الجامع لمسائل المدونةصفحات 662-675

كتاب الفرائض الثاني

صفحات 662-675

[الباب السابع عشر]

باب ذكر الخنثى وميراثه

[فصل 1 - في كيفية معرفة الخنثى] إذا ولد مولود وله ذكر كذكر الرجل وفرج كفرج المرأة، فهذا هو الخنثى.
فلم يرو أحد عن مالك أنه تكلم في بشيء، بل قد قال ابن القاسم: وما اجترأنا على سؤال مالك في الخنثى.
وأجمع المتكلمون فيه: إلى أنه ينظر إلى مباله، فإن باب من ذكره فهو ذكر له حكم التذكير في جميع أحواله، وإن بالت من فرجها فلها حكم التأنيث في جميع أحوالها.
فإن كان صغيراً ممن يجوز النظر إلى عورته كشف عن ذلك.
وإن كان كبيراً: جعل يبول إلى حائط، أو من على حائط، فإن ضرب بوله الحائط أو جزع عنه إن بال من فوقه فهو ذكر، وإن سلسل بين فخذين فهو أنثى.
وقيل: أنه تجعل مداة أمامه في حين بوله ثم ينظر في المرأة ليتبين أمره، فإن بال منهما نظر ايهما سبق فله الحكم فإن بدر منهما جميعاً فذهب أكثر المتكلمين أن ينظر إلى أيهما أكثر كان له الحكم.
وأنكر ذلك الشعبي قال: أيكال أم يوزن.
والأول أصوب؛ لأن الأكثر يظهر، فإن بال منهما جميعاً بولاً متكافئاً فهو مشكل في حال صغره.
وينظر في حاله كبره وبلوغه: فإن احتلم من ذكره فهو ذكر، وإن حاضت من فرجها فهي أنثى.

فإن حاضت واحتلم، ينظر: فإن نبتت له لحية ولم ينبت له ثدي فهو ذكر، فإن نبتت له ثدي ولم ينبت له لحية فهي أنثى.
قال ابن سحنون: ولأن أصل نبات اللحية من البيضة اليسرى، ومنها يكون الولد.
فإن نبتت له لحية وثدي أو لم ينبتا فهذا هو المشكل عند أكثرهم.
وقيل: ينظر إلى عدد أضلاعه؛ لأن أضلاع المرأة من كل جانب ثمانية عشر ضلعاً، وأضلاع الرجل من الأيمن كذلك ومن الأيسر سبعة عشر وذكر أن الله عز وجل لما خلق آدم -عليه السلام- ألقى عليه النوم ثم استل من جانبه الأيسر ضلع فخلق منه حواء، فالرجل أنقص من المرأة بضلع واحد.
وذكر أن علياً -رضي الله عنه- قضى به في امرأة ابنه، فزعمت أنها متزوجة بابن عيب وهي خنثى وهو خنثى وأنها وقعت على خادم لها فحملت، فأمر -رضي الله عنه- خادمه فتبرأ أن يدخل إليها فيعد أضلاعها، فأعلمه أن أضلاعها كأضلاع الرجال فبعث وراء ثياب تصلح للرجال ورداء فكساها وأخرجها بعد أن بعث وراء ابن عمها فقالت:... من حمل الخادم منها فصدقها، فقال له: هل أصبتها بعد ذلك؟ فقال: نعم، فقال له: إنك لا أجرأ من خاصي الأسد.
وإنما ذكرنا هذه الأحوال لأن أهل العلم تكلموا عليها، وإذ قد يقع ذلك فيحتاج إلى النظر فيه وأن لا يخلى كتابنا عن ذلك.
وقد قال أيضاً بعض أهل العلم: لا يجوز أن يقال: أن الله خلق خلقاً مشكلاً ولم يبينه في كتابه عز وجل، بل قد بين لنا حكم الذكر والأنثى فقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:38].

[فصل 2 - في الخنثى المشكل] ثم اختلف المتكلمون في الخنثى المشكل: فذهب أكثرهم: إلى أن يكون لها نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى.
وقال بعضهم: بل يكون له ثلاثة أرباع ميراث الذكر، يجعل ذلك سهماً إذا قارنه غيره، فإن كان معه ابن كان المال بينهما على سبعة للذكر اربعة وللخنثى ثلاثة، وإن كان معه أنثى فإن المال بينهما على خمسة له ثلاثة وللأنثى اثنان، ثم على هذا يكون العمل عنده، وبهذا أخذ ابن حبيب.
وذكر أكثر القائلين نصف نصيب ذكر ونصف نصيب أنثى: أنه يورث بالأحوال، فيجعل له حالان: حال يكون فيها ذكراً، وحال يكون فيها أنثى.
وذهب بعض المتكلمين في الخنثى: إلى أنه يورث بالدعوى، فالخنثى تقول: أنا ذكر ولي جميع الميراث إذا انفردت، والعصبة يقولون: إنك أنثى فلك النصف، فيسلمون له النصف بلا منازعة، والنصف يدعيانه جميعاً، فيقسم بينهما، فيصح له ثلاثة أربع المال، وهذا كقول أهل الأحوال، وإليه يرجع في المحصول إذا انفرد.
وقال الحنفي: حكمه حكم أنثى.
وقال الشافعي: يعطى أقل حاليه، وإن كان أنجى له أن يكون ذكراً أعطيه وإن كان أضر به أن يكون أنثى أعطي حظ أنثى، ثم يكون ما بين الحظين موقوفاً حتى يثبت له أحد الأمرين، وإلا وقف أبداً كما لم يعلم له صاحب.
فهذا الذي حفظناه من الاختلاف عن شيخنا عتيق رحمه الله.
[فصل 3 - تفريع مسائل هذا الباب على اختلافهم] وأنا أبين فيه مسائل ليتقرر أصلها إن شاء الله: إذا ترك ابناً وابن ابن أو أخاً شقيقاً أو أخاً للأب وهو خنثى:

فله ثلاثة أرباع المال على قول من يجعل له نصف نصيب ذكر ونصف نصيب أنثى.
وعلى مذهب أهل الدعوى، ومذهب أبي حنيفة: له النصف وما بقي للعصبة.
وعلى قول الشافعي: له النصف والباقي موقوف.
فإن ترك ابناً خنثى وابناً ذكراً: فعلى مذهب التنصيف تصح المسالة من سبعة.
وعلى قول أهل الأحوال تكون المسألة في حال التأنيث من ثلاثة، وفي حال التذكير من اثنين، فاضرب اثنين في ثلاثة تكن ستة، ثم في اثنين من أجل الحالين يكن اثنى عشر، فنقسمها على أنه ذكر فيقع لكل واحد ستة، فيأخذ كل واحد منهما نصف ما صار له ثلاثة يقسمها على أنه أنثى للذكر ثمانية وللأنثى أربعة، فيأخذ كل واحد نصف ما صار له في القسم الأول فيصير للذكر سبعة وللخنثى خمسة.
وكذلك تصح على قول أهل الدعوى؛ لأن الذكر يقول للخنثى: لك الثلث بلا منازعة، ولي النصف بلا منازعة، والسدس كل واحد منهما يدعيه لنفسه فيقسم بينهما، فيكون للخنثى خمسة من اثني عشر وللذكر سبعة.
واعلم أن مذهب أهل الدعوى وأهل الأحوال يرجع إلى معنى واحد فاستغنى بأحد العملين عن الآخر، وعمل أهل الدعوى أسهل فاعمل عليه تقف على صوابه إن شاء الله تعالى.
وعلى قول أبي حنيفة: للخنثى ثلث المال، وللذكر ثلثاه.
وعلى قول الشافعي: للخنثى الثلث وللذكر النصف وما بقي موقوف وهو السدس.
فإن كان مع الخنثى ابن وبنت وزوج فللزوج الربع وما بقي على خمسة إن كان الخنثى ذكر، تصح من عشرين، وعلى أنه انثى يكون ما بقي على أربعة، تصح من ستة عشر فيوفق بين المسألتين فيتفقان بالأرباع، فاضرب ربع أحدهما في كامل الآخر تكن ثمانين ثم اضربها في اثنين لأجل الحالين يكن مائه وستين، فللزوج الربع على كل حال أربعون، وتبقى مائة وعشرون فيقسمها على أن الخنثى ذكر على خمسة يكون لكل سهم أربعة وعشرون فللذكر ثمانية وأربعون وكذلك الخنثى وللبنت أربعة وعشرون، فيأخذ كل واحد نصف ما في يده يصح للذكر والخنثى أربعة وعشرون

أربعة وعشرون وللبنت اثنا عشر، ثم تقسمها على أن الخنثى أنثى على أربعة يكون لكل سهم ثلاثون فيكون للبنت خمسة عشر فتضمها إلى الاثنتي عشر فيكون سبعة وعشرين، ويكون للخنثى أيضاً خمسة عشر فتضمها إلى الاثني عشر فيكون سبعة وعشرين، ويكون للخنثى أيضاً خمسة عشر فتضمها إلى الأربعة وعشرين التي صحت له في القسم الأول فتصح له تسعة وثلاثون، ويزكون للذكر ثلاثون فتضم ذلك إلى الأربعة وعشرين التي صحت له في القسم الأول يكون له أربعة وخمسون، ثم لا تنقطع إذ لا يتفق فيتبقى مائة وستين.
على مذهب أهل الدعوى يقول الخنثى: لي خمسا ما بقي بعد الربع، ويقول له الأخ والأخت: بل لك ربع ما بقي، فيحتاج أن يكون للثلاثة الأربع ربع وخمس، فاضرب أربعة فخرج الربع في عشرين فخرّج الربع والخمس تكن ثمانية، فللزوج ربعها عشرون وتبقى ستون، فيقول الخنثى: لي خمساها أربعة وعشرون، ويقول له الأخوان: بل لك ربعها خمسة عشر فيسلمان له الخمسة عشر وتبقى من الأربعة وعشرين تسعة فتقسم بينهما، فتسعة للنصف صحيح لها فتضرب الثمانين في اثنين تكن مائة وستين، للزوج الربع أربعون، وتبقى مائة وعشرون فالخنثى يقول: لي خمسا ما بقي ثمانية وأربعون، والأخوان يقولان: لك الربع ثلاثون فيقسمان ما بين ذلك وهو ثمانية عشر فيكون للخنثى منها تسعة يأخذ الذكر منها ستة يضمها إلى ثمانية وأربعين، يصير له أربعة وخمسون وتأخذ الأنثى ثلاثة تضمها إلى أربعة وعشرين يصير لها سبعة وعشرون.
فبان ذلك أن المحصول على مذهب أهل الدعوى وأهل الأحوال واحد وإن اختلف العمل.
وأما على مذهب ابن حبيب فيكون للزوج الربع وما بقي مقسوم على تسعة للخنثى ثلاثة واثنان للأنثى، وأربعة للذكر.
وعلى مذهب أبي حنيفة: للزوج الربع، وما بقي على أربعة، تصح من ستة عشر.

وعلى مذهب الشافعي تصح على أن الخنثى ذكر من عشرين، وعلى أنه أنثى من ستة عشر، فيتفقان بالأرباع فربع أحدهما مضروباً في كامل الآخر ثمانون، للخنثى على تذكيره أربعة وعشرون وكذلك للذكر والأنثى اثنا عشر، وله على أنه أنثى خمسة عشر فيأخذها فيستفضل تسعة تكن موقوفة.
فإن ترك ابنين وأخوين خنثيين؟ فالجواب على مذهب أهل الأحوال هو على تذكيرها من اثنين، وعلى تأنيثها من ثلاثة، وعلى تذكير الأكبر خاصة من ثلاثة، وعلى تذكير الأصغر خاصة من ثلاثة بثلاثة فجزء من ثلاثة وثلاثة، فاضرب ثلاثة في اثنين ثم في أربعة لأهل الأربعة الأحوال تكن أربعة وعشرين فاقسمهما على تذكيرهما اثنين يكون لي واحد اثنا عشر فلك ربعها: ثلاثة، وعلى تأنيثهما ثلاثة يكون لكل واحد ثمانية، وللعصبة ثمانية فلكل واحد ربع ما في يده اثنان فصار لكل واحد منهما خمسة، وللعصبة اثنان، ثم على تذكير الأكبر على ثلاثة، للأكبر ستة عشر وللأصغر ثمانية فلكل واحد ربع ذلك، فيكون للأكبر تسعة وللأصغر سبعة، ثم على تذكير الأكبر على ثلاثة، للأكبر ستة عشر وللأصغر ثمانية فلكل واحد ربع ذلك، فيكون للأكبر تسعة وللأصغر سبعة، ثم على تذكير الأصغر يكون له ستة عشر، وللأكبر ثمانية ولكل واحد ربع ذلك فيصير لكل واحد منهما أحد عشر وللعصبة اثنان.
وعلى مذهب أهل الدعوى يقول الخنثيان للعصبة: يجب لنا جميع المال في ثلاثة أحوال: أحدها أن يكونا ذكرين أو أكبرنا ذكراً أو أصغرنا ذكراً، فلنا الثلث الذي تنازعه في ثلاثة أحوال، وهو لكم في حال واحدة فيجب لكم ربعه ولنا ثلاثة أرباعه وربع الثلث يقوم من اثني عشر فللعصبة سهم من اثني عشر وما بقي بينهما نصفان فتصح من أربعة وعشرين للعصبة اثنان ولكل واحد منهما أحد عشر.
فقد بان أن أهل الدعوى والأحوال يرجعان إلى أمر واحد، وعمل العوى أخصر فاعلم عليه.
وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب: يكون المال بين الخنثيين نصفين ولا شيء للعصبة.
وعلى قول أبي حنيفة: للخنثيين وما بقي موقوف.

قال الفقيه أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس مؤلفه -رضي الله عنه-: وهذا باب واسع تطول مسائله وفيما ذكرنا منه كفاية وبالله عز وجل التوفيق.

[الباب الثامن عشر]

باب ذكر ميراث من لم يولد في الإسلام

[فصل 1 - ذكر الاختلاف في ذلك] روي أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما أبيا أن يورث أحد من الأعاجم إلا من ولد في الإسلام.
فاختلف الناس في قول عمر هذا: فذهب أكثرهم وجمهورهم: إلى أن معنى ذلك إذا لم تثبت العادلة أو بعضهم ورثة بعض وإنما ذلك بدعواهم فلا يجب قبول قولهم، فأما إذا أثبتت البينة أن بعضهم ورثة بعض فإنهم يتوراثون بذلك.
وذهب ابن حبيب: إلى أن معنى قول عمر هذا: أنهم لا يتوارثون وإن ثبتت البينة، قال: ولو كانوا يتوارثون إذا ثبتت البينة لم يكن لقول عمر هذا وجه، ولم يكن فرق بين ولادة الشرك وولادة الإسلام.
والدليل لقول الجماعة قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:75] ولم يحصر ولادة من ولادة.
وقد أجمع المسلمون على أيجاب التوارث بين الصحابة بالولادة التي كانت قبل الإسلام، فلا فرق بينهم وبين الأعاجم؛ لأنهم كلهم كانوا مشركين.
فبان أن معنى قول عمر: لا يقبل منهم إذا ادعوا ذلك بلا بينات؛ لأن الحمية تلحقهم في تصيير أموالهم إلى بعضهم دون المسلمين.
ولا تجوز شهادة بعضهم لبعض في ذلك إلا أن يتحمل أهل الحصر والعدد الكثير فيسلمون، أو يؤسر أهل حصر فيعتقون ويسلمون فيشهد بعضهم لبعض فيقولون: هؤلاء ورثة هؤلاء فتقبل شهادتهم؛ إذ لا يمكن تواطؤ الجماعة على الكذب.

قال ابن القاسم في المستخرجة: والعشرون عدد كثير، وأبي ذلك سحنون.
ولا فرق عند أهل المدينة في الحملاء أو المتحملين يدعي بعضهم أنهم إخوة بعض أن بنوهم أو آباؤهم أنهم لا يقبل قولهم إلا أن يتحمل العدد الكثير.
وقال أهل العراق: وفي سائر القرابات مثل قولنا، قالوا: وأما إذا ادعى أحد المتحملين أن هذا الطفل ولده قبل قوله، وكان ذلك استحلافاً كاستحلاف المسلم.
قال أهل المدينة وأهل العراق: إن ادعى المتحمل أن هذا أخوه أو عمه أو ابنه أو ابن ابنه فلا يقبل منه ولا يثبت نسبه منه وغيره من العصبة وإن بعد، والموالي أولى منه.
قال أهل العراق: وكذلك أولوا الأرحام الذين لا فرض لهم ولا عصبة أولى من هذا، فإن لم يكن فيها عصبة ولا ولاء ولا رحم غير هذا المذكورون.
وأهل المدينة يجعلون ميراث المتحمل لبيت المال.
وقال أهل العراق: بل المدعي أولى؛ لحديث ابن مسعود الذي قال فيه: في الذي يهلك ولا يدع وارثاً فإن ماله له يضعه حيث شاء فكان هذا الميت، قال: هذا أولى الناس بمالي.
وقد تقدم بعض هذا الباب في كتاب الولاء، وفيه ذكر الولد يدعيه الرجلان، وذكر القافة، وأنا أذكر بعض ذلك في هذا الموضع، وصفة توريثه؛ ليكون هذا الكتاب مستقلاً بنفسه والله الموفق للصواب.
[فصل 2 - في ذكر القافة] روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرحاً تبرق

أسارير وجهه فقال: «ألم تر أن مجزز المدلجي أنها انظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذا الأقدام من بعض».
وثبت أن عمر بن الخطاب قضى بقول القافة.
قال مالك: إنما القافة في الأمة يطأها الرجلان في طهر واحد فتأتي بولد يدعيانه، وأما الحرائر فلا قافة فيهن، فإن أتت الأمة بالولد لأقل من ستة أشهر من يوم وطئ الثاني فهو للأول، وإن أتت به لستة أشهر فأكثر فادعياه دعي له القافة فمن ألحقه به كان ابناً له وأمه أم ولد له، فإن كانت الأمة بينهما غرم هذا لصاحبه نصف قيمتها وإن قالت القافة اشتركا فيه.
فقال سحنون: لا يقبل منهما ويصرفان، ويؤتى يغيرهما حتى تلحقاه بأنصحهما شبهاً.
وقال ابن القاسم: يكون ابناً لهما جميعاً، ويكون على كل واحد نصف نفقته وكسوته وجميع مؤنته، فإذا كبر وبلغ كان له أن يوالي من شاء منهما فيكون له ابناً خاصاً.
ونحوه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

وقال غير ابن القاسم: ليس ذلك للولد، ولا يزول النسب بشهادة الولد ويكون ابناً لهما جميعاً، ويكون على كل حال منهما نصف نفقته وكسوته، ويكون له من كل واحد نصف البنوة.
وكذلك الجواب عن ابن القاسم إذا قال: لا أولي أحداً منهما أو قال: أوليهما جميعاً يرث من كل واحد منهما بنصف بنوة، ويرث منه كل واحد منهما بنصف أبوة.
فأما أهل العراق: فلا يقولون بالقافة وأوجبوا الولد لمن سبق بالدعوى، فأي السيدين ادعى الولد حملاً كان أو مولوداً كان ابناً له وأمه أم ولاد له، وإن ادعياه جميعاً معاً كان ابناً لهما جميعاً، وأوجبوا له من كل واحد منهما إذا مات ابن كامل، وإن مات هو ورثاه جميعاً فإن مات أحدهما فورثه الولد ثم مات الولد فإن الأب الحي يرث من الولد ميراث أب كامل.
وكذلك إن كان لهذا المدعي أخ من أحد الأبوين يوم مات المدعي فإنه يرث منه ميراث أخ كامل حر، وعلى هذا جروا في توريثهم كله إلا في موضع واحد نقضوا أهلهم ورجعوا إلى قول أهل المدينة، وهذا إذا مات الأبوان وترك كل واحد منهما أماً وماتت أم الولد تركت أماً ثم مات المدعي وترك الثلاث الجدات فقالوا: لأم أمه نصف السدس؛ لأن لها حكم جدة كاملة، ولكل واحدة من أم الأبوين ربع السدس؛ لأنها نصف الجدات، فيلزمهم أن يقولوا: هذا إذا ترك أخاً من أحد الأبوين أو عماً أو غير ذلك أن يجعلوا له نصف أخ ونصف عم.

[فصل 3 - تفريع] مسائل من هذا الباب إذا مات هذا الولد الذي اشتركا فيه قبل بلوغه وترك أمه وأبويه فألمه الثلث؛ لأنه لما قالت القافة: قد اشتركا فيه عتقت الأم عليهما جميعاً، فصارت ترث ولدها، ثم يكون ما بقي بين الأبوين نصفين فإن كان لكل واحد من الأبوين اثنان من الولد فصاعداً كان للأم السدس وما بقي بين الأبوين، تصح فريضتهم من اثني عشر.
وإن كان لكل واحد منهما ولد واحد، كان لأمه الثلث ولا يحجبها ها هنا هذان الأخوان إلى السدس؛ لأنه إنما لكل واحد منهما نصف أخوة.
وقد اختلف هل يحجبها الأخوان الكاملان فكيف بهذين وكان سحنون يحجبهما بهذين الأخوين.
وكان شيخنا عتيق يحجبها بهما، وقال: أرأيت لو ترك هذا الولد أختين من كل أب أختاً وترك أمه؟ لكان الجواب على قول سحنون: للأم السدس ولكل أخت نصف النصف وهو الربع فصار لهما جميع نفص كنصيب أخت واحدة وجعلهما في الحجب كأختين فهذا متناقض، والأصل في هذا أن يقسم ماله بنصفين، فيقول: نصف موروث من طريق هذا الأب ونصف موروث من طريق هذا الباب، فترك الهالك في هذا النصف أختاً وأماً فلأخت النصف وللأم الثلث وكذلك يفعل في النصف الآخر.
وكذلك يصنع في جميع ما يرد عليك من هذا الباب وكذلك يصنع سحنون وغيره من أصحابنا في كثير من مسائل هذا الباب.
فلو هلك هذا المدعي وترك أبويه، ولأحد أبويه ولدان وللآخر واحد، فيقسم المال نصفين، ثم يقال: ترك في هذا النصف أبوين وأخوين، فللأم السدس وما بقي للأب وهو خمسة أسداس النصف وهو ربع وسدس من جميع المال، وتقول في النصف الآخر: ترك أبويه وأخاً، فللأم الثلث وما بقي للأب وهو ثلث جميع المال فيجعل لأبي الأخوين خمسة من اثني عشر وللآخر أربعة للأم ثلاثة.
وإن لم يمت المدعي ولكن مات أحد أبويه وترك معه ابناً فعلى ما ذهب إليه سحنون يكون المال بينهما أثلاثاً، للكامل البنوة سهمان وللمدعي سهم.

وعلى الأصل الآخر: يقسم المال نصفين فنصف فيه ابنان فالمال بينهما، ونصف فيه ابن فله جميعه، فيحصل للابن الكامل ثلاثة أرباع المال وللآخر الربع؛ لأنه إنما يرث بنصف أبوه.
فإن ترك معه بنتاً فعلى مذهب سحنون: ويكون المال بينهما نصفين؛ لأنه استحق بنصف البنوة النصف، واستحقت البنت بالبنوة الكاملة النصف، وحرم في هذا القول جميع العصبة.
والصواب في هذا أن يقسم المال نصفين، فتقول: نصف فيه ابن وبنت، فللابن ثلثاه وللبنت ثلثه، وفي النصف الآخر: بنت فلها نصفه وما بقي للعصبة، فيجعل للابن أربعة من اثني عشر، وللبنت خمسة وللعصبة ثلاثة، ولا يجوز أن يحرم العصبة إلا بابن كامل.
وإن ترك معه ابنتين فعلى مذهب سحنون: يكون المال بينهم على ثلاثة: ثلث ثلث.
وعلى القول الآخر نصف يكون فيه ابن وابنتان فهو بينهم على أربعة أسهم له سهمان ولهما سهم سهم، ونصف فيه ابنتان فلهما ثلثاه وما بقي للعصبة وهو السدس، تصح من أربعة وعشرين فللابن الربع ستة ولكل بنت بسعة وللعصبة أربعة.
وإن ترك معه ابناً فعلى قول سحنون: المال بينهم على أربعة للابن التام سهمان وللبنت سهم وللمدعي سهم.
وعلى القول الآخر: نصف فيه ابنان وبنت فهو بينهما على خمسة، ونصف على ثلاثة، تصح من ثلاثين، ثم تنقطع إلى خمسة عشر.
وإن شئت قلت: نصف بينهما على خمسة للمدعي خمساه وهو خمس جميع المال، ويكون ما بقي بين الذكر والأنثى على ثلاثة، تصح من خمسة عشر.
فإن لم يترك الأب ولداً ولكن ترك معه ثلاث أخوات مفترقات فعلى قول سحنون: للمدعي نصف المال، وللشقيقة نصفه.

وعلى القول الآخر: نصف فيه ابن وثلاث أخوات، فللابن جميعه، ونصف فيه ثلاث أخوات مختلفات، فللشقيقة نصفه، وللتي للأب سدسه، وللتي للأم سدسه وما بقي للعصبة.
فإن كانت أم هذا الولد نصرانية بين مسلم ونصراني وقد اشتركا فيه فعلى مذهب ابن القاسم: له أن يوالي من شاء منهما ولا يكون الولد إلا بين مسلم أو نصراني وقد اشتركا فيه.
فعلى مذهب ابن القاسم وإن مات أبوه النصراني لم يرثه لاختلاف الدينين، فإن مات هو؟ فكان شيخنا عتيق يقول: لا يرثه أبوه النصراني.
والنص لابن الماجشون بخلاف قوله وهو أن ماله يكون بينهما بنصفين كمال يدعيانه، ولم أر للمتقدمين خلافه.
وقال أهل العراق: وإذا ادعياه جميعاً، فالدعوة للمسلم وهو أحق به من النصراني.
ولو كانت بين أب وابن فقضت القافة فيه باشتراكهما فهو ابن لهما.
وقال أهل العراق: وإذا ادعياه معاً فالدعوة للأول.
وما ذكرنا دليل على ما لم نذكر من هذا الباب

جارٍ التحميل