الجامع لمسائل المدونةصفحات 599-638

كتاب المكاتب الأول

صفحات 599-638

هذا قولهم إلا أشهب فإنه قال: وضعها يبرئها من الزوجين, وأما ابن القاسم قال: ليست كالناكحة في العدة تلد من الثاني أو الأول فيبرئها من الزوجين.
قال أصبع: لأن الطلاق والعدة في امرأة المنعي وجبت بعد الحمل, والحمل من غير من تعتد منه, وغير هذا خطأ.
قال ابن المواز: وإذا اعتدت المنعي لها زوجها, ثم تزوجت فلم يبن بها الثاني حتى مات/ المنعي أو طلق, ثم دخل بها الآخر بعد خروجها من عدة الأول فليفرق بينهما, ويؤمر بالتورع عنها, وهي أخف ممن نكح في العدة ودخل بعدها وكمن يواعد فيها ونكح بعدها, وهذا قد عقد وهي ذات زوج, فعقده كلا عقدٍ ولكنه وطئ في نكاح كانت فيه عدة, فليتنزه عنها أحب إلي.
وفي العتبية: روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في التي نُعي لها زوجها تنكح ثم يقدم فتقول: قد نعى لي.
ولم يكن ما ادعت فاشياً, قال مالك: لا ترجم, ودعواها شبهة, ويفسخ نكاحها وترد إلى الأول, وتعتد من مسيس الثاني.
قال بعض فقهائنا عن شيوخنا القرويين فيمن طلق زوجته طلاقاً رجعياً فتزوجت في العدة, وحملت من الثاني قبل انقضاء عدتها: فنفقتها على الزوج الثاني لأن الحمل له, وهي محبوسةً عن الأول فلا تلزمه نفقة.
وحكى أن غيره يرى أن النفقة على الأول لبقاء عصمته, وسواءٌ ارتجعها في العدة أم لا.

قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: ولو كان الأول راجعها في العدة ثم تزوجت في العدة ولم تَعلم برجعته, ولا يكون الثاني ناكحاً في عدة, لأنه إنما تزوج زوجة رجل, ولو لم يراجعها الأول حتى نكحها الثاني ودخل بها في العدة ففسخ نكاحها, وأخذت في العدة منه فراجعها زوجها الأول بقية من عدتها, ووطئها في الثلاث حيض التي اعتدت بها من الزوج الثاني لم يكن الأول واطئا في عدة, لأن الزوجية بينهما قائمة, وإنما عليه أن يستبرئها من وطء هذا الذي تزوجها في العدة, وهذا بيَّن فاعلمه.
[فصل 8 - فيمن بني بأم ولد مات عنها سيدها أو معتقة قبل مضي الحيضة] ومن المدونة: قال غير ابن القاسم: ومن نكح أمَّ ولدٍ قد أعتقها سيدها, أو مات عنها, أو أمةً أعتقها ربَّها وقد وطئها, فدخل بها الزوج قبل أن تمضي الحيضة, فذلك يحرم كالوطء في العدة.
وروى لمالك في أم الولد يموت سيدها فيتزوجها رجلٌ قبل حيضة, أنه متزوجٌ في عدة.
وروى عنه: أنه ليس كالناكح في عدة.
قال الشيخ: فوجه الأولى: أنهم جعلوا الحيضة في أم الولد كالعدة في الحرة فكان الناكح فيها كالناكح في العدة, لأنه أدخل شبهةً في النسب, فوجب تأبيد التحريم عليه كالوطء في العدة.

ووجه الثانية: أن حقيقة هذه الحيضة استبراءٌ لا عدة, لأنها عن وطءٍ بملك, وإنما ذكر الله عز وجل العدة في الزوجات, ولو كانت عدةً لكانت قُرءَين أو شهرين وخمس ليال, لأنها في حكم الإماء, فلما كان غالب حكمها الاستبراء كان الوطء بنكاحٍ فيها كوطء مبتاع الأمة قبل الاستبراء, وذلك لا يوجب تأييد التحريم.
[فصل 9_في وطء السيد لأمته المعتدة] ومن المدونة: قال مالك: وإذا وطاء السيد أمته في عدةٍ من زوجٍ حرٍ أو عبدٍ, حرمت عليه للأبد.
قال: وكل وطءٍ بملكٍ أو شبهة نكاحٍ في عدة نكاح يحرم, ألا ترى أن من طلق زوجته البتة, ثم ابتاعها لا يحل له وطؤها بالملك حتى تنكح زوجاً غيره.
قال ابن وهب عن مالك: ومن وطاء أمةً بنكاحٍ في عدة نكاح, ثم ابتعاها لم تحل له بعد أبداً.
ومن العتبية: روى أبو زيد عن ابن القاسم: ومن نكح أمةً فبنى بها وهي حاملٌ من السيد فسخ ذلك, وليس بواطاءٍ في عدة, ولا تحرم عليه, والوطء بملكٍ أو نكاح ممن ليست في عدة نكاحٍ أو وفاةٍ فليس يحرم.

[فصل 10 - في تأبيد التحريم على الناكح في العدة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: فرق عمر بين المتناكحين في العدة في العمد والجهل, وقال: لا يتناكحان أبداً.
ابن وهب: وقد قال عمر فيمن نكح في العدة فلم يدخل بها حتى فرق بينهما: أنها تتم العدة الأول, ويخطبها الثاني إن شاء, وإن دخل بها لم تحل له أبدا.
قال عبد الوهاب: لأنه إذا لم يدخل بها لم يدخل في النسب شبهة, وهذا الظاهر, وقد قيل: يتأبَّد التحريم عليه.
ووجه ذلك: قوله / عز وجل: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة:235], فارتكب النهي فعوقب بتأبيد التحريم.
قال الشيخ: لأن من أصلنا أنَّا نحرِّم بالأقل, وقد حرم الله عز وجل ما نكح الآباء, فكان العقد على الزوجة تحريماً على الأبناء كالدخول, فكذلك هذا.

[الباب السابع]

فيمن أتت بولد بعد العدة وقد نكحت زوجا أم لا

روى ابن وهب عن اللَّيث بن سعد عن ابن عجلان أن امرأته وضعت له ولداً في أربع سنين, ووضعت له آخر في سبع سنين.
وسئل أبو عمران عما يقال أن مالكاً أقام في بطن أمه سنتين؟ فقال: ذكره الواقِدي, وأخذه عنه ابن قُتيبة.
وقيل لابن القاسم: فمن طلق نفسه ثلاثاً أو واحدةً فأتت بولدٍ لأكثر من سنتين أيلزم الزوج الولد؟ قال: نعم يلزمه عند مالك إذا جاءت به في ثلاث سنين أو أربعٍ أو خمس, وهو رأيي.

قال: وكان مالك يقول: إذا جاءت به لما يشبه أن تلد له النساء لزمه.
وقد ذكرنا وجه ذلك قبل هذا.
قال ابن القاسم: كل معتدةٍ من وفاةٍ أو طلاق بائنٍ أو غير بائنٍ تأتي بولدٍ وقد أقرت بانقضاء عدتها أو لم تُقر, فإنه يلحق بالزوج ما بينها وبين خمس سنين فأدنى, إلا أن ينفيه الحي بلعان, ويدعي أنه استبرأ قبل طلاقه, فلا يضرها ما أقرت به من انقضاء العدة, لأنها تقول: حضتُ وأنا حاملٌ ولا علم لي بالحمل, وقد قُهراق المرآة الدم على الحمل.
وكذلك إن طلقت وارتابت بتأخير حيض فاعتدت بسنة, فإنها تحل إلا أن تستراب بعد ذلك فتنتظر حتى تذهب ريبتها, فإن تمادت الريبة جلست ما بينها وبين خمس سنين, فما وضعت بعد ذلك لم يلحق بالزوج وإن أتت به بعد ذلك لشهرين أو ثلاثة, وتحد المرأة, وإن مضى لهذه المطلقة خمس سنين إلا خمسة أشهرٍ ولم تقر بانقضاء العدة ثم تزوجت, فإن قالت: إنما تزوجت بعد العدة وبعد زوال الريبة صدقت, ولا تنكح المسترابة البطن إلا بعد زوال الريبة, أو بعد خمس سنين, فإن نكحت قبل خمس سنين بأربعة أشهرٍ فأتت بولدٍ لخمسة أشهرٍ من يوم نكحت لم يلحق بأحد الزوجين وحُدَّت, وفسخ نكاح الثاني, لأنه نكح حاملاً.
قال الشيخ: وحكي لنا عن بعض شيوخنا القرويين: أن الشيخ أبا الحسن كان يستعظم أن يُنفى الولد من الزوج الأول وأن تحد المرأة حين زادت على الخمس سنين بشهر, وكان يقول: كأن الخمس سنين فرضٌ من الله عز وجل ورسوله!.

وقد اختلف قول مالكٍ وغيره في مدة الحمل, فقال مرة: يلحق الحمل إلى سبع سنين, وقال: إلى دون ذلك, فكيف ينفي الولد وترجم المرأة فيمن كان القول فيها على مثل هذا, هذا عظيم! قال مالك: وإن نكحت امرأةٌ ودخلت في العدة قبل حيضة, ثم ظهر بها حملٌ فهو للأول, وتحرم على الثاني, ولو نكحت بعد حيضةٍ فهو للثاني إن وضعته لستة أشهرٍ فأكثر من يوم دخل بها الثاني, فإن وضعته لأقل فهو للأول, وهذا حكم النكاح, وإنما القَافَة في الأمة يطؤها السيدان في طهرٍ واحدٍ فتأتي بولد.
قال: وكذلك من نكح في عدة وفاةٍ بعد حيضة, أو قبل في لحوق الولد.
قال ابن القاسم: وعدتها منهما وضع الحمل / ألحقت الولد بالأول أو بالثاني, وهو فيها أقصى الأجلين.
قال ابن المواز: ومن تزوج امرأةً في العدة قبل حيضة فأتت بولد يريد لستة أشهر فهو للأول إلا أن ينفيه بلعان, فإن التعن لم تلتعن هي وكان بالثاني لاحقاً إلا أن ينفيه, فإن نفاه بلعانٍ التعنت هي, وإن نكلت حُدَّت, ولو التعن الثاني ثم استلحقه الأول لحق به ولم يُحد, إذ لم ينفه إلى زنا, وإذا كان الثاني هو مستلحقه دون الأول لحق به وحُد, لأنه كان نفاه إلى غير أب.
ومن استلحقه منهما أولاً لحق به, ثم لا دعوى للثاني فيه, ولو ادعاه الأول قبل لعان الثاني لم يقبل منه, لأنه ابنٌ للثاني, ولو استلحقاه كلاهما بعد التعانهما كان الأول أحق به.

[الباب الثامن]

في امرأة الخصي والصبي تأتي بولد, وعدتها منه وعدة الذمية تسلم تحت ذمي, والعدة في النكاح الفاسد وتصادق الزوجين على نفي المسيس

[فصل 1_ في امرأة الصبي تأتي بولد, وعدتها منه] قال مالك: وإذا كان الصبي لا يولد لمثله وهو يقوى على الجماع, فظهر بامرأته حملٌ لم يلحق به وتحدُّ المرأة, وإن مات هذا الصبي لم تنقض عدتها من الوفاة بوضع حملها, وعليها أربعة أشهرٍ وعشراً من يوم مات, وإنما الحمل الذي تنقضي به العدة الحمل الذي يثبت به نسبه من أبيه, خلا الملاعنة خاصةً فإنها تحل بالوضع وإن لم تلحقه بالزوج, وإذا مات الزوج وهي في العدة لم تنتقل إلى عدة الوفاة يريد وكذلك المختلعة والمنعي لها زوجها والمعتدة من وفاةٍ فتتزوج فتحمل من الآخر أو تكون حاملاً من الأول فيلحق الولد بأحدهما, فإنه تنقضي به عدتها من الآخر وإن لم يلحق به, وقد تقدم هذا.
قال مالك: وإذا دخل الصبي بزوجته ومثله يقوى على الجماع ولا يولد لمثله ثم صالح عنه أبوه أو وصيه, فلا عدة على امرأته, ولا صداق لها, ولا غُسْل عليها من وطئه إلا أن تَلْتَذَّ
يعني: اُنزلت.
فصل [2_في امرأة الخصي تأتي بولد, وعدتها منه] قال مالك: والخَصِي لا يلزمه ولدٌ إن أتت به امرأته إلا أن يُعلم أنه يولد لمثله فيلزمه.

قال ابن حبيب: وإن كان الخصي مقطوع الخصا والعسيب ممسوحاً فلا عدة عليها من طلاقه, وهي داخلةٌ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49].
وإن جاءت بولدٍ لم يُلحق به, وعلى امرأته الحد.
وإذا بقي معه أنثياه أو اليسرى وبقي معه من عَسِيبه بعضه فالولد لا حقٌ به إلا أن ينفيه بلعان, وعليها العدة, وروى ذلك عن مالك.
[فصل 3_في عدة الذمية تسلم تحت ذمي] ومن المدونة: قال مالك: وإذا أسلمت ذميةٌ تحت ذميٍّ, ثم مات وهي في عدتها لم تنتقل إلى عدة الوفاة, وتمادت على عدتها ثلاث حيض.
قال غيره: وناكحها ناكحٌ في عدة.
قال مالك: ولا شيء لها من المهر إن لم يكن دخل بها, مات أو لم يمت.
قال في المستخرجة: فإن تزوجها مسلمٌ بعض حيضةٍ لم يفسخ نكاحه, دخل بها أم لا, لأن مالكاً كان يقول قديماً: عدتها حيضة.
وقال أصبغ في كتاب ابن المواز كقول ابن القاسم.

ابن المواز: وقال ابن وهب يفسخ نكاحه.
[فصل 4_في العدة في النكاح الفاسد] ومن المدونة: قال: وما فسخ من نكاحٍ فاسدٍ, أو ذات محرمٍ, أو المنعي لها تنكح, أو أمةٍ بغير إذن سيدها: فالعدة في ذلك كله كعدة النكاح الصحيح, ويعتددن في بيوتهن./ فصل [5_في تصادق الزوجين علي نفي المسيس] ومن المدونة: وإذا تصادق الزوجان بعد الخلوة في النكاح الفاسد أو الصحيح على نفي المسيس لم تسقط العدة بذلك, لأنه لو كان ولدٌ لثبت نسبه إلا أن ينفيه بلعان, ولا يكون لها صداقٌ ولا نصفه, لأنها لم تطلبه, وتُعَاضُ من تلذُّذه بها إن كان تلذَّذ منها بشيء, وقيل: لا تُعَاض.

[الباب التاسع]

في امرأة المفقود والأسير وماله وميراثه وفي التي يبلغها الطلاق ولم تبلغها الرجعة

[فصل 1_في امرأة المفقود وما يضرب لها من الأجل] وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لامرأة المفقود أربع سنين, ثم تعتد عدة الوفاة ثم تحل.
قال مالك: وبلغني عنه في امرأة المفقود, وفي التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة أنها إن تزوجت ثم قدم الأول فإنه أحق بها ما لم يدخل بها الثاني, وهذا أحب ما سمعت إلى فيها وفي امرأة المفقود.
قال: وإنما يضرب السلطان الأجل لامرأة المفقود بعد أن ترفع إليه, وإن لم تقم إلا بعد سنين, وإنما يضرب لها بعد الكشف عنه, وإن علم إلي أي جهةٍ خرج إليها كتب إليها في الكشف عنه, فإذا أيس من عِلُمِ خَبَرِه ضرب لها من يومئذٍ للحر أربع سنين, وللعبد سنتين, وسواءٌ كانت الزوجة حرةً أو أمةً.
قال: ثم تعتد هي بعد ذلك دون أمر الإمام كعدة الوفاة, كان زوجها دخل بها أم لا, وعليها الإحداد.
قال ابن الماجشون: لا إحداد عليها, ولها ذلك في يقين الموت.
قال الشيخ: وروي لمالك: إذا كان للمفقود امرأتان فرفعت أحداهما أمرها إلى السلطان, فضرب له أجل أربع سنين, ثم بعد ذلك رفعت المرأة الأخرى أمرها, قال مالك: لا يستأنف لها ضرباً.

وذكر لنا عن بعض شيوخنا مثل هذا.
قال: وكذلك إن قامت بعد مضي الأجل والعدة فإنه يجزئها, وضرب الإمام الأجل لواحدةٍ من نسائه كضربه لجميعهن, كما أن تفليس المِديان لأحد الغرماء تفليسٌ لجميعهم, وقيام واحدٍ كقيام الجماعة.
وذكر عن أبي عمران أنه يضرب للثانية الأجل حين ترفع إليه من غير أن يكشف عن أمر المفقود, لأنه قد كشف عنه للأولى.
قال بعض فقهائنا: وهذا أصح, والله أعلم.
قال عبد الوهاب: وإنما قلنا: أن الإمام يكشف عن خبره إذا رفعت زوجته ذلك إليه ثم يضرب له أجل أربع سنين ليزيل الضرر عنها, ولا يجوز له ضرب الأجل قبل السؤال والبحث, لجواز أن يكون حياً, وإنما يضرب له الأجل أربع سنين لاجتماع الصحابة على ذلك, وروي عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم: أنه يضرب له أجل أربع سنين, ومثله عن جماعةٍ من التابعين, ولم يحفظ خلافٌ عن أحدٍ من الصدر الأول في ذلك, ولأن أصل ضرب الأجل إنما هو للغالب من مدة الحمل, وغالبه هذا المقدار, ولأنه لما كان لها الخيار في الفرقة مع العِنَّة والإيلاء ولم يكن فيهما إلا فقد الوطء دون فقد العشرة والنفقة, كان في مسألتنا الجامعة لفقد ذلك أولى, وإنما جعلنا عليها عدة الوفاة دون عدة الطلاق,

لأن الغالب من شأنه الموت, إذ لو كان حياً لكان في طول البحث يعلم حاله, ولا يجوز لمحكومٍ لها بالمفارقة أن تتزوج إلا بعد العدة, لأن الطلاق لا يوجب عدةً قبل الدخول / فاحتبط بهذا للزوج الأول وللنسب, فبني أمره على الغالب وهو الموت ولم تكن لها نفقةً في هذه العدة, لأنها عدة وفاة, ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها, وهو في ذلك بخلاف الأجل الذي لها النفقة فيه, وإنما قلنا: إذا انقضت العدة كان لها التزويج, لأن الخبر ورد بذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما, ولأن العدة لو لم تُفِدْ إباحة تزويجها لكان لا معنى لها, وإنما لم تحتج فيه إلى إذن الإمام لأن إذنه قد حصل بضرب الأجل, لأن فائدة حبسها عن التزويج قبل انقضائه زوال المنع بانقضائه.
قال أبو عمران: أحسن ما يعتمد عليه في تصحيح أربع سنين للمفقود أن يقال: إن عمر وعثمان وغيرهما من جميع من ذهب إلى إبانة المرأة من عصمته مع تجويز حياته اتفقوا على توقيت أربع سنين, والمخالفون لهم قالوا: لا تنكح أبداً حتى تتيقن وفاته, كان للسلف قولان لم يجز إحداث قولٍ ثالثٍ بعد انقراضهم, وإنما يجوز لمن بعدهم التمسك بما رأوه أصوب من ذلك, وضعَّف

قول الأبهري: إن توقيت أربع سنين إنما هو لأنه أقصى مدة الحمل, وذلك منتقِضٌ بقول مالكٍ في العبد: أنه يضرب له أجل نصف ذلك, وأنه اختلف قوله في أقصى مدة الحمل.
[فصل 2_في الحكم إن قدم المفقود قبل نكاحها أو بعده] ومن المدونة: قال مالك: فإن قدم أو صحَّت حياته قبل أن تنكح مُنعت من النكاح, وكانت زوجةً بحالها, وكذلك لو تزوجت ولم يدخل بها لفسخ نكاح الثاني وردت إلى الأول, وكذلك التي يبلغها الطلاق ولم تبلغها الرجعة, فإن لم تعلم هي ولم يقدم هو حتى دخل بها الثاني, فالثاني أحق بها.
وأول قولي مالك فيها: إن عقد نكاح الثاني دون البناء يُفِيتُها على الأول, وأخذ به المغيرة وغيره.
وأخذ ابن القاسم وأشهب بقوله الآخر: إن الأول أحق بها ما لم يدخل بها الثاني.
قال الشيخ: وعلى هذا القول الذي لا يُفِيتُها إلا دخول الثاني بها, فيجب أن تقع به الحرمة وإن لم يدخل بها.
وقد اختلف هل يقع التحريم في النكاح المختلف في فسخه؟ وهذا أقوى في التحريم لقوة الاختلاف فيه.
قال عبد الوهاب: وإنما قال: إذا جاء زوجها في الأجل أو في العدة أو قبل تزويجها فهو أحق بها, لأن الأجل إنما ضرب لمجيئه, والعدة لوفاته فلم يكن ذلك ولم تَفُت بتزويج, فلذلك كانت باقيةً على زوجيته, وإنما قال: وإن جاء

بعد عقد الثاني ودخوله فلا مقال له, لأنها قد فاتت بالوطء وحكم الحاكم, لأن اعتدادها بأمره حكم بالفراق عليه, وأما إن جاء بعد التزويج وقبل الدخول فوجه قول مالك الأول: أنها نكحت بعد الاعتداد وضرب الأجل كما لو دخل.
ووجه الآخر: أنه عقد نكاحٍ مختلَف فيه طرأ عليه عقد النكاح صحيحٍ تقدمه, فوجب أن لا يفيتها إلا بأن يُضمَّ إليه دخول, أصله نكاح الوليين.
قال الشيخ: وأيضاً فإن النكاح الثاني من نكاحٍ صحيحٍ لم يدخل فيه, والأول نكاحٌ صحيحٌ دخل فيه, فقد زاد مزيَّة الدخول على الثاني فكان أولى, وإن دخل الثاني فقد استوت مزيتهما وزاد عليه الثاني الحيازة فكان أولى.
قال ابن الجلَّاب: وإن فقد قبل الدخول أعطيت المرأة نصف صداقها, قال: فإن ثبتت بعد ذلك وفاته أكمل لها صداقها, وكذلك إن مضى عليه من الزمان ما لا يحيا لمثله دفع إليها بقية صداقها.
قال الشيخ: وقاله عبد الملك. وقيل: يدفع لها أولاً صداقها كله, فإن جاء بعد ذلك زوجها حياً رجع عليها بنصفه, وقيل: لا يرجع عليها بشيء.
قال الشيخ: فوجه قوله: يدفع إليها نصف صداقها خوفاً أن يكون زوجها حياً فتعد فرقته طلاقاً.
ووجه أنه يدفع إليها جميعه: / لأنه أنزله بمنزلة الميت, واعتدت لوفاته فكان لها جميعه كالمتوفى عنها زوجها.

ووجه إن جاء حياً رجع عليها بنصفه: لأنه قد بان صحة الفرقة أنها كانت طلاقا.
ووجه أنه لا يرجع عليها بشيء: لأنه حكمٌ نفذ فلا يُنقَض.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: إذا قضى لزوجته بجميع الصداق قبل البناء, ثم قدم [يريد] وقد تزوجت ردت نصفه, ثم رجع فقال: لا ترد شيئاً كالميت والمعترض.
قال ابن المواز: وهذا استحسان, والأول أقيس, وهو أحب إلي, وقاله أصبغ.
[قال الشيخ]: قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وإذا ضرب لها الأجل واعتدت ثم أرادت أن تبقى على عصمة المفقود فليس لها ذلك, لأنها صارت مباحةً للأزواج, ولا حجة أنه لو قدم لكان أحق بها, لأنها إنما أمرت بالعدة للفراق, فتجبر على ذلك حتى تظهر حياته, ألا ترى أنها لو ماتت بعد العدة لم يوقف له منها ميراث, وإن كان لو علمت حياته ردت إليه.
وكذلك قال أبو عمران: إذا اعتدت أو مضت بعض العدة لم يكن لها أن ترجع إلى عصمته, وقد وجبت عليها العدة والإحداد, فليس لها أن تسقط ما وجب عليها باختيارها.
وأما في الأربع سنين فلها ذلك, لأنها لم تجب عليها عدة.
قال: ومتى ما رفعت بعد ذلك, ابتدأ لها الضرب.

قال الشيخ: وحكى ابن عَيشُون الطُّلَيطِلي عن ابن نافع: أنها إذا اعتدت ثم قدم المفقود أنه لا سبيل له إليها, لأنها أبيحت للأزواج إلا بصداقٍ مبتدأ.
قال أبو عمران: وتواليف ابن عَيشُون الطُّلَيطِلي مُختَلَّةٌ ونقلُه ضعيف.
[فصل 3_في الحكم إن رجعت إلى الأول قبل بناء الثاني أو مات الثاني بعد البناء] ومن المدونة: قال مالك: فإذا رجعت إلى الأول قبل بناء الثاني كانت عنده على الطلاق كله, وإنما تقع عليها طلقة بدخول الثاني, فأما قبل ذلك فلا, لأنه قد وقع الفراق, وقبل الدخول قد فسخ نكاح الثاني, وبقيت على الزوجية الأولى.
قال مالك: وإذا مات عنها الثاني بعد البناء ثم تزوجها الأول رجعت عنده على تطليقتين إلا أن يتقدم له فيها طلاق.
قال ابن القاسم: وإذا علم أن المفقود مات بعد نكاح الثاني وقبل دخوله فموته هاهنا كقدومه حينئذ, فيفسخ نكاح الثاني, وترث الأول, وتعتد لوفاته من يوم صحة موته, لأن عصمة الأول لم تسقط, وإنما تسقط بدخول الآخر.
قال الشيخ: وهذا على قوله الآخر: انها لا تفوت إلا بالدخول, ولأن موته في هذا القول قبل دخول الثاني يصير الثاني كأنه نكاحٌ في عدة, لأنها باقيةٌ على عصمة الأول, وتلزمها بموته عدة الوفاة, وقد صارت في حال العدة متزوجةً لغيره لم يُدخَل بها.

[فصل 4 - في الحكم إن مات الثاني قبل البناء أو علم موت الأول بعده] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن مات الثاني قبل البناء فورثته, ثم عُلِمَ أن الأول حيٌّ ردت ميراثها من الثاني, ورجعت إلى حكم عصمة الأول في حياته وموته, ولو علم أن الأول مات بعد بناء الثاني فهو كمجيئه حينئذ, فتثبت عصمة الثاني ولا ترث الأول.
ابن المواز: ولو دخل بها الثاني ثم علم أن المفقود مات قبل دخول الثاني كان نكاح الثاني مفسوخاً.
قال الشيخ: لأنه يصير كالناكح في العدة, إذا مرَّ بها زمن العدة وهي معقودٌ عليها, فكان ذلك كالعقد فيها, كالرامي من الحلِّ تخرق رميته الحرم فتصيب الصيد في الحل, أنه كالرامي في الحرم.
قال الشيخ: وقد تقدم لابن المواز ما يدل على خلاف هذا.
قال: إذا اعتدت المنعي لها زوجها وتزوجت ودخل بها, ثم ثبت أن الأول مات بعد عقد الثاني وقبل دخوله فليفرق بينهما, ويؤمر بالتورُّع عنها, وهي أخفُّ ممن نكح في العدة ودخل بعدها, / وهو كمن يواعد في العدة ودخل بعدها لأنه عقد نكاحها وهي ذات زوج, فعقده كَلَا عَقْد, ولكنه وطيء في نكاحٍ كانت فيه عدة, فليتنزه عنها أحب إلي.
قال الشيخ: وما قدمت أقيس, لأنه عقدٌ لو قدم بعد الدخول فيه لم تُرد إليه, وليثبت على ذلك العقد, وإن كانت يوم العقد ذات زوجٍ فإذا مات الأول

قبل دخول الثاني فقد صادفتها العدة وهي معقودٌ عليها, فهي كمن عقدت في العدة ودخلت بعدها, أصله الرامي من الحل تخرق رميته الحرم ثم تصيبه في الحل, والله أعلم.
[فصل 5_في الحكم إن نكحت في عدتها من الأول, أو بعدها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو مات الأول بعد الأجل والعدة, ثم نكحت في وقتٍ تكون فيه في عدةٍ من الأول في صحة موته فسخ نكاح الثاني, فإن لم يكن دخل بها كان خاطباً من الخُطَّاب بعد انقضاء عدة الأول, وإن كان قد بنى بها في عدة الأول لم تحل له أبداً, وترث الأول في الوجهين, وإن صح أنها نكحت بعد تمام عدة الأول من يوم موته ورثته, وثبتت مع الثاني, واسلك بالتي تعلم بالطلاق ولا تعلم بالرجعة حتى تعتد وتنكح هذا المسلك في فسخ النكاح والموت والميراث وجميع أحكامها.
قال عبد الملك: وذلك إذا أقام بينةً أنه ارتجع قبل عقد الثاني, فأما بقوله بعد عقد نكاح الثاني: إني ارتجعت قبل عقد الثاني, فلا يقبل منه.
قال ابن المواز: وامرأة المفقود لو تزوجت الثاني, ودخل بها, ثم وجد نكاحه نكاحاً فاسداً يفسخ بغير طلاقٍ, وقدم المفقود, فإنها ترد إليه, ولو كان نكاحاً يفسخ بطلاقٍ لم ترد إليه.

ولو قدم بعد أن خلا بها الثاني خلوةً توجب عليها العدة وقال: لم أمسها, لحرمت على الثاني يريد في هذا النكاح ولا تحل للآخر إلا بنكاحٍ جديدٍ بعد ثلاث حيض.
قال: وإن نكحت امرأة المفقود في شهور العدة فهي ناكحةٌ في عدةٍ ما لم يظهر للمفقود خبر, ويفسخ نكاحها, وتؤمر بتمام الشهور مع ثلاث حيض من الثاني, فإن نكحت في الثلاث حيض فهي ناكحةٌ في العدة ظهر للمفقود خبرٌ أو لم يظهر, ولكن يكون الناكح في الشهور ناكحاً في عدةٍ إن عَمِيَ خبره, وإن ظهر أنه حيٌّ أو أنه مات في وقتٍ لا تكون تلك الأشهر عدة, أو أنه مات بعد الشهور لم يكن ناكحاً في الشهور ناكحاً في عدة, ولو تزوجت ثالثاً بعد الثلاث حيض من الثاني وبعد الشهور, ودخل بها الثالث, صار متزوجاً في الشهور ناكحاً في العدة إذ لا سبيل للمفقود إليها بعد الدخول الصحيح قبل العلم بخبره.
قال أبو محمد: إذا كان يلزم المفقود طلقةً فقد انكشف أن عدتها عدة الطلاق, فالأول جاهلٌ نكحها بعد تمام عدة الطلاق في بقية من الأربعة أشهرٍ وعشر, فسلم من النكاح في العدة, أو قبل ذلك فيكون ناكحاً في العدة.
قال ابن المواز: ولو ظهر أنه مات في وقتٍ يكون الثالث ناكحاً في عدةٍ من وفاة كان الثالث والثاني ناكِحَين في عدة, والناكح أولاً في الشهور غير ناكحٍ في عدة.
قال مالك: وإن نكح في الأربع سنين ودخل بها فليفرق بينهما, ثم يقيم تمام الأربع سنين ثم تعتد أربعة أشهرٍ وعشراً, ولابد في ذلك من ثلاث حيض, وليس بناكحٍ في عدة.

وذكر عن أبي عمران: إذا تزوجت في الأجل أو قبل ضربه فليفرق بينهما وتحد إن لم تعذر بجهلٍ كالمنعي لها زوجها.
قال: وعند إسماعيل القاضي: أن امرأة المنعي لها زوجها بمنزلة امرأة المفقود في اختلاف قول مالك في دخول من تزوجها وغير دخوله.
وقال: ولا تكون أسوأ حالاً من امرأة المفقود, وتكون البينة التي نعت إليها زوجها / وما فعلت هي كحكم الحاكم في المفقود.
قال الشيخ: وقد تقدم لمالكٍ وأصحابه خلاف ذلك, وإنها ترد إلى الأول وإن فاتت وولدت الأولاد من الثاني, إذ لا حجة لها باجتهاد إمام, أو بيقين طلاق.
وذكر عن أبي عمران: إذا تزوجت في الأربعة أشهرٍ وعشر ففرق السلطان بينهما إذ تزوجت في العدة, ثم ثبت أن المفقود مات, وانقضت عدتها منه قبل الأربعة أشهرٍ وعشرٍ وقبل تزويجها, قال: لا يلزم ذلك الفسخ, وترد إلى هذا الزوج, ولو كانت قد تزوجت غيره لفسخ نكاح الثالث, وردت إلى الثاني.
وكذلك مسألة المنعي لها زوجها, وكذلك لو غاب عن امرأةٍ زوجها فتزوجت ففسخ السلطان نكاحها, لأنها زوجة رجلٍ ثم انكشف أن الغائب مات أو طلقها وانقضت عدتها منه قبل نكاح هذا الزوج, أن هذا الفسخ لا يلزمه, وترد إليه, وهي كامرأة المنعي لها زوجها ترد إلى زوجها على كل حال.
قال: ولو أخبرها ثقتان بموت زوجها الغائب فاعتدت وتزوجت ولم ترفع إلى حاكم, فلا يفسخ ذلك النكاح إذا كانت البينة عدلة, والأمر على الصحة حتى يظهر خلاف ذلك, وإنما يفسخ ذلك إذا كانت غير عدلة, أو لم يعلم ذلك إلا

لقولها فيفسخ نكاحها, إذ لسنا على صحة من استباحتها, وإذا ثبت موته عندها برجلين ثقتين لم يلزمها أن ترفع إلى الحاكم, ولها أن تتزوج.
قال ابن حبيب عن أصبغ: وإذا نكحت بعد الأجل والعدة وبنى بها ثم طلق أو مات, ثم قدم الأول فأراد نكاحها وقد تقدم له فيها طلقتان فلا تحل له إلا بعد زوج, لأنها ثالثة بعد دخول الثاني بها.
وفي السليمانية: قال أشهب: له أن يتزوجها بعد أن فارقها زوجها الثاني, لأنه أحلها له_وقاله بعد شيوخنا القرويين_.
قال: لأن بدخول الثاني انكشف لنا أن الطلقة وقعت عليها بعد العدة, ولو وقعت عليها بعد دخوله لوجب أن تستقبل العدة.
وقال أبو عمران: قول أصبغ صواب, لأن الطلقة الثالثة إنما تقع بدخول الثاني, وهي لم تحدث بعدها نكاحا, فلا تحل له من بعد حتى تنكح بعده زوجاً غيره, وكذلك القول على أول قول مالك: أن عقد النكاح يُفِيتُها, أنها لا تحل للمفقود إلا بعد زوجٍ ثان, فهذا وجه قول أصبغ, والآخر وجه قول أشهب.
[فصل 6_في النفقة على امرأة المفقود وولده] ومن المدونة: قال مالك: وينفق على امرأة المفقود في الأربع سنين من ماله ولا نفقة لها بعد ذلك في الأربعة أشهرٍ وعشر, لأنها معتدة, ولولده النفقة ما كانوا صغارا, إن لم يكن لهم مال, فإن كان لهم مالٌ أنفق عليهم منه, لأن مالكاً قال: إذا كان للصغير مالً لم يجبر الأب على النفقة.

قال ابن القاسم: وما أنفق على ولد المفقود وزوجته فلا يؤخذ منهم بذلك كفيل.
قال مالك: وإذا أنفقت المفقود من ماله في الأجل, ثم ثبت أنه مات قبل ذلك, غرمت ما أنفقت من يوم مات, لأنها قد صارت وارثة, ولم يكن منه تفريط, ونفقتها من مالها.
قال ابن القاسم: وكذلك إن مات قبل الأجل فإنها ترد ما أنفقت من يوم مات, وكذلك المتوفى عنها زوجها ترد ما أنفقت بعد الوفاة, وكذلك ما أنفق على ولد المفقود, ثم ثبت أنه مات قبل ذلك, فإنهم يردون ما أنفقوا بعد موته.
فصل [7_في مال المفقود وميراثه] قال مالك: ولا يقسم ورثة المفقود ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله, فيقسم بين ورثته حينئذٍ لا يوم فُقِد.
قال الشيخ: لأنه لا ضرر في إيقافه فهو / مفارقٌ للزوجة.
قال مالك: أو يصح وقت موته فيرثه ورثته يوم صحة موته.
ابن المواز: قال ابن القاسم وغيره: وترثه حينئذٍ زوجته هذه التي ضرب لها الأجل, واعتدت إن لم تتزوج ويبني بها, ولو علم أنه مات قبل بناء الثاني لها لورثت الأول كانت الآن حيةً أو ميتة, وأحب إلينا ما قاله ابن وهب: أنهما يتوارثان مالم تنكح زوجاً غيره.
قال الشيخ: لأنه لو أتي لكانت على زوجيتها معه. واختلف في تعميره, فقال مالك وابن القاسم: سبعون.

قال عبد الوهاب: وهذا هو الظاهر, لقوله صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين, وقلَّ من يجاوز ذلك», وهذا إخبارٌ عما يتعلق به الحكم من الأعمار.
وقال مالك وابن القاسم أيضاً: ثمانون.
وقال ابن الماجشون: تسعون, وقيل عنه: مئة.
وقال أشهب: مئة من يوم مولده.
وسئل الشيخ أبو عمران عن الذي يفقد وهو ابن الثمانين سنة؟ قال: يضرب أجل عشر سنين, وكذلك إن كان ابن تسعين, وأما إن كان ابن خمسٍ وتسعين فإنما يضرب له خمس سنين, وإذا فُقِدَ ابن مئةٍ اجتهد فيما يضرب له, قال غيره: كالسنة ونحوها.
وفي كتاب ابن سحنون: إذا فُقِد ابن ثمانين, أو تسعين, أو مئة, استحب أصحابنا أن يزاد على ذلك عشر سنين.
قال بعض أصحابنا: والأول أصوب.

[فصل 8 - في الحكم إن مات للمفقود ولد] ومن المدونة: قال مالك: وإذا مات للمفقود ولدٌ وُقِفَ ميراثه منه, فإن أتى أخذه, وإن موِّت بالتعمير رُدَّ ذلك إلى ورثة الابن يوم مات, وورث هذا المفقود وورثته يوم جعلته ميتاً, ولا يرثه ولده الذي مات قبل ذلك.
قال مالك: ولا يرث أحدٌ أحداً بالشك, وكذلك لا أورِّث بالشك من لا يُعلم أولُّهما موتاً بغرقٍ أو هَدْمٍ, ويرث كل واحدٍ ورثته.
وقال ابن الماجشون: وإذا مُوِّت الأب بالتعمير بقي ميراثه من الابن موقوفاً إلى يقين أولِّهما موتاً, وبدَّأنا إياه على ورثة الابن توريثاً بالشك.
[فصل 9_في العبد المفقود يعتقه سيده] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا فُقِد عبدٌ فأعتقه سيده وله ولدٌ أحرارٌ لم يجر ولاءهم حتى يُعلم أن العتق أصابه حيَّاً, ولا يوقف للعبد ميراث من مات من ولده الأحرار, وهو بخلاف الحر في هذا, لأنه على أصل المنع الموارثة بالرق حتى يصح عتقه, وأحسن ذلك أن يدفع إلى ورثة الابن بحميلٍ يعطونه, فإن جاء أبوهم دفعوا إليه حظه من ذالك, وإنما أوقعته للحر ولم أدفعه بحمالة, لأنه على أصل توارث الأحرار, إلا أني أورِّث بالشك.
وينظر الإمام في مال المفقود, ويجمعه ويوقفه, كان بيد وارثٍ أو غيره, ويوكِّل به من يرضاه, وإن كان في ورثته من يراه لذلك أهلاً أقامه له, وينظر في ودائعه وقراضه, ويقبض ديونه, ولا يبرأ من دفع من غرمائه إلى ورثته, لأنهم لم يرثوه بعد, وما أسكن, أو أعار, أو أجَّر إلى أجلٍ أُرجي إليه, وإن قارَض إلى

أجلٍ فسخ, وأخذ المال وما لحقه من دين, أو اعتراف, أو عهدة ثمن, أو عيب, قضي به عليه, ولا يقام له وكيل, وتباع عروضه في ذلك, / وإن أقام رجل البينة أنه أوصى له بشيءٍ أو أسند إليه الوصية, سمعت بينته, وإذا قضي بموته بحقيقةٍ أو بتعميرٍ جعلت الوصي وصيه, وأعطيت الموصى له وصيته إن كان حياً, وحملها الثلث, ولا أعيد البينة, وكذلك إن أقامت المرأة بينةً أنه زوجها قبلت بينتها, لأنه مالكاً يرى القضاء على الغائب.
فصل [10_في امرأة الأسير] قال ابن القاسم: وأما الأسير فلا تؤجل امرأته بخلاف المفقود, علمنا بموضع الأسر أم لا, لأنه معلومٌ أنه قد أُسِر, ولا يصل الإمام من كشف حاله إلى ما يفعله في المفقود, ولا تنكح امرأته إلا أن يصح موته, أو تنصُّره أما طائعاً, أو لا يُعلم أطائعاً أو مُكْرهاً, فيفرق بينهما, ويوقف ماله, فإن مات مرتداً كان للمسلمين, وإن أسلم كان له, وإن ننصَّر مكرهاً كانت في عصمته وينفق عليها من ماله.
فصل [11_فيمن دخل بلاد الحرب هل هو كالمفقود أم لا؟] قال أصبغ: ومن أَدْرَبَ في البر إلى بلد الحرب فليس كالمفقود في ضرب

الأجل, وأما من فُقِدَ إليها في البحر فكالمفقود بعد الكشف والتربص يضرب له الأجل.
وقال أشهب في المُدرِب في البر إلى بلد الحرب كمفقودٍ في بلد الإسلام, ولا أقوله.
وقال عيسى عن ابن القاسم عن مالك: المفقود على ثلاثة أوجه: فمفقودٌ لا يُدرى موضعه, فهذا يكشف عنه الإمام, ثم يضرب له بعد الكشف أربع سنين ثم تعتد زوجته أربعة أشهرٍ وعشراً, وتأخذ جميع الصداق, ثم تتزوج إن شاءت.
ومفقودٌ في صَفِّ المسلمين في قتال العدو في بلادهم, فهذا لا تنكح امرأته أبدا, وتُوقَف هي وماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا لمثله.
قال الشيخ: وذلك كالأسير. قال: ومفقودٌ في فتن المسلمين بينهم البين, فهذا لا يضرب له أجل, وإنما يتلوَّم الإمام لزوجته باجتهاده بقدر انصراف من انصرف, وانهزام من انهزم, ثم تعتد وتتزوج.
قال ابن القاسم: وأنا أرى إن كانت الغيبة التي فُقِد فيها بعيدةً من بلده كإفريقية ونحوها ضرب له سنةً ونحوها, ثم تعتد زوجته, ويقسم ماله.
قال سحنون: وإذا فقد في مُعتَركٍ بين المسلمين, وشُهِدَ أنه قُتِلَ ممن حضره ممن لا يعدَّل؟, قال: فإن ثبت حضوره المعترك بالعدول فله حكم الميت وإن لم يُشهَد بموته, ويقسم ماله وتعتد زوجته من يوم المعترك, وإن كان إنما رأوه خارجاً مع العسكر ليس في المعترك, فهو كالمفقود, ويُضرب له أجل الفقد.

فصل [12 - فيمن فقد في معارك المسلمين] قال ابن حبيب: ومن فُقِدَ في معارك المسلمين التي تكون بينهم, فسواءٌ كانت في بلده أو بائنةً عن بلده فلتتربص زوجته سنةً أو ما قاربها, ثم تعتد عدة الوفاة, ثم تحل للأزواج, ويؤخَّر ميراثه إلى التعمير.
[قال أصبغ]: إلا أن يكون المعترك في موضعٍ لا يظن أَحدٌ له بقاء لقُربِهِ وإيضاح أمره، فلا تتربص زوجته حينئذٍ أكثر من العدة ويقسم ماله.
قال ابن حبيب: وقيل: إن كانت المعركة في بلده أو قربٍ منها لم تؤمر امرأته بأكثر من العدة، وقسم ماله، وإن كانت بائنةً عن بلده تربصت زوجته سنةً ثم حلَّت، وقُسم ماله.
قال ابن حبيب: والأول أحب إلينا.
واختلف قول ابن القاسم في كتاب محمد، هل العدة داخلةٌ في السنة أو بعدها في الذي يضرب له السنة؟

[الباب العاشر]

في عدة الوفاة وعدة امرأة الخصي والمجبوب والصبي، وعدة الصغيرة

[فصل 1_في عدة الحرة للوفاة] قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:234]. وقال عزَّ وجل: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] فهذه عامَّةٌ لكل معتدة، وقيل: إنها نزلت بعد الأولى.
قال مالك: فعلى كل معتدةٍ لوفاة زوجٍ تربُّص أربعة أشهرٍ وعشرٍ إن كانت حرةً مسلمةً أو كتابيةً، بنى بها أو لم يبن، صغيرةً كانت أو كبيرةً، والزوج صغيرًا أو كبيرًا، حرًا أو عبدًا، مجبوبًا أو سليمًا.
قال: وإذا عُلم بعد وفاة الزوج بفساد نكاحه، وأنه مما لا يقرَّان عليه، فلا عدة عليها ولا إحداد، وعليها ثلاث حِيَض استبراءً إن كان قد بنى بها، ويلحقه ولدها، ولا ترثه، ولها الصداق المسمى كله مقدَّمه ومؤخَّره.

فصل [2_في عدة الأمة للوفاة] قال: وعدة الأمة وأم الولد ومن فيها بقية رقٍ في وفاة زوجها شهران وخمس ليال، وقاله ابن المسيب وسليمان بن يسار وغيرهما.
وقال يحيي بن سعيد: إن كانت الأمة لم تحض اعتدت في وفاة زوجها أربعة أشهرٍ وعشرًا، إلا أن تحيض حيضةً قبل شهرين وخمس ليالٍ فذلك يكفيها.
ومن غير المدونة: قال مالك: وإن كانت الأمة لا يوطأ مثلها، أو لم يبن بها فقد حلَّت بتمام الشهرين وخمس ليال، وإن كانت يوطأ مثلها ولم تحض، أو يائسة من المحيض وقد بني بها رفعت إلى تمام ثلاثة أشهر، إذ لا يبرأ رحمٌ بأقل من ذالك.
قال أشهب: فإن نكحت بعد تمام شهرين وخمس ليالٍ فُسِخَ ولا عقوبة فيه إلا أن تنكح قبل شهرين وخمس ليالٍ في الوفاة، وقبل شهرٍ ونصف في الطلاق فتُعَاقب.
وقال أصبغ: إن تزوجت الحرة المستحاضة أو المستبرأة بتأخير الحيض بعد أربعة أشهرٍ وعشرٍ في الوفاة، وقبل تمام تسعة أشهرٍ لم أفسخ نكاحها، لأنها اعتدت بما أُمِرَت به، وقد أبهم الله عزَّ وجلَّ ذالك، وقد عَلم أن منهن من تحمل وإنما الزيادة استظهار إلا أن يوجد في بطنها حركةٌ فيفسخ إن نكحت قبل زوال ذلك.

قال أشهب: وإن كانت ممن تحيض فأتى للحرة في أربعة أشهر وعشرٍ، وللأمة في الشهرين وخمس ليال _وقت حيضها فحاضتها فقد حلَّت بتمام العدة، وإن لم تأتها فهي مسترابة، فترفع الحرة والأمة إلى التسعة أشهر وتحل.
قال أشهب: إلا أن تحسَّ تحريكًا فتقيم إلى خمس سنين.
قال مالك: إلا أن تحيض الحرة قبل التسعة أشهرٍ وبعد الأربعة أشهرٍ وعشرٍ أو الأمة بعد شهرين وخمس ليالٍ فتحلَّ حينئذ.
قال أشهب: وإن كانت الحرة أنها تحيض في أكثر من أربعة أشهرٍ وعشرٍ، أو الأمة في أكثر من ثلاثة أشهر، فإنهما يحلَّان بهذه الشهور وإن قَرُبَ وقت حيضتها، إلا أن ترتاب بحسّ البطن.
[قال الشيخ]: وهذا كله قد قاله مالكٌ في المختصر.
وفي باب عدة المستحاضة من معاني هذا الباب، وفيه عدة المستحاضة في الوفاة.
فصل [3_في عدة امرأة الخصي والمجبوب] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وتعتد امرأة الخصي في الطلاق.
قال أشهب: لأنه يصيب ببقية ذكَرِه ويتحاصنان بذالك.
قال ابن القاسم: وأما المجبوب إن كان لا يمسُّ امرأته فلا عدة عليها من طلاقه.

قال ابن أبي زمنين: إذا كان ممسوح العسيب والخُصي فلا عدة عليها من طلاقه، وهي داخلةٌ في الآية: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:49] وإن جاءت بولدٍ لم يُلحق به وحُدَّت، وإذا بقيت معه أنثياه أو اليسرى، وبقي معه من عسيبه بعضه فالولد لاحقٌ به إلا أن ينفيه بلعان، وعليها العدة، كذلك فسَّره عبدالملك.
فصل [4_في عدة الصغيرة] ومن المدونة: قال مالك: ومن دخل بزوجته وهي صغيرةٌ لا يوطأ مثلها فلا عدة عليها من طلاقه، وإذا دخل الصبي بزوجته، ثم بارّا عنه أبٌ أو وصيٌ فلا عدة على امرأته، وقد تقدم هذا.

[الباب الحادي عشر]

في مقام المعتدة في بيتها وانتقالها إلى غيره

قال الله سبحانه: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:1] يقول عز وجل: في العدة، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:1]، قال وَكِيع: هو أن تبدو على أهل الزوج.
وقال غيره: ذلك أن ترتكب فاحشةً أو حدَّاً تخرج إليه.
وقال آخرون: خروجها هي تلك الفاحشة.
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام للفُرَيْعَة بنت مالك حين قُتل زوجها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، وقضى به عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما يشددان في ذالك، وينهَيَان أن

تخرج أو تبيت معتدةٌ في غير بيتها إلا لعذر.
وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قَيس حين قتل زوجها أن تنتقل إلى بيت ابن أُمَّ مَكْتُوم، وقال عائشة رضي الله عنها: وكانت فاطمة تبيت في مكانٍ وَحْشٍ يُخاف عليها فيه، فلذلك أرخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنتقل.
وقد انتقلت عائشة بأختها أُمُّ كَلثوم حين قتل زوجها طَلحَة من المدينة إلى مكة خوفًا عليها من فتنة المدينة بعد قتل عثمان رضي الله عنهم أجمعين.
قال مالك: فتعتد المرأة في الطلاق والوفاة في بيتها ولا تنتقل منه إلا لضررٍ لا قرار معه من خوف سقوطه، أو خوف لصوصٍ بقريةٍ لا مسلمين فيها ونحوه، وإن كانت في مدينةٍ فلا تنتقل لضرر جوارٍ ولترفع ذلك إلى الأمام، وإذا انتقلت لعذرٍ إلى منزلٍ ثانٍ أو ثالثٍ لزمها المقام حيث انتقلت حتى تنقضي عدتها، والكِرَاءُ في ذالك كله للمطلقة على الزوج، وإن انتقلت لغير عذرٍ ردَّها الإمام

بالقضاء إلى بيتها حتى تتم عدتها, ولا كِرَاء لها فيما أقامت في غيره.
وذكر لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن: إنما قال: لا كراء لها فيما أقامت في غيره, وفرق بينها وبين إذا هربت من زوجها أن لها النفقة, لأن السكنى حقٌ لها فتركته وسكنت في موضعٍ آخر, فأما التي هربت من زوجها فقد كان له أن يرفعها إلى الحاكم فيردها إلى بيتها, فحكم النفقة قائمٌ عليه, ولو كان لا يعلم أين هربت أو تعذَّر عليه رفعها ونحو هذا من الأعذار فلا شيء عليه من النفقة.
قال الشيخ: وقد تقدم الاختلاف في النفقة على الناشز فأغنى عن إعادته.
ولربَّ الدار إخراجها منها في عدتها إذا انقضى أجل الكراء, وإذا انهدم المسكن فدعت / المرأة إلى سكنى موضعٍ ودعا الزوج إلى غيره فذلك لها إلا أن تدعوه إلى ما يضُّر به لكثرة كراءٍ أو سكنى فتُمنع.
قال الشيخ: يعني بقوله: أو سكنى, مثل أن يسكن بموضعٍ يبعُد منه, أو بموضعٍ فيه قوم سوءٍ ونحو ذلك, لأنه له التحفظ لِنَسَبِه في مثل هذا.
ولو أسقطت عنه الكراء سكنت حيث شاءت يريد: حيث يُعرف أنها معتدة, وموضوعٌ لا يخفى عنه خبرها لاحتفاظه على نسبه. وإذا هلك الأمير عن امرأة, أو طلقها وهي في دار الإمارة, فلا يخرجها الأمير القادم من دارها حتى تنقضي عدتها, ودار الإمارة وغيرها في هذا سواء, وكذلك قال مالكٌ فيمن حُبِسَت عليه دار, وعلى آخر بعده فهلك وترك زوجته: أنه لا يخرجها من صارت إليه الدار حتى تتم عدتها.

ابن المواز: ولو تأخرت حتى تنقضي الريبة ولو إلى خمس سنين, لأن العدة من أسباب أمر الميت, وهذا بخلاف سنين معلومة, ويُسكنها إياها فإذا انقضت قبل تمام عدتها فلربِّ الدار إخراجها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن بني بزوجته الصغيرة ومثلها يُجَامَع, ثم طلقها, أو مات عنها, فليس لأبويها أن ينقلاها إليهما في العدة, ولتعتد حيث كانت تسكن يوم مات الزوج أو طلق, ولو خرج أبواها إلى الحج أو لسكنى بلدٍ آخر, فلا يخرجاها حتى تتم العدة, إلا البدوية فإن مالكاً قال فيها وحدها: إنها تَنْتَوي مع أهلها حيث انتَووا لا حيث انتوى أهل الزوج, وتُتم هناك بقية العدة, وقاله عروة بن الزبير وربيعة بن عبد الرحمن.
وقال يحيى بن عمر: يريد بالبدوية أنهم أهل الخُصُوص.
قال ابن وهب: قال مالك: وإن كانت في قرارٍ فانتوى أهلها لم تنتوِ معهم وإن تبدَّا زوجها فمات فإنها ترجع, ولا تقيم تعتد في البادية.
قال ابن القاسم: وتعتد الأمة في الموت والطلاق حيث كانت تبيت, فإذا انتجع سيدها إلى بلدٍ آخر كان له أن يخرجها معه, فتتم بقية عدتها في الموضع الذي انتقل إليه كالبدوية.
قال حَمْدِيْس: هذا خلاف ما روي عن مالكٍ في أول الكتاب أنه لا يجوز بيعها إلا ممن لا يخرجها في العدة, وإذا لم يجز ذلك لمشتريها فلبائعها أولى.

قال ابن المواز: قال ابن القاسم: فإن كانت الأمة منقطعةً إلى زوجها وليست ممن تأتيه من الليل إلى الليل فانتقل أهلها فلا تنتقل معهم حتى تتم عدتها.
ومن المدونة: وتجبر الذمية في العدة من مسلمٍ على العدة في بيتها ولا تنتقل منه حتى تنقضي عدتها, وهي في كل شيءٍ من أمرها في العدة والإحداد مثل الحرة المسلمة.
ولا تبيت معتدةٌ من وفاةٍ أو طلاقٍ بائنٍ أو غير بائنٍ إلا في بيتها الذي كانت تسكنه, ولها التصرف نهاراً والخروج سَحَرَاً قُرْب الفجر, وترجع ما بينها وبين العشاء الآخرة, وقاله ابن عمر, وقال: إنها تخرج إلى المسجد, ولأكثر مُؤَنِهَا, ولا تبيت إلا في بيتها.
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام للمعتدات المتجاورات في دار: «تحدَّثْنَ عند إحداكن ما بدَا لكن, فإذا أرتدن النوم فلتأت كل امرأةٍ إلى بيتها».
ابن المواز: يعني والله أعلم أن يقمن إلى وقت ينام الناس.
ومن المدونة: قال مالك: والمطلقة واحدةً أو اثنتين لا إذن لزوجها في خروجها من بيتها حتى يراجعها.
قال ابن القاسم: ولا يسافر بها حتى يراجعها.
قال / مالك: ولا تحجُّ في عدتها من وفاةٍ أو طلاقٍ حَجَّة الفريضة حتى تتم عدتها, وتبيت المعتدة في دارها حيث كانت تبيت قبل ذلك في مشْتَاها ومصِيفِها,

ولو كان في الدار بيوتٌ في إحداها متاعها وسكناها فلتعتد فيه, وتبيت من بيتها هذا واسطَوانِها وساحة حجرتها حيث شاءت, ولو كان في الدار مقَاصِير فلا تبيت إلا في مَقْصُورَتِها.
قال مالك: وإذا كانت المطلقة ثلاثاً أو واحدةً ليس لها ولا لزوجها إلا بيتٌ واحدٌ يكونان فيه فليخرج عنها ولا يقيم معها في حجرة.
قال: ولا بأس أن تنتقل في أحد البيوت الجامعة, يكون هو في بيتٍ وهي في بيت, ولا يدخل عليها فيما فيه الرجعة حتى يراجعها.
وإذا خرجت امرأةٌ مع زوجها في زيارةٍ أو إلى الحصَاد أو إلى السواحل والرِّبَاط لإقامة الأشهر والرجوع, أو إلى حاجةٍ ما قبض دينٍ أو نحوه, ولا يريد انتقالاً فمات زوجها في الطريق, فلترجع إلى بيتها تعتد فيه, قرُبت أو بعُدت, أو قد وصلت, ولا ترجع إذا بعُدت إلا مع ثقة, وإلا قَعَدت حتى تجد ثقة, وإن خرج بها على رفض سكنى لموضعه اعتدت بموضعٍ نقلها إليه, وإن مات في الطريق وهي أقرب إلى الموضع الأول أو الثاني فلها المصير إلى أيهما شاءت إن كان قريباً, وإن كان بعيداً فلا تمضِ إلا مع ثقة, ولها المقام بموضع موته, أو تعدل إلى حيث شاءت فتتم هناك عدتها, لأنه مات, ولا قرار لها لرفض قراره, ولم تصل بعد إلى قرار, وكذلك هي في الطلاق البائن وغيره, وهي كمعتدةٍ أخرجها أهل الدار فلها أن تعتد حيث أحبت, أو بمنزلة رجلٍ خرج من منزلٍ كان فيه بكِرَاء, فنقل المرأة إلى أهلها فتكارى منزلاً يسكنه, فلم يسكنه حتى مات, فلها أن تعتد حيث شاءت.

وإذا مات زوجها في مخرجها إلى الحج, وقد سارت اليومين والثلاثة وماقرُب, وهي تجد ثقةً ترجع معه, فلترجع, وترجع من مَلَل وذي الحُلَيْفْة إلى المدينة, وقد ردَّهن عمر رضي الله عنه من البَيْدَاء.
ولا يفسخ كراءٌ كريها, ولتكرَ الإبل في مثل ما أُكرِيَت.
ولو بعدت كإفريقية من الأندلس, والمدينة من مصر نفذت, وقاله ابن عمر.
ابن المواز: بخلاف غير الحج فإنها ترجع فيه وإن بعُدت إن وجدت ثقة, وكان يبقى لها بعد الرجوع بقية.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وكذلك في خروجها لحج غير الفريضة ترجع وإن بعدت كخروجها إلى الرباط ونحوه, وإنما لا ترجع إذا أبعدت في حجَّة الفريضة.

وذكر عن أبي عمران في الذي يسافر بزوجته ثم طلقها فيلزمها الرجوع إلى بيتها قال: عليها الكراء في رجوعها, لأنها إنما رجعت من أجله, وحُبِست له, فذلك بمنزلة ما يجب لها السكنى عليه.
ومن المدونة: قال: وأما إذا أحرمت فلتنفذ قرُبت أو بعُدت, ثم إن رجعت في بقية العدة اعتدت في بيتها, وكل من أمرتها بالرجوع إلى بيتها فكانت لا تصل حتى تنقضي عدتها فلا ترجع, ولتقم بموضعها أو حيث شاءت إلا أن تعلم في التقدير أنها يبقى من عدتها بقيةٌ بعد وصولها, فلترجع, وكذلك هذا كله في الطلاق البائن وغيره.

جارٍ التحميل