فليعجل العتق في ثلث ما حضر, ثم إذا قبض ما بقي أتم فيه.
قال ابن المواز: وقال أشهب: بل للعبد أن يعجل منه عتق ثلث الحاضر
حتى لو لم يحضر غيره لعجل عتق ثلثه ويوقف باقيه, فكلما حضر شيء من
الغائب زيد فيه عتق ثلث ذلك حتى يتم أو ييأس من المال الغائب.
قال: ولا أرى أن يوقف جميع العبد لاجتماع المال, وإن كان
قد قاله لي مالك.
ولم يأخذ سحنون بقول أشهب, وقال: لو كان هذا الأخذ الميت أكثر
من ثلثه؛ لأنه استوفى ثلث الحاضر وصار باقي العبد موقوفاً عن الورثة.
وقال ابن المواز: وإن كان المال الغائب غير بعيد انتظر, وإن كان بعيداً
مثل الأشهر الكثيرة أو السنة أنفذ ثلث الحاضر, وأنفذ الميراث,
ولو كان مع ذلك وصايا خير الورثة في إنفاذ الوصايا أو القطع بثلث الحاضر
والغائب فأبديء العتق فيما حضر وما بقي فلأهل الوصايا, وأما إن أوصى بعتق,
وجميع ماله عروض حاضرة, أو دور حاضرة أو غائبة, والرقيق يخرجون من ثلث
ذلك لو بيع, لعجل عتقهم.
وكذلك روى أشهب عن مالك إذا أوصى بعتق
وله دور فطلب الورثة التأخير حتى تباع الدور, فليس لهم ذلك, ويعجل عتق العبد
إذا حمله الثلث
[الـ] باب [الثامن] فيمن أوصى لجماعة بأجزاء مختلفة وذكر
إجازة الورثة أم لا؟ وكيف إن أوصى مع ذلك بدنانير أو شيء بعينه؟
[(1) فصل: فيمن أوصى لجماعة بأجزاء مختلفة من ثلثه]
قال مالك في غير كتاب: فيمن أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بنصف
ماله, فليقسم الثلث بينهما على خمسة إن لم يجز الورثة, وإن أجازوا أخذ كل
واحد وصيته واقتسم الورثة السدس الباقي, فإن أجازوا لصاحب النصف وحده
أخذه, وأخذ الآخر خمسي الثلث, وإن أجازوا لصاحب الثلث وحده أخذه
وأخذ الآخر ثلاثة أخماس الثلث.
محمد: وقال أشهب: يتحاصان, فما صار للذي أجازوا له, أتموا له من مواريثهم.
محمد: وإن لم يجز إلا بعضهم, نظر إلى خروجها بغير إجازة فما وقع لمن
لم يجز أخذه, وينظر إلى خروجها على أنهم أجازوا, فما وقع للمجيز أخذه وما فضل عن حصته لو لم يجز, فللموصي له.
وبيان ذلك: أن يهلك الهالك ويترك الدين, ويوصى لرجل بثلث ماله
ولآخر بنصفه, فأجاز أحد [132/ب] الوالدين الوصيتين, ورد الآخر الوصيتين,
فتعمل الفريضة على تقدير إجازتها جميعاً, وذلك أن تنظر إلى أقل عدد له ثلث
ونصف صحيح وذلك ستة, فتخرج ثلثها ونصفها للموصي لهما, وذلك خمسة,
فيبقى واحد لا ينقسم على الولدين, فتضرب الستة في اثنين فتكون اثني عشر,
للموصى له بالنصف ستة, وللموصى له بالثلث أربعة, وتبقى اثنان لكل ابن واحد,
ثم تعملها على أنهما لم يجيزا, فتأخذ ثلث الستة ونصفها وذلك خمسة فتجعلها
ثلث مال يكون جميعه خمسة عشر, فللموصى له بالثلث اثنان, وللموصى له
بالنصف ثلاثة, ولكل ابن خمسة, ثم توفق بين المسألتين: أعني مسألة الإجازة
ومسألة الرد, فتجدهما تتفقان بالأثلاث, فتضرب ثلث أحدهما في كامل الآخر,
وذلك أربعة في خمسة عشر, أو خمسة في اثني عشر, فيكون ستين,
فمنها تصح الفريضتان,
فتقسمها على مسألة الرد - خمسة عشر - فيقع لكل سهم أربعة, فمن كان له
شيء من خمسة عشر أخذه مضروباً في أربعة, فللموصى له بالثلث سهمان في
أربعة بثمانية, وللموصى له بالنصف ثلاثة في أربعة باثني عشر, ولكل ابن خمسة في
أربعة بعشرين فيأخذ الابن الذي لم يجز عشرين وينصرف,
ثم تقسمها على مسألة الإجازة - اثني عشر- فيقع لكل سهم خمسة, فمن كان له
شيء من اثني عشر أخذه مضروباً في خمسة, فللابن المجيز واحد من اثني عشر في
خمسة بخمسة, فيأخذها ويستفضل عما وقع له لو لم يجز خمسة عشر فيدفعها
للموصي لهما يقتسمانها على خمسة, فيصير لصاحب الثلث منها ستة يضيفها
إلى الثمانية التي وقعت له في مسألة الرد فيصير له أربعة عشر,
ويصير للآخر من هذه الخمسة عشر تسعة, فيضيفها إلى الاثني عشر التي وقعت له
في مسألة الرد فيصير له أحد وعشرون, وللابن المجيز خمسة, وللراد عشرون,
فجميع ذلك ستون.
وهذا وما أشبه سنذكره في كتاب الفرائض بهذا الكتاب مشروحاً
إن شاء الله.
[(2) فصل [فيمن أوصى لجماعة بأجزاء مختلفة من ثلثة وأوصى مع ذلك بدنانير]
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى لرجل بماله, ولآخر بنصفه, ولآخر
بثلثه, ولآخر بعشرين ديناراً, فإنه ينظر إلى مبلغ وصيه كل واحد منهم ومبلغ
العشرين من مال الميت, فيتحاصون في الثلث على الجزاء إن لم يجز الورثة.
وتفسير ذلك أن تجعل التركة ستين دينارً فخذ لصاحب الكل ستة أجزاء,
ولصاحب النصف ثلاثة أجزاء, ولصاحب الثلث جزأين, ولصاحب العشرين
سهمين - لأن العشرين هي من جملة المال الثلث - فذلك ثلاثة عشر جزءاً,
فيقسم الثلث عليها, فيأخذ كل واحد ما سمينا له,
وكذلك إن أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بربعه, ولآخر بخمسة أو سدسه ولم
يجز الورثة فإنهم يتحاصون في الثلث من عين ودين وعرض
وغيره على الأجزاء,
وهذا على حساب عول الفرائض سواء.
قال مالك: وما أدركت الناس إلا على هذا.
قال سحنون: وهذا قول الرواة كلهم, لا أعلم بينهم فيه اختلافاً.
قال ربيعة وأبو الزناد: ومن أوصى لرجل بثلث الثلث, أو بربع الثلث
ولآخرين بعدد دنانير فليتحاصوا في الثلث.
[(3) فصل [فيمن أوصى لجماعة بأجزاء مختلفة من ثلثه وأوصى مع ذلك بشيء بعينه]
قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل بربع ماله أو بثلث ماله, وأوصى بأشياء
بأعيانها لقوم شتى, نظر إلى قيمة هذه المعينات وإلى ما أوصى به من ثلث أو
ربع فيضربون في ثلث الميت بمبلغ وصاياهم, فما صار لأصحاب الأعيان أخذوه في
ذلك الذي أوصى لهم به, وما صار للآخرين كانوا به شركاء مع الورثة, وهذا
قول مالك: فإن هلكت الأعيان [133/أ] التي أوصى بها بطلت الوصايا فيها
وكان ثلث ما بقى بين أصحاب الثلث والربع يتحاصون فيه.
قال: ومن أوصى لرجل بثلثه, لآخر بعبده وقيمته الثلث, فهلك العبد
بعد موت السيد قبل النظر في الثلث, فإن ثلث ما بقي للموصى له بالثلث,
كأن الميت لم يوص إلا بثلث لهذا فقط.
وذكر بعض فقهاء القرويين عقي هذه المسائل مسألة موت
الموصى له قبل موت الموصي, وقد ضاق الثلث قال: ويجب أن يدخل هذا
الاختلاف في موت العبد الموصى به أو له قبل قسمة المال, فعلى قوله: يحاص به
أهل الوصايا.
يحيى العبد الميت بالذكر ويحاص به أهل الوصايا؛ لأن الميت
كأنه إنما أوصى لهم مع هذا العبد فقام الورثة مقامة,
وعلى القول الآخر: لا يحاص به أهل الوصايا, وما مات قبل القسمة كأنه لم يكن
ولم يوص الميت فيه بشيء.
وقال ابن حبيب عن أصبغ: فيمن أوصى بعتق عبده الآبق وأوصى بوصايا,
فلينظر إلى قيمة العبد على أنه آبق فيعتق من ثلثه وتكون الوصايا فيما بقي من
ثلثه, فإن ثبت أنه مات قبل سيده كان الشيء لم يكن, ورجع أهل الوصايا إلى
ثلث المال كله لا يحسب فيه الآبق, وإن ثبت أنه مات بعد موت السيد قبل
النظر في الثلث حاص الورثة أهل الوصايا بقيمته ونزلوا منزلته فصار لهم ما وقع
له في المحاصة بقيمته.
وهذا خلاف لقول مالك, وقول مالك الصواب والفقه.
وإذا
أوصى بأشياء بأعيانها وأوصى بأشياء بغير أعيانها فماتت المعينات, فإن كان حكم
بأن تقطع لهم شائعة قبل موتها - على القول الذي يرى أن يقطع لهم - شائعاً - كان
ضمان ما هلك بعد القطع شائعا من جملة الموصى لهم؛ لأن أصحاب الأعيان
نفذ حكم لهم بالقطع شائعاً فصار حقهم شائعاً كغيرهم,
وأما إن ماتت الأعيان قبل القطع فلا خلاف أن وصاياهم قد سقطت على القول
الذي يقول يقطع لهم فيها, والقول الذي يقول يقطع لهم شائعاً وهم على أن
الأعيان لهم حتى يحكم لهم بالقطع شائعاً.
[(4)] فصل [فيمن أوصى لجماعة بأجزاء مختلفة وبشيء بعينه والعين هو الثلث]
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى لرجل بعبده, ولآخر بسدس ماله,
والعبد هو الثلث, فللموصى له بالعبد ثلثاً الثلث في العبد, والآخر شريك
للورثة بسبع ما يبقى من بقية العبد, وسائر التركة,
وإن كان العبد السدس, كان جميعه للموصى له بالعبد, والآخر شريك للورثة
بخمس بقية التركة.
وقاله علب بن زياد ورواه عن مالك.
وقاله أشهب
في المجموعة.
قال أشهب: ومن قال: إن الموصى له السدس يكون له سدس الخمسة
أسداس, ويكون سدس العبد بينه وبين الآخر؛ لأنه أوصى لهما جميعاً بسدسه فقد
أخطأ, وإنما يؤخذ في الوصايا بما يُرى أن الميت أراده؛ كما قال عمر رضي الله
عن: من وهب هبة يرى أنها للثواب...). ولو قلت إذا القلت: إن وصيته
بالسدس رجوع في سدس العبد عن الأول.
قال سحنون: لا يدخل الموصى له بالثلث على أهل التسمية ولا يكون
رجوعاً عن شيء من العبد.
قال سحنون: فإن أجاز الورثة كان العبد للموصى له به, والثلث كاملاً
للموصى له به, ولا يحمل انه أدخل الموصى له بالثلث على صاحب العبد, ولا يكون رجوعاً عن العبد أيضاً.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية أنه قال: إن أجازوا,
فليس عليهم تسليم العبد مع جميع الثلث, ولكن يسلموا العبد [133/ب] وثلث ما
بقي, فيقسم ثلث العبد بينهما؛ لأنه أوصى لهما به فيأخذ الموصى له بالثلث سدس
العبد وثلث ما بقى سوى العبد, ويأخذ الآخر بقية العبد.
قال أبو محمد: وهو الذي أنكره أشهب وابن المواز.
ومن كتاب ابن المواز: ومن أوصى لرجل بعبد ولآخر بسدس ماله,
وقيمة العبد مئة دينار, وترك خمسمئة دينار عيناً, قال: يأخذ الموصى له بالعبد
جميع العبد والآخر مئة دينار.
وذكر أصبغ عن ابن القاسم خلاف هذا, وذلك أن يأخذ الموصى له بالعبد
خمسة أسداسه, والآخر سدس العين, ويكون سدس العبد بينهما.
ولم يعجبنا
هذا؛ لأن الوصايا إنما تُحمل على ما ظهر من مقاصد الموصى لا على اللفظ.
وذكر مثل ما تقدم عن أشهب.
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: فيمن أوصى لرجل
بدار ولآخر بعبد, ولآخر بحائط, فضاق الثلث ولم يجز الورثة, قال: يتحاصون
في الثلث بقيمة ما سمى لكل واحد, فما وقع لكل واحد أخذه فيما أوصى له به,
ولو أوصى معهم لرجل بمئة دينار, لقطع لهم بالثلث في جميع ماله, ولم يأخذوا
وصاياهم فيما سمى لهم خاصة؛ لأن الوصايا قد حالت, ولابد من بيع ذلك أو
بعضه بسبب العين.
ومن المجموعة قال ابن القاسم: إذا أوصى لرجل بعد, وهو أكثر من
الثلث فلم يجز الورثة, فقد اختلف فيه قول مالك فقال مرة:
يجمع له الثلث في العبد.
وقال مرة: يكون له الثلث في جميع المال إن لم يجز الورثة.
واختار ابن
القاسم: أن يجمع له في العبد إن كان المال حاضراَ,
فإن كان له ديون فله الثلث من كل شيء إن لم يجز الورثة,
وكذلك لو أوصى له بشيء غائب, فلا يقطع له في ذلك الغائب
ولكن في كل شيء.
قال ابن عبدوس: وإذا أوصى بوصايا لا تخرج من ثلث ما حضر, وله مال
غائب خير الورثة بين إجازة ذلك, أو خلع الثلث من الحاضر والغائب
في هذا وفي غيره.
قال: وقال عبد الملك: وإذا خلع الثلث لهم فقد اختلف في أخذهم في
أعيان ما أوصى لهم به من عبد أو دار أو عرض, فقال مالك: يأخذ كل واحد ما
صار له من الثلث فيما أوصى له فيه بعينه.
وقال غيره: يكونون شركاء في جميع
التركة.
وقاله عبد الملك, وابن كنانة.
وروى ابن القاسم وأشهب
القولين عن مالك, واختار أن يأخذ كل واحد فيما أوصى له فيه بعينه.
قالوا كلهم: فإن مات العبد المعين قبل خلع الثلث بطلت وصية صاحبه.
وقال
أشهب: فلذلك قلت: يأخذ في ذلك الشيء بعينه؛ لأنه كان في ضمانه.
قال ابن عبدوس: وإذا أوصى لرجل بعبد لا يحمله الثلث فقال الرجل: أنا
أؤدي بقية ثمنه للورثة ويكون لي, وقال الورثة: نحن نعطيك قيمة حقك ويبقى
لنا, فليس ذلك للجميع, والعبد يبقى بينهم يتقاوونه أو يبيعونه.
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى لرجل بدار, ثلثه يحملها, فأبى الورثة
أن يعطوه الدار, وقال الورثة: نحن نعطيك ثلث الميت حيث كان, فليس
ذلك للورثة, وللموصى له أخذ الدار.
قال ابن القاسم: ألا ترى أن الدار لو غرقت فصارت بحراً لبطلت وصيته,
فهذا يدلك أنه أولى بها.
[الـ] باب [التاسع] فيمن أوصى لوارث وأجنبي وبقية القول في الوصية للوارث
[134/أ]
[(1) فصل: في فيمن أوصى لوارث وأجنبي]
روى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة»
قال ابن القاسم: ومن أوصى بعبده أو بوصية لوارث, وأوصى لأجنبي بوصية
فليحاص الوارث الأجنبي بوصيته في الثلث, ثم تكون حصة الوارث لجميع الورثة.
قال مالك: ومن قال: ثلث مالي لفلان وفلان, وأحدهما وارث ومعه وارث
غيره, فللأجنبي نصيبه, أما نصيب الوارث فيرجع إلى جميع الورثة
قال مالك: وإن أوصى لوارث بوصية ولم يدع غيره وأوصى بوصايا
لأجنبيين ولم يسع ذلك الثلث, وبدئ بالأجنبيين ولم يحاصهم الوارث
بشيء من وصيته.
ومن كتاب ابن المواز وغيره قال مالك وأصحابه: فيمن أوصى
لوارث وأوصى بوصايا لأجنبيين, فإن كان مع الوارث وارث من زوجة أو
غيرها فإنه يحاص الأجنبي في الثلث فما صار للوارث رجع ميراثاً
وإن لم يكن معه وارث غيره, فللأجنبيين وصاياهم بغير حصاص للوارث, وكأنه
أوصى له بميراثه, وإذا كان معه وارث علم انه أراد تفضيله عليه بما أوصى له به,
فيحاص بذلك ويقاسمه فيما وقع له من ذلك,
ولو أوصى لجميع ورثته مع الأجنبي فأنصباؤهم في الميراث والوصية سوا, فالأجنبي
مقدم ولا حصاص فيه, إلا أن يكون الورثة ذكوراً وإناثاً فيساوى بينهم في
الوصية, فقد عُلم أنه خص الأنثى دون الذكر بوصيته, فيحاص الأجنبي.
وقد اختلف بماذا يحاص؟
فروى أصبغ عن ابن القاسم: في ابن وابنة أنه إذا أوصى لكل واحد بمئة
ولأجنبي بمئة أن الأنثى تحاص الأجنبي بخمسين, وهي التي زادها على مورثها, لما
أعطى الذكر مئة كان يجب لها خمسين, وقاله أبو زيد:
وقال لي غيرها من أهل العلم: يحاص بثلث المئة؛ لأن مورثها من المئتين
ثلثا مئة فيحاص بالزائد وهو ثلث المئة,
ولو أوصى لورثته بما جعله بينهم على سهام مواريثهم
كانوا كوارث واحد ولا حصاص لهم,
وكذلك لو أوصى بشيء سماه لجملتهم ولم يفصل ولم يقسم,
فلا حصاص لهم مع أهل الوصايا,
وكذلك لو أوصى بوصايا وأوصى بخدمة عبده لولده, فإن لم يرثه غيره فلا
حصاص له مع الأجنبي, فإن كان يرثه غيره وقع الحصاص, فما صار له من قيمة
الخدمة شاركه فيه الورثة إن شاءوا.
ومن المجموعة قال أشهب: وإذا قال: مالي بين ابني وابنتي يعني نصفين,
ولفلان ثلث مالي, ولا وارث له غيرهما, فلهما الحصاص مع الأجنبي يحاصصانه
بستة أسهم وهو بسهمين, فيقع له ربع الثلث, وباقيه لهمل على الفرائض, إلا إن
يجيز البن لأخته.
قيل: ولا يطرح قدر نصيب الابن والابنة بالميراث وما زاد
حوصص به الأجنبي؟ قال: لا.
ولو أوصى لهما بقدر المواريث لم يكن حصاص, مثل أن يوصي للابن بعشرين
وللابنة بعشرة, فلا يحاصص الأجنبي ويسلما إليه الثلث فيأخذ منه وصيته.
وقال ابن القاسم: مثله من أول المسألة.
ومن العتبية قال أصبغ عن ابن وهب: فيمن أوصى بالثلث لإخوته
ولم يدع غيرهم, وهم أخوان لأبوين وأخوان لأم وأخوان لأب, فليقسم الثلث
على ستة, فما صار للذين للأب أخذاه؛ لأنهما لا يرثانه, وتُضم الأربعة بقية الثلث
إلى بقية ثلثي [134/ب] المال, فيكون ميراثاً.
قال ابن وهب: ولو أوصى لهم بذلك, وله ابن ثم مات الابن قبله
فالجواب سواء.
[(2)] فصل [في بقية القول في الوصية للوارث]
ومن المجموعة وكتاب محمد قال أشهب عن مالك: في امرأة أوصت
إلى بعض ورثتها, وقال الزوج: كنت كاتب الصحيفة, وما علمت أنه لا وصية
لوارث, قال: إذا حلفت أنك ما علمت ذلك لم يلزمك ذلك.
[(3)] فصل [فيمن أوصى بثلث ماله وأوصى أن لا تنقص أمه من السدس]
قال محمد: ومن أوصى بثلث ماله أو بأكثر, وأوصى أن لا تُنقص أمه من
السدس, فلتعزل وصية الأجنبي, ويقسم ما بقي على الورثة, فما أصاب الأم نُظر
ما بقي لها إلى تمام السدس, فحاصصت به الأجنبي في الثلث, فما صار لها من
ذلك, فإن أجازة الورثة كان لها, وإلا رجع ميراثاً, ولو أجازوا لها وللأجنبي
خرجوا لهما من النصف, وقسم الورثة ما بقي على مواريثهم بعد طرح سهم الأم.
وإذا تركت المرأة زوجها وأمها وأختين لأم وأختين لأب أو شقائق وأوصت أن
لا تُنقص الأم من السدس فأجاز الورثة, فالفريضة بالعول من عشرة: للأم منها
سهم فأسقطه فتبقى تسعة, ثم أعط الأم السدس من أصل المال, واقسم ما بقي
على تسعة: للزوج ثلاثة وللأختين للأم سهمان, وللأختين للأب أربعة, وكذلك
لو تركت الأم نصيبها للورثة, أو قالت معي نصيبي.
وتصح المسألة من أربعة وخمسين؛ لأنك إذا أخرجت للأم السدس من
أصل الفريضة بقيت الخمسة أسداس لا تنقسم على تسعة, فتضرب ستة في تسعة تك
أربعة وخمسين, فمن كان له شيء من ستة أخذه مضروباً في تسعة, فللأم واحد من ستة
في تسعة بتسعة, ومن كان له شيء من تسعة أخذه مضروباً في الخمسة المنكسرة
فللزوج ثلاثة في خمسة بخمسة عشر, للأخوات للم اثنان في خمسة بعشرة, لكل
واحدة خمسة, وللشقائق أربعة في خمسة بعشرين لكل واحدة عشرة.
وهذا وما أشبهه يأتي موعباً في كتاب الفرائض إن شاء الله
[(4)] فصل [فيمن أوصى بثلثه لفلان إلا نصيب أمه فيبقى لهل]
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم وهو عنه في
المجموعة: فيمن أوصى بثلثه لفلان إلا نصيب أمي منه فيبقى لها, قال: يُعزل
الثلث ثم يؤخذ منه سهم الأم - يريد هو سدس الثلث - فيرد إلى ثلثي المال
فيقسم بين جميع الورثة, إلا أن يجيز لها ذلك باقي الورثة.
ولو أوصى بثلث ماله لرجل وأوصى أن لا تُنقص أنه من سدسها,
فيُخرج الثلث لأجنبي فيُوقف, ثم تأخذ الأم ميراثها مع الورثة, ثم ينظر سدس
الثلث الموقوف منه وما للأم فيحاص بذلك الأجنبي في الثلث, فما صار لها, كان
للورثة أن يدخلوا معها فيه بقدر مواريثهم, أو يجيزوا لها.
وهذه مخافة للتي قبلها؛ لأن الموصي قال في وصيته: وفروا لأمي سهمها
وثلث ما بقي من التركة لفلان, فإنما وصى له بثلث خمسة أسداس المال فيأخذه
ووصى للأم بسدس ثلث المال, فيعود ذلك ميراثاً إن لم يُجيزه الورثة,
والثانية: إنما أوصى للأجنبي بالثلث, وللأم بسدس الثلث فوجب أن يتحاصا في
الثلث بذلك, فما صار للأم في المحاصة دخل فيه بقية الورثة, فاعلم ذلك.
[(5)] فصل [فيمن أوصى بثلثه في السبيل فأراد بعض الورثة أن يغزو به]
ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: فيمن أوصى بثلثه في السبيل فأراد
بعض الورثة أن يغزو به, فلا بأس بذلك, والوارث أحق من خرج فيه أذن له
الورثة وطيبوا.
وقال أيضاً يحيى بن سعيد: فيمن أوصى بثلثه في سبيل الله, فإن وليه يضعه
في سبيل الله, فإن أراد أن يغزو به, وله ولد غيره يريدون الغزو, فإنهم يغزون فيه
بالحصص, وإن لم يرثه [135/أ] غيره فلا بأس باستنفاقه فيما وضع فيه.
قال بعض شيوخنا في قول يحيى بن سعيد يغزون فيه بالحصص:
معناه يُعطي كل إنسان ما يكفيه إن حمل ذلك الثلث, فإن ضاق الثلث تحاصوا فيه
على مقدار كفاية كل واحد لا على قدر مواريثهم.
قال ربيعة: وإن أوصت امرأة إلى بعض ورثتها بوصية, وفي سبيل الله بوصية
فسلم زوجها الوصية رجاء أن يُعطوه الوصية التي في السبيل؛ لأنه غاز, فمُنع منها
فأراد أن يرجع فيما أجاز للورثة, فليس له في ذلك رجوع, ويلزمه ما أجاز.
[الباب العاشر] جامع القول في الوصية بالحج
,
قال ابن القاسم: ومن أوصى عند موته أن يحج عنه, فأحب إلى أن ينفذوا
ما أوصى به, ويحج عنه من قد حج أحب إلي, وإن استؤجر من
لم يحج أجزأ عنهم.
قال مالك: وتحج المرأة عن الرجل, والرجل عن المرأة,
قال ابن القاسم: ولا نجزي أن يحج عنه صبي أو عبد أو من فيه عُلقة رق؛
إذ لا حج عليهم, ويضمن المال من دفعه إليهم, إلا أن يكون عبداً ظنه حُراُ ولم
يعرفوه, فلا يضمن الدافع.
وقال غيره: لا يزول عنه الضمان بجهله.
فوجه قول ابن القاسم, فلأن الوصي مأذون له صرف هذا
المال على الاجتهاد بإذن مالكه, فلا يضمن؛ كالأجير إذا كسر شيئاً في البيت
المأذون له لدخوله؛ والراعي إذا مات ما أُذن له في رعايته - وقد اختلف في
المخطئ في الزكاة يدفعها إلى نصراني أو عبد أو غني وهو لا يعلم, فضمنه ابن القاسم في المدونة,
وفي الأسدية: لا ضمان عليه؛ فمن لم يضمنه جعله كالموكل إذا فعل ما أُمر
به فأخطأ, فلا ضمان عليه كما قُلنا في الوصي
ومن ضمنه جعله مخطئاً على مال غيره؛ فأشبه الماشي في الطرق يعثر على مال
رجل أنه يضمن, والأشبه ألا ضمان عليه في الزكاة؛ لأنه كالوكيل على تفريقها,
والماشي في الطريق وإن كان المشي له مباحاً, فقد أخطأ بمشيه على مال غيره
فوجب ضمانه.
[المسألة الأولى: إن أوصى أن يحج عنه عبد أو صبي بمال]
قال ابن القاسم: وإن أوصى أن يحج عنه عبد أو صبي بمال, فذلك نافذ,
ويدفع ذلك إليه به إن أذن السيد لعبده أو الوالد لولده, ولا تُرد وصيته
ميراثاً؛ لأن الحج بر وإن حج عنه صبي أو عبد؛ لأن حجة الصبي والعبد تطوع,
والميت لو لم يكن ضرورة فأوصى بحجة تطوع أنفذت ولم ترد؛ فهذا مثله,
وإن لم يكن للصبي أب فأذن له الوصي في ذلك, فإن كان على الصبي في ذلك
مشقة وضرر وخيف عليه في ذلك ضيعة, فلا يجوز إذنه له,
وإن كان الصبي قوياً على الذهاب, وكان ذلك نظراً له ولم يكن عليه في ذلك
ضرر جاز إذنه له؛ لأن الولي لو أذن له أن يتجر فأمره بذلك جاز, ولو خرج في
تجارة من موضع إلى موضع بإذن الولي لم يكن به بأس؛ فكذلك يكون إذنه له في
الحج على ما وصفنا.
وقال غيره: لا يجوز للوصي أن يأذن لليتيم في هذا.
قال ابن القاسم: فإن لم يأذن له وليه وقف المال إلى بلوغه, فإن حج به, وإلا
رجع ميراثاُ؛ لأنه حين أوصى أن يحج عنه الصبي علمنا أنه أراد التطوع لا الفريضة.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: ولو كان ضرورة - حتى يُعلم أنه أراد
الفريضة, يريد: فظن أن حج الصبي والعبد يجزئه - أنفذ ذلك لغيرهما
مكانه, ولم يُنتظر به عتق العبد, ولا بلوغ الصبيِّ؛ لأنا علمنا أن الموصي إنما قصد
الفرض, فليس غلطه أن الصبي والعبد يؤديان عنه الفرض بالذي يُسقط قصده
[135/ب] الذي قصد إليه من أداء الفرض.
قال ابن القاسم: ولأن الصبي ممن لا حج عليهما؛ كمن أوصى بعتق
عبد فان, فأبى ربه بيعه, فإن كان في واجب جُعل ذلك في غيره, وإن كان
تطوعاً عاد ميراثاً بعد الاستيناء والإياس من العبد.
وحكي لنا عن غير واحد من فقهائنا المتأخرين في الذي
يوصي أن يحج عنه عبد فيأبى السيد أن يأذن له, لا يُستأنى في ذلك كما يستأنى
في الصبي إذا لم يأذن له وليه؛ لأن الصبي ينتظر إلى وقت يتحصل ويعرف, والعبد
لا يُنتظر إلى وقت معلوم, وليس هذا كالعبد يُوصى أن يشتري فيُعتق فهاهنا يُنتظر
لحرمة العتق, والله أعلم.
وفي كتاب ابن المواز قال أشهب: إذا لم يأذن للصبي وصيه
وللعبد سيده, تُرُبِّص بذلك حتى ييأس من عتق العبد وبلوغ الصبي, فإن عُتق
العبد وبلغ الصبي فأبيا عاد ميراثاً.
وهذا هو الصواب؛ لأنه كما كان يُنتظر في العتق لحرمة العتق
كذلك يُنتظر في الحج لحرمة الموصى به؛ لأنه أراد به البر لنفسه, وهذا الذي يدل
عليه كلام ابن القاسم, والله أعلم.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى أن يحج عنه رجل بعينه فأبى ذلك الرجل]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان صرورة فسمي رجلاً بعينه يحج
عنه فأبى ذلك الرجل أن يحج عنه, فليحج عنه غيره, بخلاف المتطوِّع الذي قد حج
إذا أوصى أن يحج عنه رجل بعينه تطوعاً, هذا إذا أبى الرجل أن يحج عنه رجع ذلك
ميراثاً؛ كمن أوصى لمسكين بعينه بمال فمات المسكين قبل الموصي, أو أبى أن يقبل,
فذلك يرجع ميراثاً؛ وكمن أوصى بشراء عبد بعينه للعتق من غير عتق واجب عليه, فأبى
أهله أن يبيعوه, فالوصية ترجع ميراثاً بعد الاستيناء والإياس من العبد.
وقال غيره: في الموصي بحجة تطوع إذا أبى الرجل أن يحج عنه لا يرجع
ميراثاً, والصرورة في هذا وغير الصرورة سواء؛ لأن الحج إنما أراد به نفسه, بخلاف
الوصية لمسكين بعينه بشيء يرده, أو بشراء عبد بعينه للعتق.
[المسألة الثالثة: فيمن قال أحجوا فلاناً ولم يقل عني]
قال ابن القاسم: ومن قال في وصيته: أحجوا فلاناً ولم يقل عني, أُعطي من
الثلث قدر ما يحج به إن حج, فإن أبى أن يحج فلا شيء له, وإن أخذ شيئاً رده إلا
أن يحج به, وإن أوصى أن يحج عنه وارث في فرض أو تطوع أنفذت وصيته ولم يُزد
الوارث على النفقة والكراء شيئاً, ولو أوصى أن يصوم عنه وارث وله كذا, فليرد ذلك
ولا يصوم أحد عن أحد, وكان مالك يكره الوصية بالحج, فإن نزل أمضاه.
[المسألة الرابعة: فيمن قال ادفعوا ثلثي لفلان يحج به عني, وكيف إن كان وارثاً]
قال مالك: وإن قال: ادفعوا ثلثي لفلان يحج به عني, فإن كان وارثاً لم يُدفع
إليه إلا قدر نفقته, وقيمة كرائه - يريد:
ذاهباً وراجعاً - ويرد ما بقي على الورثة,
وإن كان أجنبياً كان له فضل من الثلث يصنع به ما شاء؛ كمن أخذ نفقة يحج
بها عن رجل ففضل منها شيء, فإن استأجروه فله ما فضل, وإن أخذها على
البلاغ فليرد ما فضل - والبلاغ: قولهم تحج بهذه الدنانير عن فلان وعلينا ما نقص
عن البلاغ - أو خُذها فحج منها عن فلان.
والإجازة: أن يُستأجر بمال على أن
يحج عن فلان, فهذا يلزمه الحج, وله ما زاد, وعليه ما نقص.
[الـ] باب [الحادي عشر] فيمن أوصى لرجل كل سنة بكذا من غلة داره أو حائطه, أو قال من غلة كل سنة, وكيف إن أوصى مع ذلك بوصايا والوصية بالنفقة أجلاً أو عمراً
[(1) فصل: فيمن أوصى لرجل كل سنة بكذا من غلة داره أو حائطه أو قال من غلة كل سنة
المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل من غلة داره بدينار كل سنة]
قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل من غلة داره بدينار كل سنة, أو من
غلة حائطه بدينار كل سنة, أو بخمسة أو سُق كل سنة والثلث يحمل الدار
والحائط فأكرى الورثة الدار أول سنة بعشرة دنانير, واستغلوا من [136/أ]
الحائط خمسين وسقاً, فأخذ كل عام ما بقي من غلة العام الأول شيء؛ لأن ذلك من
كراء الدار وغلة الحائط ولا شيء للورثة من ذلك حتى يأخذ الموصى له وصيته,
فإن لم يبق من ذلك شيء وبارت بعد ذلك سنين, فإذا غل ذلك أخذ منه لما
تقدم, وكذلك لو أكروا الدار أول سنة بعشرة دنانير فضاعت, إلا ديناراً منها
كان ذلك الدينار لموصى له, وكذلك الحائط.
ولو أكروها بعد موت الموصى بعشرة دنانير وانتقدوها, لوجب عليهم
أن ينتقدوه ديناراً, ولو تلفت كلها إلا ذلك الدينار لوجب للموصى له؛ لأنه من
كراء الدار, ولو انهدمت بعد ستة أشهر لأخذ من حصة ما مضى الدينار؛
لأنه الباقي من كراء الدار, ولا قول لمن قال: بل يأخذ نصف دينار؛ لأنه إنما
يأخذ الدينار من كراء السنة كلها وهذا خطأ؛ لأنهم لو أكروها وقد بقي من
السنة شهر بدينار لوجب أن يأخذه؛ لأنه من كراء الدار وهذا بين,
ولو مات الموصى له بعد ستة أشهر فقد قيل: ليس له إلا نصف دينار؛ لأنه إنما
أعطى من كرائها كل سنة بدينار, فيجب له في نصف السنة نصف دينار؛
وكما لو مات بعد موت الموصي قبل أن تُكرى الدار ما كان لورثته من الكراء
إن أُكريت تلك السنة شيء, وأما لو أُكريت وهو حي لانبغى أن يكون له من
الكراء ديناراً؛ لأنه قد وجبت له وصيته قبل موته.
[المسالة الثانية: فيمن أوصى لرجل من غلة كل سنة قدراً معيناً]
ومن المدونة: ولو قال: أعطوه من غلة كل سنة خمسة أو سق أو من كراء
كل سنة ديناراً لم يكن له أن يأخذ من غلة سنة عن سنة أخرى لم تُغل,
ولو أكريت الدار أول عام بأقل من دينار, أو جاءت النخل بأقل من خمسة
أو سق لم يرجع بذلك في عام بعده.
وقال مالك.
وقاله أشهب عن
مالك في العتبية.
قيل: فإن أكريت الدار نصف سنة لا ينبغي أن يكون له نصف دينار إذا
تعطلت بقية السنة؛ لأنه إنما أعطاه ديناراً من كراء كل سنة, فيكون له نصفه
في نصف السنة.
قال أشهب في العتبية: فإن لو يحمل الثلث داره, أو حائطه فليخير الورثة
بين إنفاذ ذلك أو القطع له بثلث التركة من كل شيء, قال: فإن حملها الثلث
فوقفت لذلك فبارت سنة, ثم أغلت فيأخذ مما أغلت السنة, ويجبر به ما تقدم
ويُحبس أيضاً لما يُخشى من بوارها, أو نقص من غلتها من الوصية, فيوقف بيد
عدل إلا أن تكون كثيرة جداً, فلا يحبس منها إلا بقدر ما أوصى به من قلته
وكثرته وما يخاف في ذلك, ومن الحوائط ما لا يؤمن عليه, ومنها المأمون كأرض
خيبر فلا يوقف في هذا شيء.
[(2)] فصل [فيمن أوصى لرجل بدرهم كل شهر من غلة عبده وأوصى مع ذلك بوصايا
المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل بثلثه ولآخر بدرهم كل شهر من غلة عبده ولم يدع غيره, وكيف أن أوصى لرجل بخدمة عبده ولآخر بدرهم من غلة ذلك العبد كل شهر]
قال ابن القاسم: ولو أوصى لرجل بثلثه, ولآخر بدرهم كل شهر من غلة
عبد له لم يدع غيره, تحاصاً, فيضرب صاحب الثلث بثلث قيمته, ويضرب
الآخر بتعميره, فما بلغ حسب لكل شهر درهم, وحاص بذلك, فما أصابه
وُقف له بيد عدل يُنفق منه عليه, فإن مات قبل نفاذه عاد الباقي إلى صاحب
الثلث, وإن فني وهو حي ورجع على صاحب الثلث بما يرى أنه بقي له من
عُمره لو حوصص له بذلك أولاً - قال أبو محمد: وقد اختلف في ائتناف
الحصاص بعد التعمير إذا
ظهر خلاف ما مضى, ويأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله -
وإن أوصى لرجل بخدمة عبده, ولآخر بدرهم من غلة ذلك العبد كل شهر, والعبد
هو الثلث, فليبدأ صاحب الدرهم بدرهمه على صاحب الخدمة كم أوصى بثلثه
لرجل ولآخر بمئة من ثلثه, فليبدأ صاحب المئة [136/ب], فإن شاء المُخدم
أدى كل شهر درهماً وأخذ الخدمة, وإلا استؤجر العبد فيبدأ بالدرهم من إجازته,
وكذلك من أوصى لرجل بثمرة حائطه, ولرجل آخر بعشرة أصبغ من ثمرته كل
سنة [فالآصع] مبدأة كل سنة, وما فضل فللآخر, ولو أصاب أقل من عشرة
آصع أخذ تمام العشرة من العام المقبل.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: في الموصى له من غلة عبده
أو حائطه دينار كل شهر حياته, والثلث يحمل ذلك, فإن ضمن له الورثة
ذلك, وإلا أوقفوا العبد والحائط, وإن لم يحمله الثلث وحالت الوصية ووقعت
المحاصة حوصص بقدر تعميره, ويكون في العبد على أقل العُمرين.
[المسالة الثانية: فيمن أوصى بوصايا لرجل بنفقته حياته من بقية الثلث ثم مات فلم ينظر في ذلك حتى مات الموصى له بالنفقة]
قال عنه أصبغ - وهو في كتاب ابن المواز-: وإن أوصى بوصايا,
وأوصى لرجل بنفقته حياته من بقية الثلث, ثم مات فلم ينظر في ذلك حتى مات
الموصى له بالنفقة, فإن فضل من الثلث شيء أُعطي منه ورثة الموصى له
بالنفقة قدر ما كان عاش صاحبهم بعد موت الموصي لا من يوم يجمع المال
قال ابن القاسم: وكذلك لو لم يمت الموصى له بالنفقة, فغنما يحسب له ما
كان يصيبه من النفقة من يوم مات الموصي؛ كمن أوصى بخدمة عبده أجلاً مسمى
فلم يُجمع المال, ولم تُنفذ الوصايا حتى مضى بعض الأجل, إن ذلك محسوب للعبد
في الخدمة من يوم مات السيد؛ كما لو أبقها أو مرضها, فالأجل من يوم وجبت
الوصية, وهو يوم مات الموصي.
قال ابن القاسم: وإن لم يقل: ينفق عليه من باقي ثلثي, ولكن قال: يُنفق
على فلان حياته.
ويُحاصص ورثة الوصي له بالنفقة أهل الوصايا في جميع الثلث
بقدر ما عاش صاحبهم بعد موت الموصى بنفقة مثله؛ لأنه لو كان حياً
لعُمر من يوم مات الموصي ووُقف له نفقة مثله,
فإن مات قبل أن يستنفذ ذلك رجع أهل الوصايا فيما فضل من ذلك حتى
يستوعبوا وصاياهم, وإن فضل بعد ذلك شيء دُفع لورثة الموصي, فإن فني ما
أصابه وبقى حياً لم يرجع على أهل الوصايا بشيء, ولم يُؤتنف له تعمير, وهو
كحكم نفذ.
وهو أحب إلي.
قال محمد: بل الرجوع أصوب.
وقد قال ابن القاسم: وأما القياس,
فالرجوع والتعمير ثانية, ومن رأى ذلك, فإنه يرجع على أهل الوصايا على كل
واحد بما ينوبه ولا يتبع المليء بما على المعدم, كطريان وصية لم يُعلم بها, وذلك
على قول من يرى الرجوع, ولست أراه.
وقال أصبغ: إذا كان لا يرجع على أهل الوصايا إذا استنفذ النفقة في حياته
فلا يرجع إذاً على ورثته إذا مات وقد بقي منها شيء, ويكون ميراثاُ لورثته,
وينفذ له ما وقع له في المحاصة في التعمير بتلاً, ولا يوقف عليه.
وقاله عبد الملك.
قال أصبغ وهذا رأيي, ولا أعلم ابن القاسم إلا وقد رجع إليه, لا شك فيه.
قال: ومن رأى أن ذلك يرجع إلى أهل الوصايا إذا مات وقد بقي مما أُقف له
شيء فهو أيضاً يرجع عليهم إذا نفذت النفقة في حياته, ويأتنف المحاصة ثانية
بتعميره ما بقي من عمره.
قال أصبغ: وهو القياس.
وهو رأي أشهب, وتفرقة ابن القاسم في هذا المجال
قال ابن عبدوس عن عبد الملك مثل ما قال عنه أصبغ: إن ما وقع له في
الحصاص بالتعمير فليأخذه يصنع به ما شاء, ولو زاد عمره لم يرجع بشيء
قال: وقاله سحنون: لأن الوصايا لما حلت فإنما يأخذ ما وقع له, وكذلك
السكني, وإن جاوز قيمة السكني.
وقاله ابن نافع.
قال ابن عبدوس: وقال ابن القاسم- وذكره عنه عيسى [137/ب]
في العتبية-:إن ما نابه في الحصاص في النفقة بالتعمير يأخذه بتلاً, ثم إن مات
بعد ذلك بيوم لم يرجع عليه الورثة بشيء؛ لأنهم خيِّروا فاختاروا خلع الثلث,
وكذلك سائر أهل الوصايا كحكم نفذ, ولو زاد عمره على التقدير
لم يرجع على أحد بشيء, ولو أنفذ الورثة الوصية على وجهها لرجعوا بما بقي
له في موته قبل فناء ما أخذ, وكذلك لو حمل الثلث النفقة وبقي من الثلث بقية
بعدما أُقف له في هذا نفقة تعميره, فهذا إن مات قبلها رد ما بقي, وإن فنيت
هو حي رجع في بقية الثلث بنفقة عمره, وكذلك في الوصية بالسكنى في
التعمير إذا خلع الثلث فلا رجوع له, ولا عليه زاد عمره أو نقص.
وقال أشهب: إذا عمر فكان في الثلث ملغ وصاياهم, ووصايا غيرهم
وبقيت فضلة أخذها الورثة, فإن مات جميع أهل النفقة قبل فراغها
رُد الباقي إلى الورثة,
وإن فنيت وهو أحياء رجعوا بدءاً في بقية الثلث حتى يفرغوا به,
ولو أعدم الورثة لم يرجعوا على أهل الوصايا إلا بعد فراغ باقي الثلث,
ولو وجد بعض الورثة مليئاً أخذوا منه مما بيده فضلة والثلث ويرجع هو على
باقي الورثة بما يصيبهم كما لو كانوا أملياء,
ولو لم يبق من الثلث شيء رجعوا على أهل الوصايا فحاصوهم - يريد: يأتنفون
حصاصاً بتعمير مؤتنف- ويحسب عليهم ما أخذوا أولاً, وما رجعوا به من ببقية الثلث.
قال أشهب: فإن وجدوا أهل الوصايا عُدماً إلا واحداً منهم, فلا يأخذوا منه
إلا ما يصيبه بمحاصتهم بخلاف الورثة, أولئك لا ميراث لواحد منهم, حتى يؤدوا الوصايا
كغريم طرأ على ورثة, وهو مع أهل الوصايا كغريم طرأ على غرماء.
قال: وإذا كانوا قد حاصوا موصى له برقبة عبد, وموصى له بخدمة عبد
سنة فبقي ما بيد أهل النفقة فلينظر الآن إلى قدر ما بقي من أعمارهم, فيُنظر ما
كان ينبغي أن يحاص لهم به فينتزع من الآخرين ما كان ينقصهم ذلك, فأما
صاحب العبد فيؤخذ من العبد حصة ذلك فيُباع ويُوقف لهم, وأما المُخدم سنة
فيُنظر فيه بما كان يُعمل فيه لو كان الثلث أولاً ضيقاً, فإنما كان يخير الورثة
بين إجازة ذلك أو خلع الثلث للحصاص فيما وقع لهذا المخدم أخذه في جميع
التركة؛ لأن وصيته قد حالت وصاحب العبد يأخذ في عين العبد, فليُنظر الآن في
هذا المخدم, فإن كان قد خدم السنة نًظر إلى قيمتها فاحتبس منها ما كان يقع له
في حصاصه ويُرد ما بقي لهؤلاء مع ما أخذ من صاحب العبد, فإن اكتفوا
بذلك في بقية أعمارهم وإلا أخذوا العبد الراجع إلى الورثة- يريد: لأنه بقية
الثلث- فيوضع لهم, فإن استغرقوه أيضاً ائتنفوا حصاصاً مع أهل الوصايا, ورجعوا
عليهم, ولا يرجعون على الورثة إذ لم يبق بأيديهم من الثلث شيء, وإن
انقرضوا وبقي من ذلك شيء رُد إلى أهل الوصايا بقدر ما انتقصوا.
قال سحنون: إنما ينبغي أن يجمع الثلث كله ما استخدم المخدم والعبد الموصي
به والعبد الذي رجع إلى الورثة بعد الخدمة وما صار على هؤلاء بالنفقة, ثم
يتحاصون في ذلك كله هؤلاء بالنفقة الأولى, وهؤلاء بقدر ما يرى أنه بقي من
أعمارهم, وصاحب الرقبة بالرقبة وصاحب الخدمة بالخدمة.
[المسألة الثالثة: فيمن أوصى لرجل بعشرين ديناراً ولآخر بعشرة ولآخر بدينار كل شهر حياته]
قال ابن نافع: ومن أوصى لرجل [137/ب] بعشرين ديناراً, ولآخر بعشرة,
ولآخر بدينار كل شهر حياته, فعمر ذو الحياة فكان عمره ثلاثين شهراً, فذلك
ثلاثون ديناراً, فإن كان الثلث أربعين ديناراً أخذ كل واحد ثلثي وصيته, فينفق
على صاحب النفقة ثلثا دينار كل شهر مما اجتمع بالحصاص, ولا يُتم له منه دينار
لنقص الوصية, فإن مات وقد بقي مما نابه شيء رد إلى أهل الوصايا
فيتحاصون فيه بقدر ما بقي لهم.
وفيمن أوصى أن ينفق على فلان عشر سنين فعُزل ذلك كله له, ثم مات
بعد سنة إن الباقي راجع إلى ورثة الموصي؛ كما لو أوصى بالنفقة عليه حياته فعُزل
لذلك مال, ثم مات قبل إنقاذه.
قال ابن المواز: لأنه لم تكن معه وصايا تضرب بالثلث, فتكون محاصة.
[المسألة الرابعة: فيمن أوصى لخمسة نفر بنفقتهم حياتهم]
ومن المجموعة وكتاب محمد والعتبية قال مالك: فيمن أوصى لخمسة نفر بنفقتهم حياتهم, قال: يعمرون سبعين سنة ويجمع ما صار لهم بيد عدل, فيُنفق
عليهم منه, فكلما مات منهم أحد رجع على من بقي من الخمسة, فإن ماتوا كلهم
رجع ما بقي إلى أهل الوصايا, إن بقي لهم شيء, فإن استوعبوا رجع ما بقي إلى
الورثة, وإن فرغ المال وهم أحياء, فلا رجوع لهم شيء على أهل الوصايا.
قال ابن كنانة والمغيرة: وإن نابهم نصف وصاياهم لم يعطوا مما أُوقف
لهم كل شهر إلا نفقتهم كاملة لا نصف نفقة كل شهر.
قال غيرهما عن مالك: وكذلك الموصى له بدينار كل شهر فيقع له في
الحصاص نصف دينار كل شهر, فيجمع له, فلا يُعطى منه كل شهر إلا ديناراً؛
لأن الميت قصد التوسعة عليه, فإن مات وقد بقي منه شيء رجع إليهم, وإن عمر
أكثر من ذلك فقد استوفى وصيته.
وقد تقدم لابن نافع أن يعطى من وصيته نصف دينار كل شهر.
[(3)] فصل [في مقدار تعمير من أوصى لهم أعمارهم]
قال - في هذه الكتب - أشهب عن مالك: في الوصية لنفر أن ينفق عليهم أعمارهم, قال: يعمرون سبعين سبعين.
قال غيره عن مالك: يعمرون
ثمانين ثمانين, وإن كان ابن ثمانين عُمر تسعين, وإن كان ابن تسعين عمر مئة,
ويُعمر في كل شيء بقدر ما يرى الإمام من الاجتهاد.
قال ابن المواز: في التعمير في المفقود وغيره من السبعين إلى المئة, والمئة كثير.
قال ابن القاسم: وأحب التعمير إلى سبعون.
وقال علي عن مالك: يعمر أعمارهم أهل زمانه.
[(4)] فصل [في الموصى لهم بالنفقة ما عاشوا, ماذا يفرض لهم؟]
ومن كتاب محمد - وهو يف المجموعة عن مالك - قال في الموصى
لهم بالنفقة ما عاشوا: يفرض لهم الطعام والإدام والماء والحطب والدهن
والثياب, ولا أدري ما ثياب الصون.
قال أبو محمد: يريد: التي يُصان بها لمثل الجمعة وغيرها.
وقال عبد الملك: لا يفرض للموصى له بالنفقة الخدمة, ولا يكون ذلك إلا بوصية
وقال أشهب: إذا أوصى أن ينفق عليهم عشر سنين عُزل لهم ذلك,
فأما الذين يُنفق عليهم حياتهم فيعزل لهم ثلث الميت لا شك فيه,
فيُنفق على كل إنسان منهم, بقدر حاله, وشدة مؤنته وكثرة عياله, فإن مات أحد
منهم كان ما أُوقف له ينفق على بقيتهم, إلا أن يعلم أن من بقي لا يستوعب ذلك
فيُحبس له ما يرى أنه ينفقه, ويرد إلى الورثة ما بقي,
فإن ماتوا وبقي شيء رُد إلى الورثة, وإن نفذت النفقة وبقوا, فلا شيء لهم, إلا
أن يكون رُد إلى الورثة منه شيء فيرجع فيه.
محمد: عن مالك فيمن أوصى لفلان بنفقته وكسوته سنين فدُفع إليه نفقة
سنة, فمات قبل تمامها بأشهر, فما كان من خلق ثوب وشبهه فلا يُرجع فيه,
وما كان من طعام, فإنه يُرجع بما بقي منه.
ومن كتاب ابن المواز والعتبية روى أشهب [138/أ] عن مالك:
فيمن أوصى لخمس أمهات أولاد له أن يعطين من غلة أعذق له من حائطه في
كل سنة ما عشن لكل [لفلانة] خمسة آصع, ولفلانة عشرة ولفلانة كذا
حتى أتمهن كلهن فأخذن كذلك, ثم مات منهن أربع قال: يرجع نصيبهن إلى
الورثة دون الباقية؛
لأنه سمى لكل واحدة ما تأخذ, فلا تزاد,
ولو قال: لكل واحدة خمسة آصع فبقيت واحدة ولم تُغل الأعذق إلا خمسة
آصع, فليس لها منها إلا حصاصها, ولو أصابت النخل ستين صاعاً في
حياتهن, فأخذن ما سمى لهن, فلهن إيقاف ما بقي إذا كانت النخل قد لا تُغل ما
سمى لهن في المستقبل, فيُتم لهن من ذلك, فإن لم يبق منهن إلا واحدة لم يوقف لها
ذلك كله, وليوقف لها منه ما يُرى, وليس لهم أخذ ذلك الفاضل وإن ضمنوه لها
إلا برضاها.
- يعني ما يوجب الحكم إيقافه_.
قال ابن المواز: ولو لم يُسم ما لكل واحدة من الكيل لكان نصيب من
مات منهن لمن بقي, وذلك إذا ماتت قبل طيب الثمرة, فأما بعد طيبها وحلول
بيعها, فذلك لورثة من مات منهن بالوجهين - إذا سمى لكل واحدة
أو لم يسم - وقاله مالك وابن القاسم.
وإن مات بعضهن بعد الإبار, فاختلف فيه أصحاب مالك,
فقال أشهب: ذلك لورثة من مات ممن حُبس علية.
وقال مالك وابن القاسم: لا شيء لورثة من مات إلا بعد طيبه وحلول بيعه.
قال أشهب: وسواء حبس حياة المحبس أو حياة المحبس عليه.
[(5)] فصل [فيمن أوصى لرجل بمئة دينار ينفق عليه منها كل سنة كذا وعلى الموصى له دين]
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم: فيمن أوصى لرجل بمئة دينار
ينفق عليه منها كل سنة كذا, وعليه دين, فقال أهل الدين: عمروه لنا وأعطونا
الفضل, فليس ذلك لهم؛ لأن الفضلة ترجع إلى ورثة الموصى,
ولو أوصى له بنفقة دينار كل شهر, فقالوا: أعطنا ما يفضل من الدينار عن النفقة فذلك لهم؛ لأن الدينار صار مالاً من ماله.
وقال عبد الملك في المجموعة: في الموصى له بالنفقة والخدمة والسكنى
يُفلس, فغن سمى له فضلاً بيناً, مثل خمسة دنانير في الشهر, فهذه وصية بالنفقة
وبغير النفقة, فإن سمى مثل ما بين ضيق وسعتها, فلا شيء فيه للغرماء,
وكذلك في فضل المسكن.
[الباب الثاني عشر] فيمن أوصى بغلة داره, أو جنانه أو غيره للمساكين أو لقوم بأعيانهم وشراء ذلك من الموصى له به
.
[(1) فصل: فيمن أوصى بغلة داره أو جنانه أو غيره للمساكين أو غيرهم
المسألة الأولى: فيمن أوصى بغلة داره أو جنانه أو غيره للمساكين أو غيرهم]
قال ابن القاسم: ومن أوصى بغلة داره أو جنانه للمساكين, جاز ذلك.
محمد: قال أشهب: فإن لم يحمل الثلث الدار أو الجنان أُخرج من ذلك بعينه
ما حمل الثلث, ولا تخيير للورثة فيه ولا قطع الثلث من جميع المال, ولكن ما أوصى
به بعينة, وكذلك لو أوصى بذلك في سبيل الله أو في اليتامى والأرامل فلا تخيير فيه
وإن لم يحمله الثلث, ويكون ما حمل منه موقوفاً تكون غلته فيما ذُكر
كالوصية بالرقبة؛ إذ لا مرجع له إلى الورثة يرجى,
ولو كان على قوم بأعيانهم فلم يسعه الثلث, ولم يُجز الورثة,
قُطع لهم بثلث التركة بتلاً؛ إذ له مرجع إذا هلكوا,
ولو أوصى للمساكين بعدة أو سق من بستانه, أو بدنانير من غلة داره كل عام,
فهذا بخير فيه الورثة, فإما أجازوا أو قطعوا له بالثلث بتلاً, بخلاف وصيته بالجميع
لمن لا انقطاع له.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى بظهر دابته أو بخدمة عبده أو سكن داره للمساكين فلمن يلي النظر أن يؤجر ذلك ويقسم بينهم أو يوقفه فمن احتاج منهم انتفع]
قال ابن القاسم وأشهب: ومن أوصى بظهر دابته أو بخدمة عبده أو
سكنى داره [138/ب] للمساكين, فلينظر من جعل النظر إليه فيه, فإن رأى
أن يؤجر ذلك ويقسم إجارته في المساكين فعل, وإن رأى أن يوقفه فمن احتاج
سكن أو ركب أو اختدم فعل, كمن أوصى بعبد للمساكين, فإن رأى ولي
النظر بيعه وتفرقة ثمنه فعل, وإن رأى أن يدفعه برمته للمساكين يصنعون به ما
شاءوا فعل, فإن لم يحمله الثلث فما حمل منه صنع فيه مثل هذا, ولا يخير الورثة في
هذا؛ لأن الميت استوعب ثلثه وقطعه عنهم للأبد.
قال أبو محمد: يريد لأنه لما أبده للمساكين, فكأنه أوصى لهم بعينه.
[(2)] فصل [في شراء ما أوصى له به]
ومن المدونة قال مالك: ومن أسكن رجلاً داراً حياته, ثم أراد بعد ذلك
أن يبتاع منه السكنى, فلا بأس به.
قال ابن وهب وابن نافع: وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة,
قال سحنون: والرواة كلهم في الدار على ذلك.
لا أعلم بينهم فيه اختلافاً.
قال ابن القاسم: ولا بأس لورثته أيضاً أن يشتروا سكناها, يريد: لأنهم
ورثوا ما كان لميتهم وحلوا محله.
قال ابن القاسم: وكذلك لو أوصى له بثمرة حائطه حياته فلا بأس
لصاحب النخل أن يشتري الثمرة, وإن مات الموصي والثلث يحمل الحائط, فلورثته
أيضاً أن يشتروا الثمرة من الموصى له؛ لأن الأصل لهم, وإنما شراؤهم
للثمرة قبل أن تثمر كشرائهم للسكنى في الغرر سواء, لا بأس به.
وإنما جاز ذلك؛ لأن أصله معروف, فأُرخص فيه كما أُرخص في شراء
العرية بخرصها تمراً, والامتناع من مثل هذا داعية إلى انقطاع المعروف, فخفف لهذا, والله أعلم.
قال ابن القاسم: وكل من حبس على رجل حائطاً له حياته, أو داراً حياته
ثم أراد أن يشتريهما جميعاً, فلا بأس به, وكذلك من أخدم رجلاً عبده حياته أو
أوصى بالخدمة أو السكنى حياته, فلصاحب ذلك أن يشتريه هو أو ورثته من
المعطي, ولا يجوز بيع ذلك من أجنبي, وقد قال مالك فيمن أعرى عرية, ثم
باع بعد ذلك حائطه أو ثمرته أنه يجوز لصاحب الثمرة أن يشتري تلك العرية
بخرصها تمراً, كم يجوز لصاحب الحائط, وكذلك الموصى له بالخدمة حياته يبيع
تلك الخدمة من ورثة الموصى بدين, ولا يجوز بيع تلك الخدمة من أجنبي, وإنما
يجوز أن تبيع خدمة العبد من أجنبي أو تُؤجره إياها مدة قريبة كسنة أو سنتين,
وأمد مأمون, ولا يكريه إلى أجل بعيد غير مأمون, بخلاف كرائه لعبده.
وقد قال مالك: ومن أكرى عبده من رجل عشر سنين, فلا بأس به, وما
رأيت أحداً فعله.
قيل لابن القاسم: فلم أجاز لسيد العبد أن يكريه عشر سنين, ولم يجز
للمخدم حياته أن يكريه أجلاً بعيداً؟ فقال: لأن سيد العبد إذا مات لزم ورثته تمام
الكراء بقية الأجل, والمُخدم حياته إذا مات بطل فضل ما تكاراه إليه؛ لأنه يرجع
إلى ورثته كما رجع إلى ورثة مالكه, فلا يجوز من بيع خدمته إلا الأمد المأمون,
وأما الموصى له بخدمة عبد عشر سنين, فلا بأس أن يكريه فيها؛ لأن المخدم هاهنا
إذا مات ورث ورثته خدمة العبد بقية الأجل
وقال غيره: لم يعتبر موت العبد في الإجازات؛ لأنه أمر لا يقدر على
دفعة, وإن بطلت الإجازة بموت غير العبد فذلك غرر, فمتى صارت الإجازة تبطل
بموت غير العبد لم تجز.
وقال ابن المواز: ومن اسكنه رجل داراً حياته, فلا يجوز له أن يكريها إلا
مدة قريبة [139/أ] كالسنة وشبه ذلك إن اشترط النقد, وإن لم يشترط النقد,
فلا بأس؛ لأنه متى مات انفسخ الكراء ورجعت الدار إلى صاحبها
ومن المدونة: والموصى له بخدمة العبد حياته إذا صالح الورثة من خدمته
على مال, فمات العبد ويقي المخدم حياً, فلا يرجع عليه الورثة بشيء مما أخذ
منهم, وللرجل أن يؤجر ما أوصى له به من سكنى دار أو خدمة عبد, إلا أن
يكون عبداً - قال له: اخدم ابني ما عاش, أو اخدم ابنتي أو ابن أخي وشبه هذا,
ثم أنت حر- وهو من العبيد الذين لا يراد منهم الخدمة وإنما ناحيتهم الحضانة
والكفالة, فليس له أن يؤجره؛ لأن مالكاً قال: فيمن قال لعبده أو لجاريته: اخدم
ابني أو ابنتي أو ابن أخي عشر سنين, أو حتى يبلغ أو ينكح, ثم أنت حر, مات
الذي قيل له: اخدمه قبل الأجل, فإن كان ممن أريد به الخدمة خدم ورثة الذي
مات بقية الأجل, ثم هو حر, وإن كان ممن لا يصلح للخدمة لفراهيته وإنما أُريد
به ناحية الحضانة والكفالة والقيام, عُجل له العتق الساعة ولم يؤخر.
قال مالك: وقد نزل هذا ببلدنا وحكم به وأشرت به.
قال ربيعة: ومن قال لعبده: إذا تزوجت ابني فأنت حر, فبلغ الابن النكاح وهو
موسر, فأبى أن ينكح وتسرر, فإن العبد يعتق الآن؛ لأنه أراد بلوغ أشده وأن
يستعين بالعبد فيما قبل ذلك من السنين.
قال بعض أصحابنا عن غير واحد من فقهائنا: ولو بلغ الابن
النكاح وهو معسر لم يعتق العبد حتى يكون للولد ما يتزوج به مثله في حاله.
[الباب الثالث عشر] فيمن أوصى لرجل بحائط فأثمر, أو بعبد فأفاد مالاً, أو بأمة فولدت.
[(1) فصل أوصى لرجل بحائط فأثمر
المسالة الأولى: فيمن أوصى لرجل برقبة جنانه فأثمر الجنان قبل موت الموصى ثم مات الموصى والثلث يحمل الجنان وما أثمر]
قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجب برقبة جنانه, فأثمر الجنان قبل موت
الموصي بسنة أو سنتين فمات الموصي والثلث يحمل الجنان وما أثمر, فالثمر للورثة
دون الموصى له, وكذلك إذا أُبرت النخل, وأُلقحت الشجر قبل موت الموصي؛
لأن مالكاً قال فيمن أوصى بأمة لرجل, وأوصى بعتقها بعد موته فولدت الأمة قبل
موت الموصي: إن ولدها رقيق للورثة, ولا شيء للموصى له في الولد إلا أن يموت
قبل الإبار أو قبل الولادة, فيكون ذلك للموصى له كالبيع.
وذلك أن الوصايا كلها إنما تنفذ بعد موت الموصي؛ إذ لو شاء
الموصي لرجع عنها, فما كان بعد الموت فكأنه وهبه حينئذ, فكأنه وهب العبد وله
خراج, والأمة ولها ولد, والجنان وقد أبر, فلا يدخل ذلك إلا الموصى به
وحده, وإذا قُومت الأصول وحدها فخرجت من الثلث وكانت الغلات تبعاً لها
وقد كان أُنفق على الجنان نفقة من مال الميت إلى أن نمت ثمرته, فيجب أن يكون
على الموصى له تلك النفقة؛ لأنه لما حمله الثلث كأنه لم يزل ملكاً للموصى له؛
ولأن الميت لم ينتفع بالغلة ولا كثر بها ماله, فلذلك تكون النفقة على الموصى له
والله أعلم.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى لرجل برقبة جنانه فأثمرت بعد موت الموصي وقبل النظر في الثلث]
قال ابن القاسم: وما أثمرت الجنان بعد موت الموصي, وقبل النظر في الثلث,
فتلك الثمرة للموصى له إن حمل الثلث الجنان, ولا تقوم الثمرة مع الأصل؛
لأنها ليست بولادة, وإنما تُقوم مع الأصل بعد موت الموصي الولادة وشبهها,
والثمرة هاهنا بمنزلة الخراج والغلة,
وكذلك ما أفاد المدبر والموصى به لرجل من فوائد بعد موت
الموصي, قبل النظر في الثلث [139/ب] فلا يُقوَّم معهم في الثلث, وإنما يقوم
معهم من أموالهم ما مات السيد وهو بأيديهم, أو نما من ربحه بعد موته,
وليس لهم أن يتجروا فيه بعد موته, فإن فعلوا فالربح بمنزلة رأس المال,
وكذلك لا يقوم مع المُبتل في المرض ما أفاد بعد عتقه قبل موت السيد أو بعد
موته, وهذه فوائد لهم, وللموصى له بالعبد إن حما الثلث رقابهم - يعني: وإن
حمل الثلث بعض الرقاب- أُوقف ذلك المال بأيديهم,
واستحداث الميت الدين في المرض يرد ما بتل من العتق في مرضه, ويضر بالعبد
كما يضره ما تلف.
قال سحنون: وقد قال غير هذا, وهو أكثر الرواة: أن ما اجتمع بعد
موت السيد في حال الإيقاف لاجتماع ماله في يد المدبر أو الموصى بعتقه, أو
برقبته لرجل من مال تقدم لهم أو ما ربحوه فيه من تجارة أو بعمل أيديهم, أو بهبة
أو بغيرها من الفوائد, فإن ذلك كله يقوم معهم في الثلث, خلا أرش ما جُني على
المدبر فليس له, وذلك للسيد كبعض تركته,
وكذلك المبتل في المرض يُقوم ماله معه, وما أفاد من ذلك كله بعد العتق قبل موت
السيد أو بعده, وكذلك الجنان الموصى بها لرجل أن ما أثمر بعد موت الموصي
يُقوم مع الأصول في الثلث, فإن حمل الثلث جميع العبيد الذين ذكرنا كان المال لهم
وللموصى له بالعبد, كذلك الجنان إن حملها الثلث بثمرته كانت الثمرة للموصى
له, وإن حمل الثلث نصف ما ذكرنا وقف المال بأيدي العبيد ولا يُنتزع ممن جرت
فيه حرية منهم, ويكون للموصى له بالجنان نصف النخل ونصف الثمر.
قال سحنون: وهذا أعدل أقاويل أصحابنا.
[(2) فصل: فيمن أوصى لرجل بعبد فأفاد مالاً أو بأمة فولدت]
قال بعض الفقهاء: وذلك أن نماء العبد لم يُختلف فيه, أنه إنما يُقوم على
هيئته يوم التقويم, وكذلك ولد الأمة, ولم يُذكر فيه اختلاف أنه يقوم معها كنماء
أعضائها؛ فكذلك يجب أن تُقوم الغلات مع الرقاب؛ لأنها كالنماء في الموصى
به, وإذا قومنا الغلة مع الأصول, فالنفقة على ذلك من مال الميت؛ لأن في ذلك
انتفاعاً له بتكثير ماله بالغلة مع الأصول.
قال: وإذا مات العبد الموصى به لرجل وترك مالاً- على مذهب من يرى
أن ماله يتبعه في الوصية - فيجب أن يُقوم ماله, فإن خرج من الثلث أخذه الموصى
له, ولو اغتل غلة بعد الموت- فعلى قول من قومه بما اغتل - تُقوم الغلة
للموصى له به, كذلك كأن يجب.
وفي كتاب محمد: إن ما اكتسب, لورثة سيدة إذا مات ولم يكن له مال
مأمون, وكذلك عبده لو جًني عليه فأخذ لذلك أرشاً كان لورثة سيده, ولا شيء
للموصى له به من ذلك, وكذلك لو قتل فقيمته لورثة سيده.
قال بعض الفقهاء: والأشبه أن يكون ذلك الموصى له به, كما وهبه
عبداً فقُتل أن قيمته للموهوب, وأما الموصى بعتقه, فلا شك أن قيمته لورثة سيده؛
إذ لم تتم حريته بل مات عبداً, أما من لم ير تقويم الغلة, فإذا مات العبد فقد
يقال إن ما ترك للورثة لما لم يصح أن تكون الغلة تبعاً له.
حُكي عن بعض شيوخنا القرويين: في العبد الموصى بعتقه إذا
كان له مال اكتسبه قبل الموت, فإنه يقوم معه على القولين, وأما ما اكتسبه بعد
الموت فلا يقوم معه على القول الواحد, وذلك إذا حمله الثلث؛ لأنه إذا كان
الثلث حاملاً له ظهر لنا أن العبد من حين مات سيده وجبت حريته, ومال الحر
تبع له [140/أ] فلا يقوم معه, وأما إن لم يحمل الثلث العبد, فلابد أن يُقوم بماله,
لأنه يوقف بيده؛ إذا قد وجبت الشركة فيه.
قال: وأما ثمر النخل فلا تقوم مع الصول, حمل الأصول الثلث أو لم
يحملها - على أحد القولين - لأن التمر ينقسم, ويبين فيه كل واحد بحقه, والمال
موقوف بيد العبد لا يُقسم, فالمسألتان مفترقة, والله أعلم.