الجامع لمسائل المدونةصفحات 906-945

وإذا اغتالت المرأة رجلا على مال فقتلته؛ حُكم عليها بحكم المحارب.
ومن قطع يد رجل أو فقأ عينه على وجه الغيلة؛ فلا قصاص له والحكم فيه إلى الإمام إلا أن يتوب قبل أن يُقدر عليه فيكون عليه القصاص.
ومن قُتل وليه قتل غيلة فصالح فيه على الدية فذلك مردود, والحكم فيه إلى الإمام فإما أن يقتله أو يصلبه حيا ثم يقتله على ما يرى من أشنع ذلك.
82 - فصل [في القصاص بين الحر والعبد, والمسلك والكافر] قال مالك: ولا يقتل الحر بالمملوك لقوله تعالى: ﴿الْحُرّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:178]. قال: ولا يقتل المسلم بالكافر إذا قتله عمداً, ولا قصاص بينهما في جرح ولا نفس إلا أن يقتله قتل غيلة, وإن قطع يديه ورجليه غيلة؛ فهذا يحكم فيه الإمام بحكم المحارب.

قال مالك: ويقتل الكافر بالمسلم, والعبد بالحر.
قال: وإذا جرح العبد حراً فأراد القصاص وترك العقل؛ فليس له أن يقتص منه.
وقال عبد العزيز, وابن عبد الحكم: الحر مخير بين أن يقتص منه أو يأخذه بدية الجرح إلا أن يفديه سيده.
قال مالك: وليس بين النصراني والعبد المسلم قصاص.
قال سحنون: في نفس ولا حرج.
قال مالك: ويًقتل اليهودي بالنصراني, والنصراني باليهودي, والمجوسي بهما, ويقتلان به.

وإن قتل مسلم كافراً أو عبداً مسلماً عمداُ؛ ضرب مئة وحبس عاماً, وإن قتل الذمي خطأ فديته على عاقلته, وكذلك إن كانوا جماعة فالدية على عواقلهم, وإن جرحه المسلم أو قطع يديه أو رجليه أو قتله عمداً؛ فذلك كله في ماله, ولا تحمل العاقلة من عمد المسلم في جنايته على الذمي وإلا المأمومة والجائفة, وإنما استحسن مالك حمل العاقلة للمأمومة والجائفة, ولم يكن عنده بالأمر البين.
قال ابن القاسم: وقد اجتمع أمر الناس أن العاقة لا تحمل العمد وفي كتاب الجنايات ذكر القصاص بين العبيد.
83 - فصل [في شهادة الواحد على المسلم بقتل نصراني عمداً] محمد: ولو قام شاهد بأن مسلماً قتل نصرانيا [222/أ] عمداً فاختلف قول مالك فيه:- فالذي قال به أشهب وابن الحكم: أن يحلف المشهود عليه خمسين يميناً, قال أشهب: ويضرب مئة, ويحبس سنة, حلف أو نكل.
والذي قال به ابن القاسم وعبد الملك: أن يحلف ورثة الذمي يميناً واحدة كل واحد منهم ويأخذ ديته, يضرب مئة ويحبس سنة.

محمد: وهذا أحب إلينا إن كان القتل بشاهد عدل, فأما بقول النصراني أو العبد: أن فلاناً قتلني فأحب إلى أن يحلف المدى عليه خمسين يميناً ويبرأ, ولا يجلد ولا يحبس بقول النصراني.
ولو جُرح نصراني بشاهد فنزي في جرحه فمات؛ فقال ابن عبد الحكم: يحلف ولاته يميناً واحدة ويستحقون الدية, لا قسامة لهم, ولا يستقيم أن يحلف أنه مات من الجرح, فلم أجد بداً من أن أحلفهم أحب إلي من أعطيهم بلا يمين, ولا قسامة في النصراني.
84 - فصل [في النصراني يُجرح ثم يُسلم, والعبد يُجرح ثم يعتق ويقول كل منهما: دمي عند فلان] قال مالك: وإذا جُرح النصراني أو العبد المسلم ثم أسلم هذا وعتق هذا, وقال كل واحد منهما: دمي عند فلان؛ فإن كان للنصراني أولياء مسلمون, أو للعبد أولياء أحرار؛ أقسموا مع قوله واستحقوا

الدية في مال الجاني, ولا قود فيه, وقال المغيرة في النصراني يقتل النصراني عنداَ فلما خاف القتل أسلم: فإنه يقتل وإن أسلم وقال عبد الملك: في العبد يجرح العبد ثم يعتق الجارح: فلسيد المجروح أن يستقيد منه بعد العتق.
85 - فصل [في القود من الجماعة للواحد, ومن قطع بضعة لحم من رجل, والقود من اللطمة وضربة السوط] قال في المدونة: وإذا قطع جماعة يد رجل مداً؛ فله أيديهم كلهم, بمنزلة القتل, والعين كذلك.
ومن قطع يد رجل من نصف الساعد اقتص منه كذلك, وإن قطع بضعة من لحمه ففيها القصاص.
قال مالك: ولا قود في اللطمة.
قال ابن القاسم: وفي ضربة السوط القود.
قال سحنون وروى عن مالك: أنه لا قود فيه كاللطمة, وفيه الأدب.

وقد تقدم في كتاب الشهادات: إذا شهد صبيان على كبير قبل أن يفترقوا أنه جرح رجلا أو قتله؛ لم تجز شهادتهم, وإنما تجوز شهادتهم فيما بينهم [222/أ] فقط, وهناك إيعاب هذا.
[86 - فصل: من جنى على جماعة جناية واحدة فقام عليه أحدهم فلا شيء للباقي, وكذلك لو ذهب العضو المماثل من الجاني بأمر من الله تعالى] ومن فقأ أعين جماعة اليمين وقتا بعد وقت ثم قاموا عليه فلتفقأ عينه لجميعهم, وكذلك اليد والرجل, كما لو قتل جماعة فإنما عليه القتل, ولو قام أحدهم وهو أولهم أو آخرهم؛ فله القصاص, ولا شيء لمن بقي, وكذلك لو قتل رجلا عمداً, ثم قتل بعد ذلك رجلا عنداً, فقتل بالأول؛ فلا شيء عليه لمن بقي, ولو قطع يمين رجل ثم ذهبت يد القاطع بأمر من الله عز وجل, أو سرق فقطعت يمينه؛ فلا شيء للمقطوعة يده.
[87 - فصل: في أقطع الكف اليمين يقطع يمين رجل صحيح من المرفق, وفي القصاص من الناقص بالتام وبالعكس] وقال في أقطع الكف اليمين يقطع يمين رجل صحيح من المرفق:

فالمجني عليه مخيّر في أخذ عقل يده, وأما قطع اليد الناقصة من المرفق, ولا عقل له.
محمد: وقال أشهب: لا قصاص له, وإنما مثل ذلك القائم العين يفقأ عين رجل صحيحة فيرضى بالاستقادة فلا يكون ذلك له؛ لأنه مضار حين يرضى بأخذ ما ليس له بعوض مما أصيب به, وإنما له في ذلك الدية في مال الجاني, فإن لم يكن له مال اتبع به دينا.
قال ابن القاسم: وكذلك من قطع يد رجل صحيح والقاطع قد ذهب من يده ثلاثة أصابع؛ فلصاحب اليد أن يقتص من اليد الناقصة ولا عقل له, أو يأخذ العقل ولا قصاص له.
وقال أشهب وعبد الملك: ليس له أن يسقيد إذا كان قاطعه مقطوعاً من يده أكثر من إصبع؛ لأن ذلك من وجه العذاب.
وقد تقدم بعض هذا.

وإذا قطع أشل اليد اليمنى يمين رجل صحيحة فليس له إلا العقل ولا قصاص له.
محمد: وقال أشهب: وذلك إذا يبست وبطلت؛ لأنها غير اليد وهذا من باب التعذيب والضرر وعليه العقل في ماله.
قال أشهب: قال مالك: وأما إن كان فيها منفعة إلا أن بها عيبا أو شللا بيّنا وهو ينتفع بها فرضي أن يستقيد منه من هذه الناقصة وله فيها استمتاع؛ فذلك له إن رضي؛ تُقطع في السرقة, وإن لم تكن منفعة فليس ذلك له.
واليد الشلاء يقطعها رجل صحيح فلا قصاص منها, وكذلك الإصبع قال أشهب: وكذلك إن كان أشل بعضها؛ لأنها لا يستطاع فيها

قود, لأنا نعطيه أكثر من حقه, وإنما فيها العقل بقدر تمام الشلل أو نقصه.
قال مالك: ويكون ذلك في مال الجاني.
قال مالك: ومن قطع أصابع كف منهن أصبعان شلاً [223/أ] فعليه القصاص في الثلاث, وله في الأصبعين حكومة وتكون في مال الجاني, وإن كان ذلك خطأ وبلغ ثلث الدية حملته عاقلته.
[88 - فصل: [في كيفية القود من الجراح من حيث التساوي وعدمه بين عضو الجاني وعضو المجني عليه في القياس] قال في المدونة: ومن شج رجلا موضحة فأخذت مابين قرينه وهى لا تبلغ من الجاني إلا نصف رأسه, أو أخذت نصف رأس المشجوج وهي تبلغ من الجاني ما بين قرنية؛ فإنما ينظر إلى قياس الجرح فيشق في رأس الجاني بقدره.

وقال في غير المدونة: وإن استوعب الرأس ولم يف بالقياس فلا شيء له غيره, ولا يتم له ذلك من الجبهة, وقاله ابن القاسم, وعبد الله وقال أشهب: إذا أوضحه فأخذت ما بين قرنيه؛ فليؤخذ ما بين قرني الجاني كان أكثر في القياس أو اقل' وإن نصفاً فنصف.
وقد قال مالك: فيمن قطع بعض إصبع وإصبعه أول من إصبع الجاني: فلا يقطع بقدره ولكن إن كان قدر ثلث إصبعه قطع من إصبع الآخر ثلثه, وكذلك قصاص الأنملة.
قال في المدونة: وإن أوضحه من قرنه في ضربة فهي موضحة واحدة, وإن ضربه فأوضحه موضحتين؛ فله عقل موضحتين, وما دون الموضحة في العمد ففيه القصاص.

[الباب الواحد والعشرون]

في القاتل أو الجاني يُجنى عليه قبل أن يُقتص منه, أو يقتله الولي بغير أمر السلطان, وفيمن يستقيد في الجراح والقتل

[89 - فصل: في القاتل أو الجاني يُجنى عليه قبل أن يُقتص منه] قال مالك رحمه الله: ومن قتل رجلا عمداً, فعدا عليه أجنبي فقتله عمدا؛ فدمه لأولياء الأول, ويقال لأولياء المقتول الثاني: أرضوا أولياء الأول وشأنكم بقاتل وليكم, في القتل أو العفو, فإن لم يرضوهم فلأولياء الأول قتله أو العفو عنه, ولهم أن لا يرضوا بما بذلوا لهم من الدية أو أكثر منها.
قال مالك: وإن قتل خطأ فديته لأولياء الأول.
قال: ومن قطع يد رجل عمداً ثم قطعت يد القاطع خطأ فديتها للمقطوع الأول, وإن كان عمداً فللأول أن يقتص من قاطع قاطعه.

قال أشهب في غير المدونة: إلا أن يرضيه قاطعه, ويلي هو القصاص لنفسه فذلك له.
قال: ومن فقأ عين رجل ففقأ آخر عين الفاقئ ثم مات الفاقئ الثاني؛ فلا شيء للمفقؤ الأول.
ومن قطع يد رجل من المنكب ثم قُطعت يد القاطع من الكف؛ فالأول مخير [223/ب] إن شاء قطع كف قاطع قاطعه, وإن شاء قطع من المنكب بقية يد قاطعه.
قال في المدونة: ومن قتل رجلا عمداً, فحبس للقتل, ففقأ رجل عينه أو جرحه في السجن عمداً أو خطأ؛ فله القود في العمد, والعقل في الخطأ, وله العفو في عمده, ولا شيء لولاة المقتول في ذلك كله, وإنما لهم سلطان على من أذهب نفسه, وكذلك لو حكم القاضي بقتله فأسلمه إليهم ليقتلوه فقطع رجل يده عمداً, فله القصاص بمنزلة ما وصفنا ومن قتل وليك عمداً فقطعت يده؛ فله أن يقتص منك, ثم تقتله

بوليك, ولو قطعت يده أو فقأت عينه خطأ؛ حملت ذلك عاقلتك, ويستقاد له ما لم يقد منه, وتحمل عاقلته ما أصاب من خطأ, وما أصيب به من الخطأ حملته عاقلة من أصابه.
[90 - فصل: في الولي يقتل القاتل بغير أمر السلطان, وفيمن يستقيد في الجراح والقتل, وفي خطأ الطبيب] ومن وجب لهم الدم قِبَل رجل فقتلوه قبل أن ينتهوا به إلى الإمام؛ فلا شيء عليهم غير الأدب؛ لئلا يجترأ على الدماء.
ولا يُمكن الذي له القود في الجراح أن يقتص لنفسه ولكن يقتص له من يعرف القصاص بأرفق ما يقدر عليه, وأجرة ذلك على من يقتص له.
وأما

في القتل فإنه يدفع إلى ولي المقتول فيقتله ويُنهي عن العبث عليه.
وقال أشهب: النفس والجراح لا ليليه بنفسه خوفا أن يتعدى.
وفي كتاب الجراح من هذا قال ابن القاسم: وإن أخطأ الطبيب فزاد في الجرح فذلك على عاقلته إن بلغ ثلث الدية, وإن اقتص له من موضحة أقل من حقه, أو من أصبع فأبقى أنملة؛ لا يعاد عليه القصاص.

[الباب الثاني والعشرون]

فيمن سقى رجلا ستماً أو سيكراناً فمات منه

[91 - فصل: في القود من ساقي السُّم والقسامة على قول المسموم أو بشاهد واحد] قال ابن القاسم: ومن سقى رجلا سماً فقتله؛ فإنه يقتل به بقدر ما يرى الإمام.

قال ابن حبيب: إذا قال الرجل: فلان سقاني سماً وقد تقيأ منه أو لم يتقيأ فمات منه؛ ففيه القسامة, ولا يقاد من ساقي السم بالسم, بخلاف العصا والخنق, ولا يقاد من حرق النار بالنار, ألا ترى أنه لا يقاتل العدو بها, وكذلك لو شهد شاهد أن فلاناً سقاه سماً فمات؛ كانت فيه القسامة.
قال فيه وفي المدونة: والذين يسقون [224/أ] الناس السيكران فيموتون منه, ويأخذون أموالهم فهم بمنزلة المحاربين.
قال في كتاب أبن حبيب: ولو قالوا: لم نرد قتلهم؛ لم يصدقوا, كما لا يصدق الضارب بالعصا, وقد قتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودية التي سمّت له الشاة, فمات منها ابن معرور, وهو بشر بن

البراء بن معرور.
[92 - فصل: في المرأة تضع السّم لزوجها في طعامه, والشهادة على قوله: أن زوجته وخالتها فعلا ذلك, والقسامة] قال أصبغ: فيمن قرَّبت إليه طعاماً فأكله فتفقأ مكانه أمعاءه فلما أيقن بالموت من ساعته: أشهد أن به امرأته وخالتها فلانة ثم مات, فأقرت امرأته أن ذلك إنما أتتها به خالتها هذه؛ قال: ففي ذلك القسامة.

وقوله: امرأتي وخالتها يكفي, وإن لم يقل: منه أموت, كما يكتفي بذلك في الجرح, وضربة السيف والعصا, وإن لم يقل منه أموت, كما يكتفي بقوله: فلان قتلني, وإن لم يكن به أثر جرح ولا ضرب ولا وصف ضربا, فيقسم على قوله ويقتل به, وقال مالك وجميع أصحابه في العمد والخطأ يقسم ولاته لفلان ضربه ومن ضربه مات إن سمى ضرباً, أو أن فلاناً قتله إن سمى قتلا, ولا يحتاج إلى كشف كيف قتله, أو كيف ضربه.
فإذا ثبت قول الذي تقيأ أمعاءه بشاهدين فليقسم ولاته على إحدى المرأتين وتقتل, ولا ينفع المرأة قولها: خالتي أتتني به, وتضرب الأخرى مئة سوط وتحبس سنة.

[الباب الثالث والعشرون]

فيمن صالح من جرح أو عفا ثم مات منه وفيمن ضُرب فمات مكانه, أو عاش ثم مات, أو أنفذ مقاتله

[93 - فصل: في القسامة فيمن صالح من جرح أو عفا ثم مات منه] قال مالك رحمه الله: ومن صالح من موضحه خطأ على شيء أخذه, ثم نزي فيها فمات, فليقسم ولاته أنه مات منها, ويستحقون الدية على العاقلة, ويرجع الجاني فيما دفع, ويكون في العقل كرجل من قومه, وإن قطع يده عمداً فعفا عنه, ثم مات منها, فلأوليائه القصاص في النفس بقسامة, إن كان عفوه عن اليد لا عن النفس, وللمقتول أن يعفو عن قاتله عمداً, وكذلك في الخطأ إن حمل ذلك الثلث.

94 - فصل [فيمن ضُرب فمات مكانه, أو عاش ثم مات, أو أنفذ مقاتله] ومن ضُرب فمات تحت الضرب أو بقي مغموراً لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات؛ فلا قسامة فيه, وإن أكل أو شرب أو عاش حياة تعرف, ثم مات بعد ذلك, ففيه القسامة في العمد والخطأ, إذ لعله مات من أمر عرض له غير ذلك, وكذلك إن قطع [224/أ] فخذه فعاش يومه, فأكل وشرب ثم مات آخر النهار؛ ففيه القسامة, وأما إن سقت حشوته فتكلم وأكل وعاش يومين أو ثلاثة؛ فإنه يقتل قاتله بغير قسامة إذا كان قد أنفذ مقاتله, ألا ترى أن الشاة إذا خرق السبع بطنها فشق أمعاءها ونثرها أنها لا تؤكل؛ لأنها غير ذكية, وهي لا تحيا بحال.

[95 - فصل: من ضُرب وبه أثر جراح فقال: فلان وفلان قاتلاني, ومن جُرح ثم ضربته دابة, أو وقع من فوق جدار, أو طرحه إنسان من على ظهر بيت فمات] ومن سماع ابن القاسم: وعمن كان بينه وبين رجل قتال فأتى وبه أثر ضرب [و] جراح, فقال: فلان وفلان قاتلاني, وعملا بي هذا, وقد أثرت فيهما في مواضع ذكرها, قال: يسجنان حتى يكشف أمرهما, والصلح في مثل هذا أحب إلي.
وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن جُرح ثم ضربته دابة فمات, فلا يُدري من أي ذلك مات, قال: نصفه الدية على عاقلة الجارح وقال في المجموعة: إذا جرحه رجل ثم ضربته دابة, أو وقع من فوق

جدار فأصابته جراح أخرى ثم مات, فلا يُدرى من أي ذلك مات, فلهم أن يقسموا لمات من جرح الجارح, وهو كمرض المجروح بعد الجرح, وقد قال مالك: إذا مرض المجروح فمات فليقسموا لمات من ضربه, في الخطأ والعمد.
قال ابن المواز: ولو كان أنما طرحه إنسان من على ظهر البيت بعد جرح الأول أقسموا على أيهم شاؤا, على الجارح أو الطارح وقتلوه, وضُرب الآخر مئة وسجن سنة.

[الباب الرابع والعشرون]

عفو الأولياء, وقتلهم, واختلافهم في ذلك, ومن أولى به, وتعديهم فيه

[96 - فصل: في عفو الأولياء, وقتلهم واختلافهم في ذلك, ومن أولى به] قال مالك رحمة الله: وإذا قتل جماعة رجلا عمداً, فللولي قتل من أحب منهم, والعفو عمن أحب والصلح مع من أحب, ولو عفا المقتول عن أحدهم كان للورثة قتل من بقي.
قال ابن القاسم: أولى الأولياء الولد الذكور, ولا حق للأب أو الجد معهم في عفو ولا قيام, وإن كان مع الأب أو الجد بنات فلا عفو لهن إلا به, ولا له إلا بهن فإن لم يكن إلا أب وأم فلا حق للأم مع الأب في عفو ولا قيام, وكذلك إن كان مع الأب [225/أ] إخوة وأخوات فلا حق لهم

معه في عفو ولا قيام, وأما الأم والأخوة فلا عفو لهم إلا بها ولا لها إلا بهم.
وإذا كان له أم وأخوات وعصبة؛ فإن اجتمعت العصبة والأم على العفو جاز على الأخوات, وإن عفا العصبة والأخوات فللأم القيام بالدَّم, وأما الأم والبنات والعصبة؛ فإن عفا البنات والعصبة جاز على الأم, وإن عفت الأم والعصبة لم يجز إلا بعفو البنات؛ لأنهن أقرب.
ومن قُتل عمداً وله أخوة وجد, فمن عفا من الأخوة أو الجد جاز عفوه.
وقال أشهب: ليس للجد معهم عفو ولا قيام, ولا مع بني الأخ, كالولاء بالقعدد.
قال ابن القاسم: وليس للأخوة للأم في العفو في الدم نصيب.
قال عبد الملك: وإذا قُتل رجل وله ابن عبد فعتق بعد القتل فلا

مدخل له مع الأولياء في دم ولا ميراث, ولو ألحق بأبيه بعد القتل لدخل في الولاية وورث المال.
قال ابن القاسم: وإذا قامت بينة بالقتل عمداً وللمقتول بنون وبنات, فعفو البنين جائز على البنات, ولا أمر لهن مع البنين في عفو ولا قيام, فإن عفو على الدية دخل فيها النساء وكانت على فرائض الله عز وجل, وقُضي منها دينه, وإن عفا واحد من البنين سقط حظه من الدية وكان بقيتها بين من بقي الفرائض, وتدخل في ذلك الزوجة وغيرها, وكذلك في هذا إذا وجب الدم بقسامة, ولو أنه عفا على الدية كانت له ولسائر الورثة على المواريث, وإذا عفا جميع البنين فلا شيء للنساء من الدية, وإنما لهن إذا عفا بعض البنين.
الأخوة والأخوات إذا استووا فهم كالبنين والبنات فيما ذكرنا, وإن كن الأخوات شقائق والأخوة للأب فلا عفو إلا باجتماعهم؛ لأن الأخوة لأب معهن عصبة, وإن كان للمقتول بنات وعصبة أو أخوات وعصبة؛ فالقول قول من دعا إلى القتل كان من الرجال أو من النساء ولا عفو إلاّ

باجتماعهم إلا أن يعفو بعض البنات وبعض العصبة أو بعض الأخوات وبعض العصبة فلا سبيل إلى القتل, ويُقضى لمن بقي بالدية.
وإن قال بعض البنات: نقتل, بعضهن: نعفو, نُظر إلى قول العصبة, فإن عفوا تمَّ العفو.
وإن قالوا: نقتل فذلك لهم.
وإن قال بعض البنات وبعض العصبة: نقتل, وعفا من بقي من العصبة والبنات؛ فلا سبيل إلى القتل.
والبنات [225/ب] والأخوات إذا اجتمعن فلا كلام للعصبة؛ لأنهن يحزن الميراث دونهم.
وروى ابن وهب عن مالك: أن البنت يجوز عفوها مع ولاة الدم, ولا يجوز عفو الولاة دونها.
ورواية ابن القاسم: ألا عفو لها إلا بهم, ولا هم إلا بها.
قال في المدونة: وإن لم يترك إلا ابنته وأخته؛ فالابنة أولى بالقتل وبالعفو, وهذا إذا مات مكانه, وإن عاش وأكل وشرب ثم مات؛ فليس لهما أن يقسما؛

لأن النساء لا يقسمن في العمد, وليقسم العصبة, فإن أقسموا وأرادوا القتل وعفت الابنة فلا عفو لها, وإن أرادت القتل وعفا العصبة فلا عفو لهم إلا باجتماع منها ومنهم أو منها ومن بعضهم.
قال مالك: إذا لم يثبت الدم بشاهدين وهو موضع قسامة؛ فللعصبة أو الموالي أن يقسموا ويستحقوا الدم, ولا عفو للنساء معهم؛ لأن الدم بأيمانهم وجب, ولو عفوا بعد وجوب الدم بأيمانهم وأراد البنات القتل فذلك لهن؛ لأن من قام بالدم أحق ممن ترك.
م: وتحصيل مسائل هذا الباب أنه إذا كان الولاة رجالا وهم في القعدد سواء, فالقول قول من دعا إلى العفو, وإن كان بعضهم أقرب فلا قول للأبعد في عفو ولا قيام, وإن كانوا رجالا ونساء وهم في القعدد سواء فلا قول للنساء في عفو ولا قتل, فإن كان النساء أقرب فلا عفو إلا باجتماعهم, وإن انفرد بميراثه النساء واستحقوا الدم بقسامة فلا عفو إلا باجتماع منهن ومن العصبة الذين أقسموا, وإن كان القتل ببينة فليس للعصبة عفو ولا قتل.

97 - فصل [فيمن قُتل ولا عصبة له, وفي الذمي يُسلم ثم يُقتل, وقتل ابن الملاعنة] قال ابن القاسم: وإن كان رجل لا عصبة له وكان القتل خطأ؛ أقسمت ابنته وأخته وأخذتا الدية, وإن كان عمداً لم يجب القتل إلا ببينة.

ومن أسلم من أهل الذمة أو رجل لا تعرف عصبته, فقُتل عمداً ومات مكانه وترك بنات؛ فلهن أن يقتلن, فإن عفا بعضهن وطلب بعضهن القتل؛ نظر السلطان بالاجتهاد في ذلك إذ كان عدلاً, فإن رأى العفو أو القتل أمضاه.
وإذا قُتل ابن الملاعنة ببينة؛ فلأمه أن تقتل كمن قُتل وله أم وعصبة فصاحوا وأبت الأم إلا أن [226/أ] تقتل؛ فذلك لها, فإن ماتت الأم فلورثتها ما كان لها, وكذلك ابن الملاعنة.
قال ابن وهب عن مالك: في أم وأخ وابن عم فعفت الأم وقاما: فلا عفو للأم دونهما.
والجدة للأب أو للأم لا تجري مجرى الأم في عفو

ولا قيام.
[98 - فصل: في القاتل يدعي عفو الولي, أو ادعي بينه غالبة على ذلك, وفي المقتول يترك ولداً صغيراً وعصبة, ومن صالح عن ابنه الصغير عن دم] قال في المدونة: وإن ادعى القاتل أن ولي الدم عفا عنه؛ فله أن يستحلفه, فإن نكل ردت اليمين على القاتل.
م: فيحلف يميناً واحدة لا خمسين يميناً؛ لأن المدعى عليه إنما كان يحلف يميناً واحدة أنه ما عفى عنه فهي اليمين المردودة.
قال ابن القاسم: وإن ادعى القاتل ببنة غائبة على العفو تلوَّم له الإمام.
وإذا كان لمقتول عمداً ولد صغير وإخوة أو بنو عم

فلعصبته تعجيل القتل, أو يأخذون الدية ويعفون, ويجوز ذلك على الصغير, وليس لهم أن يعفوا على غير مال, وكذلك من وجب لابنه الصغير دم عمد أو خطأ؛ لم يجز للأب أن يعفو فيه إلا على الدية لا أقل منها, فإن عفا الأب في الخطأ, وتحمل الدية في ماله؛ جاز ذلك 'ن كان الأب مليئا يعرف ملاؤه, وإن لم يكن مليئا لم يجز عفوه, وكذلك العصبة وإن لم يكونوا أوصياء.
[99 - فصل: في اليتيم يُجرح أو يُقتل] وإذا جُرح الصبي عمداً وله وصي؛ فللوصي أن يقتص له, وأما إن قُتل فولاته أحق من الوصي بالقيام بذلك, وليس للأب أن يعفو عمن جرح ابنه الصغير إلا أن يعوضه من ماله, وليس للوصي أيضاً أن يعفو في ذلك إلا على مال على وجه النظر, والعمد في ذلك والخطأ سواء, ولا يأخذ الأب أو الوصي في ذلك أقل من الأرش إلا أن يكون الجارح عديماً, فيرى الأب أو

الوصي من النظر صلحه على أقل من دية الجرح فذلك جائز.
وقال أشهب في غير المدونة: ذلك في العمد جائز على النظر؛ لأنه ليس له دية معلومة.
قال ابن القاسم: وإن قُتل للصغير عبد عمداً فأحب إليَّ أن يختار أبوه أو وصيه أخذ المال إذ لا نفع له في القصاص.
وفي آخر الكتاب ذكر تفضيل الصحابة مع ما يشبهه.
[100 - فصل: في تعدي الأولياء بقتل القاتل قبل أن ينتهوا به إلى الإمام] قال ابن القاسم: ومن وجب لهم الدم قِبَلَ رجل فقتلوه قبل أن ينتهوا به إلى الإمام؛ فلا شيء عليهم غير الأدب.

[الباب الخامس والعشرون]

في عفو المقتول خطأ عن ديته, ووصيته بثلثه, وفي القاتل يُطلب منه دية العمد في نفس [226/ب] أو جرح فيأبى, ومن عفا عن نصف جرحه

[101 - فصل: في عفو المقتول خطأ عن ديته, ووصيته بثلثه] قال ابن القاسم: قال مالك: وإذا عفا المقتول خطأ عن ديته جاز ذلك في ثلثه, فإن لم يكن له مال, وأوصى مع ذلك بوصايا, فليتحاص العاقلة وأهل الوصايا في ثلث ديته.
ولو أوصى لرجل بثلثه بعد الضرب, دخلت الوصية في ديته؛ لأنه قد علم أن قتل الخطأ مال, وكذلك إن أوصى بثلثه قبل أن يُضرب, وعاش بعد الضرب ومعه من عقله ما يعرف به ما هو فيه, فلم يغير الوصية؛ فإنها تدخل في ديته إلا أن تختلس نفسه ولا يعرف له بعد الضرب حياة, فلا تدخل الوصايا في ديته, ولو كان القتل عمداً فقبل

الأولياء الدية لم تدخل فيها الوصايا, وإن عاش بعد الضرب, وتورث على الفرائض إلا أن يكون عليه دين فأهل الدين أولى بذلك إذ لا ميراث إلا بعد قضاء الدين.
102 - فصل: [في القاتل يُطلب منه دية العمد في نفس أو جرح فيأبى] قال مالك: في قاتل العمد يطلب منه الأولياء الدية فيأبى إلا أن يقتلوه فليس لهم إلا القتل, قال الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] فإن قال بعض الأولياء: نعفوا ولم يعف بعضهم؛ فنصيب من لم يعف من الدية في مال الجاني.
قال ابن القاسم: إذ لا سبيل إلى تبعيض الدم فزال القتل وصار كعمد المأمومة الذي لا يقدر فيه على القصاص.
قال مالك: وكذلك جراح العمد إن طلب المجروح الدية فليس له إلا

القصاص إذا أبى الجاني.
قال محمد: هذا قول مالك وأصحابه؛ ابن القاسم وأشهب وابن وهب قال أشهب: فأما قاتل العمد تطلب منه الدية فيأبى فليس له أن يأبى ويُجبر على ذلك إن كان مليئا؛ لأنه في قتل نفسه ليترك ماله لغيره مضار, ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه جعل للأولياء إن أحبوا فليقتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية).
وقاله ابن المسيب.

[103 - فصل: فيمن عفا عن نصف جرحه] قال سحنون في المجروح يعفو عن نصف جرحه: فإن أمكن القصاص من بعضه اقتص, وإن كان إذا سقط نصفه لم يكن في باقيه قصاص؛ فالجارح يخير, إن شاء أجاز ذلك وأدى نصف عقل الجرح, وإن أبى قيل للمجروح إما أن تقتص أو تعفو.
وقال أشهب: يجبر على أن يعقل له النصف.

[الباب السادس والعشرون]

في القاتل أو غيره يرث بعض الدم, وفي الولي ولد [227/أ] القاتل, وفي هروب القاتل

[104 فصل: في القاتل أو غيره يرث بعض الدم] ومن قتل رجلا عمداً فلم يُقتل حتى مات أحد ورثة المقتول, وكان القاتل وارثه, بطل القصاص؛ لأنه ملك من دمه حصة فهو كالعفو, ولبقية أصحابه عليه حظهم من الدية.
قال أشهب: إلا أن يكونوا من الأولياء؛ الذين من قام بالدم منهم فهو أولى, فإن للباقين أن يقتلوا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا مات وارث المقتول؛ الذي له القيام بالدم, فورثته مقامه في العفو والقتل, وإن مات من ولاة الدم رجل وورثته

رجال ونساء, فللنساء من القتل أو العفو ما للذكور؛ لأنهم ورثوا الدم عمن له العفو والقتل, فهم كإياه.
وقال أشهب في غير المدونة: إن مات من البنين واحد, وترك بنين وبنات؛ فأمر الدم لبنيه دون بناته, فإن عفو جاز عفوهم, كما إذا عفا أعمارهم.
قال ابن القاسم: ومن قُتل عمداً وله بنون وبنات فماتت واحدة من البنات وتركت بنين ذكوراً فلا شيء لهم في الدم من عفو ولا قيام, كما لم يكن لأمهم, وإنما لهم إن عفا بعض البنين الذكور عن الدم حصة أمهم من الدية لا غير.

105 - فصل [في ولي الدم يكون ولد القاتل, وفي قتل الأب ابنه عمداً] ومن قتل رجلا عمداً فكان ولي الدم ولد القاتل فقد كره له مالك القصاص منه, وقال يكره أن يحلفه في الحقوق, فكيف يقتله.
قال أشهب: وقد اختلف في الأب يقتل ابنه عمداً.
فقال أكثر العلماء: لا يقاد من؛ لأنه لا يطلب الدم إلا من هو أبعد من ابنه رحماً منه, ومن لا يلزمه ما يلزم في الأب فكيف يقتل إياه والله عز وجل يقول: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:23] ما أرى فيه إلا الدية على العاقلة.

106 - فصل [في هروب القاتل] قال ابن القاسم: وإذا هرب القاتل فلولاة الدم أن يقيموا عليه البينة في غيبته, ويقضى عليه؛ لجواز القضاء على الغائب, فإذا قدم كان على حجته ولا تعاد البينة.
وقد تقدم في كتاب التفليس: أن المرأة إذا أفلست ثم تزوجت وأخذت مهراً فليس لغرمائها [227/ب] فيه قيام بدينهم, ولا يقضى منه دين ويبقى زوجها بلا جهاز إلا أن يكون الشيء الخفيف كالدينار ونحوه.

جارٍ التحميل