الجامع لمسائل المدونةصفحات 161-200

يبطل ما تقدم له من غسل، والله أعلم.
قال ابن الماجشون: وإن أصاب رأسه الرش فلا يجزئه أن يمسح بذلك، ولينصب يديه ليصيبهما الرش، ثم يمسح بهما رأسه.
قال سحنون في العتبية في المسافر لا يجد الماء فيصيبه المطر: يجوز أن ينصب يديه للمطر ويتوضأ، وكذلك إن كان جنباً فتطهر بذلك إن جاءه من ذلك ما يبل به جلده.
م وإنما أمر بنصب اليد للماء ليصير ناقلا للماء في الوضوء والغسل، وهذا الصواب، ولو لم ينصب يديه، ولكن أخرج أعضاء الوضوء للمطر أو تعرى للغسل وكان مطراً وابلاً لأجزأه ذلك في الوضوء والغسل، كما لو توضأ أو اغتسل/ تحت ميزاب أو أمر غيره فصب عليه، فإنه يجزئه، والله أعلم.
وبه التوفيق.

[باب-9] في مسح المرأة رأسها والطويل الشعر من الرجال ومسح الأذنين وتخليل اللحية ومسح الوضوء بالمنديل ومن ذبح أو قلم أظفاره أو حلق رأسه بعد الوضوء

[فصل-1 -: في مسح المرأة رأسها في الوضوء] روى ابن وهب أن عائشة وجويرية زوجتي النبي صلى الله عليه وسلم وصفية زوجة ابن/ عمر كن إذا توضأن يدخلن أيديهن تحت الوقاية فيمسحن بجميع رؤوسهن، وقاله ابن المسيب وابن شهاب وغيرهم.
قال مالك رحمه الله: وتمسح المرأة على رأسها كله كالرجل، وتمسح على ما استرخى من شعرها نحو الدلالين وإن كان شعرها معقوصاً مسحت على

ضفرها، ولا تنقض شعرها، وكذلك الطويل الشعر من الرجال قد ضفره سميح عليه.
قال مالك في العتبية: يمر بيديه إلى قفاه ثم يعيدهما من تحت شعره إلى مقدم رأسه.
قال ابن حبيب: فإن كانت مسدلة الشعر أو الضفائر تمادت بيديها إلى أطرافه، ثم أدخلت يديها من تحته فترد يديها إلى مقدم رأسها وأطراف شعرها قابضة عليه، قال: وإن ضفرت شعرها بصوف أو شعر لم يجزئها أن تمسح عليه حتى تنزعه إذا لم يصل الماء إلى شعرها من أجله، وقد نهي/ أن تصل المرأة شعرها بشيء، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعنت الواصلة والمستوصلة"

ومن المدونة قال مالك: ولا تمسح على خمارها ولا على غيره، فإن فعلت أعادت الوضوء والصلاة أبداً.
قال غيره: لأنها جاهلة، والجاهل كالعامد.
قال مالك: وإذا كان في الرأس حناء فلا يجزئ المسح عليها حتى تنزعها فتمسح على الشعر، وقد تقدمت الحجة فيه.
فصل-2 -: [مسح الأذنين في الوضوء] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: والأذنان من الرأس، ويستأنف لهما الماء وكذلك فعل ابن عمر.
قال مالك: فإن تركهما ساهياً حتى صلى فلا إعادة عليه/ كالمضمضة وليعد مسحهما لما يستقبل.

قال مالك في المختصر: ويستحب له تجديد الماء لأذنيه.
قال محمد بن مسلمة: إن شاء جدد لهما الماء وإن شاء مسحهما بماء مسح به رأسه، وقال ابن حبيب: من مسح أذنيه بالماء الذي مسح به رأسه فهو كمن لم يمسحهما.
قال مالك: ولا يعيد الصلاة.
قال: وصفة مسحهما أن يأخذ الماء بهما ويمسح بإصبعيه ظاهرهما وباطنهما، ويدخل إصبعيه في صماخيه، ولا يتبع غضونهما.
فصل-3 -: [الاختلاف في مسح الأذنين].
قال أبو إسحاق: وقد اختلف في مسحهما، فقيل: هما سنة على حيالهما، ويجدد الماء لهما، وإن مسحهما بفضل مسح الرأس فكأنهما لم يمسحا.
وقيل: إنهما من الرأس، ومسحهما كمسح الرأس، إلا أن تاركهما لا يعيد ليسارتهما، كناسي الشيء اليسير من رأسه، وهذا قول أكثر البغداديين.
وقد اختلف فيما يجزئ من مسح الرأس، فقيل: لابد من مسحه كله، إلا ما لا يمكن الاحتفاظ منه، ثم ذكر قول ابن سلمة، وقول أبي الفرج، وقال: هذا بعيد على مذهب أصحابنا.

فصل-4 -: [تحريك اللحية في الوضوء] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: وتحرك اللحية في الوضوء من غير تخليل.
ابن وهب: وقاله ابن عباس والقاسم بن محمد وربيعة وغيرهم.
وقد تقدم كثير من معاني هذا الباب.
م قال الأبهري في تحريك اللحية: هذا اختيار/ منه؛ لأن غسل ما تحتهما قد سقط الفرض عنه لغيبته عن المواجهة.
قال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في الشعر المسترسل عن اللحية هل يلزم غسله وإمرار اليد عليه؟ فذهبت طائفة إلى وجوب ذلك؛ لقول مالك: إن اللحية من الوجه فيجب غسلها معه.
وقال بعض أصحابنا: إنما الواجب غسل الشعر المقابل كما لو كان ظاهراً لوجب غسله دون المنسدل منه، وبه قال الأبهري.

قال غيره: ويجزئ هذا الاختلاف في شعر المرأة المنسدل، والطويل الشعر من الرجال، ومذهبه في المدونة أنه يمسح، وهو قوله: وتمسح على ما استرخى من شعرها نحو الدلالين، وكذلك الطويل الشعر من الرجال.
م وما روي عن ابن سيرين أنه ليس من السنة غسل اللحية، قيل: معناه تخليلها، وقيل: معناه لا يستأنف لها ما يغسلها به، وإنما يمر عليها يده بالماء الذي غسل به وجهه، وهذا أبين.
[فصل-5 -: في حكم التنشف بالمنديل بعد الوضوء] قال مالك: ولا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء.
وروى ابن وهب "أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء".

وقال علي في المجموعة: قلت لمالك: أيفعل ذلك قبل غسل رجليه ثم يغسل رجليه/ بعد؟ قال: نعم، وإني لأفعله.
قال سليمان بن سالم: وكان جابر بن عبد الله وابن المسيب يكرهان ذلك، ويقولان: "أن الوضوء نور".
قال ابن حبيب: قيل لمالك: أن أناساً يقولون: إنه يذهب نور الوجه، فقال: لا بأس به، وما سمعنا بكراهية.

فصل-6 -: [في حكم من قلم أظفاره أو حلق رأسه أو ذبح بعد الوضوء] ومن المدونة قال مالك: ومن كان على وضوء فذبح لم ينتقض وضوءه، وإن قلم أظفاره أو حلق رأسه لم يعد مسحه.
قال ابن أبي سلمة: هذا لمن لحن الفقه.
قال سحنون: يريد من خطأ الفقه.
وذكر أهل اللغة أن اللحن بإسكان الحاء هو الخطأ، واللحن بالفتح هو الصواب، فمن قرأها بالإسكان أراد أن من قال: لا ينتقض وضوءه خطأ، إذا رأى أن الشعر حائل، كالخفين، وليس مثله؛ لأن الشعر من أصل الخلقة فهو مفارق للخف، ومن قرأها بتحريك الحاء رأى أن قولنا هو الصواب.
وقيل: إن ابن أبي سلمة يقول: إنه إذا حلق رأسه ينتقض

وضوءه؛ لأنه حائل، كالخف فعلى هذا يكون معنى قل ابن أبي سلمة هذا من لحن الفقه أن قولنا من خطأ الفقه.

[باب-10] في الوضوء من القيء والقلس والحجامة والعرق يقطع والقرحة تسيل

. [فصل -1 -: في الوضوء من القيء].
من المدونة قال مالك: القيء قيثان، فما خرج بمنزلة الطعام فهو طاهر، وما تغير عن حال الطعام فهو نجس، يغسل ما أصاب منه الثوب والجسد، ولا وضوء فيه، خلافاً لأبى حنيفة في إيجابه الوضوء من كثيره.
قال غير واحد من البغداديين: والدليل لمالك قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل أيجب الوضوء من القيء؟ فقال: لو كان واجباً لوجدته في كتاب الله تعال، ولأن كل خارج من البدن لا ينقض قليله الوضوء فكذلك كثيره، أصله الدموع والبصاق، وعكسه، البول والرجيع.

ومن المدونة روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وأبا الزناد، وغيرهم قالوا: لا وضوء من القيء، قال ربيعة وغيره: ولا من القلس، قال ابن المسيب وغيره: ولا فيما يخرج من الفم من الدم.
قال ابن مزين: والقلس هو ماء، ورما كان مثل القيء، وربما كان طعاماً، فإن كان ماءًا، وأصابه ذلك في صلاته فليتماد فيها ولا شيء عليه، قال ابن القابسي: يعنى إذا كان ما يلقي من ذلك غير فاسد.
قال ابن مزين: وإن كان طعامًا، وكان شيئًا يسيرًا تمادى، ولا شيء عليه؛ وإن كان كثيرًا قطع، وتمضمض وابتدأ الصلاة، ورواه ابن القاسم عن مالك.
فصل -2 -: [في الوضوء من الحجامة والعرق]: ومن المدونة قال مالك - رحمه الله -: ويغسل المحتجم موضع المحاجم، ولا يجزئ مسحها، وقاله ابن عمر وابن عباس، وغيرهم، وقال يحيى بن سعيد:

  • فى العرق يقطع - مثله.
    قال مالك: فإن مسحها وصلى أعاد في الوقت بعد أن يغسلها.
    يرد إن مسحها ساهيًا وقال أبو عمران: سواء مسحها ساهيًا أو عامدًا فإنما يعيد في الوقت؛ للاختلاف في جواز المسح عليها، وقد روى عن الحسن وغيره: أنه ليس عليه غسلها.
    وقال ابن حبيب: لا يعيد، وما روى عن ابن المسيب وغيره من قتل الدم في الأصابع أكثر من هذا.
    فوجه قول مالك: أنه دم كثير وجب غسله فلا يزيله إلا الماء، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ينقض الوضوء دم الحجامة عند مالك، ولا ما

شاكله مما يخرج من البدن.
قال ابن القصار: دليله ما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم فلم يزد على أن غسل أثر محاجمه وصلى، ولم يتوضأ.
البخاري: وقال ابن عمر والحسن في من احتجم: ليس عليه إلا غسل محاجمه، وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها دم فصلى ولم يتوضأ، وبصق ابن أبي أوفى دمًا فمضى في صلاته.
ابن وهب: وقال ربيعة وابن شهاب - في الجرح يمصل - مثله، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى والجرح يثغب دمًا.

فصل -3 -: [في القرحة تسيل]: ومن المدونة قال مالك - رحمه الله -: وكل قرحة إن تركها صاحبها لم تسل، وإن نكأها سالت فإن هذا إذا نكأها فخرج منها دم أو غيره أو خرج ذلك من غير أن ينكأها، فأصاب ذلك ثوبه أو جسده غسله، وإن كان في الصلاة قطع، ولا يبنى إلا في الرعاف، إلا أن يخرج منها الشيء اليسير فليفتله ولا ينصرف، وإن كانت لا تكف تمصل من غير أن ينكأها فليصل، وليدارها بخرقة ما استطاع، ولا يقطع لذلك صلاته، وإن أصاب ثوبه فلا بأس أن يصلي به، إلا أن إلا أن يتفاحش فأحب إلىّ أن يغسله، ولا يصلي به.

[باب - 11] في من وطيء على نجاسة، وحكم النجاسة في البدن والثوب وغيره وبول الصبي والبول قائمًا

[فصل -1 - في من وطئ على نجاسة]: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدرع "يطهره ما بعده ". قال مالك - رحمه الله: ومعنى ذلك في القشب اليابس.
وقيل: إن تأويل ذلك إذا سحبت ذيلها في أرض ندية نجسة، ثم تجره بعد ذلك على أرض طاهرة.
قال مالك: ومن وطئ بخفيه أو نعليه على دم أو عذرة أو بول لم يصل به

حتى يغسله، وإن وطئ على أرواث الدواب الرطب وأبوالها دلكه وصلى به، قال ابن حبيب: إنما هذا في الخف خاصة؛ لأن النعل يخف نزعه.
قال ابن القاسم: وكان مالك يقول: من وطئ بخفيه على أرواث الدواب الرطب فلا يصل به حتى يغسله، ثم قال: أرجو أن يكون ذلك واسعًا، وما كان الناس يتحفظون هذا التحفظ.
قيل: إنما فرق في أجد قوليه بين العذرة وزبل الدواب؛ لأن الطرق لا تخلو من زيل الدواب، بخلاف العذرة، فخفف لهذه الضرورة، وأيضًا فإن الدم والعذرة متفق على نجاستهما، وزبل الدواب مختلف في نجاسته.
ابن وهب وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذ جاء أحدكم المسجد ليلاً، فليدلك نعليه، وإن كان نهاراً فلينظر إلى أسفلهما ".

وقال عطاء: كان الصحابة رضي الله عنهم يمشون حفاة فما مشوا عليه من قشب رطب غسلوه، وإن مشوا على يابس لم يغسلوه.
ومن العتبية: وسئل مالك عن الذي يتوضأ ثم يطأ على الموضع القذر الجاف، فقال: فلا بأس بذلك، وقد وسع الله سبحانه على هذه الأمة.
قال أبو بكر بن اللباد: وذلك إذ مشى بعد ذلك على الأرض طاهرة؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الأرض يطهر بعضها بعضًا "، يريد وقت جفت رجلاه.

ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بطين المطر، وماء المطر المستنقع في السكك والطرق يصيب الثوب أو الجسد أو الخف أو النعل وإن كان فيه العذرة، وسائر النجاسات، ومازالت الطرق وهذا فيها، وكانوا يخوضون طين المطر ويدخلون ويصلون، ولا يغسلونه، قال أبو محمد: يريد ما لم يكن غالبًا أو عينًا قائمة.
وروى وكيع أن كميل من زياد قال: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخوض طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يغسل رجليه.
فصل -2 -: [في الدم يصيب الثوب]: قال مالك: ومن رأى في صلاته دمًا يسيرًا في ثوبه: دم حيض أو غيره تمادي، ولم يقطع صلاته ولم ينزعه، ولو نزعه لم أر به بأسًا، وحكي عن ابن القابسي أنه ينزعه رأسًا، وإن كان قميصًا.
يريد إذا كان عليه ما يستره، وإلا لزمه تمام الصلاة به.

البخاري: وكان ابن عمر إذا رأى في ثوبه دمًا، وهو يصلي وضعه، ومضى في صلاته.
قال مالك: وإن كان كثيرًا قطع ونزعه، وابتدأ الفريضة بإقامة، وإن كان أمامًا استخلف، وإن رآه بعد فراغه من الفريضة، أعادها في الوقت.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن كانت نافلة فرأى ذلك بعد ركعة قطع، ولا قضاء عليه للنافلة إلا أن يشاء.
قال ابن وهب: قال ابن شهاب: "بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في فى ثوبه دمًا في الصلاة فانصرف ". قال ابن حبيب: ولو رأى الدم اليسير في ثوبه قبل أن يدخل في الصلاةـ، فلا يصل به حتى يغسله، وإنما الرخصة فيه إذا رآه وهو في الصلاة، أو بعد فراغها، قال أبو محمد: وبعض أصحابنا رأى أن قدر الدرهم فأقل منه، لا يعيد منه الصلاة.

وذكر ابن عبد الحكم إن قدر الدرهم كقدر فم المخرج، فلا تعاد منه الصلاة؛ لاستجازة الصلاة بالاستجمار.
وأنكر مالك في العتبية قدر الدرهم، وقال: لا أجيبكم إلى هذا الضلال الدراهم تختلف، وبعضها أكبر من بعض، وذكر ابن حبيب عن مالك أن قدر الخنصر قليل، وقدر الدرهم كثير.
قال غيره: وذهب بعض الناس إلى أن قدر الدرهم فأقل منه معفو عنه من سائر النجاسات قياسًا على فم المخرج، والدليل على فساد ذلك أن الاستجمار إنما أبيح للضرورة التي تلحق فيه، وأنه ملازم لهم في كل الأوقات، وقد يعدم الماء في ذلك، والنجاسة فليست ملازمة لهم، ولا ضرورة تؤديهم إلى الصلاة بها، ومن الدليل لقولنا: ما روى "أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعله في الصلاة، وقال: "أخبرنى جبريل أن فيها قذراً "، ولم يبين قدر الدرهم أو أكثر.
والفرق بين قليل الدم وكثيره أن كل ما حرم أكله لم تجز الصلاة به،

وإنما حرم الله تعالى الدم المسفوح؛ لقوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) فدل أن ما لم يكن مسفوحاً حلال طاهر، وذلك للضرورة التي تلحق الناس في ذلك، إذ لا يخلو اللحم وإن غسل من أن يبقى فيه دم يسير، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: لو حرم قليل الدم لتتبع الناس ما في العروق، ولقد كنا نطبخ اللحم والبُرْمَة تعلوها الصفرة، ولذلك فرق أيضًا بين قليل الدم وبين قليل سائر النجاسات؛ لأن قليل سائر النجاسات حرام أكلها وشربها، وأيضًا فإن الإنسان لا يخلو في غالب الأحوال من بثرة أو حكة أو دم برغوث فخفف لهذا، ونحو هذا لأصحابنا البغداديين.
والله أعلم.

ومن المدونة قال ابن القاسم: والقيح والصديد عند مالك بمنزلة الدم، والدم عند مالك كله سواء، دم حيض أو سمك، أو ذباب أو غيره، يغسل قليله وكثره.
ابن وهب: وأن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله أرأيت إن لم يخرج أثره؟ قال: " يكفيك الماء، ولا يضرك أثره ". قال ربيعة ومالك: ولا يغسل من دم البراغيث إلا ما تفاحش أو كثر.
قال أبو محمد: وقد روى ابن وهب عن مالك: أن من صلى بدم الحيضة أو دم الميتة أو العذرة أو البول أو المني فإنه يعيد الصلاة أبداً.
لعله يريد فى العمد، وإن كان يسيراً، بخلاف الدم.
قال سحنون: وروى ابن نافع وابن أشرس، وعلي بن زياد عن مالك أن

دم الحيض، كالبول تعاد الصلاة من يسيره في الوقت.
ومن العتبية قال مالك": في السيف يقاتل به الرجل في سبيل الله فيكون فيه الدم فليس عليه غسله، قال فى المختصر: ويصلي به.
قال عنه ابن القاسم: مسحه أو لم يمسحه، قال عيسى: يريد في الجهاد والصيد لعيشه.
فصل -3 - [في حكم الخارج من الإنسان والحيوان والطيور]: ومن المدونة قال ابن القاسم: والبول والرجيع والمني وخرو الطير التي تأكل الجيف، والدجاج التي تصل إلى النتن وزبل الدواب، وأبوالها قليلة وكثيرة سواء يغسل وإن ذكر في الصلاة أنه في ثوبه أو رآه قطع، كان وحده أو مأمومًا، ونزعه، وابتدأ الصلاة بإقامة، وإن كان إماماً فليستخلف، ومن صلى بذلك، ولم يعلم أعاد في الوقت، فإن ذهب الوقت لم يعد، قال:

قيل له: فإن رآه بل أن يدخل في الصلاة - زاد في المبسوط فنسي حتى دخل - قال: هو مثل هذا مله يفعل فيه كما يفعل فيما فسرت لك في هذا.
وقال ابن القصار: إذا رأى النجاسة في الصلاة وعليه ما يستره غير ذلك الثوب فإنه ينزعه عنه، ويمضى على صلاته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في النعل الذي خلعه، وهو في الصلاة لما أخبر أن فيه نجاسة.
وهذا خلاف لمالك وأصحابه، وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم انصرف من الصلاة لدم وجده في ثوبه، ويحتمل أن يكون الفرق بين الثوب والنعل أن الثوب لابس له فهو حامل لتلك النجاسة، والنعل هو واقف عليه والنجاسة في أسفله فهو كما لو بسط على النجاسة جلدًا أو ثوبًا كثيفًا، فإذا علم بتلك النجاسة أزال رجله منه غير محرك له، فسلم من حمل النجاسة وتحريكها، والله أعلم.
فصل -4 -: [في حكم أبوال الإبل]: ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بأبوال ما يؤكل لحمه مما لا يأكل

الجيف وأرواثها إن أصاب الثوب خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أنها نجسة.
قال أبو جعفر الأبهري: والدليل لمالك ما رواه البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله "، وروى ابن الزبير أنه قال: "ما أكل لحمه فلا بأس بسلحه "، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين شرب أبوال الإبل، فدل ذلك على طهارتها، وهو في البخاري.

م وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله وبسلحه "، دليل أن ما لا يؤكل لحمه بوله وسلحه تجس، وأن الأبوال مقيسة على اللحوم.
ومن المدونة وقال مالك: إن أهل العلم لا يرون على من أصابه شيء من أبوال الإبل والبقر والغنم شيئًا، وإن أصاب ثوبه لم يغسله ويرون على من أصابه شيء من أبوال الدواب الخيل والبغال والحمير أن يغسله.
والذى فرق بين ذلك أن تلك تشرب ألبانها وتؤكل لحومها، والخيل والبغال والحمير لا تُشرب ألبانها ولا تؤُكل لحومها.
وقال ربيعة في من صلى وفي ثوبه أو جسده شيء من بول أو رجيع قال: إن كان مما يكون من الناس فيلعد صلاته في الوقت، فإن فاته الوقت

لم يعد وأن ابن عمر أمر من صلى وفي ثوبه احتلام أن يعيد بعد الوقت.
قال سحنون: وإنما الحديث بهذا حجة على من زعم أنه لا يعيد في الوقت.
انظر قول ربيعة إن كان مما يكون من الناس فليعد في الوقت يدل قوله إن كان مما يكون من الدواب وغيرها لم يعد، والله أعلم.
ومن العتبية قال مالك: وما أصابه من بول الفرس في أرض العدو فأرجو أن يكون خفيفًا إن لم يجد من يمسكه له، وأما في بلد الإسلام فليتقه جهده، ودين الله يسر.

فصل -5 -: [في حكم المني يقع في الثوب]: ومن المدونة قال مالك رضي الله عنه: ولا يجزئ فرك المني من الثوب حتى يغسل بالماء؛ لأنه نجس خلافًا للشافعي.
دليلنا: أنه مائع خارج من السبيل فأشبه البول؛ ولأنه مائع يوجب البلوغ كدم الحيض، ولو كان طاهرًا في الأصل لوجب أن بنجس بجريه في مجرى البول النجس، وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في سفر فأجنب فحضر صلاة الصبح ومعه جماعة من الصحابة فانتظر غسل ثوبه حتى كاد أن تطلع الشمس، فقال عمرو بن العاص: قد أصبحنا ومعنا ثياب فلو لبست منها وصليت إلى أن يغسل ثوبك؟ فقال: لو فعلت ذلك لكانت سنة.
فهذا يدل على نجاسة المني؛ إذ لو كان طاهراً لصلى به، ولكان من معه من الصحابة يقولون: إنه طاهر، وهذا يجرى الإجماع الذي هو أولى من خبر

الواحد، وروي عن عائشة أنها قالت كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة وأن بقع الماء في ثوبه، وذكره البخاري من طرق.
فإن قيل: فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يخرج إلى الصلاة قيل: وقد روي أن بالماء فركته عائشة.

[فصل-6: فيما تزول به النجاسة من البدن والثوب] قال مالك رحمه الله: فلا يزيل النجاسة من الثوب والبدن إلا الماء، وقد روى يحيى بن سعيد وغيره عن أنس أن أعرابيا بال في المسجد فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصب على بوله ذنوباً أو ذنوبين من ماء فزال حكم النجاسة لغلبه الماء، وكره مالك لمن في ثوبه قطرة من دم أن ينزعه بفيه ويمجه، قال: ولكن يغسله بالماء.
فصل-7:] في حكم النجاسة تقع في الثوب [ ومن المدونة قال مالك: ومن أيقن أن نجاسة أصابت ثوبه، ولا يدري موضعها غسله كله، وقاله ابن عمر وأبو هريرة.
قال مالك: وإن علم تلك الناحية غسلها وإن شك هل أصابه شيء أم لا؟ نضحه بالماء، والنضح من أمر الناس، وهو طهور لكل ما شك فيه

وقد نضح النبي - صلى الله عليه وسلم - الحصير الذي أسود من طول ما لبس، وغسل عمر رضي الله عنه ما رأى من الاحتلام في ثوبه ونضح ما لم ير.
قال ابن حبيب: وإن صلى به ولم ينضحه أعاد الصلاة أبداً، في العمد والجهل، وأما في السهو ففي الوقت.
قال الشيخ أبو محمد: ورأيت لبعض أصحابنا في من ذكر لمعة من الوضوء من إحدى يديه لا يدري من أي يد، إلا أنه يعلم موضعها من إحدى اليدين أنه إن كان بحضرة الماء غسل ذلك الموضع من يده اليمنى، ثم غسل يده اليسرى، وأتم بقية وضوئه، وإن طال غسل ذلك الموضع من اليدين جميعاً.
فصل-8:] حكم بول الآدمي يصيب الثوب أو البدن [ ومن المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: فما تطاير علي من البول

مثل رؤوس الإبر؟ قال: لا أحفظ هذا بعينه عن مالك، ولكن قال مالك: يغسل قليل البول وكثيره.
قال مالك: وبول الغلام والجارية سواء يغسل، وإن لم يأكلا الطعام، وأما الأم فأحب إلى أن يكون لها ثوب للصلاة غير الذي ترضع فيه، فإن لم تقدر صلت فيه، وتدرأ البول جهدها، وتغسل ما أصابها من البول جهدها.
قال ابن شعبان: وروي عن مالك أنه قال: لا يغسل الثوب من بولهما حتى يأكلا الطعام.
وفرق ابن حبيب بين بول الصبي والصبية، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يغسل بول الصبية، ويرش بول الغلام"

ولما روي أن الرجل خلق من تراب فإذا مسه الماء طابت رائحته، والمرأة خلقت من ضلع فإذا مسه زاد نتناً.
قال أبو الحسن بن القابسي: وليس بمثل هذه الحجة تقوم التفرقة في الأحكام، ومالك أعلم بهذا من غيره.
قال غير واحد من البغداديين: والصحيح من ذلك ما قاله مالك دليله أنه لما اتفق على نجاسة تفل الصبي/ والصبية، فكذلك بولهما، ولا فرق بين صغير ولا كبير ذكراً أو أنثى في الأتفال، فكذلك في الأبوال.
فإن قيل: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يغسل بول الصبية ويرش بول الصبي" فقد فرق بينهما.

وقد روى البخاري أن أم قيس أتت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بابن لها صغير لم يأكل الطعام فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله.
قيل: فقد قال مالك: هذا ليس بمتواطئ عليه، يعني على العمل به، فلا ينبغي أن يعدل عن الأصل بمثل هذا، ويحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرش وفي النضح، النضح الذي هو كالغسل.
فصل-9:] في حكم البول قائماً [ ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالبول قائما في رمل أو نحوه مما

لا يتطاير فيه، وأكرهه بموضع يتطاير فيه، وليبل جالساً، وبال النبي - صلى الله عليه وسلم - قائماً ومسح على خفيه، وهو في البخاري.
وقال ابن نافع في المجموعة: وبال ابن عمر قائما من كبر، وبال ابن المسيب قائماً.
يريد والبول جالساً أحسن، وأستر.
] فصل-10: حكم البول في المياه والحفرة والمغتسل [ ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبال في الماء الدائم ثم يتوضأ منه أو يشرب.
قال ابن حبيب: ولا بأس بالبول في الماء الجاري، ويكره في الراكد، وإن

كثر، ويكره أن يبال في المهواة، وليبل دونها، ويجري إليها، وذلك من ناحية الجن ومساكنها، ولا بأس أن يبول في موضع غسله إن اتبعه ماء، وكان منحدراً، ولا يبول في حجر، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك، وقال: إنها مساكن الجن.
وقيل: إن موت سعد بن عبادة كان من أجل أنه بال عليها في أجحارها.

[باب-12 -] في المسح على الجبائر ووضوء الأقطع

] فصل-1: حكم المسح على الجبيرة ونحوها [ روى "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر علياً بالمسح على الجبائر" ولما كان المسح على الخفين جائزاً، للضرورة في نزعهما كان المسح على الجبائر أجوز، للضرورة في ذلك، ولما كان المسح على الخفين أيضاً إنما هو مرة واحدة، لأن أصله التخفيف انبغى أن يكون المسح على الجبائر مثله.
قال مالك رحمه الله: يمسح على الجبائر.
ابن وهب: وقاله الحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرهم.
وقال مالك: يمسح على القرطاس أو الشيء يجعل على الصدغ.
وقال عنه ابن القاسم: ويمسح على الظفر يكسى دواء أو مرارة.
قال ابن القصار: وسواء كان محدثاً أو على طهارة، ولا يعيد إذا

صلى بذلك.
دليله ما روى أن علياً رضي الله عنه قال: "انكسرت إحدى زندي فشددتها وسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء فقال: "امسح عليها" ولم يفرق بين شدها على طهر أو حدث، ولا سأله عن ذلك، فلو كان الحكم يختلف عنده لسأله عنه ثم بين له الحكم فيه، فلما أطلق له المسح مع جواز أن يكون شدها وهو محدث علم أن الحكم لا يختلف، وأيضاً فإن ضرورته أشد من ضرورة لابس الخف، لأنه يمسح على الخف مع القدرة على نزعه وغسل رجليه، وهذا لا يقدر على غسل ما تحت العصائب، فهو يمسح عليها مضطراً غير مختار.
وأيضاً فإن ابتداء نزول ذلك به إنما هو من أمر الله سبحانه وتعالى، لا اختيار له فيه، فهو لا يستطيع التحرز منه أن لا ينزل ذلك به إلا على طهارة، كما يستطيع أن لا يلبس الخف إلا على طهارة، فافترقا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن لم يمسح على الجبائر حتى صلى أعاد

الصلاة أبداً وهو كتارك بعض الوضوء والغسل يعيد أبداً في العمد والسهو.
قال بعض أصحابنا: ومن لم يستطع مسح العضو، ولا غسله، ولا قدر أن يربط عليه شيئاً يمسح عليه لعلة به، فينبغي لهذا أن ينتقل إلى التيمم، ولا يغسل ما عدا ذلك العضو، لأنه إن فعل وصلى كان قد صلى بطهارة غير تامة.
وقيل عن بعض شيوخنا: أنه يجمع مع غسل ماعدا ذلك التيمم، قال: وهذا استحسان، والقياس ما تقدم.
قال: ولو كانت الشجة في موضع يكون فيه التيمم، ولا يقدر على غسل ذلك العضو، ولا على المسح عليه، كما ذكرنا فهذا يغسل السالم من جسده، ويصلي إذ ذلك أكثر المقدور عليه من جسده.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أصاب الجنب كسر أو شجة فكان ينكب

جارٍ التحميل