الطهارة أسقطت حكم الجنابة، وصار الحكم لها.
والله اعلم.
قيل لأبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي،: فإن طرأت الجنابة على الحيضة باحتلام أو وطئ ثم تغتسل بعد طهرها من الحيضة تنوي الجنابة هل يدخلها القولان المتقدمان؟ قال: لا يدخلها ذلك، ولا يجزئها غسلها؛ لأنها حائض كانت قبل الجنابة وبعدها فلا حكم للجنابة أطارئة على الحيضة.
والصواب عندي أن يجزئها غسلها؛ لأن الجناب والحيض أمران يوجبان اغسل متى انفردا، وذلك فرض فيهما فسواء طرأت جنابة على الحيض أو حيض على جنابة، كالغائط والبول كل واحد منهما يوجب الوضوء للفرض فلو طرأ البول على الغائط، ثم توضأ ينوي به من البول لأجزأه، وإن كان متغوطا قبل البول أو بعده، فكذلك طريان الجنابة على الحيض، والله اعلم.
فصل -16 -: [النية في الغسل].
قال عيسى عن ابن القاسم: في من تطهر ينوي أن كان إصابته / جنابة نسيها فهذا لها، ثم ذكر أنه كان جانباً فلا يجزئه.
وقال عيسى: يجزئه.
ومن المدونة قال مالك: ولا وضوء، ولا غسل إلا بنية، وقاله علي بن
أبي طالب رضي الله عنه.
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات)) وقد تقدم هذا.
قال مالك: ومن اغتسل لتبرد، أو لتنظف، أو لجمعه لم يجزئه عن غسل الجنابة حتى ينويه، كمن صلى نافلة فلا يجزئه عن فريضة، وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم واصبغ.
وذكر ابن حبيب عن جماعة من أصحاب مالك أن غسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة، وإن لم ينوها.
ورووه عن مالك، كمن توضأ لنافلة فله أن يصلي به فريضة.
وما احتج به ابن حبيب فلا يلزم ابن القاسم؛ لأن الوضوء للنافلة واجب، إذ لا تجوز صلاة نافلة أو فريضة إلا بوضوء يقصد به رفع الحدث، فهو للنافلة والفريضة سواء، وغسل الجمعة سنة، ولا يجزئ عن فريضة.
قال ابن حبيب: واجمع مالك وأصحابه أنه أن تطهر للجنابة لا ينوي به الجمعة أنه لا يجزئه عن الجمعة؛ لأن الجمعة لا تكون إلا بنية.
ويقال لابن حبيب: فالجنابة أيضاً لابد لها من النية، فكيف
تجزئ السنة من الفرض، ولا يجزئ الفرض من السنة؟.
فإن قيل: فإن غسل الجمعة واجب على الطاهر فلا تجزئ منه غسل الجنابة.
قيل: إنما يجب على طاهر لم يغتسل في وقتها، فأما المغتسل في وقتها المنظف حينئذ فلا يجب ذلك عليه؛ لأن أصل غسل الجمعة التنظف، وذلك موجود في المغتسل للجنابة حينئذ.
وقد قال محمد بن عبد الحكم في غير الواضحة: يجزئ غسل الجنابة من غسل الجمعة، وإن لم ينوها، وهو الصواب.
فصل -17 -: [لا صلاة إلا بوضوء يقصد به رفع الحدث]
ومن المدونة قال مالك: ومن توضأ لنافلة، أو لقراءة مصحف، أو ليكون على طهر أجزاه، ومن توضأ لحر يجده، ولا ينوي به غيره لم يجزئه لصلاة نافلة، ولا فريضة، ولا من مصحف.
وذكر بعض البغداديين: أن كل من توضأ لما يصح فعله بغير طهارة مثل: قراءة القرآن ظاهراً، والدخول على السلطان ونحوه فلا يصلى به؛ لأنه غير قاصد لرفع الحدث، وأنما تجوز صلاته إذا توضأ لما لا يصح فعله إلا بطهارة؛ لأنه قاصد لرفع الحدث.
قال ابن القاسم: ومن بقيت رجلاه من وضوئه فخاض بهما نهراً، فدلكهما فيه بيده، ولم ينو تمام وضوئه لم يجزئه حتى ينويه.
ومعنا: أن كان نسي غسل رجليه فظن أنه أكمله فلذلك احتاج إلي تجديد النية.
فأما لو توضأ بقرب النهر، ثم دخل النهر فغسل رجليه فيه لأجزأه هذا، وإن لم ينو به تمام وضوئه، إذ ليس عليه تجديد نية لكل عضو يغسله، قاله غير واحد من فقهائها.
[فصل -18 -: في وقت النية في الغسل من الجنابة]
قال أبو إسحاق: والغسل من الجنابة يحتاج إلي نية عند الغسل، أو قريباً منه، ولا يضره اختلاسها في خلال الغسل ولا قبل الغسل إذا كان الأمر قريباً.
وقد قال ابن القاسم في الذي دخل الحمام لغسل جنابته فنسي ذلك وقت الغسل أنه يجزئه.
وقال سحنون: لا يجزئه، بخلاف ما لو ذهب إلي بحر أو نهر يغتسل فنسي النية عند الغسل فذلك يجزئه بخلاف الحمام.
فإذا قرب الغسل، ولم يشتغل لمعنى أخر أجزأه الغسل، وكذلك ينبغي للصلاة.
وقد قال عبد الوهاب في الصلاة: أن النية لابد أن تكون عند الإحرام /، وقد نقول: وهكذا يجب في الطهارة، أو نفرق بينهما لاختلاف الناس في الطهارة، أنها لا تحتاج إلي نية.
[باب -16 -] في وضوء الجنب قبل أن ينام ومروره في المسجد
.
[فصل -1 -: وضوء الجنب قبل أن ينام]
قال ابن وَهْب: وهو في الموطأ والبخاري أيضاً، ((كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينام، وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام، وأمر بذلك عمر وأبا سعيد الخدري))
قالت عائشة وغيرها: ((وإذا أراد أن يطعم غسل كفيه فقط)).
وفي الموطأ: ((وكان ابن عمر إذا أراد أن ينام أو يطعم، وهو جنب غسل
وجهه، ويديه إلي المرفقين، ومسح برأسه، ثم طعم أو نام))
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا ينام الجنب في ليل أو نهار حتى يتوضأ جميع وضوئه للصلاة، ولا بأس أن تنام الحائض قبل / أن تتوضأ.
والفرق بين الجنب والحائض: أن الله تعالى إنما اوجب الوضوء على كل محدث أراد الصلاة؛ بقوله سبحانه: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {الآية، فكان الأصل أن لا وضوء على جنب أو حائض أراد النوم، فخصت السنة الجنب بالوضوء، وبقى ما سواه على أصله.
ومن طريق المعنى: أن الجنب يملك رفع الجنابة، فأمر بالوضوء عساه ينشط ليتطهر فيبيت على كمال الطهارة، فإن لقي الله تعالى في منامه لقيه طاهراً، والحائض لا تملك رفع حيضتها، فافترقا.
قال ابن الجهم: إنما آمر الجنب بالوضوء قبل أن ينام؛ لأنه كان حقه أن لا ينام حتى يغتسل فرخص له في اخف الطهارتين بتيسير النبي - صلى الله عليه وسلم - له ذلك، خوفاً أن يدركه الموت فيه وهو جنب ولم ينل شيئاً من الطهارة.
وروي عن مالك أن ذلك الوضوء ليس بواجب.
ابن مزين: وروي في ذلك بعض الرخصة.
وذكر ابن قتيبة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينام وهو جنب، وذكر حديثاً آخر: أنه عليه السلام كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء، ثم قال:
وهذا كله جائز، وأنما فعل هذا مرة؛ ليدل هلي الفضيلة، ومرة ليدل على الرخصة، فمن شاء أخذ بالرخصة أو بالفضيلة.
وقال ابن حبيب: محمل ذلك عندنا أن الماء لم يحضره، وانه كان تيمم.
فصل -2 -: [فيما يجوز فعله للجنب قبل الوضوء]
ومن المدونة قال مالك: وللجنب أن يعاود أهله قبل أن يتوضأ - يريد بأهله امرأته التي كان وطئها أو جاريته- فأما أن يطأ زوجة له أخرى فيكره له
أن يصيب امرأة في يوم الأخرى.
وأما أن يصيب جاريته، ثم يصيب الأخرى قبل أن يغتسل فلا بأس بذلك.
قاله مالك في الموطأ.
ومن المدونة قال مالك: وله أن يأكل قبل أن يتوضأ إذا اغسل يديه من الأذى.
قال ابن حبيب: وإذا لم يجد الجنب الماء فلا ينام حتى يتيمم، وروي ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ربما بات جنباً لا يمس ماء)).
ومحمله عندنا أن الماء لم يحضره، وانه كان تيمم.
وإذا توضأ الجنب للنوم، ثم بال أو خرج منه بقية مني فلا يعيد الوضوء، وقاله مالك.
قال مالك في المجموعة: فإن نام الجنب، ولم يتوضأ فليستغفر الله تعالى، ولا يعود.
فصل -3 -: [حكم دخول الجنب المسجد].
ومن المدونة قال مالك: ولا يعجبني دخول الجنب المسجد عابر سبيل.
ولا غيره، ولا بأس أن يمر فيه، ويقعد من كان على غير وضوء.
وقال زيد بن اسلم: لا بأس أن يمر الجنب في المسجد عابر سبيل، وتأول زيد في ذلك قول الله تعالى: {وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ {، وتأول زيد قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ {، أي: مواضع الصلاة، كما قال تعالى: {وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ {يريد أهلها.
وذهب مالك في تأويل الآية إلي ما روي عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه ((أن معنى قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى {أي: لا تفعلوا في حال السكر صلاة، ولا تفعلوها وانتم جنباً، إلا عابري سبيل، أي: وانتم مسافرون بالتيمم)).
وقد روي عن عائشة رضى الله عنها أن الرسول عليه السلام قال: ((لا أحل المسجد لجنب ولا حائض)).
فهذا يؤيد ما قال مالك.
م وأما من ذكر في صلاته أنه جنب وهو في المسجد فليس من ذلك؛ لأنه مضطر إلي الخروج، بخلاف مبتدئ دخوله.
قال البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: ((أقيمت الصلاة، وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مصلاه، فذكر أنه جنب، فقال: لنا مكانكم فذهب فاغتسل، ثم خرج ألينا فصلى بنا))
استدل به البخاري: أن من نزل ذلك به يخرج، ولا يتيمم.
[باب 17 -] في وطئ المسافر والجريح أهله. ووطئ المسلم زوجته الكتابية/ قبل الغسل. وغسل من اسلم
.
[فصل -1 -: وطئ المسافر]
روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه وابن مسعود وغيرهما: ((كانوا يكرهون أن يجامع الرجل امرأته بمقازة، إلا أن يكون معه ماء))
قال ابن القاسم عن مالك: لا يطأ المسافر زوجته أو جاريته، إلا ومعهما من الماء ما يكفيهما جميعاً، كانا على وضوء أم لا، وليس كمن به شجة أو جرح لا يستطيع غسله بالماء هذا له أن يطأ ويمسح لطول أمره.
وإنما افترقت المسألتان؛ لافتراق السؤال، فمسألة المسافر هو عادم للماء فلا يطأ؛ لأنه ينتقل من طهارة بالماء إلي إباحة الصلاة بالتيمم، وهو في الأغلب يجد الماء عن قرب.
وصاحب الشجة هو واجد للماء، فينتقل من غسل موضع الشجة إلي المسح عليها، ويباح له ذلك لطول أمره.
ولو كان المسافر بموضع لا يجد الماء فيه، إلا بعد ليل طويل يحتاج فيه أهله، ويضربه في ترك الوطء جاز له أن يطأ ويصير حكمه حكم صاحب الشجة، وقاله ابن الماجشون.
ولو كان صاحب الشجة مسافراً غير واجد للماء، إلا أنه يجد الماء عن قرب لم يكن له أن يطأ ويكون حكمه حكم المسافر غير المشجوج.
[فصل -2 -: وطئ الجريح الذي عمت الجراح جسده ونحوه]
قال مال: والمجدور والمحصون والمجروح الذي عمت الجراح جسده أو جله يتيممون للجنابة والوضوء، وليس عليهم أن يغتسلوا أذا خافوا على أنفسهم؛ لقوله عز وجل: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ {، يعنى لا تستطيعون من الماء فتيمموا.
قال ابن حبيب: ولهم أن يطئوا نساءهم، لطول أمرهم، بخلاف مسافر عدم الماء.
ومن المدونة: واذا ظهرت امرأة من حيضتها وتيممت فلا يطأها زوجها حتى يكون معهما من الماء ما تطهر هي به من الحيضة، ثم ماء يتطهران به جميعاً
من الجنابة.
قال مال: وان كان معه من الماء ما يكفيه وحده فلا يجامعها.
وان كانا متوضئين فلا يقبل احدهما صاحبه، إلا أن يكون معهما من الماء ما يكفيهما للوضوء، ولا يدخلان على أنفسهما أكثر من حدث الوضوء.
فصل -3 -: [الزوجة الكتابية يجب عليها الغسل من الحيضة ولا يجب عليها من الجنابة]
ومن المدونة قال مالك: ولا يجبر المسلم زوجته الكتابية على الغسل من الجنابة؛ إذ له وطؤها كذلك، ويجبرها على الغسل من الحيضة إذ ليس له وطؤها كذلك حتى تغتسل، كالمسلمة على الوجهين.
قال ابن المواز: وهى من جملة الأزواج يريد قد دخلت في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ {.
قال أبو بكر القاضي: هذه الرواية اصح في المعنى من رواية أشهب.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجبرها في الحيضة على الاغتسال؛ لأنها لا
نية لها، ورواه أشهب عن مالك.
قال ابن شعبان: هذه الرواية هي الاختيار؛ لأنها ليست من التوابين، ولا من المتطهرين الذين يحبهم الله، فهي وان اغتسلت نجسة لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ {ولو اغتسلت للحيضة، ثم أسلمت مكانها لم يجزئها من غسل الإسلام؛ إذ لم تنوه.
فصل -4 -: [حكم غسل من اسلم]
ومن المدونة قال مالك: يؤمر من اسلم من المشركين بالغسل؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ {. فوجب عليهم الغسل أذا اسلموا ودخلوا في المخاطبين بالصلاة بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {.
وروى ابن وهب ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ثمامة بن أثال حين اسلم/ بالغسل، وقاله ابن القاسم، والنصراني عندي جنب فإذا اسلم اغتسل، وان اغتسل للإسلام وقد اجمع عليه أجزأه، وان لم ينو به الجنابة.
قال: فان لم يجد الماء فليتيمم للإسلام، وينو بتيممه الجنابة أيضاً، ثم أن وجد الماء اغتسل.
وقال ابن القاسم في العتبية: فان تيمم أو اغتسل للإسلام، ولم ينو به الجنابة أجزأه؛ لأنه أراد بذلك الطهر.
قال ابن القاسم: فان جهل فتوضأ فقط، ثم صلى فليعد أبدا.
وفى سماع ابن وهب: سئل مالك عن رجل اسلم هل يجب عليه الغسل، أو يكفيه الوضوء؟ فقال: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدا أذا اسلم بالغسل، وهكذا قال إسماعيل القاضي.
قال: وما روي عن قيس بن عاصم أنه لما اسلم أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغسل، وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلاً اسلم بالغسل بأحاديث غير قوية، والغسل أحسن احتياطاً لا إيجابا؛ لأنه أن كان جنباً في حال كفره، فالإسلام يجب ما قبله، وإنما يجب عليه الوضوء أذا اسلم؛ لان الصلاة لا تتم إلا به/.
[باب -18 -] في الإمام يصلي وهو جنب أو بغير قراءة
[فصل -1 -: في الإمام يصلى وهو جنب]
وقد صلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالناس وهو جنب، ثم قضى الصلاة وحده، ولم يأمرهم بالقضاء.
وروي مثله للنبي - صلى الله عليه وسلم -، زاد في الموطأ ((وان عمر أعاد الصبح بعد أن طلعت الشمس)).
قال مالك: وإذا صلى الجنب بالقوم ركعة أو ركعتين، وهو لا يعلم، ثم ذكر جنابته فليستخلف من يصلي بالقوم ما بقي من صلاته، وتتم صلاتهم، وان لم يقذر حتى فرغ فصلاة من خلفة تامة، ويعيد هو وحده، وان صلى بهم ذاكراً لجنابته فصلاتهم كلهم فاسدة، وكذلك أن ذكر في الصلاة فتمادى بهم جاهلاً أو مستحيياً فقد افسد عليهم.
قال ابن القاسم: كل إمام دخل عليه ما ينقض صلاته فتمادى بهم فان صلاته منتقضة، وعليهم أن يعيدوا متى علموا.
قال مالك: ومن علم بجنابته ممن خلفه والإمام ناس لجنابته، فتمادى معه في صلاته فاسدة ويعيدها أبدا.
قال سحنون: وإذا رأى المأموم في ثوب الإمام نجاسة، وهو يقربه فأخبره إشارة فليبين المخبر أذا لم يعمل بعد علمه عملاً، وإن كان بعيداً منه فلا بأس أن يخبره متكلماً، ويبتدئ المخبر الصلاة.
وقال ابن حبيب: يجزئه البناء، وان اخبره متكلماً.
فصل -2 -: [حكم صلاة الإمام بغير قراءة]
قال أبو بكر الأبهري: واذا ذكر الإمام بعد فراغه أنه لم يقرأ في جميع الصلاة فليعد الصلاة، هو ومن خلفه أبدا، بخلاف من ذكر بأنه كان جنباً، أو غير متوضئ.
والفرق بينهما أن القراءة هي من نفس الصلاة، والوضوء والغسل ليس من نفس الصلاة، وأيضاً فان القراءة يحملها الإمام عن المأمومين، فإذا تركها افسد عليهم، والوضوء لا يحمله عنهم، هذا معنى كلام الأبهري دون لفظه.
وأيضاً فان الأصل كان أذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة من خلفه، فخرج بالسنة من ذكر أنه كان محدثاً، وبقى ما سواه على أصله.
فصل -3 -: [حكم من رأى في ثوبه جنابة بعد الصلاة]
ومن المدونة قال مالك: ومن صلى ثم خرج لحاجته فرأي في ثوبه جنابة، لم يذهب لحاجته، ورجع، واغتسل، وغسل ما أصاب ثوبه، وأعاد الصلاة، يريد أذا / كان في ضيق من الوقت.
قال في المجموعة وغيرها في من وجد في ثوبه احتلاماً لا يدري متى كان: فانه يغتسل، ويغسل ما رأى في ثوبه، وينضح ما لم ير، ويعيد ما صلى من احدث نوم نام فيه، وكذلك قال مالك في الموطأ، قال: وذلك أن عمر بن الخطاب أعاد ما كان صلى لأخر نوم نام فيه، ولم يعد ما قبل ذلك.
قال سحنون في المجموعة: فان كان غيره نام قبله فيه فلا شيء على الأول.
قال مالك: وان كان لابسه لا ينزعه أعاد من أول نوم نام فيه.
قال ابن القاسم: في امرأة رأت في ثوبها دم حيض، وقد لبسته نقياً، ولا تدري متى حاضت، وهل حاضت أم لا؟ فان كانت لا تنزعه، ويلي جسدها اغتسلت، وصلت من يوم لبسته، وتعيد الصوم الواجب.
قال أبو محمد: يريد ما لم تجاوز أقصى أيام الحيض، وان كانت تنزعه
وتلبسه أعادت من احدث لبسة لبسته.
قال ابن حبيب في الصوم: إنما تعيد يوماً واحداً؛ لأنه دم حيض انقطع مكانه فصارت كالجنب يصوم وهو جنب.
إنما قال: يعيد الرجل من احدث نوم نام فيه؛ لأنه كان ينزعه ويلبسه، ولم ير فيه شيئاً، فلما رآه الآن علمنا أنه من نومه الآخر، واذا كان متمادياً على لبسه والجنابة في موضع تخفي رؤيته عليه - وهو عليه- وجب عليه أن يعيد من أول نوم نام فيه؛ لأنه صار في حال الشك في الجنابة من ذلك الحين فبنى أمره على الاحتياط، وكذلك الحجة في التي رأت دم الحيض.
ووجه قول ابن القاسم: ويعيد الصوم؛ لأنه يمكن أن تكون تلك الحيضة بها أياما ولم تشعر بها.
ووجه قول ابن حبيب: أنها تعيد يوماً واحداً؛ لأنه دم حيض انقطع مكانه فصارت كالجنب، وهو أبين عندي؛ لأنه لو كان دم بها يا لشعرت به، ولظهر ثوبها يقعاً وإنما كانت دفعة، ثم انقطعت، والله اعلم.
وسئل محمد بن عبد الحكم عن من صلى فوجد في ثوبه احتلاماً، وهو لا يدري متى احتلم فانه يغتسل من احدث نوم نام فيه، قيل له: وسواء كان لابساً له أبدا، أو المرة بعد المرة، قال: نعم هذا عندي سواء.
قيل له: فان ابن القاسم يفرق بينهما فقال: أن كانت في المجالس فهي ضعيفة.
قال بعض القرويين: قول ابن عبد الحكم هذا أقيس على مراعاة ما قال مالك
إذ بنى أمره بإعادة ما تيقن أنه عليه دون ما شك فيه.
ويجري في هذا الاختلاف في رؤية دم / الحيض.
ووجه هذا حديث عمر رضى الله عنه؛ لأنه إنما أعاد ما صلى لأحدث نومة نام فيه، ولم يعد ما قبل ذلك، ولان عليه يقيناً إعادة ما صلى من احدث نومة نام فيه سواء كان منه، أو من الذي قبله، وهو شاك فيما قبله؛ لأنه أن كان من الأحدث لم يلزمه ما قبله قمر بإعادة ما تيقن فيه دون ما شك فيه.
وقول مالك أولى؛ لأنه بني أمره على اليقين بإعادة ما شك فيه.
[باب-19 -] في الصلاة بثياب أهل الذمة أو بما نسجوه أو بثوب نجس أو حرير أو على موضع نجس أو في جسده نجاسة أو لغير القبلة أو من به حقن أو بوضوء واحد صلوات
/
قال مالك رحمه الله: ولا يصلي بما لبسه أهل الذمة من ثياب، أو خفاف حتى يغسل، يريد؛ لأنهم أنجاس لا يحتفظون من نجاسة.
قال: وما نسجوه فلا بأس به مضى الصالحون على هذا.
[فصل-1 -: حكم الصلاة بثياب أهل الذمة]
[فصل-2 -: الصلاة نجاسة أو عليها]
قال مالك: ومن صلى بثوب نجس، أو عليه، أو على موضع نجس، أو في جسده نجاسة، وهو لا يعلم أعاد في الوقت، ووقته في الظهر والعصر إلى إصفرار الشمس، فإذا اصفرت الشمس لم يعد، وفي المغرب والعشاء الليل كله.
م إنما قال في الظهر والعصر إلى إصفرار الشمس، وفي المغرب والعشاء الليل كله؛ لأن الإعادة في الوقت إنما هي على طريق الاستحباب، فأشبهت النوافل، فكما لا يتنفل إذا اصفرت الشمس، فكذلك لا يعيد فيه ما وجبت إعادته في الوقت، وكما جاز التنفل الليل فكذلك جازت الإعادة فيه.
قال ابن القاسم: وسواء كانت هذه النجاسة في موضع جبهته أو قدميه.
قيل له: فإن تيمم على موضع نجس قال: يعيد في الوقت، كمن صلى بثوب نجس، وكذلك من صلى إلى غير القبلة فإنه يعيد في الوقت.
م لأنك إنما تنقله في التيمم والقبلة من اجتهاد إلى اجتهاد إذ لا يقطع بحقيقة طهارة التراب، ولا القبلة، وذلك بخلاف المعاين للقبلة، وهذا تلزمه الإعادة أبداً.
[فصل-3 -: حكم الصلاة بثوب الحرير] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن معه ثوب نجس وثوب حرير فليصل بالثوب الحرير، ويعيد في الوقت إن وجد غيره؛ لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير.
قال ابن المواز وأصبغ: يصلي بالثوب النجس، ويعيد في الوقت إن وجد غيره، ولا يصلي بالحرير، ولو لم يجد إلا ثوب حرير فليصل عريانا أحب إلى.
م فوجه قول ابن القاسم: أن النجس غير مباح لأحد الصلاة به، والحرير مباح للنساء له، والصلاة به، وللرجال في الجهاد فهو أخف.
ووجه قول أصبغ: أن النجس مباح لبسه وإنما منع من الصلاة به، والحرير فغير مباح له، ولا الصلاة به فذلك واجب فيه، وترك الصلاة بالنجس سنة فوجب أن يكون أخف.
ومن المدونة قال ابن القاسم: والوقت في ذلك في الظهر والعصر الاصفرار، وفي العشائين الليل كله.
ولمالك قول ثان: أن الوقت في ذلك النهار كله ما لم تغرب الشمس.
م وهذا أبين؛ لأنه صلى به عامداً، فإن كان مضطراً إليه فهو أشد من الناسي، والله أعلم.
فصل-4 -: [حكم لبس الحرير]
قال ابن حبيب: وكره مالك العلم الحرير في الثوب، إلا الخط الرقيق،
وأبقى الخز ولم يحرمه لاختلاف الناس فيه.
قال ابن حبيب: أما الخز الذي سداه حرير فلم يختلف في إجازة لبسه، وقد لبسه خمسة عشر صاحباً، وخمسة عشر تابعاً قال: وما مزج من ثياب الحرير بكتان أو صوف فلباسه في الصلاة للرجل مكروه لاختلاف السلف في إجازة لبسه: أجازه ابن عباس وكرهه ابن عمر من غير تحريم.
قال مطرف: ورأيت على مالك ساج إبريسم كساه هارون الرشيد وكان يفتي هو وأصحابه بكراهية ذلك، ولم يكن عنده كالخز المحض.
قال ابن حبيب: وليس بين ثياب الخز والثياب التي قيامها حرير فرق، إلا الاتباع.
قال: لا بأس بالعلم الحرير، وإن عظم لم يختلف في الرخصة فيه، والصلاة به/ وأرخص النبي عليه السلام من علم الحرير في الثوب في الإصبع والإصبعين، ثم قال: وإن غلب فقس فثلاث إلى أربع، وأجاز ابن الماجشون لبس الحرير في الجهاد عند القتال، ويصلي به حينئذ، ورواه عن مالك وعن جماعة من الصحابة والتابعين.
فصل-5 -: [خكم الصلاة بالثوب النجس].
من المدونة قال/ مالك: ومن لم يكن معه إلا ثوب نجس صلى به، فإن وجد غيره، أو ما يغسله به أعاد في الوقت.
قال في سماع بن القاسم: ووقته في الظهر والعصر الغروب، وفي العشائين طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس.
قال أشهب في المجموعة: ولو لم يجد غلا ثوباً نجساً فصلى عرياناً
فليعد بذلك الثوب في الوقت، إن لم يجد غيره.
قال: ومن صلى بثوب نجس أعاد في الوقت.
وقال بعض أصحابنا: إنما يعيد في الوقت إذا ظن أن صلاته بالنجس لا تجزئه فصلى عرياناً، وأما إن علم أن عليه أن يصلى بالنجس فصلى عرياناً فهذا يعيد أبداً، والله أعلم.
قال في الاضحة: إذا صلى بالنجس عامداً وهو واجد ثوب طاهر أعاد أبداً.
م وهذا على اختلافهم في إزالة النجاسة، أهى سنة أم فرض؟ ويحتمل أن يعيد أبداً في قول من يرى أن إزالتها سنة لعبثه.
وقد أمر ابن عمر الذى صلى الفجر وفي ثوبه احتلاماً أن يعيد بعد الوقت، وليس في الحديث ما يدل أنه كان ساهياً، قاله الشيخ أبو الحسن.
قال ابن حبيب: ومن رأى في ثوبه نجاسة فهم بغسلها، ثم نسي حتى صلى فليعد في اوقت، ولو رآها في الصلاة فهم بالقطع، ثم نسي وأتمها فليعد أبداً.
وقيل عن مالك: وكذلك من ذكر في الوقت انه صلى بثوب نجس، ثم نسي أن يعيد حتى خرج الوقت فليعد أبداً.
وقاله مطرف وابن الماجشون، روياه عن مالك.
وقال ابن القاسم: ما لزمه إعادته في القت فنسي أن يعيد حتى خرج
الوقت فلا إعادة عليه، وبالأول أقول.
قال سحنون: ومن صلى بثوب نجس، أو بثوب حرير نجس إذا لم يجد غيره ثم وجد ثوب حرير طاهر فلا يعيد، إلا أن يجد غير حرير.
قال في الأقضية: من صلى بخاتم ذهب، أو بثوب حرير، وعليه ما يواريه غيره فإنه يعيد في الوقت.
قال أشهب في العتبية: لا إعادة عليه قال أشهب: ولو لم يكن عليه ما يستره أعاد في الوقت.
وقال ابن حبيب: إذا كان عليه غيره أجزأه، وقد أثم، وإذا لم يكن عيه غيره أعدا أبداً.
وقال ابن وهب في العتبية: من صلى بثوب حرير وهو واجد لغيره لم يعد في الوقت ولا غيره.
م فصار في من صلى بثوب حرير عامداً ثلاثة أقوال:
قول ابن وهب: لا إعادة عليه أصلاً، وأشهب يعيد في اوقت، وابن حبيب يعيد أبداً.
م فوجه قول ابن وهب الإعادة عليه في الوقت في الثوب النجس
يصلي به إذا كان الوقت قائماً أنها صلاة كاملة الفرض ناقصة السنة؛ لأن إزالة النجاسة سنة على القول الصحيح في المذهب، فأمر بإعادتها ليكمل فرضها وسنتها فإذا ذهب الوقت فلو كلف إعادتها كانت ناقصة الفرض، وهو الوقت كاملة السنة، والأولى أكمل منها، فلذلك أمر أن لا يعيدها بعد الوقت.
فصل-6 -: [وقت الضرورة للحائض ولمن أسلم]
ومن المدونة قال مالك: ووقت النصراني يسلم، والحائض تطهر، والمجنون يفيق، والمسافر يخرج أو يقدم النهار كله، والليل كله، وفي كتاب الصلاة إيعاب هذا.
فصل-7 -: [حكم الصلاة.
وهو يدافع الاخبثين]
قال مالك: ومن أصابه حقن أو قرقرة فإن كان خفيفاً فليصل به، وإن كان مما يشغله عن صلاته فلا يصلي حتى يقضي حاجته، ثم يتوضأ.
ابن وهب: وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)).
وقال في حديث آخر: ((لا يصلِّى بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان))، الغائط والبول.
قال عمر رضي الله عنه: ((لا يصلِى أحدكم، وهو ضام بين وركيه)).
وأن عمر قال: ((ما أبالى أن يكون في جانب ردائي إذا كنت مدافعاً له)).
قال ابن القاسم: وإذا/ أعجله في صلاته مما يشغله، وأحب إلى أن يعيد أبداً، وقاله مالك.
وقال ابن شعبان: إن من صلى بالحقن الذي يشغل مثله أجزاه، ولا يعيد.
وقد روي أن معاذاً صلى وراء النبي صلى الله عليه وسلم فوجد بولاً حتى كاد أن يشغله فلما انصرف ذكر ذلك له فقال: ((إذا وجد ذلك أحدكم فلينصرف حتى يبول))، ولم يأمره بالإعادة.
م وصفة خرج من أصابه حقن في صلاته أن يخرج ماسكاً بأنفه، كالراعف، وقد روي ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم واستحسن بعض فقهائنا إذا صلى بالحقن فإن كان شيئاً خفيفاً فلا شيء عليه، وإن صلى به وهو ضام بين فخذيه أعاد في الوقت، وإن كان مما يشغله كثيراً أعاد أبداً/.
من المدونة قال مالك: والقرقرة بمنزلة الحقن.
ابن القاسم: ولا أحفظ عن مالك في الغثيان شيئاً.
فصل - 8 -: [الصلاة بوضوء واحد ما لم يحدث]
قال مالك: ولا بأس أن يصلي بوضوء واحد يومين فأكثر.
ابن وهب: وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة الصلوات كلها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر بن الخطاب: رأيتك صنعت شيئًا ما كنت تصنعه، فقال: عمدًا صنعته يا عمر، يريد صنعته ليستن به.
وهذا الحديث يدل على أن الوضوء كان في أول الإسلام لكل صلاة؛ لقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ {الآية، فنسخ ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا.
وموضع الدليل منه قول عمر رضي الله عنه رأيتك صنعت شيئًا ما كنت تصنعه، والله أعلم.
قال في المدونة: وكان ابن عمر يصلي بوضوء الصبح الصلوات كلها ما لم يحدث.
[باب - 20 -] جامع القول في الرعاف
[فصل - 1 -: لا وضوء من الرعاف]
روي عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهما، وغيرهما، وكثير من التابعين: أنه يبني في الرعاف بعد غسل الدم ما لم يتكلم، ولا وضوء فيه.
قال أبو جعفر الأبهري: وما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رعف أحدكم في صلاته فلينصرف، ويتوضأ، ولا يتكلم، ثم يبني على ما مضى من صلاته)).
وقال ابن عباس: ((كان عليه السلام إذا رعف في صلاته توضأ)).
فيحتمل الوضوء المذكور في هذه الأخبار، إنما هو غسل الدم من الأنف، كما قيل: ((إنه توضأ مما مست النار)) وفي قوله: ((من أكل لحم جزور فليتوضأ))؛ لأن الوضوء إنما يجب من الحدث، ولم يثبت أن الرعاف حدث، ولو كان حدثًا، لما جاز البناء فيه، كسائر الأحداث.
قال الأبهري: وأيضاً، فلما كان قليل الرعاف لا يوجب نقض الوضوء باتفاق، وجب أن يكون كثيره كذلك، كالبصاق، والمخاط عكسه البول، والرجيع فإن قليل هذا مساو لكثيره، وكذلك الحجة في القيء.
قال: وأبو حنيفة يرى عليه في كثيرها الوضوء.
[فصل - 2 -: الفرق بين من كثر رعافه وسال وبين من قطر رعافه]
قال مالك: وينصرف من الرعاف في الصلاة إذا سال، أو قطر قل ذلك، أو كثر، فيغسله، ويبني على صلاته، وإن كان غير قاطر، ولا سائل فتله بإصبعه، وتمادى.
وكان أبو هريرة، وابن المسيب، وسالم تختضب أصابعهم دمًا من أنوفهم فيفتلونه، ولا ينصرفون.
قيل لمالك في المجموعة: فإن امتلأت له أربع أصابع إلى الأنملة، وتعذر
أن يفتله قال: لا شيء عليه.
م يريد كلما امتلأت له أنملة فتلها، قيل: فإن امتلأت له الأربع إلى الأنملة الوسطى، قال: هذا كثير، وأرى أن يعيد الصلاة.
م يريد أنه امتلأ له أكثر من الدرهم فصار حامل نجاسة، فلهذا قال: يقطع، وأما لو سال، ولم يصل ذلك إلى شيء من جسده أو ثيابه، فهذا يذهب يغسل الدم، ويبني على صلاته.
قال مالك في المجموعة: ولولا ما قلت العلماء يبني في الرعاف لرأيت أن يتكلم، ويبتدئ، ولكن الشأن ما مضوا عليه.
قيل: فإن اختار الراعف أن يتكلم، ويبتدئ؟ قال: لا بأس به.
قال ابن القاسم: وإن ابتدأ ولم يتكلم أعاد الصلاة.
ابن حبيب: لأنه كالزائد في صلاته متعمدًا.
ومن / المدونة والموطأ: قال ابن المسيب: ومن لم ينقطع عنه الدم أتم صلاته إيماء.
قال محمد بن مسلمة: إنما جعله سعيد يومئ؛ لأنه إن سجد أضر به ذلك، وكثر عليه الدم فصارت ضرورة تيبح له الإيماء، كمن برأسه صداع، أو بجبهته ما يمنعه من السجود، وقال ابن حبيب: ليس عليه أن يركع ويسجد ويقوم ويقعد فيتلطخ بالدم.
م فجعل العلة الالتطاخ بخلاف قول ابن مسلمة.
وكذلك اختلفوا في المسافر تحضره الصلاة والأرض كلها طين، فقال ابن حبيب: إنما يصلي قائمًا، ويركع متمكنا، يومئ للسجود أخفض من الركوع، ويضع يديه على ركبتيه في إيمائه، قالك وقاله مالك وأصحابه، إلا ابن عبد الحكم، فإنه قال: يجلس، ويسجد على الطين بقدر طاقته، وبالأول أقول.
وقال أشهب وابن نافع عن مالك في العتبية: أنه يصلي ويجلس، ويتشهد، ويسجد على الطين بقدر طاقته، ولا يصلي قائمًا يومئ.
قال بعض أصحابنا: وينبغي إذا رغف في وقت الصلاة، أو قبل وقتها فلم ينقطع عنه الدم أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها المفروض عساه ينقطع عنه، ثم يصلي حينئذ.
[فصل - 3 -: في محل البناء في الرعاف]
ومن المدونة قال مالك: وكل من رعف في صلاته، فذهب يغسل
الدم، فله أن يبني في بيته أو غيره مما يقرب من موضع غسله.
قال ابن القاسم: وذلك إن علم أنه لا يدرك مع الإمام شيئًا، إلا في الجمعة، فإنه يرجع إلى المسجد؛ لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد.
قال ابن شعبان: إنما يرجع إلى الإمام إذا علم أنه يدرك معه ركعة.
م وهذا خلاف المدونة؛ لأنه قال: إذا رعف بعد فراغه من التشهد أنه يرجع وإن كان الإمام لم يسلم جلس معه، وسلم بسلامه، وإن كان قد سلم سلم هذا، وإن علم أنه لا يدرك مع الإمام شيئًا فليتم موضعه.
قيل: فإن رجع إلى المسجد، فأتم صلاته، فقد أفسد على نفسه؛ لأنه صار ماشيًا في صلاته.
وفي المبسوط لإسماعيل عن ابن القاسم أنه إذا ظن أن الإمام قد فرغ، فأكمل صلاته مكانه في غير الجمعة، ثم تبين له أنه قد قضى قبل
الإمام أن صلاته تامة.
[فصل - 4 -: في شروط البناء في الرعاف]
قال ابن حبيب: وليطلب الماء الراعف إلى أقرب ما يمكنه، إذا لم يتفاحش البعد جدًا، فإن وجد الماء في مكان فجاوزه إلى غيره فذلك قطع لصلاته، وإذا تكلم في انصرافه ليطلب الماء بطلت صلاته تكلم سهوًا، أو عمدًا، وإنما أرخص له في البناء ما لم يتكلم، أو يحدث، ولو تكلم بعد رجوعه إلى البناء لم تفسد صلاته قال ابن الماجشون.
قال بعض أصحابنا؛ لأنه إذا تكلم راجعًا، فهو في عمل الصلاة، فأشبه كلامه سهوًا في أضعاف الصلاة، وإذا تكلم في انصرافه فإنما هو مشتغل بغسل
الدم، وهذا ليس بالقوي؛ لأن حكم الصلاة قائم، فسواء تكلم في سيره، أو رجوعه، والله أعلم.
قال ابن حارث: ولو مشى الراعف على قشب يابس، فقال ابن سحنون: إن صلاته منتقضة.
وقال ابن عبدوس: صلاته تامة.
قال المغيرة: من رعف بعد كمال ركعة من الجمعة، فخرج يغسل الدم، فحال بينه وبين المسجد واد ليضف إليها أخرى، ثم يصلي أربعًا، ويجزئ في قول أشهب في هروب الناس عن الإمام بعد ركعة أنه يضيف إليها أخرى، وتجزئه جمعته؛ لأن الجماعة أحد شروط الجمعة، وكذلك المسجد.
قال في كتاب الصلاة: وإن رعف إمام فلما خرج تكلم بطلت صلاته.
قال ابن الماجشون: تكلم سهوًا أو عمدًا يريد للحديث ((أنه يبني ما لم يتكلم))، فهو على عمومه.
وفي كتاب ابن سحنون: إن تكلم سهوًا / فالمستخلف في الصلاة، هو يحمل ذلك عنه.
وكذلك من رعف خلف إمام، بعد أن صلى ركعة معه / فخرج يغسل الدم فتكلم ساهيًا فلا شيء عليه، فإن رعف قبل أن يعقد معه ركعة لم يحمل عنه الإمام السهو، ولو أبطل الإمام صلاته بطلت عليه؛ لأنه في حكمه.
وقال سحنون في المجموعة: إذا أفسد الإمام صلاته متعمدًا، لم تبطل صلاة الراعف.
م والأول أصوب؛ لأن صلاته متعلقة بصلاة الإمام.
وفي كتاب ابن المواز: من خرج لرعاف، فقرأ الإمام بعده سجدة، فسجد بها، ثم رجع الراعف بعد سلام الإمام فعليه أن يبدأ بالسجدة، ثم يتم صلاته.
قال سحنون: ومن خرج من الصلاة لرعاف، ثم شك في الوضوء، وهو يغسل الدم فرفع الشك باليقين وابتدأ الوضوء، فلما توضأ ذكر أنه على وضوء، فقد بطلت صلاته.