الجامع لمسائل المدونةصفحات 1165-1204

كتاب المكاتب الأول

صفحات 1165-1204

وروى ابن وهب أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام اختصما في موالي أم الزبير وهي صفية بنت عبد المطلب، فقال علي: أنا عصبتها وأنا أولى بمواليها منك يا زبير، وقال الزبير: أنا ابنها وأنا أرثها وأولى منك بمواليها، فقضى عمر بن الخطاب للزبير بموالي أم الزبير وبميراثهم؛ وهم إلى إبراهيم؛ منهم عطاء، ومسافر بن إبراهيم، وقضى عمر: بالعقل على عصبة أمه.

قال ابن شهاب: ثم اختصم الناس فيهم حين هلك ولد ولد المرأة الذكور، [وولد ولدها]، فردوا إلى عصبة أمهم، ولم يكن لعصبة ولد المرأة من ولائهم شيء، وقضى به أبان بن عثمان، وقاله علي وابن شهاب.
وقد تقدم في الباب الأول: أن الولاء لا يباع ولا يوهب، وقد قال علي وابن عباس وابن مسعود: أو الولاء لُحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب.
قال ابن مسعود: أيبيع أحدكم نسبه؟ جامع القول في الشهادة على الولاء والنسب قال أبو محمد: والنسب والولاء كالحدود لا يجوز في شيء من ذلك شاهد ويمين.
قال مالك: ولا تجوز فيه شهادة النساء على علم أو سماع.
قال مكحول: لا تجوز شهادتهن إلا حيث أجازها الله تعالى في الدَّين.
قال مالك: أو ما لا يطلع عليه أحد إلا هن للضرورة إلى ذلك، وتجوز الشهادة على الشهادة في الولاء، وشهادة رجلين تجوز على عدد كثير.

قال مالك: وإن شهد رجلان على السماع: أن هذا الميت مولى فلان أعتقه، تأنى الإمام؛ فإم لم يأت له من يستحق ذلك، قضى له بالمال مع يمين الطالب، ولا يجر بذلك الولاء.
وقال أشهب: يكون له ولاؤه وولاء ولده بشهادة السماع.
قال في كتاب محمد: بعد الثاني ورواه عن مالك.
وروى عنه ابن القاسم: أنه يؤخذ بذلك المال، ولا يثبت له به ولاء ولا نسب، وأخذ به أصبغ.
ابن المواز: ولم يعجبنا ذلك، وأكثر قول مالك وابن القاسم وأشهب: أنه يقضي له بالسماع بالولاء والنسب، وكذلك في الأحباس والصدقات فيما تقادم.
م: قال بعض المتأخرين وجه قوله: أنه يقضى له بالمال دون الولاء: لاحتمال أن يكون هذا السماع أصله عن واحد، وشهادة واحدة لا تجوز في الولاء ولا في النسب.
ومن المدونة قال أشهب: وكذلك لو أقر رجل أن فلاناً مولاه ثم مات ولم يسأل أمولى عتاقة أو غيرها، رأيته مولاه ويرثه بالولاء، وقاله ابن القاسم أيضاً.
قال ابن القاسم: وإذا شهد شاهد واحد على السماع، لم يحلف معه، ولم يستحق به من المال شيئاً؛ لأن الشهادة على السماع، إنما هي شهادة على شهادة، ولا تجوز شهادة وحد على شهادة غيره.
قال في المدونة وكتاب محمد: وأما لو شهد شاهد على البت في الولاء؛ فإني أقضى له بالمال مع يمينه بعد الثاني خوفاً أن يأتي للمال طالب ولا يجر بذلك الولاء.

وقال غيره وهو أشهب: لا يستحق المال بيمينه مع شاهد البت في ولاء ولا نسب؛ لأن المال لا يستحق حتى يثبت الولاء والنسب، وثبوتهما لا يتم إلا بشاهدين، أولا ترى أن مالكاً قال في أخوين أقر أحدهما بأخ وأنكر الآخر: أن المقر به لا يحلف، ويثبت مورثه من جميع المال؛ لأنه لا يثبت المال إلا بثبات النسب، ولكن يعطيه المقر ثلث ما في يديه.
وقال غيره: إنما يستحسن في شاهد على البت في الولاء، أو شاهدين على السماع، أن أقضي له بالمال مع يمينه بعد الاستثناء؛ لأن المال ليس له طالب، ولا نسب معروف، كما إن إقرار أخ بأخذ يوجب له أخذ المال، ولا يثبت له النسب، وقد قال مالك نحو هذا في كتاب الشهادات.
فصل قال ابن القاسم: وإن شهد لرجل أعمامه أن فلاناً الميت مولى أبيه أعتقه، فإن لم يدع ولداً ولا موالي وإنما ترك مالاً؛ جازت الشهادة لارتفاع التهمة، وإن ترك ولداً أو موالي يُتهمون بذلك على جر ولائهم يوماً ما لقعددهم، لم تجز شهادتهم، وقد قال مالك في ابني عم شهدا لابن عمها على عتق، أنه إن [كان ممن يتهمان لقربهما منه في جر الولاء، لم يجز

ذلك، وإن لم يتهما الآن في جر الولاء لبعدهما منه؛ جازت الشهادة، وإن كان الولاء قد يرجع إليهما يوماً ما.
[قال بعض فقهائنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عن الذي أقام شاهداً أنه أعتق هذا الميت، فحلف واستحلف ماله؛ على قول ابن القاسم ثم مات لهذا الميت مولى، فقال: الرواية إن أتى بشاهد آخر استؤنف له الحكم، وحلف أنه مولى مولاه، وأخذ المال خاصة، وإنما نعني أن الشاهد شهد أن الثاني مولى الأول، ولو شهد بما شهد به الشاهد الأول للفق إليه، وتمت الشهادة، ولا يحلف.
قال: ورأيت في بعض التعاليق أن في كتاب ابن المواز لأصبغ: إذا شهد له شاهد أنه وارث فلان الميت، وحلف استحق، ثم إن طرأ له مال آخر لا يستحقه إلا بيمين أخرى، فجعله يكرر اليمين مع الشاهد، وأنكر هذا ابن الكاتب وقال: لا يمين عليه، والملك الثاني مثل الأول، وقد حلف له؛ فهو يستحق بذلك كل مال لهذا الميت].
قال ابن القاسم: ومن أقام بينة أن هذا الميت مولاه لا يعلمون له وارثاً غيره، لم تتم الشهادة حتى يقولوا: إنه أعتقه أو أعتق أباه، أو يشهدون على إقرار الميت أن هذا مولاه، أو على شهادة بينة أن هذا مولاه.
وقال أشهب: إن قدر على البينة لم يقض بها حتى يكشفوا عن ذلك، وإن لم يقدر عليهم حتى ماتوا قضي له بالمال وبالولاء.
قال الشيخ: وقول أشهب هذا لا يخالفه ابن القاسم وإنما تكلف ابن القاسم على أنهم حضور يقدر على كشفهم، [فإذا لم يقدر على ذلك لغيبتهم جازت الشهادة، كنقلهم عن

غيرهم؛ لأنهم إذا لم يُقدر على كشفهم]، فلا يثبت قولهم إلا بشهادة غيرهم [أنهم شهدوا أن هذا مولاه فقد ثبتت الشهادة بشهادة غيرهم على شهادتهم، وهذا قد تقدم لابن القاسم في آخر جوابه في المسألة: أن الشهادة تتم إذا شهدوا على شهادة بينة؛ أن هذا مولاه، وقد قال أشهب: إذا أقر رجل أن هذا مولاه، ثم مات ولم يسأل أمولى عتاقة أو غيرها؟ رأيته مولاه، ويرثه بالولاء، وقد تقدم مثل هذا في جواب ابن القاسم.
م: وقد كان ذهب بعض أصحابنا: أن قول أشهب خلاف ولكن جميع أصحابنا على خلافه، وأن ذلك تفسير، ويؤيد ذلك أيضاً: مسألة في كتاب العارية فيمن اعترف دابة وأقام بينة أنها له.
قال ابن القاسم: فليسألهم القاضي عن علمهم؛ فإن شهدوا أنهم لا يعلمون أنه باع ولا وهب، قضي له بها بعد يمينه على البت؛ أنه ما باع ولا وهب.
قال: وإن شهدوا أن الدابة له، ولم يزيدوا على ذلك؛ حلف كما ذكرنا، ويقضى له بها.
وقال أشهب في مدونته: هذا إذا لم يقدر على كشفه إلا بالبينة، وأما إن وقفوا وأبوا أن يقولوا شيئاً فلا شهادة لهم، وقد اتفقنا أن هذا تفسير لقول ابن القاسم فدل أن الشهادة لا تتم إذا حضروا لإتمامها، وبالله التوفيق.

في الإقرار والدعوى في الولاء قال ابن القاسم: ومن أقر أن فلاناً أعتقه، وفلاناً يصدقه، فإنه يستحق بذلك ولاءه، وإن كذبه قومه إلا أن تقوم بينة بخلاف ذلك؛ فيؤخذ بها.
[قال أبو إسحاق: اختلف في استلحاق الجد ابن ابنه: فقيل: لا يلحق ذلك به.
وقيل: لأن أباه قد ينكر ذلك، وهو الصواب، وهو لسحنون، وفي كتاب ابن حبيب.
وقيل: يلحق به؛ لأنه مُقر بنسب بُنُوةٍ لحقت به، فأما الإقرار بالأخوة فلا يتم؛ لأنه يلحق هذا المقر بأبيه.
ولكن إن مات ولم يترك وارثاً غير أخيه الذي أقر به، أو ابن عمه الذي أقر به: فعند ابن القاسم: أنه يرثه.
وعند سحنون: أنه لا يرثه؛ لأن بيت المال كوارث معروف، فكما لا يجيز إقراره بابن عم مع أخ معروف النسب، كذلك لو يجوز إقراره بأخ أو ابن عم مع بيت المال.
قال: وإنما أجاز ذلك من أجازه على قول من رأى أن هله أن يوصي بماله كله إذا لم يكن له وارث، وانظر إنما أقر أن هذا ابن عمه ثم أقر بعد ذلك أن هذا أخوه فمات، هل يكون الأخ أولى وإن تقدم إقراره لابن عم؟ وكأنه أشبه إذ هو كله إقرار لا يثبت به نسب.
وقد قال عبد الملك: إذا قال: هذا مولاي، وهذا أخي، في إقرار واحد؛ أن مولاه يرثه دون أخيه، يريد: لأن الإقرار بالمولى كالإقرار بالنسب، فأشبه قيام البينة، والإقرار بالأخوة لا يثبت نسباً، فمن ثبت له الولاء أولى ممن لم يثبت له نسب، وإن كان قد وقع في المستخرجة لأصبغ ما ظاهره خلاف هذا إن الأخ مقدم على الولاء وإن تقدم الإقرار بالولاء فقال: النسب أولى من الولاء، ولعله يريد: إذا ثبتا جميعاً فأما إذا تقدم إقراره

بالولاء فهو كقيام البينة؛ لأنه ولاء يثبت؛ وإذا أقر بعد ذلك بالأخوة فيجب أن يكون الولاء أولى؛ لأنه كقيام البينة، كما لو قامت البينة على الولاء ثم أقر بأخ فمات لكان الولاء أولى أن يورث به]، وكذلك إن قال عند موته: فلان مولاي أعتقني وهو وارثي ولا يعلم ذلك إلا بقوله؛ فإنه يصدق ويرثه فلان إن لم تقم بينه بخلاف ذلك، [وقاله أشهب.
وقال ابن سحنون: الإقرار بالولاء جائز ثابت بإجماع العلماء.
وقال أيوب: لا يثبت الإقرار بالولاء إلا عند البصريين.
ابن حبيب قال ابن الماجشون: فيمن إن اقر أن ولاءه لفلان وله ولد أصاغر وأكابر، فأنكر ذلك الأكابر؛ فإن ولاء المقر وولاء ولده الأصاغر للذي أقر الأب له وليس له ولاء الأكابر.
م: انظر لم هذا؟ وكان ينبغي أن يكون للمقر له ولاء الأصاغر والأكابر؛ لأنه قد ثبت بهذا الإقرار أنه مولى أبيهم، فهو مولاهم، إلا أن يقول الأكابر: إن فلاناً أعتقنا نحن، فيصح في هذا، إلا أن يكون ولاءهم لمن أقر له الأب، وقد قدمنا: إذا قال الابن: أعتقني فلان، وقال الأب بل أعتقك فلان، إن الأب مصدق، وولاء الابن لمن قال الأب؛ فهذا يرد ما قاله ابن الماجشون.
م: وأنا أستحب في ذلك إذا قال الابن: فلان أعتقني وهو مولاي، وقال الأب بل أعتقك فلان أن يكون القول للابن المقر على نفسه، كما لو استلحق الابن ولداً، واستلحق له الأب غيره، أن القول قول الابن المستلحق والله أعلم].
قال ابن القاسم: ومن أقر أن أباه أعتق هذا العبد في صحة أو مرض، والثلث يحمله؛ فإن لم يرث الأب غيره جاز العتق ولزمه، وكان ولاؤه للأب، وإن كان معه وارث غيره؛ لم يجز قوله.

قال ربيعة لأنه داعية إلى عتق النصيب بغير تقويم ولو شهد معه غيره جاز ذلك على الورثة وهذا في كتاب العتق مذكور.
قال ابن القاسم: وإذا أعتقت أمة وهي تحت حر؛ فولدت ولداً، وقالت: عتقت وأنا به حامل، وقال الزوج: بل حملت به بعد العتق؛ فولاؤه لمولاي، فالقول قول الزوج.
قال أشهب ولو أقر الزوج بقولها لم يصدق إلا أن تكون بينة الحمل يوم العتق، أو تضعه لأقل من ستة أشهر من يوم العتق.
قال في كتاب محمد لأن الظاهر أنها ولدت وهي حرة والشك في أن تكون حاملاً يوم العتق.
قال ابن المواز: ولأن أحقهم بالولاء الأب؛ لأنه يجره عمن كان له إلى مواليه، فلا يزول عنه بالشك.
قال مالك: ولا يكف زوجها عن وطئها إذا أعتقت لاختيار الحمل.
م: لأن الوطء حق له فلا يمنع منه لأمر يكون أو لا يكون.
ومن المدونة ابن القاسم: ومن ادعى ابن فلان أو أبوه، أو أنه مولاه من فوق أو من أسفل وفلان يجحد؛ فله إيقاع البينة عليه ويقضى له، وكذلك في الأمهات والأخوة.
ومن مات وترك ابنتين وادعى رجل أنه أعتق هذا الميت، وأنه مولاه وأنكرت البنتان؛ لم يكن مولاه إلا أن يقيم بينة على ذلك، فإن صدقته إحدى البنات؛ لم يأخذ مما

في يديها شيئاً، ولا شيء له من المال لأنها إنما أقرت له في غير مصابها، ولا يثبت له ولاء، فإذا ماتت ولم تدع وارثاً غيره ولا عصبة فإنه يحلف ويرثها.
قال ابن المواز: بعد الثاني واليمين في ذلك خفيف.
قال ابن القاسم: ولو أقرت البنتان أنه مولى أبيها، وهما عدلتان حلف معها، وورث الثلث الباقي، إن لم يأت أحد بأحق من ذلك، من ولاء ولا عصبة، ولا نسب معروف ولا يستحق بذلك الولاء.
م: كأنه رأى أنها شهدتا له بمال؛ وهو الثلث الباقي فيحلف مع شهادتهما؛ لأنهما كرجل، ويستحق ذلك الثلث، ولا يستحق الولاء.
قال غيره: لا يحلف مع إقرارهما ولا يرث الثلث الباقي؛ لأنهما شهدتا على العتق وشهادتهما في العتق لا تجوز ولو أقرتا أنه مولاهما ورثهما إذ لم يعرف باطل قولهما، كمن أقر أن فلاناً مولاه ولا يعرف كذبه فهو مولاه.
ومن قال: فلان مولاي أعتقني، وأنكر فلان ذلك؛ فلا يمين عليه.
قلت: فإن أقام شاهداً؛ أتحلفه؟ فإن نكل سجنته؟ قال: لا، ولكن لا يقال لهذا: ائت بشاهد آخر، وإلا فلا ولاء له عليك.
محمد: ولا يحلف.

قال ابن القاسم: والرجلان يدعي كل واحد منهما أنه مولى فلان من فوق وفلان مقر بأحدهما وأقاما البينة فإنه يقضي بأعدلهما بينة.
ولا ينظر إلى إقرار المولى لأحدهما وإن تكافأت البينتان سقطتا، وكان الولاء له منهما، وقد قال مالك: إذا تكافأت البينتان والحق في يد أحدهما؛ فالحق لمن هو في يديه، فإقرار هذا بمنزلة من في يديه الحق.
قال: ومن ورث رجلاً بولاء يدعيه، ثم أقام آخر البينة أنه مولاه وأقام قابض الميراث مثله، وتكافأتا فالمال بينهما.
قيل: لم؟ وقد قال مالك: إذا تكافأت البينتان فالمال لمن هو في يديه.
قال إنما قال ذلك مالك: إذا لم يعرف أصل المال، وهذا مال قد عرف أصله.
قال أبو محمد وهذا بخلاف حق حازه أحدهما؛ لأن الولاء الذي تداعياه لمن يحزه، وإنما حاز مالاً قد علم أصله.
وقال غيره: المال لمن هو في يديه، كمن في يديه ثوب فادعاه رجل وأقام بينة: أن ذلك الثوب كان لزيد يملكه، وأن المدعي اشتراه منه، وأقام حائزه بينة مثلها، وقد مات البائع ولم تؤرخ البيتان وهما في العدالة سواء؛ فإنها تسقط، ويبقى الثوب لحائزه ويتحالفان.

م: قوله: ويتحالفان: إنما يريدان: يحلف الحائز أولاً، فإن نكل؛ حلف الآخر واستحق الثوب، فإن نكل فلا شيء له.
م: وهذه المسألة لا يخالفه فيها ابن القاسم، وقاله في كتاب الشفعة في الدار بيد أحد الرجلين يقيم كل واحد منهما بينة؛ أنه ابتاعها من فلان.
م: والفرق عنده بينها وبين مسألة الولاء الذي تداعياه لم يحزه وإنما حاز مالاً قد عرف أصله كما قال أبو محمد والثوب الذي تداعياه في هذه المسألة قد حازه أحدهما؛ فلا يخرج من يده إلا بأمر هو أقوى مما أحتج به صاحبه.
في ميراث الولاء بالقعدد، وما يرث النساء من الولاء، ودور الولاء وقضت الأئمة من الصحابة والتابعين أن الأقرب من المعتق من عصبته أحق بالولاء من ورثة من حازه بعده بميراث.
قال مالك: فمن مات وترك موالي ورث ولاءهم أقعد الناس بالميت من الذكور، فإن ترك ابنين؛ ورثا ولاء مواليه ثم إن مات أحدهما وترك ولداً ذكرا فولاء الموالي للابن الحي دون ولد أخيه.
م: لأنه ابن المعتق وابن الأخ ابن ابنه وابنه أولى من ابن ابنه.
قال: وإن مات الابنان جميعاً، وترك أحدهما ابناً والآخر أربعة بنين كان ولاء الموالي بينهم أخماساً.

ابن وهب: وقاله سعيد بن المسيب، وأبو الزناد، وأن عمرو بن عثمان وأخاه أبان ورثا موالي عثمان بالسواء، ثم توفي عمرو فخلص الولاء لأبان، ثم توفي أبان فرجع الولاء لنبي أبان وبني عمرو فكانوا فيه شرعاً سواء، وقال مثله ابن عمر.
م: والأصل في هذا أن ينظر يوم مات المولى؛ فمن كان أقرب إلى العتق فهو أحق بميراث مولاه ولا ينظر إلى من حاز الولاء قبله كالحكم في حيازة النسب، لو أن رجلاً مات وترك ولدين وابن عم أو أخاً؛ فميراث الابن عم أو الأخ إن مات الآن لولدي الميت أولى، فإن لم يمت ابن العم ولا الأخ حتى مات أحد الولدين وترك ولداً ثم مات ابن العم أو الأخ؛ فميراثه للابن الحي دون ابن أخيه، فإنما ينظر أبداً إلى الأقرب بالميت يوم يموت، فهو أحق بميراثه دون ورثة من كان أقرب منه، ومات قبل موت هذا

الموروث من مولى أو قريب.
م: ولو أن أخوين كاتباً عبداً فأدا كتابته وعتق ثم مات أحدهما وترك أولاداً ذكوراً ثم مات المعتق ولم يترك من يرثه من نسب فماله بين الأخ وبين ولد أخيه نصفين؛ لأنهم يرثون سهم أبيهم.
م: لأن ولاء كل نصف لمعتق لا ولاء للآخر فيه، فهو بخلاف مولى أبيهم؛ لأن هذا كل واحد من الولد هو مولاه، ولو كان إنما كاتبه أبوهم ثم مات الأب، [ثم مات أحد ولديه وترك أولاداً] ثم مات المكاتب قبل أداء كتابته؛ لكان ما ترك بين الابن الحي وبين بني أخيه نصفين؛ لأنهم هاهنا إنما يرثونه بالرق؛ لأن الحر الذي كاتبه مات وتركه مكاتباً، والمكاتب عبد، فهو عبد لولدين، فإن مات أحد ولديه فنصفيه في الكتابة ثابت إن مات قبل الأداء؛ فورثته أحق بميراث نصيبه من أخيه، ويرث منه بناته مع أخوتهم.
ولو كان المكاتب قد أدى كتابته في حياة الحر أو بعد موته، ثم مات بعد عتقه فإن مات ترك هاهنا لابن مولاه الأعلى دون بني ابنه الذي مات، ولو مات الابن الثاني قبله ثم مات المولى؛ لورثة بنو الابن الذكور دون الإناث؛ لأنه هاهنا موروث بالولاء، وقبل الأداء موروث بالرق؛ فافترقا.
وأكثر هذا وأصله في كتاب محمد وهو بين فاعرفه.

ومن المدونة قال مالك: والابن وابن الابن أولى بالولاء من الأب، ولا يرث مع أحدهما سدس ولا غيره، بخلاف النسب.
م: وذهب شريح والنخعي والأوزاعي: أن للأب السدس، وما بقي فللابن، وكذلك إن كان مكان الأب جد؛ فله السدس عندهم كالنسب.
والصواب ما ذهب إليه مالك وهو قول علي وزيد وابن المسيب وعطاء والزهري.
م: والحجة في ذلك أن الولاء إنما يرثه العصبة لا أصحاب الفرائض المسمى، ألا ترى: أن النساء لا يرثن من ولاء ما أعتق غيرهن لأنهن أهل فرائض مسماة، وكذلك الزوج والزوجة لا يرثان من الولاء شيئاً؛ لأنهما من ذوي السهام، [والأب له حالان: حال يكون فيها من ذوي السهام]؛ فلا يرث فيها من الولاء شيئاً، وهو مع الولد الذكر وولد الولد؛ [كذوي السهام] وحال يكون من العصبة؛ وهو: أن ينفرد بالميراث أو يكون مع من لا يستكمله؛ مثل البنت والزوج والزوجة، فيرث الولاء؛ لأنه يرث في ذلك التعصيب، مع أن قولنا هو قول جمهور العلماء.
ومن المدونة قال مالك: والأب أولى من الأخ.
قال غيره: والإجماع على ذلك.

قال مالك: والأخ والابن والأخ أولى من الجد.
م: وقيل: إن الجد أولى من الأخ، وقيل: إن المال بينهما نصفان.
م: فوجه قول مالك وإليه ذهب الشافعي: أن الأخ يلتقي مع المعتق في صلب أبيه، وكذلك عنده ابن الأخ وإن سفل، فالأب يجمعهم، ويلتقي مع الجد في صلب أبي الجد، فمن يلتقي معه في صلب أبيه أقرب ممن يلتقي معه في صلب أبي جده.
ووجه من قال: إن الجد أولى: فلما روي أن الجد أب.
ولأنه يحرم عليه ما نكح ابن ابنه لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ كالأب.
ووجه قول من قال: الميراث بينهما نصفين: اعتباراً بميراث النسب.
قال ابن المواز: والجد أولى من العم.
م: لأن العم إنما يدلي بقرابة أبيه وهو الجد؛ فلا شيء له مع من يدلي بقرابته.

ومن المدونة قال مالك: والأخ الشقيق أولى من الأخ للأب والأخ للأب أولى من ابن الأخ الشقيق وابن الأخ الشقيق أولى من [ان الأخ لأب،... الأخ للأب أولى من ابن ابن أخ شقيق، والعم الشقيق أولى من العم للأب، وابنه أولى من] العم للأب [وابنه أولى من ابن العم للأب].
م: هكذا أبداً إذا استوت الطبقة فالشقيق أولى، وإن اختلفت فالأعلى أولى.
م: والحجة في ذلك ما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد رحمهم الله أنهم قالوا: الولاء للأكبر، والأكبر أقرب العصبة إلى المعتق.
وروي أن العاص بن هشام

ترك ثلاثة بنين؛ اثنان شقيقان، والآخر لعلة يعني من أم أخرى، ثم هلك أحد الشقيقين، وترك مالاً وموالي، فورث أخوه شقيقه ماله وولاء مواليه، ثم هلك الوارث وترك ابناً له وأخاه لأبيه؛ فقال ابنه: قد أحرزت ما كان أحرزه أبي من المال والولاء، وقال أخو الميت ليس هو كذلك: إنما أحرزت المال، والولاء لي فاختصما إلى عثمان بن عفان؛

فقضى لأخي الميت وبالولاء دون ابن الميت.
وروي أن علياً وزيداً قالا: في رجل ترك أخاه شقيقه وأخاه لأبيه، وترك مولى من أسفل؛ أن الولاء للأخ الشقيق.
ومن المدونة قال مالك: ولو أعتقت امرأة عبداً ثم ماتت؛ وتركت ولداً ذكراً ثم مات ولدها هذا وترك أخاه لأبيه، ثم مات المولى بميراثه لعصبة المرأة التي أعتقته دون أخي ولدها لأبيه، وكذلك لو ترك الولد خاله وعمه؛ لورث الولاء خاله دون عمه؛ لأن خاله عصبة أمه المعتقة.
م: لأن خاله أخو المعتقة، وعمه أخو زوجها، وزوجها لو كان حياً لم يرث مولاها، فكيف بأخيه؟ قال مالك -رحمه الله-: هكذا حكم الولاء؛ أن يرثه الأقعد بالميت المعتق دون ورثة من حازه بعده على ما ذكرنا، ولا يرث الأخ للأم من الولاء شيئاً، وإن لم يترك الميت غيره والعصبة أحق منه إلا أن يكون هذا الأخ للأم من الصعبة فيرث معهم.
م: مثل أن يترك المالك ابن عم مولاه أحهما أخ لأم فيكون الميراث بينهما نصفين لبنوه العم وتسقط ولادة الأم.
ابن ال مواز قال أشهب: بل يكون الأخ للأم أولى بالولاء لأنه أقعد بالرحم، كما لو ترك المالك أخاً شقيقاً وأخاً لأب؛ فإن الميراث للأخ الشقيق، وكما لو ترك ابن عم شقيق وابن عم لأب؛ لكان الشقيق أولى بالولاء والميراث.

م وهذا أقيس.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق رجلان عبداً بينهما فمات أحدهما وترك عصبة أو بنين ثم مات المولى؛ كان نصف ميراثه للحي، ونصفه لورثة الميت المذكور.
قال سليمان بن يسار وغيره: لا يرث الرجل ولا موالي امرأته ولا المرأة ولا موالي زوجها.
فصل قال سحنون: أجمع المسلمون أن النساء لا يرثن من الولاء شيئاً، إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد من أعتقن وإن سفل من ولد الذكور خاصة، كان ولد الولد ذكراً أو انثى.
قال غيره: وروي أن النبي -عليه السلام- قال: لا يرث النساء من الولاء شيئاً إلا ما أعتقن أو ولد من أعتقن.
وقد ورث النبي -عليه السلام- بالولاء ابنة حمزة من مولاها، وورث ابنته النصف ومولاته ما بقي وهو النصف.
قال ابن القاسم: فمن مات وترك بنات لصلبه، وابن ابن أو عصبة وترك موالي؛ كان ولاؤهم لبني الابن أو للعصبة دون البنات، وكان ابن عمر يرث موالي عمر دون بنات عمر.

قال مالك: ولا يرث أحد من النساء ولا ما أعتق أب لهن أو أم أو أخ أو ابن والعصبة أولى بالميراث منهن، فإن مات مولى الأب لهن أو لأخ ولم يدع وارثاً ولا عصبة لمولاه فميراثه لبيت مال المسلمين دونهن.
قال مالك ومولى النعمة أحق بميراث الميت من عمة الميت وخالته، ولو أنفردتا لم ترثا عند مالك، ويكون ما ترك الميت للعصبة؛ فإن لم تكن له عصبة فبيت المال.
قال ابن القاسم: وإذا أعتقت امرأة امرأة فتزوجت المعتقة فولدت منه فلاعنها ونفاه عن نفسه؛ كان ميراث هذا الولد بعد فرض الأم للمرأة التي أعتقت أمه، وكذلك لو ولدت هذه الأمة المعتقة من الزنا لورثته مولاة أمه.
فصل قال مالك وإن اشترت امرأة أباها؛ فعتق عليها، ثم مات ولم يدع وارثاً غيرها ورثت جميع المال النصف بالنسب والنصف بالولاء ولو كان الأب بعد عتقه اشترى ابناً له فأعتق عليه، ثم مات الأب ورثه الابن والبنت بالنسب للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم إن مات الابن ورثت أخته النصف بالنسب والنصف بالولاء؛ لأن الابن مولى أبيه، والأب مولى لها، وهي ترث بالولاء من أعتقت أو أعتق من أعتقت.
ابن المواز: قال ابن الماجشون قال مالك في ابن وابنة اشتريا أباهما فعتق عليهما ثم أعتق الأب عبداً، ثم مات الأب ثم مات مولاه فميراث الأب بينهما على الثلث والثلثين،

وميراث المولى للابن وحده، وكذلك لو كان البنت هي المعتقة للأب كله؛ لأنه إنما يورث بالولاء إذا عدم الميراث بالنسب؛ فولد الرجل يورث مواليه دون من أعتق أباه، وكما لو أن هذا الابن وأجنبياً معه اشتريا الأب فأعتقاه ثم مات الأب عن موالي أعتقهم؛ فمن مات من الموالي كان ميراثه للابن وحده دون الأجنبي إذ لو يورث بالولاء ما دام نسب.
قال: ولو أن الابن والابنة اللذين أعتقا أباهما مات الابن أولاً فورثه أبوه، ثم مات الأب عن موالي أعتقهم؛ فللبنت من ميراث أبيها النصف للرحم، ونصف النصف الباقي بالولاء؛ لأنها أعتقت من الأب نصفه، والنصف الباقي وهو الربع لأخيها فهو لموالي أبيه وموالي أبيه هو وأخته؛ فلها نصف ذلك الربع؛ فيصير لها سبعة أثمان ما ترك أبوها والثمن الباقي يكون لموالي أم أخيها إن كانت أمه معتقة، وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين ثم إن مات موالي أبيها فلها من ميراثه النصف، والنصف الباقي لأخيها، وهو لموالي أبيه، وموالي أبيه هو وأخته فلها نصفه؛ يصير لهما ثلاثة أرباع ميراث الموالي، يريد: ويكون لموالي أم أخيها الربع.
ومن المدونة قال مالك: ولو أن ابنتين اشترتا أبيهما فأعتق عليهما ثم مات؛ ورثا منه الثلثين بالنسب والثلث بالولاء إذا لم يكن له وارث غيرهما.

قال في كتاب ابن سحنون وابن المواز وهو في العتبية لابن وهب وفي الواضحة لأصبغ وابن الماجشون قالوا: إن ماتت إحداهما ولا وارث لها غير أختها فلها منها النصف بالرحم ونصف النصف بالولاء فقط، بما جر إليها الأب، والربع الباقي لموالي أم أختها.
وفي رواية ابن حبيب عن ابن القاسم: أنها تأخذ سبعة أثمان ما تركت؛ النصف بالرحم والربع بشركة الولاء والثمن بجر الولاء إليها.
قال ابن الماجشون: وهذا غلط.
قال في كتاب ابن المواز: فإن ماتت الثانية ولا وارث لها فنصف ميراثها لموالي أمها، [والنصف لموالي أم أختها؛ فإن كانت الأم واحدة فكله لموالي أمها] قالوا في هذه الكتب: ولو ماتت إحداهما أولاً ثم مات الأب وترك الثانية فلها سبعة أثمان ميراثه، والنصف لها بالرحم، والنصف الباقي لها نصفه بما أعتقت من أبيها، ولأخيها نصفه يكون لموالي أبيها هي وأختها؛ فتأخذ الحية نصفه فيصير لها سبعة أثمان المال، ويبقى ثمن يكون لموالي أم الميتة، وإن كانت عربية لبيت مال المسلمين.
وهذا الباب يتسع فيه القول، وأنا أذكره موعباً إن شاء الله في كتاب أفردته للمواريث إذ لا يستغني الفقيه عن الاتساع فيه.
م: وأنا أذكر في هذا الباب أصلاً يعتمد عليه ويسهل عليه عمل مثل هذه المسائل: وهو أن يقسم ما تركه الميت لمن يرثه بالنسب فإن استكملوه فرغت المسألة،

وإن لم يستكملوه مثل أن يترك الميت بنات أو أخوات؛ فيورث منه أولاً بالنسب ثم يقول وما بقي فلمواليه، فإن كانوا أحياء أخذوه وفرغت المسألة، وإن كان مواليه ابنتين إحداهما ميتة؛ أخذت الحية نصيبها، وما بقي لموالي أبي الميتة فتجده الحية والميتة، فتأخذ الحية نصيبها من ذلك، ونصيب الميتة يكون لموالي أبيها هكذا يصنع أبداً؛ يجعل القسمة على أربع رتب؛ فالأولى للنسب وما بقي لمواليه وما بقي لموالي ابن الوارث وما بقي لموالي أمه، وبالله التوفيق.
جامع القول في المواريث وذكر الميراث بالشك والتداعي والشهادة في ذلك وميراث ابن الملاعنة والمرتد والمسلم للنصراني وذكر الإقرار بوارث قال مالك: لا يرث أحد إلا بنسب قرابة أو بولاء عتاقة.
قال مالك: وإذا ماتت امرأة وتركت: زوجها وأمها، وأختاً شقيقة أو لأب، وجد؛ فهي الغراء؛ فلزوجها النصف وللأم الثلث وللجد السدس ويربى للأخت بالنصف، أصلها من ستة تعول إلى تسعة ثم يضم الجد سهمه وذلك [واحد إلى نصيب الأخت

وذلك] ثلاثة فتكون أربعة فيقتسمون ذلك على ثلاثة للجد سهمان وللأخت سهم فالأربعة لا تنقسم على ثلاثة ولا توافقها بشيء، فتضرب ثلاثة في أصل الفريضة بالعول وذلك تسعة فتكون سبعة وعشرين: فللزوج ثلاثة من تسعة في ثلاثة بتسعة، وللأم اثنان في ثلاثة بستة، وللجد والأخت أربعة في ثلاثة باثني عشر للجد لثلثاها ثمانية وللأخت أربعة.
م: وهذا تفسيرها على مذهب زيد وبه أخذ مالك، فأما علي بن أبي طالب فيقيمها من تسعة ولا يخلط سهم الجد مع نصيب الأخت.
وذهب ابن مسعود أن للزوج النصف وللأم السدس وللجد السدس وللأخت النصف تبلغ ثمانية وإنما أعطي للأم السدس لأنه كان لا يفضل أما على جد.
قال بعض أهل الفرائض: وإنما سميت الغراء لأن الجد أغرى بسهمه على نصيب الأخت فشاركها فيه.
وقال غيره: إنما سميت بذلك لأنه لا يربى في مسائل الجد على مذهب زيد إلا فيها فسميت الغراء لانفرادها كغرة الفرس.
قال ابن حبيب وتسمى الأكدرية وإنما سميت الأكدرية لأن عبد الملك بن مروان طرحها على رجل يقال له الأكدر كان يحسن الفرائص فأخطأ فيها.
من المدونة قال مالك ولو تركت الهالكة أختين لم تكن غراء؛ لأن الأم ترجع إلى السدس فيها فيبقى للجدات السدس ولا يربى لهن بشيء، وتصح المسألة من اثني عشر لانكسار السدس على الأختين.

م: وعلى قول علي وابن مسعود يكون للزوج النصف وللأم السدس وللجد السدس وللأختين الثلثان أصلها من ستة تبلغ تسعة.
فصل قال مالك: وكل بلد افتتحت عنوة فأقر أهلها فيها ثم أسلموا فشهد بعضهم لبعض فإنهم يتوارثون بأنسابهم التي كانت في الجاهلية وهم على أنسابهم التي كانوا عليها، كما كانت العرب حين أسلمت يُتوارث بأنسابها، وكذلك الحصن يفتح وشبهه بخلاف العدد القليل يتحملون إلينا فهؤلاء لا تقبل شهادة بعضهم لبعض إلا أن يشهد سواهم من المسلمين من أسارى أو تجار كانوا عندهم فيتوارثون بذلك، وقد أبى عمر بن الخطاب أن يورث أحداً من الأعاجم إلا من ولد في العرب، وقاله عمر بن عبد العزيز وغيره؛ يريد: إلا أن يثبت أن بعضهم ورثة بعض ويرثونهم كما ذكرنا وفسرنا.
قال ابن القاسم في العتبية والعشرون عدد كثير، وأباه سحنون.
قال ربيعة: وإن قدمت إلينا امرأة حامل فولدت عندنا لورثها ولدها، ومن قذفها بها فهو مفتر، وإن جاءت بغلام مفصول فادعت أنه ولاها فإنه لا يلحق بها في ميراث ولا يجلد من افترى عليه بها.

قال مالك في كتاب أمهات الأولاد: وتوأم المحتملة وتوأم الملاعنة يتوارثان من قبل الأب والأم، وأما توأم المغتصبة وتوأم الزانية؛ فإنهما يتوارثان من قبل الأم خاصة.
قال في كتاب الولاء: ومن مات من قيس وغيرها لم يرثه إلا عصبته دنيا ممن يحصى ويعرف وإن التقوا معه إلى أب جاهلي بعد عشرة آباء أو أكثر؛ لأن ذلك أمر معروف وذلك إذا كان هؤلاء الذين يلتقون معه إلى الجد يحصون ويعرفون، ولا أورث القبيلة؛ إذ لا يعرف عددهم ولا من يستحق منهم، ولا كم يجب لمن قام يطلب ذلك منهم من جملة المال.
[وفي كتاب ابن المواز بأثر كلام أشهب: ولا أرى ميراثه للمسلمين إن لم يعرف له وارث؛ لأن له وارث بعينه لابد، ولكن يوقف حتى يعرف بعينه، أو يُيأس منه فيتصدق به عن صاحبه الذي كان يستحق للفقراء والمساكين ولا يكون فيئاً.
وقال إسماعيل القاضي: إنه يجعل في بيت المال.
وحكي أن ابن الكاتب قال كلام إسماعيل أصح؛ لأنه يلزم على ما قاله أشهب: إن من مات وترك موالي أن الموالي لا يرثونه لأنه يخلو أن يكون له وارث من نسبه والنسب أولى].

فصل قال مالك: ولا يرث أحد إلا بيقين.
قال ابن القاسم: وإذا ماتت امرأة وابنها، فقال زوجها وهو أبو الولد ماتت قبله، وقال أخو المرأة ماتت بعده؛ فإن لم يعلم أولهما موتاً، لم ترث المرأة الولد ولا الولد المرأة ويرث كل واحد منهما أحياء ورثته.
قال: ولا يرث الموتى بعضهم من بعض، إذا لم يعرف أولهما موتاً.
قال: وإذا أعتقت أمة تحت حر؛ فمات زوجها فقالت: أعقت قبل موته، وكذلك قال سيدها، وقال ورثة الزوج بل أعتقت بعد موته فلا يرث منه شيئاً لأنه ميراث بالشك ولا يرث أحداً إلا بيقين.
قال: وإذا مات المولى ومعتقه وجهل أولهما موتاً؛ لم يتوارثا، وميراث المولى الأسفل لأقرب الناس من سيده من الذكور، ولا يرث [المولى الأسفل] المولى الأعلى على حال علم الموت أو جهل.
وإذا مات المتوارثان بقتل أو بغرق أو بهدم ولا يدرى أولها موتاً؛ فلا يتوارثا، ويرث كل واحد منهما ورثته الأحياء.

قال مالك وسمعت ربيعة وغيره ممن أدركت من أهل العلم: لم يتوارث من قتل يوم الجمل وأهل الحرة وأهل صفين وأهل قديد؛ فلم يورث بعضهم من بعض؛ لأنهم لا يدرى من قتل قبل صاحبه.
قال ابن شفاعة: روي خارجة بن زيد بن ثابت قال: أمرني أبو بكر الصديق حين قتل أهل اليمامة أورث الأحياء من الأموات، ولا أورث الأموات بعضهم من بعض، وقاله زيد بن ثابت.
قال خارجه: وقسمت ميراث أهل الحرة فورثت الحي من الميت وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ متواجدون ولم يعب أحد منهم ذلك علي.
وقال ابن اللباد الفارض وروى علي بن أبي طالب وغيره أنه ورث بعضهم من بعض من صلب أموالهم ولم يورث ميتاً مما خرج من يده لصاحبه ويرث ذلك أحياء ورثته.
م: وبيان ذلك أن يهلك أخوان ويتركا أخاً لهما، وأما فعلى قول الجماعة للأم الثلث مما ترك كل واحد منهما وما بقي لأخيهما الحي.
وعلى قول علي: يُحيي أحدهما ويميت الآخر؛ فيكون لأمه السدس وما بقي للأخوين فتصح فريته من اثنى عشر: للأم اثنان ولكل أخ خمسة، فتوقف خمسة الميت، ثم يمات الذي أوقف خمسته ويحيا الآخر؛ فتصح أيضاً فريضته من اثني عشر؛ للأم اثنان وللحي

خمسة وللميت خمسة فيصير في يد الأم اثنان من تركة كل واحد، وفي يد الأخ خمسة من تركة كل واحد وفي يد كل واحد من الميتين خمسة من تركة صاحبه، ثم يماتا جميعاً ميتة واحدة فيكونا قد تركا أخاً وأماً؛ فللأم الثلث وللأخ ما بقي وفي يد كل واحد خمسة لا تنقسم على ثلاثة فتضرب الاثنا عشر التي كانت فريضة كل واحد في ثلثه يكون ستة وثلاثين ففي يد الأم اثنان من تركة كل واحد في ثلثه تكون بستة وفي يد الحي من تركة كل واحد خمسة في ثلاثة بخمسة عشر وفي يد كل واحد من الميتين خمسة في ثلاثة بخمسة عشر أيضاً فلأمه ثلثها خمسة، ولأخيه الحي ما بقي عشرة.
فجميع ما يصير للأم اثنان وعشرون من اثنين وسبعين، وللأخ الحي خمسون، والحجة لمالك: أنا قد تيقنا أن الحي وارثه اليوم وشككنا في الميت؛ هل هو وارثه؟ فالموقن بميراثه أنه أولى، وإذ قد يمكن يكون ماتا جميعاً معاً، فإن نحن ورّثنا بعضهم من بعض فقد ورّثنا من لا ميراث له ومنعنا من له الميراث.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مات وترك ولدين؛ مسلماً ونصرانياً كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه وأقاما على ذلك بينة مسلمين فتكافأت في العدالة أو لم

تكن لهما بينة؛ فالمال ينقسم بينهما كمالٍ تداعياه، وإن كان قد صلى هذا المسلم على أبيه ودفنه في مقبرة المسلمين؛ فليس الصلاة بشهادة ولو لم يأتيا ببينة وقد كان يعرف بالنصرانية فهو على ذلك وابنه النصراني أحق بميراثه حتى يثبت المسلم أنه مات مسلماً.
قال غيره: إلا أن يقيما جميعاً البينة وتتكافأ فأقضي بالمال للمسلم.
قال في كتاب الشهادة بعد أن يحلف على دعوى النصراني.
م: وحكى عن بعض شيوخنا: إذا دفن في مقابل المسلمين وصلي عليه والكافر حاضر لا ينكر كان ذلك قطعاً لدعواه، وكذلك لو مضى به إلى مقبرة المشركين ودفن فيها، والمسلم حاضر لا ينكر لكان ذلك قطعاً لدعواه، وذلك منصوص للمتقدمين.
قال بعض فقهائنا: ولو شهد إحدى البنتين: إنا رأيناه يصلي في المسجد، وقالت الأخرى: إن رأيناه يؤدي الجزية؛ فإن لم تؤرخ البينتان قضي بالمال للمسلم؛ فأنا نقول: يكون أن يكون كان كافراً فأسلم فيكون المال للمسلم خاصة في هذا الوجه، ويمكن أن يكون ارتد بعد إسلامه فلا شيء للمسلم ولا للكافر، فحصل الكافر في الوجهين لا شيء له، والمسلم [يكون تارة له وتارة لا يكون له، فجعلنا للمسلم إذ لا منازع له.
م: ويحتمل أن يكون له النصف وللمسلمين النصف لأن المال] تارة يكون له وتارة يكون للمسلمين فوجب قسمه على ذلك والله أعلم.

وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه المبسوط: يشبه أن يكون ابن القاسم أراد بتكافؤ البينة أن تشهد بينة المسلم: أن أباه لم يزل مسلماً حتى توفي، وتشهد بينة النصراني أن أباه لم يزل نصرانياً حتى توفي؛ وكان الأب لا يعرف حاله هل هو على الإسلام أم على النصرانية؛ فإذا كان هكذا فإن الشهادتين قد دفعت إحداهما الأخرى وكان كمن لم يشهدا، وأما إن شهدت بينة المسلم أن أباه كان نصراني فأسلم وشهدت بينة النصراني أن أباه لم يزل نصرانياً حتى مات فإن البينة بينة المسلم لأنها قد أثبتت أن إسلام الميت قد حدث بعد أن كان نصرانياً وبينة النصراني تزعم أنه لم يسلم؛ فالشهادة شهادة من أثبت أن شيئاً قد كان، ولا يلتفت إلى من شهد أن ذلك لم يكن، إذ قد يمكن أن يكون ولم يعلموا.
م: ولو ترك معهما ولداً صغيراً لا يعقل ولم يقيما بينة فليعطيا للصغير نصف المال ويأخذ كل واحد منهما ربعاً ربعاً لأن كل واحد منهما يدعي أن المال بينة وبين الصغير فلا شيء للآخر فيه وأنه لا يستحق منه شيئاً إلا وللصغير مثله فوجب على كل واحد أن يعطيه نصف ما يصح له لو لم يكن الصغير فيصير له نصف المال، وكذلك لو كان مع الكبير ابن ثالث كبير يهودي يدعي أن الأب مات على دينه فليقسم المال بينهم أثلاثاً؛

فإن كان معهم أخ صغير فيعطيه كل واحد نصف ما بيده فيصبح له نصف المال وللكبار سدساً سدساً لأن كل واحد يدعي أن له نصف المال وصفه للصغير فقد سلموا للصغير نصفه وتداعو في النصف الباقي فيقسم بينهم أثلاثاً.
قال أصبغ: ويجبر الصغير على الإسلام.
قال سحنون وإن مات الصبي قبل البلوغ عن مال حلفوا واقتسموا ماله.
قال أبو إسحاق ولو كانت معهما أخت صغيرة لم تكن إلا مسلمة، [وأعطاها المسلم ثلث ما في يده؛ لأنه يقول: ما صار في يد أخي النصراني ظلم ظلمت أنا وأخي به وكذلك النصراني يعطيها أيضاً ثلث ما في يده إذا كان في دينهم أن ميراث الأبناء مثل نصف ميراث الذكر؛ لأنه يقول: هي نصرانية على ديني يجب أن نكون قد ظلمنا المسلم فيما أخذ منا فجاء بحقه علينا جميعاً].
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أقام بينة أنه ابن فلان الميت، أو أنه مولاه أعتقه، لا يعلمون له وارثاً غيره، قضيت له بميراثه ولم آخذ منه كفيلاً بالمال، فإن أتى بعد ذلك غيره يدعي الولاء في المولى وجاء ببينة سمعت حجته وقضيت بأعدل البينتين.
قال سحنون في كتاب ابنه فإنه استويا في العدالة فالمال بينهما نصفان.

م: وهي كمسألة من ورث رجلاً بولاء يدعيه، وأقام آخر بينة أنه مولاه، وأقام قابض الميراث مثله؛ ويدخلها الخلاف الذي دخل تلك.
قال سحنون ولو أتى أحدهما ببينة على إقراره بالولاء وآخر بينة أنه أعتقه كان الذي شهدت له البينة بالعتق أولى [بميراثه ونحوه في المدونة].
ومن المدونة قال ابن القاسم ومن أقام بينة في دار أنها لأبيه وقد ترك أبوه ورثة سواه غياباً؛ فإنه يمكّن من الخصومة في الدار، فإن استحق حقاً لم يقبض له إلا بنصيبه منها، ولا ينزع باقيها من يد المقضي له، إلا بنصيبه منها، ولا ينزع باقيها من يد المقضي عليه؛ إذ لعل الغياب يقرون بها للمحكوم عليه بأمر جهله هذا المدعي، فإذا قدموا وادعوا كدعوى الحاضر كان ذلك القضاء لهم ناجزاً، فإن قدموا قبل القضاء وبعد أن عجز الأول عن منافعه كانوا على حجتهم إن كانت لهم حجة غير ما أتى بها الأول.
قال أشهب ينزع الحق كله من يده فيعطي لهذا حقه، ويوقف حق الغائب له.
وكذلك كتب مالك إلى ابن غانم، ورواه أشهب وابن نافع عن مالك.

فصل قال ابن القاسم قال مالك: وإذا هالك ابن الملاعنة وترك مالاً ولا وارث له غير مولى أمه كان ميراثه له.
م: وقاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت.
قال مالك: وإن ترك أمه كان لها الثلث ولمواليها ما بقي.
م: هذا مذهب زيد وعروة بن الزبير وابن المسيب ومالك والشافعي وكان علي بن أبي طالب يقول: إذا كان له ذو أسهم من ذوي رحمه فبقية المال ردٌ عليه.
وكان ابن مسعود يجعل عصبة أمه فإن لم تكن فعصبته عصبة أمه.
وعن ابن عباس وابن عمر ونحوه.
ومن المدونة قال مالك ولا يرثه خاله ولا ابن خاله ولا أجده لأمه، وإن ترك أمه مع أخ لأمه فلأمه الثلث وللأخ السدس وإن ترك معها أخوين لأم فصاعداً فلها السدس وللأخوين فصاعداً الثلث بينهم سواء حظ الانثى والذكر فيه سواء لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.

قال مالك: وما بقي فلموالي أمه إن كانت مولاه وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين ولو كان له ولد ذكر أو ولد ولد كان لأمه السدس، وما بقي لوالده أو لولد ولده الذكور.
وقال ابن القاسم: وإن ترك ابن الملاعنة موالي أعتقهم كان ولاؤهم لذكور ولده، أو لذكور آبائهم وإن لم يكونوا فليس لأمه ولا لأخيه لأمه ولا لخاله ولا لجده لأمه من ولاء مواليه شيء وولاؤهم لموالي أمه إن كانت معتقه وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين.
قال عروة بن الزبير وغيره: وكذلك ولد الزنا في جميع ما ذكرنا.
فصل قال مالك ومن ارتد ولحق بدار الحرب؛ وقف ماله حتى يعلم أنه مات، فإن رجع إلى الإسلام كان أحق به، وإن مات على ردته كان ماله للمسلمين ولا يرثه المسلمون ولا النصارى، وقاله علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وغيره.
وذكر بعض القُرَّاض، ولم أروه: أن مذهب علي وابن مسعود أن ميراث المرتد لورثته من المسلم، وبه قال ابن المسيب وعطاء والشعبي والأوزاعي.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو أن رجلاً أعتق عبداً له ثم ارتد السيد فمات العبد المعتق عن مال وسيده في حال ردته ورثه أولى الناس بالمرتد من ورثته المسلمين ممن يرث الولاء عنه ثم إن أسلم لم يرجع بذلك عليهم وكذلك من مات له من ولد وغيره فليرثهم ورثته المسلمون ولا يرجع عليهم أيضاً وإن أسلم لأنه إنما ينظر في هذا إلى الميراث يوم

وقع فيجب لأهله يوم يموت الميت.
قال مالك وإذا ارتد الأسير لم يقسم ميراثه حتى يعلم موته، فإن عُلم أنه ارتد طائعاً أولم يعلم طائعاً أو مكرهاً؛ بانت منه زوجته، وإن عُلم أنه ارتد مكرهاً؛ لم تبن منه زوجته.
قال ابن القاسم في غير المدونة وميراث المرتد لورثته.
وقال غيره: لبيت المال.
فصل قال ابن القاسم ولا يتوارث أهل الملل.
وروى ابن وهب أن النبي -عليه السلام- قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ولا يتوارث أهل ملتين شتى».
وفي كتاب محمد لمالك: من أقر أن أباه كان يعبد الشمس وكان أبوه مظهراً لإسلام؛ أنه يرث أباه، واحتج بالمنافقين الذين كانوا في زمن النبي عليه السلام فورثهم ورثتهم لما بقوى على ما أظهروا من الإسلام.

واختلف في ميراث الزنديق: إذا أنكر الزندقة وقد شهد عليه بها: فقيل إنه يورث على ما أظهر، وأما لو أقر بذلك وتمادى على الكفر الذي كان أسره لوجب ألا يورث.
قال أبو إسحاق: والأشبه في الذي مات على الزندقة وورثته يعلمون بذلك ألا يورث؛ لأنه كافر، وقد ثبت أن المسلم لا يرث الكافر والمنافقون الذين في زمن النبي عليه السلام لم يستعمل النبي عليه السلام فيهم علمه ليبين ذلك لمن بعده ألا يحكم الحاكم بعلمه وإلا فقد علم النبي -عليه السلام- ذلك منهم، ولأنه أراد دخول الناس في الإسلام فقال: «لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي»، فقد يرد في ذلك إلى النفير عنه عليه السلام.
وأما من شهد عليه بالكفر وهو ينكره وكان مظهراً للإسلام فيُقتل حداً ويورث لإنكاره الكفر ويصلى عليه والله أعلم بسريرته، ولم تقبل توبته بخلاف المرتد لأنه شيء أخفاه فأشبه الزنا والسرقة والمرتد أظهر ما اعتقد فاستتيب كما تقبل توبة المحارب المظهر للحرابة.
ومن العتبية عن مجوسي تزوج ابنته فولد له منها ولدان فأسلمت الأم والولدان، فمات أحد الولدين.
قال: فللأم السدس لأن الميت ترك أمه وهي أخته وترك أخاه فتعاد نفسها بنفسها؛ فكأنه ترك أخاً وأختاً حجبا الأم عن الثلث.
قال أبو إسحاق: وفي هذا نظر وذلك أن من أسلم من المجوس إنما يتوارثون بأقرب القرابتين؛ فإذا تزوجها أبوها ولدت ولدين فهما ولداها وهما أخواها فنسبتها في ميراث أحدهما بالأمومة أولى، فإذا كانت هي أمه سقط أن تكون أختاً له، وإذا سقط كونها أختاً أخذت ثلث ما ترك لأنه ترك أمه وأخاه فكيف حسبها أماً أختاً في حال واحده فحجبها عن ميراث الثلث بنفسها أن جعلها أختاً للميتة وللباقي فصارت أماً أختاً في حالة واحدة

ولم يسقط حكم الأمومة فيكون كأنه ترك أخته وأخاه، وكان يجب أيضاً أن يكون لها الثلث مع اخيها الذي هو ابنها؛ لأنها مع أخ واحد؛ فإن قدرتها أنها أما منفردة كان لها الثلث؛ لأنها مع أخ واحد وإن قدرتها أنها أختاً منفردة كان لها الثلث؛ لأن الميت ترك أخته وأخاه وهو فقد قدرها أماً أختاً في حال واحدة فصارت كأنها أختاً أخرى تركها مع أمه وأخيه فلذلك جعل لها السدس.
قال ابن القاسم: وإذا تظالم أهل الذمة في مواريثهم لم أعرض لهم إلا أن يرضوا بحكم أهل الإسلام فأحكم بينهم فيه، وإن أبوا ذلك ردوا إلى أهل دينهم.
وقال مالك: إذا كانوا نصارى كلهم ورضوا بحكم الإسلام [حكم بينهم به، وإن كانوا مسلمين ونصارى لم يردوا إلى حكم النصارى، وحكم بينهم بحكم الإسلام، ولم ينقلوا عن موارثهم، يريد: أسلم أحدهم بعد موت المورث فصار حكم بين مسلم وكافر.
وفي رواية يحيى: يحكم بينهم بحكم دينهم والمعني واحد.
وروى ابن وهب: أن مسلمين ونصارى اختصموا إلى عمر بن عبد العزيز في مورث فقسم بينهم على فرائض الإسلام، وكتب إلى عامل بلدهم إن جاءوك فاحكم بينهم على فرائض الإسلام وإن أبوا فردهم إلى أهل دينهم.
وقال النبي -عليه السلام-: «كل ميراث قسم في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وكل ميراث أدركه الإسلام ولم يقسم فهو على قسم الإسلام».

قال مالك: معناه في غير الكتابين: من مجوس وزنج وغيرهم، وأما لو مات نصرانياً ثم أسلم وارثه قبل أن يقسم ماله فإن يقسم على قسم النصارى وإن مات مسلم وله ورثة نصارى فأسلم وارثه له قبل أن يقسم ماله فلا يرثه وإنما يرثه من كان مسلماً يوم مات.
وقال ابن نافع وغيره من كبار أهل المدينة: الحديث عام في الكتابيين وغيرهم من أهل الكفر.
قال ربيعة: ولو مات مسلم ثم تنصر ولده بعده قبل قسم ماله لقتل إن كان قد بلغ الحلم وجعل ميراثه في بيت المال لأنه قد وجب له.
فصل قال مالك: وهذا مات العبد النصراني عن مال فسيده أحق بماله.
قال ابن القاسم: وكذلك إذا ارتد العبد أو المكاتب فقتل على ردته فسيده أحق بماله؛ لا أنه يستحقه بالملك لا بالتوارث.
ابن المواز وكذلك لو أسلم عبد لمجوسي أو لكتابي ثم مات قبل أن يباع عليه لورثة سيده الكافر بالرق.
ومن المدونة قال مالك: [ومن ورث من] عبده النصراني ثمن خمر أو [خنزير فلا بأس بذلك وإن ورث منه خمراً أهراقها]، أو خنازير سرحهم.

جارٍ التحميل