[قال] ابن المواز: قال مالك: ومن اشترى نصف ثمرة جزافاً أو نصف صبرة فلا بأس ببيع ذلك قبل أن ينقل وأحب إلى أن ينقل قبل البيع لحديث ابن عمر، ولا أراه حراماً، وكذلك الصبرة تشترى لأنها في ضمانه بالعقد لقد استوفاها وعلى ذلك من أدركت.
قال ابن القاسم في العتبية: وقد كان مالك يقول إذا اشترى جزءاً من ثمرة فلا يبعه حتى يقبضه ثم رجع عنه.
[فصل 12 - إذا كان السلم في عروض جاز أن يأخذ
المسلم مثل رأس ماله أو أقل]
ومن المدونة: قال ولو كان سلمك في عروض جاز أن يعطيك مثل رأس مالك أو أقل، إذ لا يتهم أحد في أخذ قليل من كثير، وأما أكثر منه فلا يجوز بحال؛ لأنه دفع إليه ذهباً فرجع إليه أكثر منها.
فصل [13 - في المقاصة والحوالة في السلم]
قال: وإن كان لك عند رجل طعام من سلم، وله عليك طعام من سلم مثله لم يجز أن تتقاصا، حلت الأجل أم لم تحل؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه وهو بمنزلة ما لو كان على رجلين.
م قيل معنى قوله: وهو بمنزلة ما لو كان على رجلين مثل أن يكون لك على رجل طعام ولصاحبك طعام مثله على رجل آخر فكما لا يجوز أن تتقاصا، بأن تأخذ أنت ما كان له على غريمه على أن يأخذ هو ما على غريمك، فكذلك إذا كان لك عليه وله عليك، هو بمنزلة كون ذلك لكما على رجلين، وقيل هو مثل أن يكون عليك طعام من سلم ولك على رجل طعام من سلم وأحلت الذي له عليك الطعام على الذي لك عليه الطعام، فقد بعته منه قبل قبضه، وكذلك في المقاصة أنت بعت منه مالك عليه بماله عليك وهو كذلك.
قال ابن القاسم: ولو كان أحدهما من قرض والآخر من سلم وأجلهما واحد، والصفة والمقدار واحد جاز أن يتقاصا إن حل الأجلان.
م لأنه لما حل الأجل، إنما له عليك أن توفيه سلمه فإذا أعطيته فيه القرض الذي لك عليه جاز، إذ لا يكره لك بيع ذلك القرض قبل قبضه.
قال: ولا يجوز إن لم يحلا ولا إن لم يحل إلا أحدهما بمنزلة ما لو كان على رجلين.
م يريد مثل أن يحيل من له عليك طعام من قرض على من لك عليه طعام من سلم، فيجوز إن حلا ولا يجوز إن لم يحلا كما بينا أولاً.
قال: ويدخله بيع الدين بالدين وبيع الطعام قبل قبضه.
قال في الآجال: ولو كان الذي له عليك من قرض والذي لك عليه من قرض ككيله وصفته حالين أو مؤجلين جاز أن يتقاصا اختلفت الأجلان أو اتفقا، ولم يحلا أو حلا أو حل أحدهما، لجواز بيع طعام القرض قبل قبضه، ولبراءة الذمتين بالمقاصة إلا أن يكون الذي عليك سمراء والذي لك محمولة فتجوز المقاصة إن حلا؛ لأنه بدل، فأما إن لم يحلا أو لم يحل إلا أحدهما لم يجز، إذ لا يجوز عند مالك قضاء سمراء من بيضاء ولا بيضاء من سمراء قبل الأجل من بيع أو قرض وفي كتاب الآجال وكتاب الهبات كثير من هذا.
ومن السلم قال مالك: وإذا أحلت على ثمن طعام لك من له عليك مثل ذلك الثمن من بيع سلعة أو من قرض لم يجز للمحال به أن يأخذ فيه في الطعام إلا ما جاز لك وهو مثل طعامك صفة وكيلاً.
يريد وإن كان إنما له عليك ثمن طعام بعته منه مخالفاً للذي بعت من غريمك، لا يجوز أن تأخذ من غريمك طعاماً كان من صنف طعامك أو من صنف طعامه، لأنه لا يجوز لمن أحلته أن يأخذ إلا مثل صنف طعامك فإذا أخذ هذا مثل صنف طعامك كان مخالفاً لصنف طعامه وهو لا يجوز له أن يأخذ منك ولا ممن أحلته عليه إلا مثل صنف طعامه، وقد تقدم هذا في السلم الأول.
[الباب الثالث]
في بيع العروض قبض قبضها وذكر العينة وبيع الطعام الجزاف وهلاكه قبل قبضه
[فصل 1 - في اختلاف الأئمة في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه
مقصور على الطعام أن يجري في غيره]
ولما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه» دل بذلك أن ما عدا الطعام بخلافه.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة لا يباع ما ينقل ويزال به من سائر الأشياء قبل قبضه.
وقال الشافعي: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه، ودليلنا قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:275] وقوله -صلى الله عليه وسلم- «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه» فدل أن ما عداه بخلافه، ولأنه أحد نوعي المبيعات، فعدم القبض لا يمنع بيعه، أصله بيع المنافع والإجارات، ولأن الشراء نوع يملك به فجاز أن يبيع ما ملك قبل قبضه كالميراث والوصية، ومنع أبي حنيفة قياساً على العقار.
م فصار في بيع الأشياء قيل قبضها أربعة اقوال: [1] قول مالك، إنما ذلك فيما بيع من الطعام على الكيل والوزن، [2] قوله عبد العزيز فيما بيع من الأشياء كلها على كيل أو وزن.
[3] قول أبي حنيفة فيما بيع مما يزال به من الأشياء، [4] قول الشافعي لا يباع شيء قبل قبضه.
[فصل 2 - ما عدا الطعام والشراب من العروض التي تعد
أو تكال أو توزن فيجوز التصرف فيها قبل قبضها]
ومن المدونة: قال مالك: فكلما ابتعته أو أسلمت فيه عدا الطعام والشراب من سائر العروض على عدد أو كيل أو وزن فجائز بيع ذلك كله قبل قبضه وقبل أجله من غير بائعك بمثل رأس مالك أو أقل أو أكثر نقداً أو بما شئت من الأثمان إلا أن تبيعه بمثل صنفه فلا خير فيه.
من يريد أقل أو أكثر فأما مثل عدده أو كيله أو وزنه فقد قال مالك في كتاب الهبة: إن كانت المنفعة للمبتاع لم يجز وإن كانت للبائع جاز وهو قرض.
قال في كتاب السلم الثاني: فإن بعت ذلك من رجل بما يجوز لك بيعه وانتقدت ثم فلس من ذلك في ذمته فليس للمبتاع منك رجوع عليك، وله
اتباع بائعك ومحاصة غرمائه.
قال ابن المواز وابن حبيب: وكل دين بعته بما يجوز لك بيعه فإنما يجوز ذلك إذا كان الذي هو عليه حاضراً مقراً أو قريب الغيبة حتى يعرف ملاؤه من عدمه.
[فصل 3 - بيع السلم للبائع]
ومن المدونة: قال: وجائز بيع ذلك السلم من بائعك بمثل الثمن فأقل منه نقداً قبل الأجل أو بعده إذ لا يتهم أحد في أخذ قليل من كثير.
قال سحنون في السلم الأول: واتقاه عبد العزيز أن يأخذ من بائعه فيه أقل من الثمن.
قال مالك: وأما بأكثر من الثمن فلا يجوز بحال، حل الأجل أم لا؛ لأن سلمك صار لغواً ودفعت ذهباً فرجع إليك أكثر منها، فهذا سلف جر نفعاً.
قال مالك: وإن كان الذي لك عليه ثياب فرقيبة جاز أن تبيعها منه قبل الأجل بما يجوز أن تسلف فيها من ثياب القطن المروية والهروية والحيوان والطعام إذا انتقدت ذلك كله ولم تؤخره، ولا تأخذ منه قبل الأجل ثياباً فرقبية إلا مثل ثيابك صفة وعدداً، فأما أفضل من ثيابك رقاعاً أو أشر فلا خير
فيه، اتفق العدد أو اختلف ويدخله في الأرفع حط عني الضمان وأزيدك وفي الأشر ضع وتعجل إلا أن يحل الأجل فيجوز ذلك كله.
ولو كان رأس مالك عرضاً أسلمته فيما يجوز أن تسلمه فيه، أو بعته بثمن إلى أجل فلا تأخذ منه فيه إلا ما يجوز أن تسلم فيه عرضك أو أسلمت فيه، وإن حل الأجل فأعطاك مثل صنف رأس مالك صفة وعدداً أو أدنى فلا بأس به، فإن أعطاك أكثر لم يجز؛ لأنه سلف جر منفعة.
قال: وإن بعت عرضك بمئة درهم إلى شهر جاز أن تشتريه بعرض مخالف له أو بطعام نقداً، كان ثمن العرض أقل من المئة أو أكثر، وإن اشتريته بعرض مؤجل إلى مثل أجل المئة أو دونه أو أبعد منه لم يجز، لأنه دين في دين وقد نهى عنه.
قال مالك: وما ابتعته من الطعام أو الشراب جزافاً أو اشتريته من سائر العروض بعينه أو مضموناً على كيل أو وزن أو جزاف من عطر أو زنبق أو مسك أو حديد أو نوى أو شبهه فلا بأس ببيعه قبل قبضه من بائعك أو غيره وتحيله عليه إلا أن يكون ذلك بين أهل العينة فلا يجوز بأكثر مما ابتعته به إلى أجل.
فصل [4 - في التعريف بالعينة وبعض صورها]
وأصل العينة أن يأتي الرجل إلى الرجل فيقول له أسلفني، فيقول لا أفعل ولكن اشتري لك سلعة من السوق -يريد أو سلعة بيده- فأبيعها منك بكذا إلى أجل كذا، ثم ابتاعها منك بكذا نقداً بدون ما باعها به منه، أغو يشتري من رجل سلعة بثمن نقداً، ثم يبيعها منه بأكثر مما ابتاعها، به إلى أجل.
م وهذه المسألة الثانية هي التي لا تجوز بيه أهل العينة، وتجوز بين غيرهم، وأما المسألة الأولى فلا تجوز بين أهل العينة ولا غيرهم؛ لأنها من بيوع الآجال الممنوعة، والثانية من بيوع النقود فلا يتهم فيها إلا أهل العينة.
ومن العتبية: قال مالك: كان رجال من أهل الفضل يتجرون في العينة ثم تركوها وهم يرون فضلها لما استرابوا منها.
قال: ومن ابتاع طعاماً أو غيره وهو ممن يغبن بثمن إلا أجل ثم جاء يستوضعه، وشكى الوضعية فوضع له، فلا خير فيه، لأن هذا في أهل العينة يتراضون على ربح، فلعشرة اثنا عشر أو أقل أو أكثر، فإذا باعها فنقص ذلك عن تقديرهما، حطه حتى يرجع إلى ما تراوضا عليه، وكرهه ابن هرمز.
قال مالك: ولو باعه -وهو ممن يغبن- طعاماً بثمن إلى أجل على أن ينقده منه ديناراً فذلك مكروه، وقد كرهه ربيعة وغيره.
قال ابن القاسم: إنما مكروهه كأنه قال له بع من هذا الطعام بدينار وأعطنيه وما بقي من الطعام فهو لك بما بقي من الثمن.
قيل له فإن أعطاه الدينار من عنده؟ قال: وإن، فهو يخلفه من الطعام.
[قال] ابن المواز: قال مالك: وهذا في أهل العينة ولا بأس به في غيرهم.
قال فيه وفي الواضحة وهذا فيما يشتريه ليبيعه لحاجته إلى ثمنه، فأما من يشتريه لحاجته من ثوب يلبسه أو دابة يركبها أو خادم تخدمه فلا بأس بذلك.
وفي العتبية قال مالك: فيمن يعين، يبيع السلعة بثمن إلى أجل فيقبضها المبتاع ثم يبيعها من رجل معهما في المجلس، ثم يبتاعها من بائعها الأول مكانه فهو كمحلل بينهما فلا خير فيه.
قال ابن دينار: وهذا مما يضرب عليه عندنا ولا يختلف في كراهيته.
فصل [5 - في بيع الجزاف قبل قبضه والضمان فيه
إن هلك بعد العقد]
ومن المدونة: قال مالك: وإن اشتريت صبرة طعام جزافاً، فلا بأس ببيعها قبل قبضها، لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفي، فدل أن الاستيفاء هو كيله.
فكان ذلك عندنا فيما بيع على الكيل، فأما ال صبرة فهي كسلعة بعينها وضمانها بالعقد من المشتري.
قال ابن المواز: هي مثل ما لا يغاب عليه أو ما صدقته في كيله.
ومن المدونة: قال مالك وإن هلكت بعد العقد فهي منك، فإن كان ذلك بتعدي أحد اتبعته بقيمتها من الذهب أو الفضة، كان بائعك وغيره.
قال: ولو ابتعتها على الكيل كل قفز بكذا فهلكت قبل الكيل بأمر من الله عز وجل كانت من البائع وانتقض البيع، وإن هلكت بتعدي البائع أو أفاتها ببيع فعليه أن يأتي بمثلها تحرياً يوفيكها على الكيل ولا خيار لك في أخذ ثمنك أو الطعام، ولو استهلكها أجنبي غرم مكيلتها إن عرفت وقبضته أنت.
على ما اشتريت، وإن لم يعرف كليها أغرمنا البائع قيمتها عيناً ثم ابتعنا بالقيمة طعاماً مثله فأوفيناكه على الكيل، وليس ببيع منك للطعام قبل قبضه؛ لأن التعدي على البائع وقع، وأما التعدي بعد الكيل فمنك.
قال بعض أصحابنا: وإذا أغرم الأجنبي قيمة تلك الصبرة فاشترى بمثلها طعاماً، وفضلت من القيمة فضلة لرخص حدث، فإن الفضلة للبائع؛ لأن القيمة له أغرمت، ألا ترى أن المتعدي لو أدم أو ذهب فلم يوجد كانت المصيبة من البائع، فلما كان عليه التوى كان له النماء، والمشتري إذا أخذ مثل صبرته التي اشترى لم يظلم.
قال: وإن لم يوجد بالقيمة إلا أقل من الصبرة الأولى كان ما نقص كالاستحقاق، فيراعى إن كان كثيراً، فللمشتري فسخ البيع وإن كان يسيراً سقط عنه ما يخص ذلك من الثمن.
قال ابن أبي زمنين: فالذي يدل عليه لفظ الكتاب أن البائع هو الذي يتولى الشراء بالقيمة؛ لأن له أغرمت.
قال: وقد قال أشهب في غير
المدونة أن البيع يفسخ، وأراه إنما قال ذلك: لأن البائع إذا كلف مؤنة شراء الطعام وبيعه ظلم لغير شيء تعدى فيه، فهو يريد أن البائع يتولى الشراء.
م قال بعض أصحابنا: ويحتمل إنما قال أشهب بفسخ البيع، لأنه اشترى طعاماً معيناً، فذهب، أصله كما لو ذهب بأمر من الله.
م قال بعض أصحابنا في قوله في الصبرة يستهلكها أجنبي فيغرم القيمة ويبتاع به طعاماً فيوفيكه على الكيل وليس ببيع منك لطعام قبل قبضه، قال فيه الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن: يريد فليس ببيع للطعام الذي يشترى بالقيمة التي أخذت من الأجنبي، وليس يعني بيع الطعام المستهلك قبل قبضه.
وقال غيره من القرويين: بل إنما أراد الطعام المستهلك قول الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن في ذلك، وعلى هذا الآخر يدل ظاهر الكتاب.
قال بعض أصحابنا: فرق في هذه الصبرة بين أن يستهلكها البائع أو أجنبي، فقال في البائع يغرم مثل كيلها على التحري وقال وفي الأجنبي يغرم قيمتها، فقال بعض شيوخنا من القرويين: كان الأصل أن يقضى في العداء على هذه الصبرة بمثلها، كان المتعدي أجنبياً أو بائعاً، لكن القيمة تنضبط ما لا تنضبط المماثلة فيها، هذا في الأجنبي، ولما كان البائع للصبرة هو مستهلكها أتهم أن يكون يعرف كيلها فاستهلكها ليفسخ البيع فيها أو ليغرم قيمتها، وقد حالت أسواق الطعام، فيشتري بتلك القيمة أقل من المكيلة، فألزم أشد الأمرين وهو المثل، وهو العلة لا توجد في الأجنبي فكان بخلاف البائع في ذلك.
م الأصل كان أن يغرم المثل في الوجهين، لأن القيمة لا تعرف إلا بعد أن يقدر مثلها، فيغرم ذلك التقدير، فإغرامه ذلك التقدير أجوز من إغرامه قيمته، لكن أُتقي ذلك في الأجنبي خوفاً أن يكون المثل أكثر أو أقل فيدخله التفاضل في الطعامين، فإذا أغرم القيمة أمنا من ذلك، وفي البائع إنما استهلك طعامه وما منه ضمانه وإنما أغرمناه ذلك لحجة المبتاع، فإذا أغرم مثله لم يدخل ذلك تفاضل فلذلك فرق بينهما والله أعلم.
وأما احتجاجه بأنه ألزم أشد الأمرين لتعديه، فقد يكون حالت الأسواق بزيادة، فيشتري بأقل من القيمة مثلها فيربح.
قال ابن المواز: ومبتاع الصبرة جزافاً أو على التصديق في الكيل فذلك من المبتاع كالحيوان ولم يثبت مالك فيها على أمر.
قال محمد ومن اشترى طعاماً فسمى له كيله أو كان حاضراً فهو أبدا على الكيل.
ابن المواز: والمصيبة ها هنا من البائع حتى يشترط أخذه بكيله أو تصديقه فيه، كالقائل كم في طعامك هذا؟ فيقول خمسين إردباً، فيقول أخذتها بكذا فيرضى به فهذا على الكيل حتى يشترط تصديقه، ولا اشترى على الكيل ثم أراد تصديقه في كيله فذلك جائز، ثم إن بدا له أن يرجع إلى الكيل فليس له ذلك وقاله أصبغ.
م لأنه بتصديقه إياه رفع عنه مؤنة الكيل فليس له أن يرجع فيه إلا أن يشاء أن يكتاله هو لنفسه، فذلك له، وإن وجد نقصاناً فإن كان كثيراً رجع به.
قال ابن المواز: وإن لم يسم له معرفة كيله فأراد أن يسلمه له بما يتوخى من كيله لم يجز، لأنه أخذ طعاماً جزافاً من كيل وجب له.
قال أشهب ولو ابتاع الصبرة على الكيل فاستهلكها أجنبي قبل الكيل فيغرم القيمة للبائع ويفسخ البيع، وليس للمبتاع إلا الثمن إلا أن يقر المستهلك بعدد الكيل، فإن شاء بائعها أغرمه عدد من أقر به واستحلفه، وإلا فالقيمة ثم يخير المشتري فإن شاء أخذ الملكية التي أقر بها المستهلك، وإن شاء اشترى له بالقيمة طعاماً فاكتاله، وإن شاء فسخ البيع وأخذ الثمن، واستحب محمد قول ابن القاسم، وذكره بمثل ما تقدم في المدونة.
[الباب الرابع]
في تسلم الثمن أو المثمون في غير بلد التبايع وحكم سفر المدين
[فصل 1 - فيمن ابتاع سلعة من رجل أو طعاماً بدنانير أو دراهم
إلى أجل ببلد على أن يقبض الثمن والطعام ببلد آخر]
قال مالك رحمه الله: وإن ابتعت من رجل سلعة أو طعاماً بدنانير أو دراهم إلى أجل على أن توفيه الثمن ببلد آخر، فله إذا حل الأجل أن يأخذك بالثمن حيث ما وجدك.
قال في كتاب المرابحة: ولو لم يضرب للثمن أجلاً لم يجز، فإن ضرب أجلاً جاز سمى البلد أو لم يسمه.
قال في السلم: وأما إن أسلمت إليه في سلعة لا حمل لها ولا مؤنة مثل اللؤلؤة وشبهها وشرطت قبض ذلك ببلد آخر فليس لك أن تأخذه بذلك إلا في البلد الذي اشترطت أخذه فيه، لأن سعر ذلك مختلف [في البلدان] بخلاف العين.
قال في كتاب ابن المواز: وما أسلمت فيه من العروض على أن تأخذه ببلد آخر لم تحتج مع ذلك إلى ذكر الأجل.
م كأنه جعل غاية بعدها أجلاً.
قال ابن المواز: وإن ذكرت مع ذكر البلد أجلاً فسم أجلاً يبلغ في مثله إليه.
قال ابن أبي زمنين فيمن أسلم في طعام أو في غيره من العروض على أن يقبضه في بلد آخر لا يجوز إلا أن يضرب لقبض ذلك في البلد أجلاً أو يشترط أن يكون الخروج إليه حالاً فيكون بمنزلة الأجل.
م وهذا أحسن مما ذكره محمد.
قال ابن أبي زمنين وهذا إذا كان طريقها في البر، وأما إن كان في البحر فلا يجوز هذا؛ لأن السير في البحر ليس له وقت معروف.
[الفصل 2 - في قضاء المسلم فيه في غير بلد
التبايع بشرط أو بدونه]
ومن المدونة: قال وإن أسلمت إلى رجل في طعام ببلد على أن تأخذه في بلد آخر مسافته ثلاثة أيام -قال في كتاب محمد: أو يومين- جاز ذلك بخلاف البلد الواحد لاختلاف أسواق البلدان، وأما البلد الواحد فلا يختلف سوقه، في يومين أو ثلاثة وقد تقدم هذا.
قال مالك: وإن ابتعت طعاماً بعينه بالإسكندرية على أن يحمله لك إلى الفسطاط، فإن كان على أن يوفيكه بالفسطاط لم يصلح؛ لأنه شراء شيء
بعينه إلى أجل واشتراط ضمانه على البائع، وإن كنت تقبضه بالإسكندرية ويحمله لك إلى الفسطاط جاز؛ لأنه بيع وكراء في صفقة واحدة وذلك جائز.
قال: وإن أسلمت إليه في طعام على أن تقبضه بأفريقية وضربت لذلك أجلاً جاز وليس لك أخذه به بعد الأجل إلا بأفريقية بخلاف أن تقرضه طعاماً ببلد على أن يوفيكه ببلد آخر، هذا لا يجوز؛ لأنه ربح الحملان، فهو سلف جر نفعاً.
قال ابن القاسم: فإن أبى الذي عليه الطعام من سلم أن يخرج إلى أفريقية لما حل الأجل أو عند حلوله، جبر على الخروج أو يوكل من يوفيك الطعام بأفريقية.
قال أبو محمد: وكذلك إن بقي من الأجل مقدار مسافة البلد، جبر على الخروج أو الوكالة، قال مالك: وليس له أن يوفيك الطعام في غير أفريقية، وإن فات الأجل.
يريد لأن مسافة البلد هي كأجل أيضاً فكأنه قضاكه قبل الأجل، فلا يجوز أن ترضى بذلك إلا أن يكون مثل طعامك لا أجود ولا أردى فيجوز.
قال يحيى بن عمر عن أصبغ فيمن لك عليه طعام من قرض أو بيع فقضاك بغير البلد مثله، وقد حل فذلك جائز، ولا يجوز أدنى ولا أجود، وإن لم يحل لم يجز مثل ولا أدنى ولا أجود بغير البلد وكذلك قال ابن القاسم في كتاب محمد.
ولا يجوز أن يقضيك بغير البلد عرضاً أو طعاماً من بيع أو قرض قبل الأجل وإن كان مثل دينك سواء، ويجوز في البلد قبل الأجل مثله ويجوز في القرض أجود منه.
قال فيه وفي المجموعة ابن القاسم وأشهب: وكذلك من لك عليه دين من حيوان أو عرض إلى أجل فلقيته في غير البلد، فلا بأس أن تأخذه منه إذا رضيتما وحل الأجل، وكان كصفته لا أرفع ولا أدنى، قال أشهب: لأنه في الأرفع زيادة على رفع الضمان وفي الأدنى ضع وتعجل.
قال ابن القاسم: وإن لم يحل فلا تأخذ منه بغير البلد [لا] مثل ولا أدنى ولا أرفع ويدخله في أخذ مثله قبل الأجل بغير البلد ما يدخل في أربع وأدنى.
قال ابن عبدوس قال سحنون: ذلك جائز إذا كان مثل الصفة حل أو لم يحل.
م وهذا أجود وإن كان القياس ألا يجوز أن يقضيكه بغير البلد على حال؛ لأن البلدان بمنزلة الآجال فكأنه قضاكه قبل أجله وزادك حمله إلى غير البلد على أن أسقطت عنه ضمانه فلا يجوز وإن كان مثل دينك كقولهم إذا قضاكه قبل الأجل والله أعلم.
[فصل 3 - هل للدائن منع المدين من السفر عند قرب حلول الأجل]
ومن المدونة: قال مالك: ولك منع غريمك من بعيد السفر الذي يحل دينك قبل قدومه ولا يمنع من قريبه الذي يؤب منه قبل محل أجل دينك.
قال ابن أبي زمنين: وعليه أن يحلف أنه ما يريد الفرار من الحق الذي عليه وأنه ينوي الرجوع عند الأجل ليقضي ما عليه كذلك.
قال عيسى عن ابن القاسم قال بعض أصحابنا الفقهاء: وإنما يكون اليمين على المتهم بذلك.
[الباب الخامس]
في الاقتضاء من الطعام أو من ثمنه طعاماً
[الفصل 1 - عدم جواز الاقتضاء من ثمن الطعام
طعاماً قبل التقابض]
ولما كان الاقتضاء من ثمن الطعام طعاماً ذريعة إلى إجازة الطعام بالطعام إلى أجل، ويصير الثمن محللاً لم يجز، كالذرائع في بيوع الآجال، حماية لحمى الله عز وجل الذي حذر الرسول -صلى الله عليه وسلم- من المرتع حوله.
قال مالك في الموطأ: ونهى سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وأبو بكر بن محمد وابن شهاب أن يبيع الرجل حنطة بذهب إلى أجل ثم يبتاع بالذهب ثمراً قبل أن يقبض الذهب.
قال ابن المواز: كل ما خرج من يدك بمناجزة مما له مثل فلا تأخذ في ثمنه إلا ما كان يجوز لك أن تعبيه به إلا أجل ولا يدخل ذلك في القرض الذي
ليس على متاجره.
قال ابن القاسم: ولا يدخل ذلك في الثياب في المتاجرة ولا فيما لا يجب فيه إلا القيمة في التعدي.
مثل أن لو بعته ثوباً فرقيباً بدينارين إلى شهر ثم اشتريت منه قبل الأجل ثوباً فرقيباً مثل صفة ثوبك بدينار نقداً لم يكن به بأس وهي مبايعة ثانية، كما لو بعته من غيره، وكذلك لو أخذت بدينار مما لك عليه لم يكن به بأس.
م انظر لما لا يدخله ثوب بثوب ودينار إلى أجل، والصواب في هذا أن كل ما خرج من يدك بمتاجرة فلا تأخذ في ثمنه إلا ما يجوز أن تسلمه فيه كان مماله مثل أو قيمة إلا أن تأخذ مثله سواء فيعد إقالة أو قرضاً.
[فصل 2 - من عليه مئة دينار مؤجلة قيمة مئة إردب
فله أن يقضي بمئة إردب مثلها لا أقل]
ومن المدونة: قال مالك: وإن بعت من رجل مئة إردب سمراء بمئة دينار إلى أجل، فلما حل أخذت منه بالثمن مئة إردب سمراء جاز ذلك كالإقالة وإن أخذت به خمسين لم يجز، وأخاف أن تكون الخمسون ثمناً للمئة أو تكون
مائة إردب سمراء بخمسين سمراء إلى أجل.
قال ابن المواز: وقد أجاز مالك مرة أن تأخذ بذلك الثمن أقل كيلاً من طعامه الذي باعه ثم اتقاه بعد ذلك.
وقال ابن القاسم لا يعجبني أن تأخذ إلا مثل كيل حنطتك.
وصفتها بمثل الثمن أو أكثر منه ولا يجوز بأقل منه، فيدخله سلف جر منفعة.
وقال ابن القاسم في المستخرجة: استثقل مالك أن يأخذ أقل من مكيلته وهو سهل ولو قاله قائل لم أره خطأ ولم أر به بأساً، وأجازه أشهب.
ومن المدونة: قال مالك: ولا تأخذ خمسين إردباً سمراء من نصف الثمن فيصير بيعاً وسلفاً.
قال: ولا تأخذ بالمائة دينار محمولة أو شعيراً أو سلتاً حل الأجل أم لا، كما لو بعت برنياً فلا تأخذ في ثمنه عجوة أو صيحانياً، ويجوز أن تأخذ برنياً مثل كيله وصفته.
قال: وأما من له عليه مئة إردب سمراء إلى أجل فلما حل الأجل أخذ منه خمسين محمولة، حطه ما بقي فإن كان ذلك بمعنى الصلح والتبايع لم يجز، وإن كان ذلك اقتضاء من خمسين منها ثم حطه بعد ذلك ما بقي بغير شرط جاز.
قال ابن القاسم: وكذلك في أخذه خمسين سمراء من مئة محمولة وحطه ما بقي.
قال سحنون إنما المراعاة في أخذه السمراء من المحمولة.
قال ابن القاسم: ولو صالحه بعد الأجل من المئة السمراء على مئة إردب محمولة إلى شهر، لم يجز إلا أن يصالحه على أن يقبضها منه يداً بيد، فيجوز لأنه بدل.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن أخذت بثمن طعامك كفيلاً فغرم ذلك الثمن بعد محله، فلا بأس أن يأخذ هو في ذلك من غريمك طعاماً من صنف طعامك أو أقل أو أكثر أو من غير صنفه، وكذلك لو تبرع رجل وودى الثمن بغير حمالة فلا بأس أن يأخذ فيه طعاماً مثل ما ذكرناه.
وكذلك في الواضحة وغيرها.
قال ابن حبيب: ومن وكلته على قبض ثمن طعام فقبض الثمن فأكله فلك أن تأخذ منه فيه طعاماً.
قال: من ابتاع بدرهم لحماً أو طعاماً، فوجد درهمه ناقصاً فقال للبائع: خذ بما نقص من اللحم لم يجز، ودخله أربعة أوجه: بيعه قبل قبضه والثاني: الأخذ من ثمن الطعام طعاماً، والثالث التفاضل بين
الفضتين والرابع: التفاضل بين الطعامين.
م وبيان قوله في ذلك؛ فأنه باع ما يخص بعض الدراهم من اللحم قبل قبضه، وأما الأخذ من ثمن الطعام طعاماً؛ فلأنه وجب له عليه من ثمن اللحم درهماً فأعطاه فيه درهماً ناقصاً ولحماً فقد أخذ لحماً وفضة من ثمن لحم، وأما التفاضل بين الفضتين فلأنه باع درهماً وازناً وجب له بدرهم ناقص ولحم، وأما التفاضل بين الطعامين، فلأن الآخر اشترى لحماً بدرهم ناقص ولحم أنقص من اللحم الذي اشترى.
م وهذه كمسألة ابن المسيب في الذي ابتاع طعاماً بدينار ونصف درهم، وفي كتاب الصرف إيعاب شرحها.
قال ابن حبيب: ولو كان غير الطعام دخله الفضل بين الفضتين وكذلك لو رد فلوساً، ولو كان هذا بعد قبض الطعام دخله كل ما تقدم إلا بيعه قبل قبضه.
م وقول ابن حبيب في صدر المسألة ويدخله الأخذ من ثمن
الطعام طعاماً، قال فيه ابن المواز: لا يدخل ذلك فيما كان قبل التفرق.
وقال أبو محمد: إذا لم يفترقا فالإقالة من بعضه جائزة، ولا يدخله الأخذ من ثمن الطعام طعاماً ولكن إذا كان الدرهم قائماً دخله ما ذكر من التفاضل.
م لأنه يصير قد أخذ درهماً ناقصاً ولحماً من درهم وازن، وقد قال ابن المواز: فإن بعت طعاماً فلك أن تأخذ في ثمنه قبل تفرقكما طعاماً يخالفه إن كان اكتال الطعام وإلا فليكله.
م لأن العلة في منع الأخذ من ثمن الطعام طعاماً الذريعة إلى بيع الطعام بالطعام إلى أجل، فإذا أخذ من ثمن الطعام طعاماً يخالفه قبل أن يفترقا أمن فيه من بيع الطعام بالطعام إلى أجل، فوجب أن يجوز، لأنك إن قدرت أن الطعام الثاني ثمن للأول أو لقيمته جاز.
[فصل 3 - فيمن ابتاع حنطة بدينار وازن فأعطاه ديناراً ناقصاً
والمقاصة والمصالحة في بيع الطعام]
م ولمالك في العتبية فيمن ابتاع حنطة بدينار وازن فأعطاه ديناراً ناقصا ورد عليه من الحنطة، فلا ينبغي ذلك إذا ثبت البيع بوازن، ولو ثبت بناقص، فلا يعطيه وازناً ويأخذ فضل شيء من الأشياء، فأما إن لم يثبت البيع إلا مراوضة فلا بأس به.
وقال قبل هذا في الباب بنفسه فيمن ابتاع بدرهم كيلاً شيئاً، فيدفع الدرهم فيجده ينقص حبتين، فقال للبائع أعطني بما فيه، وحاسبني بقدر نقصه.
قال مالك: لا بأس بذلك إنما هذه بمنزلة رجل اشترى حنطة بدرهمين ثم قال له بعد ذلك: اعطني بدرهم وأقلني من درهم قلت: بعد الوجوب قال نعم، قال: كأنه حمله على المساومة، وفيه تفسير من البيع.
م وفي كتاب الصرف في شرح مسألة ابن المسيب إيعاب هذا.
قال ابن المواز: وإن بعت بدينار قمحاً من رجل ثم جئته فابتعت منه بدينار تمراً فأراد بعد ذلك مقاصتك؟ قال مالك: لا أحبه، وليرد الثمر الذي اشتراه.
قال ابن القاسم: بل يؤدي دينار التمر ويأخذ منه ثمن قمحه وإن رد إليه
ذلك الدينار بعينه، كما لا تستعمل غريمك بدينك عليه، ولكن تستعمله بدينار تدفعه إليه ثم يقضيك إياه.
قال ابن حبيب: ومن استهلك لرجل زرعاً استحصد أو لم يستحصد أو طعاماً جزافاً، جاز إن يصالحه من الطعام بما شاء من صنفه وغير صنفه وبما شاء من عرض نقداً كله، وهذا إن كان الاستهلاك معروفاً أو بحريق ظاهر أو بغيره، وإن كان بالغيبة عليه والانتقال له لم يجز صلحه على طعام.
ومن باع طعاماً بثمن مؤجل فلا يأخذ به جبحا فيه نحل، إذ لا يخلو من عسل إلا أن يكون فيه عسل تغتذيه فلا بأس بذلك.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: قال مالك: ولا بأس أن يأخذ الرجل النوى والقضب والتين من ثمن الطعام وكذلك في سماع أشهب عن مالك.
[الباب السادس]
في بيع الطعام بالطعام إلى أجل وما دخل في ذلك من بيع الثمار بالطعام أو التمر بالبسر
[الفصل 1 - الطعام إذا كان مكيلاً لا يجوز بيعه بجنسه إلا متساوياً
ويداً بيد وأدلة ذلك]
ومما بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الربا في بيع الطعام بالطعام قوله: «إنما الربا في النسيئة» وقوله «البر بالبر رباً إلا هاء وهاء والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء» وذكر الملح في حديث آخر فجرى الطعام كله عند العلماء في تحريم جنس بخلافه إلى أجل هذا المجرى وحرم، كما حرم بالسنة الذهب بالفضة إلى أجل.
قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا تباع الحنطة بالحنطة ولا التمر بالتمر ولا الزبيب ولا الحنطة بالزبيب ولا شيء من الطعام كله والإدام كله إلا يداً بيد، فإن دخل ذلك كله شيء من الأجل لم يصلح وكان حراماً.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة يجوز أن يفترقا من غير قبض ودليله قوله -صلى الله عليه وسلم- «إنما الربا في النسيئة» وقوله «البر بالبر والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء».
م ولما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي قتادة وغيره «ولا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير إلا يداً بيد»، وقال في حديث آخر «الذهب بالورق رباً إلا هاء وهاء» دل أن القمح بخلافه إلا أجل مجرى الذهب بالفضة إلى أجل، وهذا مجتمع عليه من علماء دار الوحي.
[الفصل 2 - في بيع التمر على رؤوس النخل بالحنطة أو بعرض]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بشراء التمر والرطب والبسر في رؤوس النخل بحنطة نقداً إن جد ما في رؤوس النخل وتقابضا قبل التفرق وإلا لم يجز؛ لأنه طعام بطعام إلى أجل.
قال ابن القاسم: ولو اشتراه بعين أو عرض مؤجل وتفرقا قبل أن تجد ما في النخل جاز -وليس هذا ديناً بدين- لأن الثمار إذا طابت حل بيعها بنقد أو دين -لأنها معينة- ولا يمنع مشتريها بخلاف بيعها بالطعام.
وقد سئل مالك عمن كان يبيع الزيت والخل والسمن فباع ذلك بحنطة فاكتالها على باب حانوته، ودخل الحانوت لإخراج ذلك، فقال مالك: ما يعجبني، ولكن يدع الحنطة عند صاحبها ثم يخرج ذلك، ويأخذ ويعطي كالصرف -فالذي اشترى تمراً بحنطة أشد من هذا، وهو مما لا اختلاف فيه أنه غير جائز- ولا خير في بيع حنطة حاضرة بتمر أو شعير غائب في دار صاحبك يبعث فيه أو هما جميعاً غائبان، وإن تقابضتما قبل التفرق إلا أن يكون ذلك كله حاضراً فيجوز.
[فصل 3 - في بيع الرطب بالتمر والرطب باليابس والرطب بالرطب]
ونهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الرطب بالتمر لما يدخله من التفاضل والمزابنة وهي المخاطرة، وكذلك رطب كل شيء من الثمار بيابسه من صنف واحد لا يجوز مثلاً بمثل ولا متفاضلاً.
قاله مالك في غير المدونة.
قال ابن القاسم في العتبية: لا يباع شيء من الثمر رطبه بيابسه كان مما يدخل أو لا يدخر كان مما يجوز فيه التفاضل أم لا، لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الرطب باليابس، وروى عنه أبو زيد في التفاح الأخضر بالمقدد، لا بأس إذا تبين الفضل في أحدهما.
قال أبو عمران: وما وقع لهم مجملاً أنه لا يجوز يرد إلا هذا لزوال الحظر إذا تبين الفضل كثيراً، وهو معنى الحديث، فأما ما لا يجوز فيه التفاضل فيدخله الوجهان: المزابنة والتفاضل؛ لأن الرطب ينقص إذا يبس، فيدخله التفاضل، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبادل الجمع بالتمر الجنيب متفاضلاً.
قال عبد الوهاب: وإنما منعنا من بيع الرطب بالتمر خلافاً لأبي حنيفة لقوله -صلى الله عليه وسلم-، وقد سئل عن ذلك أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم قال (فلا إذاً) وروى فنهى عن ذلك
وروى «لا تبايعوا التمر بالتمر» وأنه نهى -صلى الله عليه وسلم- عن المزابنة والمزابنة بيع التمر بالرطب، فأن المماثلة شرط فيه، وهي معدومة في التمر بالرطب، لأن الرطب غير مقتات كالتمر، فأما الرطب بالرطب فيجوز عندنا خلافاً للشافعي وعبد الملك.
ودليلنا قوله -صلى الله عليه وسلم- «لا تبايعوا التمر بالتمر حتى يبدو صلاحها»؛ ولأنها ثمرة بيعت بمثلها وهما على حال متساو فجاز، أصله التمر بالتمر، ولأن كل جنس جاز بيع بعضه ببعض في حال جفافهما جاز في حال رطوبتهما كالبر بالبر.
[فصل 4 - في بيع التمر بالرطب أو بالبلح أو بالتمر أو بالبسر]
ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: ولا يجوز بيع تمر برطب أو ببسر أو بكبير البلح، ولا كبير البلح برطب أو ببسر، ولا بسر برطب على حال لا متفاضلاً ولا متماثلاً، قال: ولا بأس بالتمر بالتمر والرطب بالرطب والبسر وبالبسر والبلح الكبير بالبلح الكبير مثلاً بمثل يداً بيد، ولا يجوز متفاضلاً.
قال: ويجوز التفاضل في صغير البلح بكبيره أو ببسر أو برطب أو بتمر يداً بيد -لأن صغير البلح علف لا طعام.
م إنما اشترط فيه يداً بيد يعني إذا كان في شجرة إذ لا يجوز بقاؤه، وإنما يجوز على الجد، ولو كان مجدوداً جاز أن يسلم في رطب أو بسر أو تمر بصفة معلومة إلى أجل معلوم، وقاله بعض شيوخنا القرويين وذلك بين؛ لأن البلح الصغير ليس بطعام.
ومن المدونة: قال في موضع آخر: ويجوز بطعام إلى أجل على أن يجده مكانه.
[فصل 5 - بيع النوى بالتمر أو بالطعام وبيع الطلع بالطلع
أو الجنان بالجنان وشجرة الخوخ بالخوخ]
قال ابن القاسم: واختلف قول مالك في النوى بالتمر فمرة أجازه ومرة لم يجزه.
م لأن التمر فيه النوى، فيدخله المزابنة، وليس ذلك من باب الطعام بالطعام؛ لأن النوى ليس بطعام وإن أكل في حال الاضطرار، وقاله القاضي إسماعيل في كتاب المبسوط.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا أرى أنا به باساً يداً بيداً أو إلى أجل.
[قال] ابن المواز: ما لم يكن حشفاً.
قال ابن القاسم: ولم يختلف قول مالك في إجازة النوى بالطعام إلى أجل.
ومن كتاب ابن المواز: ولا بأس بالطلع بالطلع متفاضلاً وكصغير البلح وكذلك الجمار، والطلع طعام فلا يصلح بالطعام إلا يدا ًبيد.
قال مالك: فلا يجوز جنان بجنان مثله وفيهما طلع أو بلح، [قال] ابن المواز فإن شرط جد البلح لم يجز أيضاً حتى يتبين فيه الفضل -يريد والبلح صغير- فيجوز وإن شرطا أن يجد أحدهما ما صار له جاز ذلك.
قال ابن القاسم: وكذلك إن لم يكن في أحدهما شيء.
قال أشهب في شجرة خوخ يمثلها، وفيهما خوخ، بأن كان يجد كل واحد منهما ما صار له قبل التفرق جاز إن تبين الفضل بين الخوخين وإلا لم يجز ذلك.
[الباب السابع]
في بيع اللحم بالحيوان والشاة وغيرها بالطعام أو بما يخرج منها
[الفصل 1 - في بيع اللحم بالحيوان] ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بيع اللحم بالحيوان، رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن ابن المسيب عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال أبو الزناد: وكان ذلك يكتب في عهود العمال في زمان أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل ينهون عن ذلك.
ومن المدونة قال مالك: ومحمل النهي في ذلك إنما هو في الصنف الواحد لموضع التفاضل فيه والمزابنة، فذوات الأربع الإبل والبقر والغنم الوحش كلها صنف واحد لا يجوز فيه التفاضل في لحومها وشحومها ولا حي منها بمذبوح.
قال: والطير كلها صغيرها وكبيرها وحشيشها وأنسيها صنف واحد لا يجوز التفاضل في لحومها ولا حي منها بمذبوح.
قال: ولحم الحوت كله صغيره وكبيره صنف واحد لا يجوز التفاضل فيه.
قال: فيجوز لحم الطير بحي من الأنعام والوحش، قال: ويجوز لحم الأنعام والوحش والحوت بالطير كلها أحياء نقداً أو إلى أجل.
قال: وما كان من الطير والأنعام والوحش لا يحيى وشأنه الذبح فلا خير فيه بالحوت ولا بلحم من غير صنفه إلا يداً بيد، ولا يجوز إلى أجل.
قال: وما كان من ذلك يستحيا فلا بأس به بلحم الحوت إلى أجل، قال: وكل ما كان من اللحم يجوز فيه التفاضل فجائز فيه الحي بالمذبوح.
قال: ومن أراد ذبح عناق كريمة أو حمام أو دجاج فأبدلها منه رجل بكبش وهوي علم أنه أراد ذبح ذلك، فذلك جائز، وأما المدقوق العنق أو الصلب أو الشارف وشبه ذلك مما يصير إلى الذبح ولا منفعة فيه إلا اللحم فلا أحب شيئاً منها، وإن عاش بطعام إلى أجل ولا بلحم من صنفه يداً بيد.
م أعرفه أنه جعلها لحماً مع الطعام، وحياً مع اللحم احتياطاً، وكذلك قال مالك فيمن اشترى شاة يريد ذبحها بطعام إلى أجل، فإن كانت حية صحيحة مثلها يقتنى وليست بشاة لحم جاز، وإن كانت شاة لحم فلا خير فيه إلى أجل.
ومن كتاب ابن المواز: وكره مالك وابن القاسم الشارف والمكسور من الأنعام باللحم، ثم أجازه مالك وخففه أصبغ.
[قال] ابن المواز: ولا خير فيه، وبيعه باللحم أكره منه بالحي.
[الفصل 2 - في بيع الحيوان بالطعام]
ومن العتبية: قال ابن القاسم: فلا يجوز بيع الكبش الخصي بالطعام إلا أجل إلا أن يكون كبشاً يقتنى لصوفه.
قال مالك: وأما التيس الخصي بالطعام إلا أجل فلا يحل؛ لأنه لا يقتني لصوفه وإنما هو للذبح.
[قال] ابن المواز: وأجازه أشهب وأصبغ كانت فيهما منافع أو لم تكن، فليس الخصي كاللحم بخلاف الشارف والكسير.
قال مالك: وليس كل شارف سواء وإنما لك في الذي قد شارف الموت، فأما شارف يقبل ويدبر ويرتع فلا.
قال ابن القاسم: ومن ذبح له رجل شاة، لم أحب له أن يأخذ منه بقيمتها لحماً ولا شاة حية.
فأراه يريد وهي قائمة لم تفت بعد لأنها إذا كانت قائمة فقد وجب له أخذها أو قيمتها، فإن أخذ فيها شاة حية فقد أخذ حية عن مذبوحة