحد، فأنا أرى أن القمح لم يعب الشعير، والشعير قد أعاب القمح، فيباعان ويكونان شريكين في ثمنه، هذا بقيمة قمحه معيباً، وهذا بقيمة شعيره غير معيب.

[(2) فصل: فيمن استودع جوزاً وقمحاً فخلطهما] وقال أشهب في كتابه: ولو أودعه هذا جوزاً وهذا قمحاً فخلطهما، ثم تلفا جميعاً فلا يضمن شيئاً؛ لأنه يقدر على تخليص ذلك بلا مضرة على القمح ولا على الجوز، إلا أن يكون أحدهما يفسد الآخر، فيضمن الذي فسد، فإن كان كل واحد مفسداً لصاحبه، فهو ضامن لهما.
ومن هذا المعنى في كتاب الوديعة.

[الباب الثالث عشر] فيمن غصب ما لا يحل بيعه، وبيع جلود الميتة والصلاة فيها والاستقاء بها، وبيع الكلاب

[(1) فصل: في غصب ما لا يحل بيعه] قد تقدم أن من غصب لذمي خمراً أن عليه قيمتها، وإذا تظالم أهل الذمة في عصب الخمر وإفسادها قضينا بينهم فيها إذ هي من أموالهم.
م: وإذ علينا أن نحميهم ممن أراد أذاهم.
[فرع: في بيان مذهب الإمام مالك في القضاء على أهل الذمة في الربا وغيره] قال: ولا أقضي بينهم في تظالمهم في الربا، وترك الحكم بينهم في الربا أحب إلي؛ لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
م: ونقلها أبو محمد: وترك الحكم بينهم في كل شيء أحب إليّ، يريد: وإن تراضوا أن يحكم بينهم في الربا، فحكمنا بينهم بردهما إلى رأس المال وفسخ الأمر الأول، جاز أن يحكم بينهما فيه.
[المسألة الأولى: فيمن غصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه] قال ابن القاسم: ومن غصب جلد ميتة غير مدبوغ فعليه إن أتلفه قيمته ما بلغت، كما لا يباع كلب ماشية أو زرعٍ أو ضرعٍ، وعلى قاتله قيمته ما بلغت.
قال أشهب في المجموعة: وكزرع لم يبد صلاحه يستهلك؛ وكبئر ماشيةٍ التي لا يجوز بيعها يغتصبها رجلٌ فيسقي بها زرعه، فعليه قيمة ما سقى منها.
قال مالك في العتبية: في مستهلك الزرع يغرم قيمته على ما يرجى من

تمامه ويخاف هلاكه أن لو كان يحل بيعه، فإن قال قائل: فكيف يغرم ما لا يحل بيعه؟ قيل فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قد قضى في الجنين بغرةٍ عبدٍ أو وليدةٍ))، والجنين لا يحل بيعه فهذا مثله.
وقال أبو الفرج البغدادي: إن مالكاً قال: فيمن استهلك لرجلٍ جلد ميتةٍ غير مدبوغ إنه لا شيء عليه.
قال القاضي إسماعيل: إلا أن يكون لمجوسي.
[(2) فصل: في ثمن كلب الماشية والزرع والصيد، وفي بيع جلود الميتة والصلاة فيها والاستقاء بها] ومن المدونة: ولم يوقت مالك - في أثمان الكلاب - أن في كلب الماشية شاةٌ، وفي كلب الزرع فرقاً من طعامٍ، وفي كلب الصيد أربعين درهماً، وإنما

على قاتله قيمته، وكره مالك بيع جلود الميتة والصلاة عليها أو فيها، دبغتا أو لم تدبغ، ولكن إذا دبغت جاز الجلوس عليها وتفترش وتمتهن للمنافع ولا تلبس، قيل لمالك: أيستقي بها؟ قال: أما أنا فأتقيها في خاصة نفسي، ولا أحب أن أضيق على الناس، وغيرها أعجب إليّ منها، وإذا ذكيت جلود السباغ جاز أن تلبس وتباع ويصلى عليها، دبغت أو لم تدبغ.

[الباب الرابع عشر] جامع مسائل مختلفةٍ من الغضب وغيره وإقرار الغاصب

[المسألة الأولى: هل يعد الغاصب محارباً] [50/ب] قال ابن القاسم: وليس كل غاصب محارباً؛ لأن السلطان يغصب ولا يعد محارباً، والمحارب: القاطع للطريق، أو من دخل على رجل في بيته فكابره على ماله، أو كابره عليه في الطريق بعصى أو سيف أو غير ذلك، ومن غصب شيئاً ثم أودعه فهلك عند المودع، فليس لربه تضمين المودع، إلا أن يتعدى.
[المسألة الثانية: هل يلزم اذن الإمام في الرباط] ابن القاسم: قلت لمالك يا أبا عبد الله: إنا نكون في ثغورنا بالإسكندرية فيقال لنا: إن الإمام يقول: لا تحرسوا إلا بإذني.
قال: ويقول أيضاً لا تصلوا إلا بإذني!! فا يلتفت إلى قوله، وليحرس الناس.
[المسألة الثالثة: في دفن الرجل والمرأة في قبل واحد، ومن هو الأولى بالصلاة على المرأة وبإدخالها في قبرها] وإذا دفن رجل وامرأة في قبر واحد جعل الرجل مما يلي القبلة.
قيل: فهل يجعل بينهما حاجزٌ من الصعيد أو يدفنان في قبر واحد من غير ضرورة؟ قال: ما سمعت من مالك فيه شيئاً، وعصبة المرأة أولى بالصلاة عليها من زوجها، وزوجها أحق منهم بإدخالها في قبرها، ويدخلها

في قبرها ذوو محارمها، فإن اضطروا إلى الأجنبيين جاز.
[المسألة الرابعة: في إقرار الغاصب] قال ابن القاسم: ومن أقر أنه غصبك هذا الخاتم، ثم قال: وفصه لي، أو أقر لك بحبه ثم قال: وبطانتها لي، أو أقر لك بدار، ثم قال: وبنيانها لي، لم يصدق إلا أن يكون كلاماً نسقاً.

[الباب الخامس عشر] فيمن غصب أرضاً أو اشتراها أو أحياها فبنى أو غرس ثم استحقت.

[(1) فصل: فيمن غصب أرضاً فبنى أو غرس ثم استحقت] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حق))، والغاصي هو العرق الظالم.
قال مالك: فيمن غصب أرضاً فغرس فيها غرساً أو بنى فيها ثم استحقها ربها، قيل للغاصب: اقلع الأصول والبناء - إن كان لك فيه منفعة - إلا أن يشاء صاحب الأرض أن يعطيه قيمة البناء والأصل مقلوعاً.
ابن المواز: بعد طرح أجر القلع، فذلك له.
م: وقال أبو حنيفة: ليس لصاحبها إلا القيمة.
ودليلنا: قوله عليه الصلاة والسلام: ((على اليد رد ما أخذت حتى تؤديه))؛ وقوله: ((ليس لعرق ظالم حق))؛ ولأنها عين اغتصبها فلزمه ردها إلى صاحبها؛ أصله لو لم يبن فيها.

جارٍ التحميل