بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
[الباب الأول]
في الربا ومناجزة الصرف وكراهية التأخير فيه وما ضارعه من معاني البيوع
[الفصل 1 - في الربا وتحريم التفاضل في الجنس الواحد من الأجناس الربوية] م السبب في نزول آية الربا، كان الرجل في الجاهلية يكون له الحق على الرجل فإذا حل الأجل أتاه فقال له أتقضي أم تربي، فإن قضاه والازاده فيه وأخره عنه،
فنهى الله عز وجل عن ذلك في الإسلام فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130] وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 278 - 279] قال مالك رحمه الله في كتاب محمد في قوله تعالى ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278] يقول ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: 279]، قال قتادة في الواضحة فيمن أسلم وبقي له دين بربا فله رأس ماله فقط.
قال ابن حبيب: هذا إن فات ولا يقدر على رده وما لم يفت فليس فيه إلا الفسخ وقاله مالك وأصحابه.
ومن في يديه ربًا لا يقدر على رده ولا يعرف مبايعه فليتصدق به عنه.
م قال بعض البغدادين: وقد ورد النص وانعقد الإجماع على أن التفاضل في الجنس الواحد من الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح ربًا، والأصل فيه
قوله -صلى الله عليه وسلم- «الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم [لا فضل بينهما]» وقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين» وقوله «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز» وقال ابن عمر -رضي الله عنه- (الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا -صلى الله عليه وسلم- إلينا وعهدنا إليكم).
وما روى عن ابن عباس في ذلك فقد ثبت رجوعه عنه، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-
«الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء» وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- (ذروا الربا والريبة فإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره) وأما الأربعة المسميات، فالأصل فيها فيها حديث عبادة وغيره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو استزاد فقد أربى».
[الفصل 2 - في مناجزة الصرف وكراهية التأخير فيه]
ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: ولا يجوز في الصرف إلا المناجزة، والحلي والتبر والمسكوك سواء، لا يجوز في شيء من ذلك تأخير ولا نظرة إلا يدًا بيد.
قال: ومن اشترى حليًا مصوغًا -يريد- بدراهم فنقد بعض ثمنه وتأخر البعض بطلت الصفقة كلها لأنه صرف.
قال مالك: وكذلك من كان له على رجل مائة دينار فباعها منه بألف درهم فقبض تسع مئة درهم وفارقه قبل قبض الباقي لم يصلح، ويرد الدراهم وتبقى له المائة دينار على حالها، ولو قبض الدراهم كلها جاز ولو كان
له عليه ألف درهم حالة فباعها منه بطوق ذهب ثم فارقه قبل قبضه فلا خير فيه، ويرد الطوق ويأخذ دراهمه.
ومن صرف من رجل مائة دينار بألفي درهم فنقده خمسين دينارًا وقبض ألف درهم ثم فارقه، فالجميع منتقض ولا يجوز منه حصة الخمسين النقد، ولو تقابضا الجميع ثم وجد من الدنانير خمسين دينارًا رديئة انتقض من الصرف حصة الخمسين الرديئة فقط.
قال ابن القاسم: لأن هذا صرف صحت عقدته، ولو رضي الرديئة تم جميعه، والذي لم ينقد إلا الخمسين وقعت الصفقة فاسدة كلها.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: فإن وجد الدنانير تنقص دينارًا ففارقه حتى يأتيه به قال: ينتقص صرف ذلك الدينار.
وقال محمد: بل تنتقض كلها.
قيل لابن القاسم فإن قبضت نصفها ولم يجد من المائة دينار إلا خمسين دينارًا؟.
قال: ينتقض الصرف كله إلا أن يشاء أن يأخذ ما وجد منها كمبتاع مئة قفيز قمح فلم يجد إلا خمسين.
وقال أصبغ: بل ينتقض الصرف كله وإن لم يعجز منه إلا خروبة واحدة، وليس ما ناظرة به بشيء، لأن ذلك في غير الصرف عيب بخلاف الصرف الذي لا يتأخر.
قال في كتاب الصلح: وإن صرفت دنانير بدراهم ثم وجدت فيها عيبًا درهمًا زائفًا انتقض صرف دينار، فإن وجدت أكثر من صرف دينار، وإن قل انتقض صرف دينارين هكذا على هذا الحساب.
م وإنما لم ينتقض صرف الجملة لأن كل دينار كأنه على حدته منفرد بنفسه إذ لا تختلف قيمته من قيمة صاحبه ولم ينتقض إلا ما يخص الزائف فقط إذ لا يجوز كسر دينار، ولا يجوز أن يشتركا في الدينار بمقدار ما وجد رديئًا؛ لأنه لا يجوز في الصرف أن يفترقا وبينهما عمل ولا تباعة، ولا يجوز بدل الدراهم فيكون صرفًا مستأخرًا، فوجب لذلك أن ينتقض صرف دينار.
قال ابن الجلاب وغيره: وهذا إذا رتبا لكل دينار شيئًا معلومًا حين العقد وأما إن صادفه جملة دنانير بجملة دراهم فلينقض الصرف كله.
م وليس ذلك بشيء؛ لأن الدنانير لا تختلف قيمتها إذا كانت سكة واحدة، وإنما يقع لكل دينار حصته من الدراهم على العدد، إن كانت خمسة وقع لكل دينار خمس الدراهم، وإن كانت ستة فسدس الدراهم، فالحكم يوجب الترتيب وإن لم يرتباه، ولأن الترتيب لا حكم له، لأن من أصلهم في البيوع إذا رتب لكل سلعة ثمنًا وبيعت في صفقه أن ذلك الترتيب لا حكم له في طريان الاستحقاق والرد بالعيب.
قال ابن أبي زمنين في أصل المسألة: وهذا إذا كانت سكة الدنانير
كلها واحدة فينتقض صرف دينار كما وصفنا بوجود درهم [واحد] ردئ، فأما إن كانت السكة مختلفة فقال أصبغ: ينتقض صرف أجود الدنانير.
وقال سحنون: ينتقض الصرف كله؛ لأن الدرهم الردئ له حصة من كل دينار، وقول سحنون أقيس.
م وإن كانت الدنانير سكة واحدة وهي نقص مجموعة في الوزن، فإنما ينتقض صرف أنقص الدنانير؛ لأن الدراهم إنما هي مفضوضة على وزن الدنانير، ولا حكم للعين يوجب أن ينتقض أصغر قطعة من الدنانير إلا أن يخصها أقل من درهم فينتقض الأصغر بعدها أيضًا، وكذلك في كتاب محمد وهو مذكور بعد هذا.
[فصل 3 - المبادلة في الصرف والتصديق فيه]
ومن المدونة [قال] ابن وهب: وأجاز ابن شهاب البدل في الصرف إذا كان بغير شرط، وأباه مالك.
قال عطاء: ولو قال له اذهب بها فما ردوا عليك فأنا أبدله لك لم يجز.
قال ابن حارث: إذا شرط له إن كان فيها ناقص فعلى بدله فهو
ربًا.
قال مالك في سماع أشهب: إذا قال له إن وجدت فيها رديئًا فرده، فوجدها جيادًا قال: أصل الصرف لا يصلح، وليردها كلها، قال: ولو قال له زنها عند هذا الصراف وأراه إياها أو قاما إليه لذلك، فهو خفيف إن كان قريبًا، ونحوه من كتاب محمد.
قال مالك: وإن قال له الصراف في الدارهم هي جيادًا فأخذها بقوله وهو لا يدري جيادًا هي أم لا؟ فنهى عنه.
قيل له: فإنا لا نبصرها وأنت تكره أن يفارقه.
قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2].
ولا يجوز التصديق في الصرف، ولا تبادل الطعامين.
قال: ولا يجوز أن يصارفه سوارين على أن يصدقه في وزنهما.
وينقض البيع، وإن افترقا ووجدهما كذلك فلابد أن ينقض، ولو وزنهما قبل التفرق فوجد بهما نقصًا فرضيه أو زيادة فتركها الآخر فذلك جائز.
قال محمد: وقال أشهب: في افتراقهما على التصديق فيجد زيادة أو نقصانًا فترك الفضل من هوله، جاز ذلك.
قال: وكذلك إن كانت دراهم فوجد فيها رديئة أو دون ما قاله له من الوزن، فيترك ذلك ولا يتبعه أن ذلك جائز بينهما وقاله لي مالك.
قال محمد: وإذا وجد في الدراهم رديئًا أو نقصانًا يسيرًا فتجاوزه فلا بأس بذلك، وكذلك كلما افترقا فيه على الفراغ لا على أن يزن ولا على أن يتجاوز عنه فلم يطلبه ببدل ولا نقصان فهو جائز، وكذلك لو جاءه ليبدل عليه فأرضاه حتى لا يبدل لجاز ذلك.
وقد قال ابن القاسم وأشهب فيمن باع طوق ذهب بألف درهم فتقابضا، ثم أصاب بالطوق عيبًا بعد ذلك يرد به، فصالحه بائع الطوق على دنانير أو دراهم دفعها إليه أن ذلك جائز.
قال ابن القاسم: إذا كانت الدراهم من نوع الدراهم التي قبض منه وإن كانت من غير سكة ما قبض منه لم يجز.
وكذلك لو صالحه على نقرة.
وقال أشهب: لا بأس بذلك كله؛ لأن بيهما كان على الصحة، وإنما استوجب بها البائع الرد عليك بهذه المئة أو النقرة التي قبضت.
م وهذه المسألة في كتاب الصلح.
فصل [4 - من صرف دنانير بدراهم وقبض عرضًا عن بعض الدراهم]
ومن المدونة: ومن صرف من رجل دينارًا بعشرين درهمًا فقبض منه عشرة دراهم، وقال له اعطني بالعشرة الباقية عشرة أرطال لحم كل يوم رطل لحم لم يجز، ولا يجوز تأخير ما مع من الدراهم من عرض أو غيره وإن تعجل ذلك جاز.
قال: ولو اشترى منه سلعة إلى أجل بنصف دينار نقدًا، فأعطاه بعد الصفقة دينارًا ليرد عليه نصفه دراهم بغير شرط فلا خير فيه؛ لأنه صرف فيه سلعة تأخرت، ولم يجز مالك اجتماع بيع وصرف في صفقة واحدة إلا أن تكون دراهم يسيرة كالعشرة ونحوها، وإن كثرت الدراهم لم يجز.
ومن اشترى ثوبًا وذهبًا يسيرًا -لا يكون صرفًا- بدراهم، فتأخر درهم منها أو تأخر الثوب بطل البيع، وإن كانت الذهب كثيرة لم يجز وإن انتقد جميع الصفقة.
فصل [5 - التأخير في صرف الفلوس والمناجزة في الصرف]
قال مالك: ولا بأس بصرف دينار بدراهم وفلوس، قال: ومن اشترى فلوسًا بدرهم أو بخاتم فضة أو ذهب أو تبر ذهب أو فضة فافترقا قبل أن يتقابضا لم يجز؛ لأن الفلوس لا خير فيها بالذهب ولا بالورق نَظِرةً وليست بحرام بين، ولكني أكره التأخير فيها إذا جرت بين الناس، ولو جرت الجلود مجرى العين
المسكوك، لكرهنا بيعها بذهب أو ورق نَظِرةً، ولم يجز مالك بيع الفلوس فلس بفلسين نقدًا ولا مؤجلاً، وقاله ربيعه ويحي بن سعيد.
قال ابن القاسم: وإن اشتريت من رجل عشرين درهمًا بدينار وأنتما في مجلس واحد ثم استقرضت أنت من رجل إلى جانبك دينارًا أو استقرض هو الدراهم من رجل إلى جانبه فدفعت إليه الدينار وقبضت الدراهم فلا خير فيه.
قال سحنون: هذه خير من المسألة التي تحتها.
قال ابن القاسم: ولو كانت الدراهم معه واستقرضت أنت الدينار، فإن كان أمرًا قريبًا كحل الصرة ولا تقوم لذلك ولا تبعث وراءه جاز.
ولم يجزه أشهب.
قال بعض فقهائنا القرويين: إنما يصح قول ابن القاسم إذا لم يعلم صاحب الدراهم أنه لا شيء عند صاحب الدينار، فأما إن علم أنه لا دينار عنده فلا يجوز الصرف عند ابن القاسم وأشهب، ونحوه ذكر عن ابن القابسي.
وقال بعض شيوخنا من أهل بلدنا: سواء علم أو لم يعلم، وليس بصواب، والله أعلم.
ولأبي القاسم بن الكاتب في المسألة الأولى إذا لم يكن عند واحد منهما شيء، قال: هاهنا قد أقر كل واحد منهما بفساد الصرف حتى إذا كان أحدهما لم يصدقه الآخر [على] أنه ليس معه شيء فيتهم فيما أظهره أن يكون أراد فساد الصرف فمنعه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكره مالك للصيرفي أن يدخل الدينار تابوته أو يخلطه، ثم يخرج الدراهم ولكن يدعه حتى يزن الدراهم فيأخذ ويعطي، وكره أن يصارفه في مجلس ويناقده في آخر أو يجلسا ساعة ثم يتناقدا قبل أن يتفرقا، فإن طال المجلس بطل الصرف.
م وقال أبو حنيفة والشافعي لا يبطل العقد بترك التقابض ما لم يفترقا.
ودليلنا قوله -صلى الله عليه وسلم- «الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء يدًا بيد» وهذا لم يوجد، ولأن القبض قد تراخى عن العقد فأشبه ما إذا افترقا.
ومن كتاب محمد: ومن اشترى ألف درهم بدنانير فوزن ألف درهم، فأراد أن يزن ألفًا أخرى قبل دفع دنانير الأولى فكرهه ابن القاسم إلا أن يقبضه كلما وزن له ألفًا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن لقي رجلاً معه دراهم فواجبه عليها ثم مضى معه إلى الصيارفة ليتناقدا لم يجز، ولو قال له المبتاع اذهب بنا إلى السوق
بدراهمك، فإن كانت جيادا أخذتها منك كذا وكذا درهما بدينار لم يجز ولكن يسير معه على غير موعد، فإن أعجبه شيء أخذ وإلا ترك.
م وذكر عن أبي موسى بن مناس أنه كان يجيز في الصرف التعريض، كما يجوز في عدة المرأة التعريض لها دون التصريح، أو المواعدة مثل أن يقول: إني لمحتاج إلى دراهم أصرفها ونحو ذلك من القول.
وقيل إنما كرهت المواعدة لأنه نهي عن خلف الوعد فيصبر ذلك شبه عقد.
قال: وأعرف أن محمد بن عبد الحكم يجيز المواعدة في الصرف إذا لم يقطع الصرف.
ومن المدونة: وقد قال مالك فيمن اشترى حليًا من ميراث ثم قام إلى السوق ليدفع ثمنه ولم يفترقا أنه لا خير فيه ويفسخ بيعه.
قال ابن المواز: وكذلك من اشترى حليًا ثم تفرقا لليل غشيهم أو لتعذر ما يزن به فهو منتقض، وأما من اشترى سوارين من ذهب بدراهم على أن يريها لأهله فإن أعجبهم رجع إليهم فاستوجبها وإلا ردهما، فقد خففه مالك وكرهه.
قال ابن المواز: والكراهية من قول مالك أحب إلينا إلا أن يأخذهما على غير إيجاب ولا على أن يشتريهما.
وفي الواضحة: ومن ابتاع حليًا بدراهم فلا يقوم إلى صراف ليريه ذلك وينقده، فإن نزل ذلك فهو مردود، وليس في الصرف مشورة ولا حوالة، وإن عجل قضاه.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم عن مالك عن قوم اشتروا قلادة من ذهب وفيها لؤلؤ على النقد، فلم ينقدوا حتى فصلت، وتقاوموا اللؤلؤ وباعوا الذهب، فلما وضعوا أرادوا نقض البيع لتأخير النقد.
قال: لا ينتقض ذلك.
وقال ابن القاسم؛ لأنه باع على النقد ولم يرض بتأخيرهم إنما هو رجل مغلوب وكذلك عنه في العتبية، قال سحنون جيدة.
م قال بعض أصحابنا: وقد قيل يفسخ الأمر بينهم لأنه آل إلى التأخير المحرم.
م وقد قال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن اشترى فصيلاً فاستغلاه فاستقال منه فلم يقله، فقال: لا تركته حتى يصير حيًا، فليرفعه البائع إلى الأمام
حتى يأمره بقصله، فإن تراخى حتى تحبب أو تحبب وهما في الخصومة فلا بيع بينهما.
قال أصبغ: ولو قضى عليه الإمام ثم لم يقصله حتى تحبب أو تحبب وهما في الخصومة فلا بيع بينهما.
م وقوله في مسألة القلادة يفسخ الأمر بينهما جار على قوله في مسألة الزرع وعلى قوله في مسألة الصرف لا يفسخ الأمر بينهم ينبغي ألا يفسخ الأمر بينهم في مسألة الفصيل، المسألتان سواء يدخلهما القولان.
م والصواب ألا يفسخ الأمر بينهم؛ لأن أصل البيع وقع على الصحة وإنما المبتاع استغلى فأراد بالتأخير فسخ البيع فوجب أن يُحرمه، لأن ذلك ذريعة إلى حل العقود اللازمة فلا، يريد من استغلى وندم في شرائه إلا أخر ذلك ليفسخه فوجب أن يُحرم ذلك كمنع القاتل الميراث والمتزوجين في العدة أن لا يتناكحان أبدًا، وقد قالوا فيمن تصدق عليه بصدقة فقام يطلبها فمنعه المتصدق من قبضها فخاصمه في ذلك فلم يقض للمتصدق عليه حتى مات المتصدق أو فلس ثم أثبت المتصدق عليه بذلك البينة أنه يقضي له بالصدقة ولا يدخل عليه الغرماء فيها، فكذلك ينبغي أن يمضي العقد بينهم، ولا يمكن هذا من فسخه فيكون ذريعة إلى من طلب فسخ عقد لزمه أن يفسخه وبالله التوفيق..
وحكي لنا عن الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن القروي أنه قال: معنى مسألة القلادة هذه، أن الذهب فيها يسير تابع للحجارة فلذلك قال: لا يفسخ البيع، ولو كانت الحجارة يسيرة والذهب كثير لفسخ البيع، وكذلك تأولها غيره من حذاق أصحابه.
م وما ذكرناه أبين، ولو كانت العلة ما ذكروه لبينه مالك وابن القاسم.
فصل [6 - فيمن صارف رجلاً دينارًا بعشرين درهمًا فلما قبض الدينار
تسلف العشرين ممن صرف له ثم دفعها له ونحوها]
قال ابن القاسم: وإن صرفت من رجل دينارًا بعشرين درهمًا، فلما قبضت الدينار، تسلفت منه عشرين درهمًا ثم رددتها عليه في صرف ديناره لم يجز؛ فكأنك أخذت منه دينارًا في عشرين درهمًا إلى أجل، فقد كره مالك ما هو أبعد من هذا، فقال فيمن راطل رجلاً دنانير ناقصة بوازنة فلا خير في أن يصرف أحدهما من الآخر دينارًا مما أُخذ منه مكانه، ولا بعد يومين حتى يبعد ذلك، فكذلك لو صرف منه دراهم بدنانير ثم ابتاع منه دراهم غير دراهمه وغير عيونها -يريد أنقص أو أوزن- قال: وكذلك إن قضاك غريمك دينًا فلا تعده إليه مكانك سلمًا في طعام أو غيره، وكذلك لو أسلمت إليه دنانير في طعام ثم قضاكما بحدثان ذلك من دين لك عليه بغير شرط لم يجز، ويكره ذلك كله بحدثانه كمسألة الصرف.
م واعتبار فساد هذه المسائل بين، وهو أن يجعل كل من خرج من يده شيء فعاد ليه مكانه أو بالقرب لغوًا كأنه لم يخرجه من يده، ثم ينظر إلى ما يصح من فعلهما بعد ذلك، فإن كان ذلك صوابًا أمضيته وإن كان حرامًا نقضته حماية أن يكون قصدا ذلك، فتجده في مسألة الصرف قد رد العشرين درهمًا التي تسلفها إلى مخرجها فصارت لغوًا كأنها لم تقبض، وصح من فعله أن قبض دينارًا في عشرين درهمًا إلى أجل، وكذلك تجده في مسألة الصرف الثانية قد رد إليه دنانيره فصارت لغوًا، وصح من فعله أنه ابتاع منه دراهم من غير عيون دراهمه أقل من دراهمه أو أكثر، وتجده في مسألة المراطلة قد رد بعض ما راطله به فصار لغوًا، وصح من فعله أنه دفع دنانير ودراهم في دنانير، وتجده في مسألتي السلم أن قضاءه للدين صار لغوًا لرجوعه إلى مخرجه، وصح من فعلهما أنه فسخ دينه فيما لا يتعجله.
ومن المدونة قال ابن أبي سلمة: وإذا أردت أن تبيع ذهبًا نقصًا بوازنة فلم تجد من يراطلك، فبع نقصك بورق ثم ابتع بالورق وازنة، ولا تجعل ذلك من رجل واحد فإن ذلك ذهب بذهب وزيادة.
فصل [7 - فيمن اشترى سيفًا محري بفضة نصله تبع لحليته
وكذلك الخاتم والمصحف المحلي ونحوها]
قال ابن القاسم: ومن اشترى سيفًا محلى بفضة، كثير الفضة، نصله تبع لفضته بعشرة دنانير فقبضه ثم باعه مكانه من رجل إلى جنبه قبل النقد ثم نقد الثمن، فكان ينبغي أن لا يبيع السيف حتى يدفع الثمن، فأما إذا وقع ذلك ونقده
مكانه لم ينقض البيع، ورأيته جائزًا، وأما إن قبض المبتاع السيف وفارق البائع قبل أن ينقده فسد البيع، ثم إن باعه فبيعه جائز، ويضمن المبتاع الأول لبائعه قيمة السيف من الذهب يوم قبضه كبيع فاسد يقوت بالبيع ولو لم يخرج من يده لم تفته عنده حوالة الأسواق وله رده كالصرف، ولا يفيت الذهب والفضة تغير سوق، وإن أصابه عنده عيب فانقطع أو انكسر جفنه فعليه قيمته يوم قبضه.
م قال بعض أصحابنا: أراه يريد انكسر جفنه وانكسرت حليته، وأما إذا لم تنكسر الحلية، فقدر الجفن يسير، فلا يكون ذلك فوتًا، وسحنون لا يجعل ذلك فيه فوتا.
وقال: هذا من الربا وتنقض في البياعات كلها.
م وإنما أراد ابن القاسم والله أعلم أنه لما كانت الحلية مرتبطة بيه صار شبيهًا بالعرض.
فأفاته إذا دخله عيب وزاده مزية أنه لا يفيته حوالة الأسواق لكثرة ما فيه من الفضة، وقد قال سحنون: إذا باعه نقض بيعه ورده إلى ربه، وإن فاتت عينه رد وزن الفضة وقيمة النصل، وكذلك إذا انقطع أو انكسر جفنه فإنه يرد وزن الفضة وقيمة النصل والجفن.
وقال أبو محمد: كيف يرد وزن الفضة وهي مصوغة وقد يزاد في الثمن للصياغة؟.
م وحكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال في قول سحنون: ليس هذا أصلهم، لأنهم يقولون فيمن استهلك مصوغًا، كخلخالين ونحوهما: أنه يغرم القيمة فيهما، وكيف يقول سحنون يرد الوزن.
قال: وقول ابن القاسم في مسألة السيف لا يفيته حوالة الأسواق، يوضح أن قول ابن المواز في الحلي الجزاف
يباع بيعًا فاسدًا أن حوالة سوقه فوت، خلاف لقول ابن القاسم؛ لأن حلية السيف المرتبطة به جزاف ولا سيما وهي مربوطة بعوض.
ومن المدونة قال ابن القاسم: والسيف المحلي أو المصحف أو الخاتم إذا كان ما فيه من الفضة تبعًا، كالثلث فأدنى جاز بيعه بفضة نقدًا، وقد روى طاووس اليماني حديثًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- في إجازة بيع السيف المحلي، فضته تبع لنصله بفضة.
وهو مما أبيح اتخاذه وفي نزعه ضرر، وكذلك المصحف والخاتم.
قال ابن القاسم: وإن كثرت الحلية وصار النصل تبعًا لم يجز بيعه بالفضة، ولا يجوز بيعه بفضه إلى أجل قُلتِ الحلية أو كثرت، ويجوز بيعه بذهب نقدًا قلت الحلية أو كثرت، فإن بيع السيف الذي فضته تبع بذهب أو بفضه إلى أجل، فسخ ذلك إن كان قائمًا، وإن فات بتفصيل حلية أمضيته؛ لأن ربيعة كان يجيز إذا كان ما في السيف أو المصحف من الفضة تبعًا له، أن يباع بذهب إلى أجل، وإنما كرهه مالك ولم يشدد فيه الكراهية وجعله كالعروض لجواز اتخاذه، ولأن في نزعه مضرة، وأخذ سحنون بقول ربيعة.
م قال بعض أصحابنا: وأراه يعني والله أعلم إذا كان يؤدي في تركيب الحلية ثمنًا، فلذلك جعله فوتًا، وأما إن لم يؤد في تركيبها ثمنًا لخفته، فليس ذلك بفوت مع أن الكراهية في ذلك ليست بالقوية.
قال سحنون: ولو استحقت الحلية وهي تبع لم ينقض البيع وإن لم يرجع بشيء إذ لا حصة لها من الثمن كمال العبد.
م وأنكره بعض القرويين.
م والفرق بينه وبين مال العبد، أن مال العبد إنما هو مشترط للعبد فهو تبع له لم يقع عليه ثمن، وحلية السيف ليست بمشترطة للسيف؛ لأن السيف لا يملك شيئًا، فقد وقع عليها حصة من الثمن وأبيحت إذ لا غنى للسيف عنها، وفيها مباهاة للجهاد، وقد أجازوا الصلاة بالكيمخت في السيف بخلاف كونه في غيره
م وحكي لنا عن بعض شيوخنا القرويين أنه إنما يراعى في الحلية هل هي تبع أم لا؟ [أنه إنما يراعى في الحلية] وزنها لا قيمتها، كالقطع في السرقة وفي الزكاة إنما يراعى في ذلك الوزن، فكذلك هذا، وإن كان وزن الحلية مئة وقيمة النصل مئتين فهي تبع، وإن كان قيمة الحلية أكثر من مئة، فلا يراعى ذلك، وظاهر ما في الموطأ وكتاب ابن المواز خلافه، وإنما يجب أن يراعى في الحلية القيمة.
م وذلك أن من أصلنا أن نحرم بالأقل، فإن كانت القيمة أو الوزن غير تبع لم يجز، وأما السرقة والزكاة ففيها نصاب مقدر، فوجب مراعاة الوزن؛ لأن به وقع التقدير، فلو راعينا القيمة، وهي كالنصاب، والوزن أقل من النصاب، لأوجبنا الزكاة في أقل من النصاب، وذلك خلاف النص، ولقطعنا في أقل من ثلاثة دراهم وخالفنا النص، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «ادرؤا الحدود الشبهات» فأخذنا بالأوكد في ذلك وراعينا الوزن إذا كان أقل من ثلاثة دراهم، ولم يلتفت إلى القيمة وإن كان فيها ثلاثة دراهم.
وفي كتاب ابن المواز: قال مالك رحمه الله: وما حلي به السيف والمصحف والخاتم من الذهب فإن كان الثلث فأقل فلك بيعه بدنانير، وما حلي بالفضة يباع بالفضة على هذا لا تأخير فيه.
فأجاز في هذا أن يحلى السيف بالذهب.
قال بعض أصحابنا: وأظن في ذلك اختلاف في جواز أن يحلى السيف بالذهب، والكراهية في ذلك قول آخر في المذهب.
ومن الواضحة: وكل مفضض من الخواتم والمناطق والمصاحف والأسلحة فهو كالسيف، فإن كانت فضته تبعًا لثمن الجميع بيع بفضة نقدًا وإن لم يكن تبعًا بيع بذهب نقدًا، ويجوز بعرض نقدًا أو مؤجلاً، وكذلك كل ما فيه الذهب مركبًا من حلي النساء من التاج والقرق والنقارس والشوادر والخواتم والأخلة يباع ما ذهب تبع بذهب نقدًا، وما ليس بتبع بيع بفضة نقدًا أو بعرض نقدًا أو
مؤجلاً، وما كان ذهبه مع جوهره مجتمعًا بالنظم من العقود والأقرطة والقلائد، فلا يباع بذهب كان تبعًا أو غير تبع، ويباع بالورق نقدًا.
م أراه إنما فرق بين ذلك؛ لأن العقود وما شاكلها ليس في نزع جوهرها من ذهبها مضرة، فهو كأنه مميز عنه.
وأما التاج وشبهه ففي نزع بعض ذلك عن بعض مضرة فهو كالسيف، وينبغي أن يراعى فيما ليس في نزع جوهره عن ذهبه مضرة أن يكون ذهبه يسيرًا أو جوهره يسيرًا أقل من دينار لئلا يدخله البيع والصرف والله أعلم.
[الباب الثاني]
في الحوالة والوكالة في الصرف، وصرفك ممن له عليك أو لك عليه دين وصرفك ممن أستقرضت منه أو صرفت منه
[الفصل 1 - الحوالة والوكالة في الصرف
وصرفك ممن له عليك أو لك عليه دين]
ولما لم يجز في الصرف إلا المناجزة لم تجز فيه حوالة ولا وكالة لأنهما بفترقان قبل تمام القبض.
قال مالك رحمه الله: وإن صرفت من رجل دينارًا بعشرين درهمًا، فدفعت إليه الدينار واشتريت من رجل سلعة بعشرين درهمًا، وأمرت الصراف أن يدفع الدراهم أو نصفها إلى غريمك وقبضت أنت ما بقي، وذلك كله معًا، لم ينبغ ذلك حتى تقبضها أنت منه ثم تدفعها إلى من شئت، لأنكما افترقتما قبل تمام القبض.
قال ابن المواز: قال أشهب: ولا ينبغي ذلك فإن فعلا ولم يفارقه حتى قبضها المأمور ولم يفسخ، فإن افترقا فسخ الصرف، ابتعت السلعة قبل الصرف أو بعده.
ومن المدونة قال مالك: وإن وكلت رجلاً يصرف لك دينارًا فلما صرفه أتيته قبل أن يقبض فأمرك بالقبض ثم قام وذهب، فلا خير في ذلك.
قال مالك: ولا يصلح للرجل أن يصرف ثم يوكل من يقبض له ولكن يوكل من يصرف له ويقبض.
ومن سماع أشهب قال مالك: ومن وكل على صرف دنانير فعرضها وصرفها من نفسه ثم علم ربها فلا خير فيه، أرأيت إن لم يرض، وكأنه صرف فيه خيار.
قال مالك: ومن لك عليه دراهم فقلت له صرفها لي بدينار وجئني به لم يجز.
قال ابن القاسم: وكأنك فسختها عليه في دينار لا يتعجله فصار صرفًا مستأخرًا أو أخرته بالدراهم إلى أن يشتريه لك فيصير سلفًا جر منفعة، وكذلك إن أمرته ببيع طعام لك عليه من بيع قبل أن تقبضه منه فباعه بدراهم، ورأس مالك في دنانير، أو باعه بدنانير ورأس مالك فيه دراهم فإنه يدخله تأخير الصرف، وإن باعه بصنف رأس المال أزيد أو أنقص دخله الربا وبيع الطعام قبل قبضه في ذلك كله.
م قال بعض أصحابنا وينبغي إذا باع له الطعام الذي في ذمته أو صرف له الدراهم التي في ذمته وثبت ذلك ببينة أن يكون له أجر المثل فيما تولى كإجارة فاسدة، وتبرأ ذمة الغريم لوضاع ما اشتراه؛ لأنه لما تصرف فيه بإذنه صار كوكيله وصار ما عليه كالمقبوض، ومثل هذا في المدونة وغيرها فيما ينتقل من ذمة إلى أمانة.
م انظر قوله وتكون له إجازة المثل فيما تولاه وهو لم يستأجره على ذلك، وإنما سأله أن يصرف له أو يبيع له الطعام، فلا شيء له في ذلك إلا أن يكون مثله ممن لا يتولى شيئًا من ذلك إلا بإجارة، ويطلب ذلك، فيكون له أجر مثله
إذا لم يعاقده على معلوم.
قال في باب بعد هذا: ولو كان له عليك دراهم فلا يعجبني أن تعطيه دينارًا يصرفه لك ويستوفي دراهمه، وأخاف أن يحبسه فيصير مصرفًا من نفسه.
قال ابن القاسم: وكذلك إن دفعت إليه فلوسًا ليصرفها ويستوفي حقه منها فهو مكروه.
قال ابن المواز: إذا دفع إليه دينارًا ليصرفه ويستوفي دراهمه فليرد مثل الدينار ويطلبه بمثل دراهمه إلا أن يكون له بينة، احضرهم على صرفه عن الدافع واستوفى دراهمه ولم يصرفه من نفسه فيجوز ذلك.
قال ابن القاسم عن مالك: ولو كان له عليك نصف دينار فأعطيته دينارًا فقلت له صرفه واستوف حقك وجئني بنصفه فكرهه مالك ثم أجازه، وبإجازته أخذ ابن القاسم، ولو كان له عليك دراهم لم يجز، قال: وهذا في الدينار وأما فيما كثر فلا خير فيه.
ومن المدونة: قال مالك ولو كان له عليك ألف درهم إلى أجل، فلما حل الأجل دفع إليك عرضًا أو طعامًا وقال لك بعه واستوف حقك جاز إلا أن يعطيك سلعة من صنف ما بعت منه بدينك، وهي أفضل فلا يجوز، وأما إن كانت
مثلها في الصفة والجودة أو أدنى جاز إذ لا تهمة في هذا.
فصل [2 - الصرف والمقاصة فيه]
قال مالك رحمه الله: وإن صرف رجل منك دينارًا فلما وزنت له الدراهم وقبضها أراد مقاصتك بدينار له عليك، فإن رضيت جاز وإن لم ترض غرم لك دينار الصرف، وطالبك بديناره.
قال ابن المواز في الرابع من البيوع: وقال أشهب: للصيرفي أن يحبس هذا الدينار من ديناره على ما أحب صاحب الدراهم أو كره، وقد سمعت مالكًا يقول فيمن أخرج سلعة له ليبيعها فقال له رجل له عليه مال: يعني سلعتك، فقال: إني أخاف أن تقاصني وأنا محتاج إلى ثمنها، قال: لست مقاصك، فباعه على ذلك ثم أراد مقاصته وأبى البائع، فقال: أرى مقاصته عليه واجبة.
[قال] أصبغ وقال ابن القاسم وهذا حرام لا يحل.
قال ابن المواز: يريد ابن القاسم أنه إنما باعه على أن يؤخره بما عليه من الدين.
قال أصبغ: لا يعجبني ما قال ابن القاسم؛ لأنه لم يشترط له تأخيرًا مع البيع ولكن أرى أن يدفع له ثمنها ويقوم مكانه عليه بحقه في ذلك الثمن بعينه وفي غيره.
قال ابن المواز: إن صح أمرهما ولم يعملا على تأخير الحق جاز ذلك، وكان له أن يحبس ذلك بحقه مقاصة كما قال أشهب عن مالك إلا أن يكون لهذا
البائع غرماء غير هذا فيمنعوه من ذلك، فإن لم يكن له غرماء كان له حبسه؛ لأني إن كلفته دفع ذلك إليه ثم حكمت عليه بأخذه منه مكانه لم أكلفه دفعه؛ لأنه ليس في دفعه منفعة ولا حبسه بحرام ولا في ذلك شيء، ولو كان حين باعه شرط عليه أن يؤخره بدينه وعملا على ذلك، كان حرامًا كما قال ابن القاسم؛ لأنه بيع وسلف.
فصل [3 - جعل بعض الصرف قضاء عن دين]
ومن المدونة قال مالك: ومن لك عليه نصف دينار دراهم فصرف منك دينارًا ثم قضاك دراهمك مكانه أو أعطاك دينارًا لتأخذ نصفه قضاء من دراهمك وتعطيه بنصفه دراهم فلا بأس به.
م يجوز عندنا في الذهب والورق اقتضاء أحدهما من الآخر لحديث ابن عمر أنه قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع فنأخذ مكان الذهب الفضة ومكان الفضة والذهب فسألنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال «لا بأس إذا كان بسعر يومه».
ومن كتاب محمد: ومن له عليك نصف دينار من بيع أو قرض فصرفت من آخر نصف دينار ودفعت إليهما دينارًا [بينهما] لم يجز، وكذلك لو أن لرجلين عليك ثلثا دينار لكل واحد ثلث فدفع أحدهما إليك ثلث دينار دراهم ودفعت إليهما دينارًا ليكون هذا ثلثاه ولهذا ثلثه لم يجز، لأن كل واحد صرف منك ما لم يبن به وهو حول في الصرف، وكذلك لو كان قبض الدينار مصرف الثلث لم يجز، ولو صرفت ذلك الثلث منهما لجاز، قبضا الدينار أو قبضه أحدهما.
قال ابن المواز: إذا اشتركا في دراهم بقية الدينار قبل الصرف جاز ذلك، وكذلك لو أسلف أحدهما الآخر جزءه من الدراهم قبل دفعها، فأما بعد ذلك فلا يحل.
م لأن الشريكين كرجل واحد.
قال: ولو أن لك على رجلين ثلث ثلث أو ثلث ونصف أو ربع وربع فدفعت إلى أحدهما بقية الدينار دراهم وقبضت منه أو منهما دينارًا مكانك، فهذا جائز، كما لو كان لك على رجل نصف دينار فدفع إليك رجل عن ذلك، فكذلك مسألتك.
قال ابن المواز: لا يعجبنا قوله في أخذ الدينار من قابض الدراهم، وتحيله على صاحبه بالثلث، وكذلك لو دفعت عرضًا إلى دافع الدينار إليك في الثلث؛ لأن دافع الثلث يمكنه أن يزيده ليضمن عن الآخر الثلث الباقي، فيدخله ضمان يجعل، ولا يجوز ضمان مع صرف ولا مع بيع، ولو ضمن دافع الدينار ما على صاحبه قبل ذلك من غير شرط لجاز أن يدفع دينارًا ويأخذ ببقيته عرضًا أو ورقًا مكانه، وإن تأخر عليه على أنه ثلث دينار كما هو جاز ذلك.
قال: ومن لك عليه نصف دينار، فأعطاك دينارًا على أن تحيله على فلان بنصف ذلك، فذلك جائز؛ لأنك لم تأخذ منه ولم تعطه.
م يريد كأنه قضاك نصفًا عن نفسه ونصفًا قضاء عن فلان وأحلته به عليه.
قال ابن المواز: كما لو جعلت له النصف الباقي في سلعة ولو كان في ذلك زيادة درهم واحد من قابض الدينار لم يجز، قال ابن القاسم: ولكن لو كان على فلان ثلث وعلى هذا نصف، فدفعت أنت إلى هذا بالسدس ورقًا أو عرضًا وأحلته على فلان بالثلث، وأخذت منه دينارًا لم يجز وهي مثل مسألتك الأولى.
م ويحتمل أن يكون إنما فرق بينهما، فلأنه في المسألة الأولى: إنما قضاك عن صاحبه، ولم تسأله أنت ذلك ولا أحلته عليه فلذلك خففه.
وفي المسألة الثانية: إنما
دفع إليك الدينار وأخذ بقيته على إن أحلته على صاحبه، فلذلك لم يجزه والله أعلم.
قال محمد بن المواز: ويدخله في العرض أنه لم يرض بالحوالة إلا بما زاده في العرض، وإنما يجوز إذا لم يكن بينهما زيادة شيء مثل أن يعطيكه الذي لك عليه نصف دينار دينارًا على أن يجعل له النصف الباقي في سلعة معجلة أو مؤجلة موصوفة، وإنما كره ذلك في الحول أن يكوم معه شيء.
قال ابن المواز: ولو دفع إليه أحدهما دينارًا وإنما عليه ثلث وعلى صاحبه ثلث وسكت عن الثلث الباقي [و] لم يشترط فيه شيئًا فهو خفيف إن صحت نياتهما.
قلت وكيف قد علما أنه لابد من دفع الثلث الآخر إما دراهم أو سلعة؟ قال: لأنه لم يقع بيع وضمان ولا صرف ضمان ولا سلف وضمان، وقد لزم ضمان دافع الدينار قبل أن تقع مبايعة ولا صرف [ولا ضمان] ولو زاده قابض الدينار في الصرف أو في ثمن سلعة ما ضر ذلك؛ لأنه لو شاء لم يزده ولا يخرج مما لزمه من الضمان.
فصل [4 - فيمن استقرض دراهم من رجل ثم صرفها منه]
ومن المدونة قال ابن القاسم وإن استقرضت من رجل دينارًا أو دراهم فلا تصرفها منه مكانك فيؤل إلى الصرف نظره؛ لأن دنانيره قد رددتها إليه، ودفع إليك دراهم يأخذ بها منك دنانيره عند محل أجل القرض، إلا أنه إن أقرضكها حالة أو إلى أجل فابتعت بها منه سلعة يدًا بيد فلا بأس به، وإنما أقرضها حالة فابتعت بها منه سلعة إلى أجل جاز أيضًا.
م يريد إذا رددت إليه قرضه مكانك أو بعد يوم أو يومين وإن تطاول لم يجز؛ لأن دراهمه التي أقرضكها قد رددتها إليه فصارت لغوًا كأنك لم تقبضها منه، وصح من فعلك أنك أسلمت إليه في سلعة إلى أجل ولم تدفع إليه رأس المال، وهو حال عليك، فإذا رددت إليه السلف مكانك أو مثل ما يتأخر إليه رأس مال المسلم جاز؛ لأنك إن قدرت أن ذلك ثم السلعة أو الدراهم الأولى هي ثمن السلعة كان ذلك جائزًا.
وقد قال محمد بن أبي زمنين في هذه المسألة: قوله إلى أجل صرف سوء، وقد ذكر بعض الرواة أن سحنون أمر بطرحه.
م وذلك لأنه يؤول إلى تأخير رأس المال، وقد اختلف في ذلك إذا تأخر رأس المال العين إلى الأجل نفسه أو إلى أجل بعيد، وإن لم يحل الأجل فعلى ما في كتاب السلم الثالث يفسخ السلم.
وله قول في كتاب محمد أنه لا يفسخ، ومسألة كتاب الصرف أخف؛ لأنه إنما حمل ذلك عليها للتهمة وأن ذلك يؤول إلى تأخير رأس المال ولم يصرحا بتأخيره فهو أخف وبالله التوفيق.
[فصل 5 - فيمن استقرض دراهم إلى أجل
ثم ابتاع بها من مقرضه سلعة إلى أجل]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أقرضكها إلى أجل فابتعت بها منه سلعة إلى أجل لم يجز؛ لأن دراهمه قد رددتها إليه فصارت لغوًا، وصار له عليك دراهم إلى أجل بسلعة ولك عليه سلعة إلى أجل فذلك الدين بالدين.
قال ابن حبيب: وإن أقرضك طعامًا حالاً ثم بعته منه بثمن نقدًا أو مؤجلاً لم يجز.
م يريد لأن طعامه قد رجع إليه، ودفع إليك ثمنًا نقدًا أو مؤجلاً في طعام حال، فذلك من بيع ما ليس عندك إلى غير أجل السلم، ومن الدين بالدين في ثمن المؤجل.
م قال بعض أصحابنا: وينبغي أن لو كان عنده مثل ذلك الطعام أو أكثر منه أن يجوز ذلك؛ لأن الذي استقرض هو ملئ به فلا يدخل ذلك بيع ما ليس عندك.
م وهذا في نظر؛ لأننا نزلنا المسألة أن طعامه عاد إليه فصار لغوًا، ودفع إليه دنانير نقدًا أو مؤجلاً في طعام حال في الذمة لا في معين، فلا يراعى هل عنده طعام أم لا؟ ولو لزم هذا للزم أن يجوز السلم إليه في طعام الحال عليه موصوف إذا كان عنده مثله، وكذلك إن لم يكن عنده مثله وهو ملئ؛ لأنه بقدر أن يشتريه له من السوق، وهذا خلاف قوله -صلى الله عليه وسلم- «سلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» فانظر.
قال ابن حبيب: وكذلك إن أقرضكه إلى أجل لم يجز أن تبيعه منه بثمن إلى أجل.
م يريد لأن طعامه قد رجع إليه فصار لغوًا، وصرت بعت منه طعامًا إلى أجل بثمن مؤجل، وذلك الدين بالدين.
قال ابن حبيب: ويجوز أن تبيعه منه بثمن حال.
م يريد وتنقده مكانك أو بالقرب منه ويكون أجل الطعام مثل أجل السلم.
فصل [6 - في الرجل يصرف دنانير بدراهم من رجل
ثم يصرفها منه بدنانير]
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا يجوز أن تصرف دراهمك من رجل بدنانير ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم غير دراهمك وغير عيونها في الوقت أو بعد يوم أو يومين.
قال ابن القاسم: فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: ولو كانت مثل عيون دراهمك التي دفعت سواء، لم يكن به بأس إذا لم يفترقا كانت أكثر أو أقل، فإن كانت مخالفة لعيونها فلا خير فيه على حال افترقا أو لم يفترقا إلا بعد طول الزمان الذي لا يتهمان فيه أن يكونا عملا لذلك.
م قال أبو محمد: انظر قوله إذا اختلفت العيون لم يجز.
ولعله يريد إذا اختلف الوزن أيضًا؛ لأنه أجاز ذلك مع اتفاق العين واختلاف الوزن، فكذلك يجوز مع اتفاق الوزن واختلاف العين، لارتفاع التهمة، لأنه أبدل جميعها كالمراطلة.
م قال بعض فقهائنا: إنما قال ذلك إذا رد إليه دنانيره وأخذ من خلاف عيون دراهمه أقل أو أكثر في المجلس أو بالقرب أنه لا يجوز؛ لأن دنانيره قد رجعت إليه وآل أمرهما إلى أن دفع إليه دراهم وأخذ منه دراهم خلافها أقل أو أكثر، فذلك
فضة بفضة غير متساوية.
ولو أخذ منه من هذه المختلفة مثل وزن دراهمه سواء قبل تفرقهما جاز كالمراطلة بها، فإن تفرقها أو كان أمرًا قريبًا كيوم أو يومين لم يجز؛ لأنه فضه بفضة غير يد بيد، فإن تباعد ذلك وطال الزمان جاز لارتفاع التهمة في ذلك وبعد ذلك بيعة حادثة.
م ويجوز عندي أن يعطيه بعد يوم أو يومين من هذه المختلفة مثل وزن دراهمه إذ لا تهمه في ذلك فبعد بيعة حادثة، فإن قيل إنها فضة بفضة غير يد بيد، قيل له يلزمك على ذلك وإن طال الزمان وأنت تجيزه في الطول لارتفاع التهمة، فكذلك بعد يوم أو يومين والله أعلم.
قال: وإن أخذ منه مثل عيون دراهمه أقل أو أكثر في المجلس جاز إذ لا يتهم أحد أن يدفع مئة ويأخذ خمسين من عيونها وإن كان ذلك بعد التفرق من المجلس أو بالقرب لم يجز أن يأخذ أكثر وهو كسلف بزيادة.
م فإذا رد إليه دنانيره بعيونها فلا بأس أن يأخذ منه بها أقل مما دفع إليه من الدراهم فيها، وإن كان بعد التفرق فلا يأخذ أكثر؛ لأنه سلف بزيادة.
وإن رد إليه مثل دنانيره بعيونها فلا يجوز أن يأخذ منه أكثر؛ لأنه سلف بزيادة وإن رد إليه مثل دنانير لا دنانيره بعينها، فهاهنا لا يأخذ منه مثل عيون دراهمه بعد التفرق لا أقل ولا أكثر؛ لأنه إن أخذ أكثر من دراهمه فقد أسلف قليلاً وأخذ كثيرًا، وإن أخذ أقل من دراهمه فقد ترك بقية دراهمه عوضًا مما أسلفه دافع الدنانير أولاً من الدنانير.
[الباب الثالث]
جامع مسائل مختلفة وصرف الدنانير المغتصبة أو الوديعة وتعدي المودع
[الفصل 1 - الصرف من النصارى والعبيد]
قال ابن القاسم رحمه الله: ويجوز الصرف من عبدك النصراني كالأجنبي.
م قيل معناه بغير الدنانير المنقوشة كنقر الذهب والفضة فأما المنقوشة وفيها ذكر الله عز وجل فلا يصرفها من كافر كما نص عليه في غير هذا الموضع.
وكره ملك أن يكون النصارى صيارفة في أسواق المسلمين لعملهم بالربا واستحلالهم له، ورأى أن يقاموا من أسواقنا كلها.
[فصل 2 - فيمن اشترى بنصف درهم فلوسًا
وبنصفه الآخر فضة ونحوها]
قال: وإن اشتريت بنصف درهم فلوسًا وبنصفه الأخر فضة أو اشتريت بنصفه أو بثلثيه طعامًا وأخذت بباقيه فضه فذلك جائز، وإن أخذت بثلثه طعامًا وأخذت بباقيه فضة فمكروه وقال سحنون: لا يجوز.
م يريد سحنون: لا يجوز في الوجهين، لأنه الفضة بالفضة متفاضلاً.
م وإنما كرهه مالك إذا كانت الفضة أكثر، وجوزه إذا كانت أقل؛ لأن الطعام إذا كان هو الأكثر، علم أنه المقصود في الشراء، والفضة التبع، فأجازه للرفق بالناس وللضرورة التي تلحقهم إذ لا غنى لهم منه، وإذ لا يجوز كسر الدراهم، فأما إذا كانت الفضة أكثر فكأنها هي المقصودة، فتصير فضة وطعامًا بفضة.
م وهذا في بلد فيه الدراهم الكبار خاصة والخراريب الصغار أو الكبار أو الدراهم الكبار والصغار، فلا يكون عند المشتري إلا درهمًا كبيرًا يحتاج أن يشتري بنصفه طعامًا، وفي كسره ضرر فأبيح له أن يأخذ بنصفه طعامًا وبباقية فضة أو من هذه الخراريب الصغار للضرورة إلى ذلك، وأما في بلد الغالب فيه الخراريب الصغار، فلا يجوز أن يعطيه المشتري درهمًا كبيرًا ويأخذ منه بنصفه طعامًا وباقيه من الخراريب، ولو دفع درهمًا خراريب وأخذ بنصفه طعامًا وباقية خراريب لبان قبحه إذ لا ضرورة تلحقهما في ذلك.
قال ابن المواز: وكره مالك والليث أن يبتاع بثلث دينار قمحًا فيدفع دينارًا ويأخذ بالثلث، ويرد عليه صاحب القمح قطعة ذهب عينًا منقوشًا؛ لأنه ذهب بذهب وطعام.
فصل [3 - في الرجل يغتصب الدنانير فيصرفها قبل أن يقبضها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن غصبك دنانير فجائز أن تصرفها منه بدراهم وتقبضها، ذكر أن الدنانير عنده حاضرة أو لم يذكر؛ لأنها في ذمته، ولو غصبك جارية جاز أن تبيعها منه، وهي في بلد آخر غائبة وينقدك الثمن إذا وصفها؛ لأنها في ضمانه، والدنانير في ذلك أبين.
قال سحنون لا يجوز له بيعها لأنه لا يدري ما باع، الجارية أو القيمة فإن اختار تضمينه القيمة يوم الغصب، كان له بيع تلك القيمة بما يجوز بيعها ولينتقد.
م ولأنه إذا أجاز بيع عينها وانتقد ثمنها فقد تكون هلكت قبل البيع فيلزم الغاصب قيمتها يوم الغصب ويمكن أن يكون ذلك أقل من الثمن الذي قبض فيها، فيجب عليه رد الزيادة فيصير بيعًا وسلفًا، ووجه قول ابن القاسم أنه لما كانت في ضمان الغاصب إن هلكت عند البيع جاز النقد فيها إذ لا يتقى فيها رد الثمن بهلاكها قبل العقد كما اتقى النقد في الحيوان الغائب؛ لأن ذلك إن هلك
قبل البيع وجب رد الثمن فيصير النقد حينئذٍ تارة ثمنًا وتارة سلفًا، وهذا لا يخشى رده؛ لأن هلاكها منه.
قال بعض فقهائنا القرويين: وإنما قال ابن القاسم والدنانير في ذلك أبين: إذ قد تكون الجارية هلكت قبل عقد البيع فلزم الغاصب قيمتها يوم الغصب، وقد تكون تلك القيمة أقل من الثمن الذي نقد فيها فيجب على ربها رد الزائد فلهذا قال: والدنانير في ذلك أبين، وأما إن كانت القيمة مثل الثمن فأكثر فلا فساد في ذلك ويطلبه ربها بزيادة القيمة والله أعلم.
قال بعض أصحابنا: قال ابن القاسم: يجوز بيعها منه إذا وصفها؛ لأنه كان ضامنًا ما أصابها بعد وجوب البيع بينهما أو قبل وجوبه؛ لأنه ضمنها بالغصب.
قال أبو القاسم بن الكاتب: قوله بعد الوجوب.
يريد لأنه بعد الوجوب مالكًا لها بالشراء فما أصابها فمنه وإن كانت غائبة؛ لأنها في يديه وليست كشراء الغائب، مذهبه فيه أن ضمانه بعد العقد من بائعه حتى يقبضه المشتري، وذكر ابن المواز أنه يجوز بيعها منه وينتقد ثمنها.
قال: ولو كانت وديعة لم يجز النقد إن بعدت، وما قاله سحنون فلا يلزم ابن القاسم؛ لأنه إنما باعها على أنها سالمة كبيع الغائب على أنه سالم وليست القيمة لازمة للغاصب إلا أن يختارها ربها، ومتى لم يخترها ورضى ببيع الجارية فذلك كاختياره ترك القيمة وطلبها، وعلى ما قاله سحنون يلزم أن لا يجوز له الرضا