ما لو ضربت بخمسين معنا ما الذي يقع لك؟
مثل أن يكون دين كل واحد منهم مئة, وهم ثلاثة نفر, وفي يد الحميل مئة
وخمسون فنابه في الحصاص الأول خمسون فنصيبك منها خُمسها:
ثلاثون, فنحسبها من الخمسين التي أخذت وترد عشرين.
ثم لا رجوع
لغرماء الحميل على غرماء الذي عليه الدين لما قدمنا, إلا أن يفيد مالاً آخر.
وهو في الحساب يرجع إلى أمر واحد فاعلمه.
[(3) فصل في موت الغريم]
[المسألة الأولى: متى يحق للطالب تعجل دينه من الغريم]
ومن المدونة قال مالك: وان مات الغريم تعجل الطالب
دينه من ماله, فإن لم يدع مالاً, لم يتبع
الكفيل حتى يحل الأجل.
[المسالة الثانية: في موت الغريم مليئاً والطالب وارثه]
قال ابن القاسم: وإن مات الغريم مليئاً والطالب وارثه بريء الحميل؛ لأنه
إن غرم للطالب شيئاً رجع عليه بمثله في تركة الميت, والتركة في يديه,
فصارت كمقاصة.
[المسألة الثالثة: في موت الغريم معدماً, وفي الفرق بين الحمالة والحوالة في موت الغريم]
وإن مات الغريم مُعدماً ضمن الكفيل, وأما في الحوالة, فذلك على
المحال عليه بأصل دين, مات - الغريم الموروث - مليئاً أو
مُعدماً.
[(5/ب)]
[(4) فصل] فيمن تكفل لرجلين بحق فغاب أحدهما وأخذ الآخر حُصته.
قال ابن القاسم: ومن تكفل لرجلين بحق لهما, فغاب أحدهما, واخذ
الحاضر من الكفيل حصته من الدين, فللغائب إذا قدم أن يدخل معه فيما
قبض, وإن كان الحق بكتاب واحدٍ
وكذلك قال مالك - في رجلين لهما دين على رجل بصك واحد,
فاقتضى أحدهما نصيبه دون صاحبه -: فإن صاحبه يشاركه فيما اقتضى, إلا
أن يكون المقتضي أعذر إلى صاحبه عند السلطان, أو أشهد على ذلك
دون السلطان, فلم يخرج معه, ولا وكل, فحينئذ يكون له ما قبض خاصة.
قال بعض فقهائنا القرويين: أما امتناعه بعد الرفع إلى السلطان من
الخروج مع صاحبه فلا يدخل فيما اقتضى فصواب,
وأما إشهاده عليه فيجب ألا ينتفع بذلك؛ كالمقاسمة, فلا يجب أن
يكون إلا بحكم قاضٍ, إلا أن يكون بموضع لا قاضي فيه, ولا سلطان,
فتقوم الجماعة مقام القاضي ويصير ذلك مقاسمة
ولعل ابن القاسم أراد ذلك.
قال ابن القاسم: ولو رفع ذلك إلى الإمام وشريكه غائب, والغريم
حاضر مليء بحقيهما, فقضى للحاضر بأخذ حقه, لم يدخل الغائب عليه فيه
وإن أُعدم الغريم, لو قام الحاضر على الغريم, فلم يجد عنده إلا قدر نصيبه,
قضى له الإمام بما ينوبه في المحاصة أن لو كان صاحبه حاضراً معه, فإن جهل
الإمام فقضى له بجميع حقه كان للقادم أن يدخل معه؛ لأنه كالتفليس.
وقال غيره: إذا لم يكن عنده إلا مقدار حق أحدهما, فقضى للحاضر
بحقه كله, أو بما ينوبه في الحصاص, فللقادم أن يدخل لأنه كالتفليس.
قال يحيى: ذهب ابن القاسم إلى أن يُقضى للشريك الحاضر بما ينوبه ويقر الباقي بيد الغريم, ولا يعجبني.
قال أبو محمد: لعل ابن القاسم يعني: أنه يُقضى بالقسم للحق
للضرورة, فيصير هذا أولى بحصته.
قال بعض فقهاء القرويين: أما إذا كان معه وفاء
بحقيهما فاقتضى نصيبه, فهذا بين لا يدخل عليه فيه؛ لأن ذلك مقاسمة بأمر
السلطان, وأما إن لم يكن معه إلا قدر حق أحدهما, فقسم السلطان ذلك
بينهما فذلك كالتفليس, فيجب أن يُوقف القاضي حق الغائب, فإن أوقفه فلا
شك أن الغائب إذا تلف حقه لا يدخل على الحاضر؛ لأن ضمان الموقوف من
الغائب, فكأنه قد قبضه, وإن أبقى القاضي ذلك بيد الغريم, فيجب أن يكون
القضاء فاسداً, ويرجع على الحاضر فيما اقتضى, ويكون القاضي تعدى
في رده إلى الغريم, فيجب أن يغرم للغائب,
فإن أراد الغير أن القضاء لما وقع فاسداً وجب نقضه,
ويرجع الغائب على الحاضر فصواب,
وإن أراد ابن القاسم: أن السلطان قسم بينهما ولم يُفلسه, فلماذا جعله
إذا قبض الجميع يدخل معه الغائب إذا قدم؟ مع قوله أن لمن أحاط الدين
بماله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض.
وحُكي عن بعض القرويين أنه قال: إذا كان دين الشريكين
مئة دينار فوجد بيد المطلوب ثمانون, فقضى القاضي للحاضر بخمسين, فإن
للغائب إذا أتى أن يرجع على صاحبه بنصف ما قبض, ولا يرجع عليه
بالزائد على الربعين؛ لأن القضاء وقع فاسداً لما أعطاه خمسين, وإنما كان يجب
أن يعطيه أربعين, فاعلم ذلك.
والصواب أن يرجع [6/أ] عليه بالزائد على ما كان يخصه وذلك
عشرة؛ لأن فيها وقع الغلط, ولو لزم ما قال للزم من كان يسأل رجلاً أربعين
ديناراً, فقضاه خمسين غلطاً, ثم فلس الدافع, أن يُرد القضاء لوقوعه فاسداً
ويدخل عليه الغرماء فيه, وهذا خطأ, وإنما يرد الغلط خاصة, ولا حجة له
بغلط القاسم إذا ظهر أنه ينقض القسم؛ لأن ذلك إنما يكون في الرباع,
والعروض, وأما لو اقتسما عيناً, أو ما يكال أو يوزن, وهو جنس واحد - فغلطا
فيه - فإنما يرد الغلط خاصة ممن جاز إليه, ولا يُنقض القسم, فكذلك هذا.
الباب الخامس] فيمن تحمل بمجهول, أو قال للمدعي: احلف وأنا
ضامن, أو عامل فلاناً وأنا ضامن, [وفي الضمان عن الميت
[(1) فصل: في الحمالة بالمجهول]
قال أبو محمد: ولما جازت هبة المجهول جازت الحمالة به؛ لأنها معروف,
والقضاء أن كل من أدى عن رجل حقاً قبله كان له الرجوع به عليه.
قال ابن القاسم في كتاب الشفعة: ومن تكفل عن رجل ولم يذكر
ما عليه جاز, وإن غاب المطلوب قيل للطالب: أثبت حقك ببينة وخذه من
الكفيل, فإن لم يقم بينة وادعى أن له على المطلوب ألف درهم, فله أن يُحلف
الكفيل على علمه, فإن نكل حلف الطالب واستحق.
يريد: ثم لا يرجع الكفيل على المطلوب بما غرم من سبب نكوله, إلا أن
يُقر له المطلوب, وللكفيل أن يُحلفه, فإن نكل المطلوب غرم.
[المسألة الأولى: فيمن قال لرجل ما وجب لك قبل فلان فأنا لك به كفيل]
قال في كتاب الحمالة: ومن قال لرجل ما ذاب لك قبل فلان الذي
تخاصمه فأنا لك به كفيل - ومعنى ما ذاب أي ما صح - فإن استحق قبله ملاً كان
هذا الكفيل ضامناً له - وكل من تبرع بكفالة لزمته - فإن مات هذا الكفيل قبل
ثبات الحق, ثم ثبت الحق بعد موته, لزم ذلك في مال الكفيل.
وقد قال مالك: فيمن قال لرجل: احلف لي أن الذي تدعي قبل أخي
حق, وأنا ضامن, ثم رجع, أنه لا ينفعه رجوعه, ولزمه ذلك إن حلف
الطالب, وإن مات كان ذلك في ماله.
فإن أقر المطلوب بها غرم الحميل, غرم له ذلك
وإن أنكره كان للحميل أن يحلفه, فإن نكل غرم, وليس له
أن يُحلف الحميل؛ إذ لا علم عنده, ولا له أن يحلف الطالب؛ لأنه قد
حلف أولاً, فأشبهت يمينه أيمان التهم: التي بالنكول عنها يغرم.
وقد وقع في كتاب محمد - في المريض يقول -: لي عند فلان كذا, ثم
يموت, أن المطلوب يحلف, وإن لم يكن بينهما خُلطة؛
إذ لا يُتهم المريض في هذا الحال,
فإن نكل غرم إذا لم يكن عند
ورثته علم من هذا.
وليس هذا كهبة ما لم يُقبض حتى مات الواهب؛ لأنها
هبة للذي عليه الدين عن أصل معاوضة للذي له الدين, فلا يفتقر
هبة للذي عليه الدين عن أصل معاوضة للذي له الدين, فلا يفتقر
إلى القبض؛ كحمل الصداق عن الزوج للزوجة, فلا يُبطله موت
الحامل.
[المسألة الثانية: فيمن أوجب على نفسه كفالة أو ضماناً]
قال: وإن أشهد رجل على نفسه أنه ضامن بما قُضي لفلان على
فلان, أو قال: أنا كفيل لفلان بماله على فلان, وهما حاضران أو غائبان, أو أحدهما غائب, لزمه ما أوجب على نفسه من الكفالة والضمان؛ لأن ذلك
معروف, والمعروف من أوجبه على نفسه لزمه.
[المسألة الثالثة: فيمن قال لرجل بايع فلانا وأنا ضامن]
قال مالك رحمه الله: ومن قال لرجل بايع فلانا, أو داينه, فما بايعته به من
شيء, أو داينته به, فأنا ضامن [6/ب] لزمه ذلك إذا ثبت مبلغه.
وقال غيره: إنما يلزمه من ذلك ما كان يشبه أن يداين بمثله المحمول عنه ويبايع به.
وليس بخلاف لابن القاسم
قال ابن القاسم: ولم لم يداينه حتى أتاه الحميل فقال: لا تفعل, فقد بدا
لي فذلك له, بخلاف قوله: احلف وأنا ضامن ثم رجع قبل اليمين, قال: هذا
لا ينفعه رجوعه؛ لأنه حق قد وجب.
[فائدة: في الفرق بين من قال بايع فلانا وأنا ضامن ثم رجع, وبين من قال احلف
لي وأنا أغرم لك ثم أراد الرجوع]
والفرق أن الذي قال: أحلف لي أن الذي ادعى حق, أن المدعي
يقول: أنا قد ادعيت أن لي عليه كذا, وقد أحل هذا نفسه محل المدعى عليه؛
فكما لو قال ادعيت عليه: احلف لي وأنا أغرم لك لم يكن له رجوع,
فكذلك هذا, والذي قال: عامله وأنا ضامن, كقول العامل نفسه: عاملني وأنا
أعطيك حميلاً, فكما كان لهذا أن برجع؛ لأنه لم يدخله في شيء, فكذلك لا
يلزم من قال له: عامله.
وقد قيل: إن ذلك كالوعد لا كالهبة, فلذلك كان له أن يرجع
عنه, إذ لا يُقضى به إلا أن يدخله بوعده في شيء.
وابن وهب يرى أن يُقضى
عليه بالعدة, ولأصبغ فيما ذكر سببه أنه يُقضى عليه به بخلاف غيره.
[(2) فصل الضمان عن الميت]
قال عبد الوهاب: ويجوز الضمان عن الميت خلف وفاء أو لم يُخلف.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا أن يُخلف وفاء.
ودليلنا حديث أبي قتادة في الذي مات وعليه دين, فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم
من الصلاة عليه فلما ضمنه أبو قتادة صلى النبي صلى الله عليه وسلم
عليه.
ولأن كل دين لو كان به وفاء لصح ضمانه, فإنه يصح وإن لم يكن له
وفاء, أصله الضمان عن الحي.
ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال مالك: فيمن مات وعليه من الدين ما
لا يُدري كم هو, وترك مالاً من عين, وعرض ولا يدري كم هو, فتحمل بعض
ورثته بجميع دينه نقداً, أو إلى أجل, على أن يُخلي بينه وبين ماله, فإن كان على:
إن كان فيه فضل بعد وفاء الدين كان بينه وبين بقية الورثة على بعض فرائض الله, وإن
كان ناقصاً فعليه وحده فذلك جائز؛ لأن ذلك منه على وجه المعروف وطلب الخير
للميت ولورثته, وأما إن كان له الفضل بعد وفاء الدين, وعليه النقصان, فلا يجوز؛ لأنه
غرر وغير وجه من الفساد, وصار البيع يُحله ما يُحله.
قال: ولو كان وارثاً واحداً كان جائزاً قال: ولو طرأ غريم لم يعلم به
الابن, فعليه أن يغرم له, ولا ينفعه قوله لم أعلم به, وإنما تحملت بما علمت.
وقال مالك فيمن مات وعليه ثلاثة آلاف دينار, ولم يترك غير ألف
دينار, وولد لا يرثه غيره, فسال غرماء أبيه أن يدعوا له الألف بيده,
وينظروه سنين, ويضمن لهم بقية دينهم فرضوا فذلك جائز.
قال ابن القاسم: وبلغني عن ابن هرمز مثله.
قال مالك: وإن كان معه ورثة غيره وأدخلهم في فضل إن كان, فذلك
جائز, وإن طرأ غريم لم يعلم به, لزمه أن يَغْرَم له.
[الباب السادس] في حمالة الجماعة, وغُرمهم, وتراجعهم.
ابن وهب قال مالك: إن من أمر الناس الجائز عندهم أن يكتب الرجل
حقه على الرجلين, ويشترط أن حكما عن ميتكما, ومليئكما عن مُعدمكما,
ذلك كحمالة أحدهما عن الآخر.
قال ابن القاسم: وإذا تكفل رجلان بمال, وكل واحد ضامن عن
صاحبه, فغاب أحدهما, وغاب الغريم, وغرم الحاضر الجميع, ثم قدم
الغائب والغريم, وهما مليئان, فللكفيل إتباع الغريم بالجميع, وإن شاء اتبعه
بالنصف, ثم اتبع الكفيل الآخر بما أدى [7/أ] عنه؛ لأنه كدين له قبله, لا
كغريم حضر مع كفيل.
قال مالك رحمه الله: وإذا تكفل ثلاثة رجال لرجل بمال من الحملاء إلا
حمالة مبهمة, وأعدم الغريم لم يكن للطالب على من لقى من الحملاء إلا
ثلث الحق, إلا أن يشترط في أصل الكفالة أن بعضهم حميل عن
بعض, فحينئذ إن غاب أحدهم, أو اعدم أخذ من وجد منهم مليئاً
بجميع الحق, وإن لقيهم أملياء لم يأخذ من كل واحد إلا ثلث الحق؛ إذ
لا يتبع الكفيل في حضور المكفول به وملئه.
ولو شرط أيكم شئت أخذت بحقي, ولم يقل بعضكم كفيل ببعض, فله
أخذ أحدهم بجميع الحق, وإن كانوا حضوراً أملياء, ثم لا رجوع
للغارم على أصحابه إذ لم يؤد بالحمالة عنهم, ولكن عن الغريم.
ابن حبيب: وقاله جميع أصحاب مالك.
ولو قال: بعضهم كفيل ببعض - قال مع ذلك: أيكم شئت أخذت
بحقي, أو لم يقل - فإنه إن أخذ من أحدهم في هذا جميع المال,
رجع الغارم على صاحبيه إذا لقيتها بالثلثين, وإن لقي أحدهما رجع عليه بالنصف.
ابن حبيب وقال ابن الماجشون - فيمن باع شيئا من رجلين, شرط
أن يأخذ أيهما شاء بجميع الثمن, أو تحمل رجلان
بدين فشرط عليهما ذلك: فشرطه باطل, وليس له إتباع أحدهما بأكثر من
نصيبه إلا في عدم صاحبه
أو غيبته, كالحمالة المبهمة.
وقال ابن كنانة وأشهب.
وقال ابن القاسم: الشرط اللازم في ذلك كله, ويتبع
أيهما شاء وإن كان الآخر مليئاً حاضراً بخلاف الحمالة
المبهمة؛ والناس عند شروطهم, وقد اختلف قول
مالك في الحميل المبهم: أنه يغرم الجميع فكيف بالشرط
وبه قال أصبع ابن حبيب.
[الباب السابع] شرح مسألة حملاء وبيان حسابها
.
قال غير ابن القاسم: وإذا كان لرجل ستمئة درهم على ستة
رجال, على أن بعضهم حميل عن بعض بجميع المال,
أو على أن كل واحد منهم حميل بجميع المال - قال عن أصحابه, أو لم يقل -
أو قال: على أن كل واحد منهم حميل عن واحد, أو اثنين, أو ثلاثة
منهم, أو أكثر أو عن جميعهم إلا أنه قال بجميع المال,
قال في ذلك ولا براءة له إلا بأدائها, أو لم يقل.
فإن قال مع ذلك: أيكم شئت أخذت بحقي, فله أخذ أحدهم بالجميع,
كان لو يذكر أيكم شئت أخذت بحقي, فغنه إن لقيهم مياسير أخذ كل
واحد بمئة, ولم يكن له أن يأخذ بعضهم ببعض؛ لأن الحميل لا يؤخذ بالحق
عند حضور الغريم وملئه, وإنما يؤخذ إذا كان الغريم عديماً أو غائباً, أو
مُلداً ظالماً.
فأما إن لقي أحدهم فأخذه بستمئة, ثم إن لقي هذا الغارم
للستمئة أحد أصحابه أخذه بمئة أداها عنه, وبنصف الأربعمئة التي أداها عن
الباقين؛ لأنه حميل معه بهم فذلك ثلاثمئة, ثم إن لقي أحدهما أحد الأربعة
الباقين أخذه بخمسين عن نفسه وبخمسة وسبعين بالحمالة, وكذلك إذا
لقي الرابع - المأخوذ من المال - الثالث من الباقين فإنه يأخذه بما أدى عنه من
أصل الدين وبنصفه ما أدى عن أصحابه.
يريد: أن الغارم بخمسة وعشرين ومئة وهو ثالث الأولين
ورابع الباقين لقي أحد الثلاثة الذين لم يغرموا شيئاً, فقال له: أديت خمسة
وسبعين بالحمالة عن ثلاثة أنت أحدهم, [7/ب] فعليك منها في خاصتك
خمسة وعشرون, والخمسون الباقية أنت معي بها حميل فعليك نصفها,
فليأخذ منه خمسين.
ثم قال: فإن لقى الرابع المأخوذ منه الآخر من الأولين الذي لم يرجع
على الرابع.
يريد: أن الغارم للستمئة الراجع منها بثلاثمئة لم يلق أحداً بعد ذلك
حتى لقي رابعاً من الباقين, وهو ثالث من الغارمين, لقيه قبل أن يرجع هو
أيضاً على أحد بشيء مما أدى
قال: فإن هذا الأول يقول له: بقى لي مما أديت بالحمالة مئتان, عن
أربعة أنت أحدهم, فعليك خمسون في خاصيتك, فليأخذ منه, ثم يقول له
:بقيت لي خمسون ومئة أديتها عن أصحابك وأنت معي بهم حميل, فيقول له
هذا الرابع: قد أديت أنا عنهم بالحمالة خمسة وسبعين أيضاً لغيرك ساويتك في
مثلها, وبقيت لك خمسة وسبعون, لك على نصفها فيدفع إليه سبعة
وثلاثين ونصفاً, وهكذا تراجعهم إذا لقي بعضهم بعضاً حتى يؤدي كل واحد
منهم مئة؛ لأن كل واحد منهم كان عليه من أصل الدين مئة.
وأما إن تحمل بعضهم عن بعض على أن كل اثنين حميلان أو ضامنان
بجميع المال - قالا في ذلك: عن أصحابهم أو عن اثنين أو عن واحد
أو على أن كل واحد حميل بنصف جميع المال, فذلك كله سواء, وإن لقي رب
المال اثنين منهم أخذ كل واحد منهم بثلاثمئة, وإن لم يلق إلا واحداً أخذه
بثلاثمئة وخمسين: مئة منها عليه من أصل الدين, ومئتين وخمسين بالحمالة؛
لأنه بنصف ما بقي كفيل, ثم إن لقي هذا الغارم أحد الباقين أخذه
بخمسين عن نفسه, وبنصف المئتين التي أداها بالحمالة, فإن لقي هذا الغارم
الثاني أحداً ممن لم يغرم, قال له: أديت مئة بالحمالة عن أربعة أنت أحدهم
فهلم خمسة وعشرين عن نفسك, ونصف ما بقي بالحمالة, فهكذا تراجعهم
حتى يستووا في الغرم.
قال: وأما إن تحمل بعضهم عن بعض على أن تحمل بعضهم عن بعض على أن كل ثلاثة حملاء بجميع
المال, أو على أن كل ثلاثة حملاء عن ثلاثة, أو عن اثنين, أو عن واحد
بجميع المال, أو على أن كل واحد حميل بثلث المال, فذلك سواء, فإن
لقي ثلاثة أخذهم بالجميع, وإن لقي واحداً أخذه بمئة عن نفسه, وثلث ما
بقي وذلك مئة وستة وستون وثلثان.
وإذا لقي ثلاثة فأخذ منهم جميع
المال, ثم لقي أحدهم أحد الذين لم يغرموا, فإنه يقول له: أديت مئة
بالحمالة عن ثلاثة أنت أحدهم, فهلم ثلثها عن خاصتك, ونصف باقيها
بالحمالة عن الباقين, ثم إن لقي الآخذ لذلك أحد الثلاثة الغارمين معه رجع
عليه بنصف ما فضله حتى يكونا في الغرم سواء, فإن اقتسما ذلك, ثم
لقي الباقي الذي غرم معهما أولاً دخل عليهما فيما بأيديهما من قبل
الثالث المرجوع عليه, حتى يصير ما اخذ من الثالث بينهم أثلاثاً, ثم إن لقي
أحدهم أحداً ممن لم يغرم شيئاً فأخذ منه ما يجب له فلان بد أن يشاركه فيه من
بقي من الاثنين الغارمين معه أولاً, حتى يكون ما أخذ كل واحد بينهم
بالسوء لأنهم حملاء عن أصحابهم فهكذا تراجعهم
وهذا جميع ما في المدونة من هذه المسألة, وبقيت وجوه لم
يذكرها وهو: إذا قال: على أن كل واحد حميل بنصف جميع المال,
أو على أن كل اثنين حميلان بجميع المال,
فلقي أحدهم فأخذه بثلاثمئة وخمسين, ثم إن لقي بعد ذلك ثانياً, فهذا
الوجه لم يذكره.
والجواب فيه أن يقول له: عليك في خاصيتك مئة قد أدى
منها صاحبك عنك خمسين, فبقي لي عليك خمسون [8/أ] فادفعها إلي,
وكان لي على الأربعة الباقين أربعمئة دفع إلي منها صاحبك مائتين؛ لأنه حميل
بنصف ما عليهم, وأنت حميل بنصف ما عليهم وذلك مئتان, فيأخذها منه,
فجميع ما يأخذ منه مئتان وخمسون, وهو الذي بقي له.
وإن شاء قال له: أخذت من صاحبك ثلاثمئة وخمسين - وذلك ما يلزمه إذا
لقيه وحده - فادفع لي أنت ما بقي وهو مئتان وخمسون لأنكما جميعاً حميلان
بجميع المال, ثم إن لقيه الأول يقول له: أديت عنك بالحمالة خمسين
فيأخذها منه, ويقول له أديت عن أصحابك مئتين بالحمالة فهلم نصفها,
فيقول له هذا: قد أديت أنا أيضاً عنهم مئتين بالحمالة فقد استوينا.
فإن قال: على أن كل واحد حميل بثلث جميع المال, أو على أن كل ثلاثة
حملاء بجميع المال, فلقي أحدهم, فأخذ منه مئتين وستة وستين وثلثين,
ثم إن لقي صاحب الدين ثانياً منهم فإنه يقول له: عليك في خاصتك مئة, قد
أدى صاحبك عنك منها ثلاثة وثلاثين وثلثاً, فبقي عليك منها ستة وستون
وثلثان فيأخذها, وذلك مئة وثلاثة وثلاثون وثلث فيأخذ منه
فيكون جميع ما يأخذ من الثاني مئتين.
وإن شاء قال له: قد
أخذت من صاحبك مئتين وستة وستين وثلثين, وأنا لو لقيتكما
جميعاً لأخذت منكما أربعمئة وستة وستين وثلثين, فادفع إلي ما
بقي لي من ذلك وذلك مئتان فيأخذها من.
ثم إن لقي الثالث بعد ذلك, فإنه يقول: له قد أدى عنك
الأول والثاني مما عليك ستة وستين وثلثين, وبقي عليك ثلاثة
وثلاثون وثلث, فيأخذها منه, ثم يقول له: بقي ثلاثة, وأنت
حميل بثلث جميع ما عليهم وذلك مئة فيأخذها منه, وهو جميع ما
بقي له من الستمئة.
وهكذا أبدً يأخذ من الآخر جميع ما بقي له؛
لأنه يقول له: لو لقيتكم كلكم لأخذت منكم جميع المال,
وأصحابك قد أدوا ما يلزمهم فأد أنت ما بقي.
وجميع هذا حفظته
عن بعض شيوخنا, واتفق عليه حذاق أصحابنا.
وإذا قال: على أن كل واحد حميل بجميع المال, فلقي
أحدهم فأخذ منه الستمئة, ثم لقي الغارم أحد أصحابه, فأخذ منه ثلاثمئة,
فإن لقيا ثالثاً قالا له: أدينا بالحمالة أربعمئة عن أربعة أنت أحدهم فهلم ربعها
وثلث ما بقي بالحمالة؛ لأنك معنا بهم حميل, فيأخذان منه مئتين يقتسمانها
فيصير كل واحد من الثلاثة قد غرم مئتين,
ثم إن لقوا رابعاً قالوا له: أدينا بالحمالة ثلاثمئة عن ثلاثة أنت أحدهم فهلم
ثلثها وربع ما بقي بالحمالة؛ لأنك معنا بهم حميل,
فيأخذون منه مئة وخمسين,
فيقتسمها الثلاثة, فيصير كل واحد من الأربعة قد غرم مئة وخمسين,
ثم إن لقوا خامساً قالوا له: أدينا بالحمالة مئتين عن اثنين أنت أحدهما فهلم
نصفها وخمس ما بقي بالحمالة, فيأخذون منه مئة وعشرين, فيقتسمها الأربعة
ثلاثين ثلاثين, فيصير كل واحد قد غرم مئة وعشرين, ثم إن لقوا السادس
قالوا له: أدينا عنك بالحمالة مئة فيأخذونها منه فيقتسمها الخمسة فيصير
كل واحد منهم قد غرم مئة وهو ما عليه.
ولو أن رب الدين لم يأخذ من الأول إلا مئتين, فإن لقي هذا الغارم أحد
أصحابه قال له: أديت مئتين؛ مئة عن نفسي لا أرجع بها على أحد, ومئة
بالحمالة عن خمسة أنت أحدهم, فهلم خمسها عن نفسك, ونصف باقيها
بالحمالة؛ لأنك معي بهم حميل, فجميع ذلك ستون عن نفسه وعشرون,
وأربعون بالحمالة؛ ويصير الأول قد أدى أربعين بالحمالة, فإن لقيا ثالثهما قالا له: أدينا بالحمالة ثمانين عن أربعة أنت أحدهم عليك ربعها وثلث باقيها بالحمالة؛ لأنك معنا بهم حميل, فيأخذان منه أربعين, فيقتسمانها نصفين, فيصير كل واحد منهم قد أدى بالحمالة عشرين عشرين,
ثم إن لقوا رابعاً قالوا له: أدينا بالحمالة ستين عن ثلاثة أنت أحدهم فهلم
ثلثها وربع باقيها بالحمالة لشركتنا فيها, فيأخذون منه ثلاثين فيقتسمها الثلاثة
عشرة عشرة ويستوون في الغرم, ثم إن لقوا الخامس قالوا له: أدينا بالحمالة
أربعين عن اثنين أنت أحدهم فهلم نصفها وخمس باقيها بالحمالة, فيأخذون
منه أربعة وعشرين فيقتسمها الأربعة؛ ستة ستة فيصير كل واحد منهم قد غرم
بالحمالة أربعة أربعة.
فإن لقوا السادس غرموه عشرين فيقتسمونها أربعة
أربعة ويصير كل واحد من الخمسة غرم الأول عشرين وهو ما أدى عنهم.
ولوا أن رب الدين لم يأخذ من الأول إلا مئة, لم يرجع هذا على أحد
من أصحابه بشيء ولو أخذ منه مئة درهم ودرهماً لرجع عليهم بالدرهم
خاصةً على نحو ما وصفنا.
وإنما يرجع هذا الغارم على أصحابه في شرط صاحب الحق حمالة بعضهم
لبعض, قال [8/ب] مع ذلك: وأيكم شئت أخذت بحقي أو لم يقل,
وإذا قال مع ذلك: وأيكم شئت أخذت بحقي فله أخذ أحدهم بجميع
الحق وإن كان الباقون حضوراً أملياء, ثم ليس للغارم منهم أن يرجع على
كل واحد من أصحابه إذا كانوا حضوراً أملياء
إلا بسدس جميع الحق, وهو ما عليه من أصل الدين, وهو في ذلك بخلاف
رب الدين؛ لأن رب الدين هو الذي اشترط: فأيكم شئت أخذت بحقي.
وسواء في هذا كانت الحمالة بعضهم عن بعض, وهم شركاء في السلعة, أو
حمالة عن غيرهم.
وإذا كان إنما تحملوا عن غيرهم, وشرط رب الدين: أيكم شئت أخذت
بحقي ولم يشترط حمالة بعضهم ببعض, فإنه 'ذا أخذ أحدهم بجميع الحق لم
يكن لهذا الغارم أن يرجع على أحد من أصحابه بشيء؛ إذ لم يؤخذ
بالحمالة عنهم, ولكن عن الغريم.
وقد تقدم هذا, ونحو هذا كله في كتاب ابن المواز فاعتمد عليه؛ لأنه
أصل مذهبهم في هذه المسألة, وقد ذكرت حساب هذه المسألة في آخر هذا
الكتاب فمن أحب أن يقف عليه نظر فيه, وبالله التوفيق.
[الباب الثامن] فيمن أخذ حميلاً بعد حميل, أو حميلاً من حميل
وكيف إن أحضر الغريم أحدهم.
قال ابن القاسم: ومن أخذ من غريمه كفيلاً بعد كفيل, فله في عدم
الغريم أن يأخذ بجميع حقه أي الكفيلين شاء, بخلاف كفيلين في صفقة لا
يشترط حمالة بعضهم ببعض, وليس أخذ الحميل الثاني إبراء للحميل الأول,
ولكن كل واحد منهم حميل بالجميع.
قال: ومن أخذ من الكفيل كفيلاً لزمه ما لزم الكفيل.
قال غيره: وكذلك لو تحمل ثلاثة رجال بنفس رجل وكل واحد منهم حميل
بصاحبه, جاز, ومن جاء به منهم بريء هو والباقيان؛ لأنه كوكيلهما في
إحضاره, فإن لم يكن بعضهم حميلاً ببعض, فإن جاء به أحدهم بريء هو
وحده ولم يبرأ صاحباه.
ومن العتبية: روي حسين بن عاصم عن ابن القاسم: إذا تحمل
ثلاثة بمال على أن يأخذ الطالب حيهم بميتهم ومليئهم بمعدمهم وأيهم شاء
أخذه بحقه, إن أخذ من أحدهم حميلاً بما عليه ولم يشترط ذلك على
الحميل, فقام على هذا الحميل في عدم الذي عنه تحمل, فأراد أن يغرمه جميع
المال, فقال الحميل: إنما أغرم ثلثه الذي على صاحبي في نفسه.
قال: يلزمه
جميع الحق؛ لأنه قد لزمه ما لزم من تحمل عنه, يريد: وقد علم الحميل بما
على الحملاء من الشروط.
وقال عنه عيسى: ولو تحمل هذا الحميل عنهم بجميع الحق فأداه, فله أن
يأخذ بالحق كله أحدهم كما كان للطالب؛ وكما لو تحمل هذا بما على
أحدهم كان للغريم أن يتبعه بالحق كله كما له أن يتبع أحد الغرماء.
وإذا أخذت من الحميل, وكان الأول حميلاً بالوجه, والثاني
حميلاً بالمال, فمات الذي عليه الدين, فقد سقطت الحمالة عن الذي تحمل بالوجه
وعن الذي تحمل بالمال؛ سقطت عن الذي تحمل بالوجه بموت الذي تحمل بوجهه,
فإذا سقط الإتباع عن حميل الوجه سقطت الحمالة عن حميله.
ولو لم يمت الغريم, وغاب حميل الوجه, فجاء الحميل عنه بالغريم معدماً, أو
موسراً بريء؛ لأن من تحمل عنه يبرأ بذلك, فإذا بريء الذي تحمل عنه بريء حميله.
ولو مات حميل الوجه لم تسقط الحمالة عند ابن القاسم بموته, وسقطت
عند عبد الملك؛ وكأنه رأي إنما يكلف [9/أ] المجيء به إذا كان حياً, فإذا
مات فقد فات الإتيان به.
وعلى قول ابن القاسم يقال لورثته: ائتوا بالذي عليه الدين فتبرأوا من
الحمالة؛ ولعله يريد: إذا حل أجل الدين, وأما إتيانهم به قبل الأجل فلا
فائدة فيه, وكذلك حميله يقال له ما قيل لورثة الحميل,
وإن مات حميل الحميل الذي تحمل بالمال فالحمالة عليه ثابتة, ولم يذكر
هاهنا أنه يؤخذ من تركته المال فيُقضى منه الذي له الدين دينه, أو
يوقف قدر ذلك؛ لأن الحميل بالمال وهو الميت إنما تحمل بالحميل بالوجه
فلم يجب عليه غرم, ولا طلب بوجه إن لم يحل الأجل.
والذي أرى في هذا أنه يلزمه الغرم على مذهب ابن القاسم في
الحميل بالمال يموت قبل محل الأجل فقد قال ابن القاسم: يلزمه الغرم,
ولم يتوجه أيضاً على الغريم
غرم ولا حل الأجل وكذلك حميل الحميل.
وعلى قول عبد الملك في موت الحميل بالمال يؤخذ المال فيوقف لأنه
يرجع, ولم يتوجه الآن عليه شيء, فكذلك يكون الحكم عنده, وفي حميل
الوجه المذكور.
[الباب التاسع] في تأخير الطالب للحميل أو الغريم
.
قال ابن القاسم: وإذا أخر الطالب الحميل بعد محل الحق, فذلك
تأخير للغريم إلا أن يحلف بالله ما كان ذلك مني تأخيراً للغريم, فيكون له
طلبه؛ لأنه لو وضع الحمالة كان له طلب الغريم
إن قال: وضعت الحمالة دون الحق, فإن نكل لزمه تأخيره,
ولو أخر الغريم كان ذلك تأخيراً للكفيل, ثم للكفيل ألا يرضى بذلك خوفاً
من إعدام الغريم, فإن لم يرض, خير الطالب, فإما برأ الحميل من حمالته
ويصح التأخير, وإلا لم يكن له ذلك إلا برضى الحميل.
قال ابن المواز: قيا لأشهب: فإن أبى الحميل؟ قال: ذلك له, ويقال
لصاحب الحق: إن أسقطت الحمالة صح تأخير الغريم, وإلا حلفت أنك لم
تُرِد إسقاطها, وتطلب دينك من الغريم حالاً.
قال ابن القاسم: فإن سكت الحميل وقد علم بذلك لزمته الحمالة, وإن لم يعلم
حتى حل أجل التأخير, حلف الطالب ما أخره ليبرئ الحميل, وتثبت الحمالة.
قال ابن المواز عن أشهب: فإن نكل سقطت الحمالة.
قال أبو محمد: وقاله يحيى بن عمر.
وقال غير ابن القاسم في المدونة: وإذا كان الغريم مليئاً فأخره
تأخيراً بيناً سقطت الحمالة, وإن أخره ولا شيء عنده, فلا حجة للكفيل
وله طلب الكفيل أو تركه.
وقول الغير: إذا كان الغريم مليئاً فأخره تأخيراً بيناً سقطت
الحمالة, وهو خلاف لابن القاسم: وقوله وإن أخره ولا شيء عنده فلا حجة للكفيل, وله طلبه, لا يخالفه فيه ابن القاسم, والله أعلم.
[مسألة: فيمن كان حميلاً عن رجل فمات فحلل الطالب الميت من الدين]
ابن المواز: قال أشهب عن مالك - فيمن باع سلعة وأخذ حميلاً
وكتب عليهما أيهما شاء أخذ بحقه, فمات الغريم, فبيعت جميع تركته,
فاستوفى ثلثي حقه, ثم سأله الورثة أن يحلل الميت مما بقي, ففعل, فقال له
الحميل: لا شيء لك علي؛ لأنك قد حللت الذي تحملت لك به - قال
مالك: يحلف بالله ما وضع إلا للميت, ثم هو على حقه.
قال ابن المواز: فيها شيء, وقال في موضع آخر: فيها نظر.
وقال مالك فيمن كان له على رجل واحد حقان: حق بحمالة, وحق
بغير حمالة, فمات, فبيعت تركته, فلم تف بما عليه [9/ب], فسأله ورثته أن
يحلل الميت من بقية حقه, ففعل, ثم طلب الحميل قال: أرى أن يكون
الذي وصل إليه من مال الميت بين الحقين بالحصص ويحلف الله ما وضعت إلا
للميت, ثم يكون على الحميل حصته من ذلك الدين.
إنما يتوجه على الحميل العزم متى كان الحق ثابتاً على الغريم, فإذا
سقط عنه أو بعضه, سقط ذلك عن الحميل؛ كما لو أدى الغريم الحق
كله أو بعضه لسقط ذلك عن الحميل, فكذلك 'ذا أسقطه عنه رب الدين.
وما معنى هذا الإسقاط إذا كان يُطلب به الحميل؟ وهو إذا أغرم ذلك
الحميل رجع الحميل بذلك على الغريم, أو على ورثته إن كان ميتاً فما فائدة إسقاط ذلك عن الغريم وتحليله منه إذا كان يُطلب به الحميل متى أعدم؟ [فرع: إذا غاب الغريم, فغرم الحميل لصاحب الحق, ثم قدم الغريم, فذكر أنه دفع لصاحب الحق, وأقام البينة على ذلك] وفي كتاب محمد: إذا غاب الغريم, فغرم الحميل لصاحب الحق, ثم قدم الغريم, فذكر أنه دفع لصاحب الحق, وأقام البينة على ذلك, قال: يُنظر, فإن كان الحميل دفع الحق قبل الغريم, وبعد أن حل الأجل, فله الرجعة على الغريم؛ لأن دفعه كان بحق ويرجع الغريم بما كان دفع على صاحب الحق, وإن كان الغريم هو الدافع قبل الحميل, فلا تباعة للحميل عليه, ويرجع الحميل على صاحب الحق بما كان دفع إليه, وإن جهل أمرهما لم يتبع الحميل إلا لمن دفع إليه, إلا أن تكون له بينة أنه الدافع الأول, أو بقضاء من السلطان بعد أن يحلف الغريم أنه كان الدافع قبل, فإن نكل حلف الحميل وأغرم الغريم فإن نكلا جميعاً لم يكن للحميل على الغريم شيء.
[الباب العاشر] في الحميل يدفع غير ما تحمل به, وفي اشترائه
للدين أو تبرئة الطالب من بعضه.
[(1) فصل دفع الحميل غير ما تحمل به]
قال ابن القاسم: ومن تكفل بمئة دينار هاشمية, فأداها دمشقية - وهي
دونها - برضى الطالب رجع بمثل ما أدى, ولو دفع فيها عرضاً أو طعاماً,
فالغريم مخير في دفع مثل الطعام أو قيمة العرض, أو ما لزمه من أصل الدين.
وقال في كتاب السلم: إن صالحك الكفيل بطعام, أو بما يقضي بمثله
لو يجز؛ لأن الغريم عليه بالخيار, إن شاء أعطاه مثله, أو الدين.
ويجوز بما
يرجع إلى القيمة فيرجع من ذلك أو الدين
قال بعض الفقهاء: لم يذكر اختلافاً إذا دفع من الصنف
الذي على المديان أدنى منه أو أجود أن ذلك جائز؛ إذ لا شك أحد أن أحداً
لا يختار إلا دفع الأخف عليه.
فكأن الدافع على أن ذلك الذي يرجع إليه, فكان ذلك
بخلاف أن يدفع عرضاً أو طعاماً أو دراهم عن دنانير لاختلاف الأغراض فيه,
فيصير الحميل أخرج شيئاً لا يدري ما يرجع إليه, فصار ذلك غرراً, فلم يجزه
تارة لهذا, وأجازه أخرى؛ لأن الدافع كأنه دخل على أن يرجع إليه الأقل مما دفع, أو
ما على المدفوع عنه, إذ هو الغالب من أمر الناس, والله أعلم.
قال في المدونة: ولو دفع ذهباً عن ورق لم يجز ذلك, ورجع الكفيل بما
أدى, وكان للطالب أصل دينه, والحميل به حميل, وهو بخلاف المأمور يدفع
خلاف ما أمر به من العين, وذلك مذكور في كتاب المديان وقد قال ابن
القاسم وغيره: إن المأمور والكفيل إذا دفع ذهباً عن ورق أو طعاماً أو
عرضاً أن الغريم أو الآمر مخير إن شاء دفع ما عليه أو ما دفع هذا عنه؛
لأنه [10/أ] تعدى فيما دفع وهذا أصل التنازع فيه كثير.
ومن كتاب ابن المواز: ومن تحمل بدنانير, فدفع فيها إلى الطالب
دراهم؛ لغيبة الغريم أو عدمه, فأما قبل الأجل فلا يحل, وأما بعد الأجل
فجائز, ثم يخرج الغريم ما عليه من الدنانير فيشتري بها دراهم, فإن نقصت لم
يكن للحميل غيرها, وإن كانت أكثر لم يكن له الفضل, وهذا كله بعد
الأجل.
وكان ابن القاسم يقول: الغريم مخير إن شاء دفع دراهم, وإن شاء
دنانير, ثم رجع, فقال: هذا حرام بين الحميل والغريم.
وقاله أشهب, وهو أحب إلينا.
[(2)] فصل: [في شراء الحميل الدين أو تبرئة الطالب من بعضه]
قال ابن القاسم: ومن تكفل عن رجل بألف درهم ثم أخذ الكفيل
من الغريم سلعة على أن يدفع عنه الألف ثم أغرمها الطالب للغريم,
فللغريم الرجوع بالألف على الكفيل؛ لأنه باعه السلعة بها.
ومن تكفل
لك بمئة حالة, فأبرأته من خمسين على أن يدفع إليك خمسين, فلا يرجع
هو إلا بما أدى, ولك أنت إتباع الغريم بالخمسين الأخرى؛ لأن
تلك البراءة براءة من الحمالة فقط,
وإن تكفل رجلان بألف فأخذ أحدهما من الآخر مئة على أن يدفع عنه
وعن نفسه جميع الألف, فإن حل الأجل والطالب حاضر يقبض
مكانه جاز, وإن اغتزا نفعاً بسلف لتأجيل الدين أو لغيبة
الطالب أو لغير ذلك لم يجز.
قال غيره: فإن أخذ المئة على أمر جائز, ثم صالح الطالب على
خمسين, جاز ورد إلى صاحبه خمسة وسبعين, ثم رجعا على الغريم بخمسين
بينهما نصفين, وإن صالحه على خمسين ومئة جاز, ورد على صاحبه خمسة
وعشرين, ورجعا على الغريم بخمسين ومئة بينهما نصفين,
وإن صالحه على خمسمئة جاز, ورجعا على الغريم بما أديا عنه
مخرج المئة بمئة والآخر بأربعمئة, فإن لقياه عديماً لم يكن للذي أدى الأربعمئة أن يرجع على صاحبه بشيء ويتبعا جميعاً الغريم بما أديا عنه.
[الباب الحادي عشر] في صلح الكفيل أو الغريم, وغُرم الكفيل ورجوعه.
قال في باب بعد هذا: ومن تكفل بطعام من سلم, أو قرض فلا يجوز لك أن تصالح الكفيل, أو الغريم قبل الأجل على بعض الطعام وتترك باقيه؛ لأنه ضع وتعجل, وأما إن حل الأجل جاز ذلك منهما جميعاً, ويرجع الكفيل بما أدى, ولا يجوز لك قبل الأجل - إذا كان الطعام من سلم - أن تصالح الكفيل أو الغريم على حنطة مثل كيل من حنطتك إلا أنها أجود منها أو أدى, - ويدخله في الأجود حط عني الضمان وأزيدك, وفي الأردى ضع وتعجل - ولا يجوز أن تصالح الكفيل بعد محل الأجل على مثل الكيل أو الجنس أجود صفة أو أردى, ولا على أقل كيلاً وأجود صفة, ويجوز أن تأخذ من الغريم بعد محل الأجل مثل الكيل أجود