ابن المواز عن ابن القاسم: ولو قال: إن اشتريت فلاناً فهو حر عن ظهاري، فاشتراه فهو يجزيه عن ظهاره.
قال الشيخ: وذكر أن أبا عمران غَمَزَ المسألة فقال: لا يجزئه إذا كان قد ظاهر قبل قوله: إن اشتريت فلاناً فهو حر عن ظهاري، من أجل أنه لا يستقر ملكه عليه، ويعتق بنفس الشراء، قال: وأما لو لم يكن ظاهر لأجزأه ذلك، وكأنه قال: إن اشترينك فأنت حر عن ظهاري إن وقع مني شيء ونويت العودة، فإن لم ينو العودة فلا يعتق عليه.
قيل له: والذي في كتاب ابن المواز قد حصل منه الظهار، وكأنه أراد العودة حين قال: إن اشتريتك فأنت حر عن ظهاري
فقال ابن القاسم: لا يراعي نية العودة، وقد ظهر ذلك منه في مسائل كثيرة، وإنما يلزمه نية العودة عند عبد الملك وسحنون.
قال الشيخ: والمسألتان سواء، ونية العودة في مسألة محمدٍ أمكن لحصول الظهار فيها، وكل مُكفرٍ عن ظهاره فإنما يريد حل الظهار الذي منعه الوطء ليطأ، فهذه نية العودة، فلا فرق بين قوله لعيد: إن ملكتك ثم ظاهرت فأنت حر عن ذلك الظهار، وبين قوله: فأنت حر، عن ظهار لزمه، لأن كليهما عقد فيهما الحرية لظهارٍ كان أو إن كان، وهو في الذي كان أبين، لتمكن نية العودة في ظهارٍ قد حصل، والله أعلم.
قال مالك: وإن أعتق ما في بطن أمته عن ظهاره لم يجزه، ويعتق إذا وضعته وإن أعتق عبده عن ظهاره على مالٍ يكون عليه ديناً لم يجزه، وإن كان المال في يد العبد فاستثناه السيد جاز عتقه عن ذلك الظهار، إذ له انتزاعه، كقول مالك فيمن أوصى بعتق رقبةٍ فوجد الوصي عبداً يباع، وأب ربه / بيعه حتى يتعجل من العبد مالاً، فذلك جائز وهو يجزئ عن الميت.
قال: ومن أعتق عبده عن رجلٍ عن ظهارٍ عليه، عل جُعل له فولاؤه للمعتق عنه، وعليه الجُعلُ كاملاً، ولا يجزئه عن ظهاره، كمن اشتر رقبةً بشرط العتق فأعتقها عن ظهاره، فلا يجزئه عن
ظهاره، وهو حر، والولاء له.
وسئل أبو عمران عن الرجل يعتق عن رجلٍ عن ظهارٍ لزمه؟
فقال: يجزئه.
قيل له: لم أجزأه وهو لم يرد العودة؟
فقال: ابن القاسم لا يراعي فيه العودة.
قيل له: أرأيت لو لم يرض بالعتق؟
فقال: لا يجزئه عن الظهار.
فقيل له: فإن الولاء له فكيف لا يجزئه؟
فقال: كما يعتق المكاتب والمدبر، فيكون له الولاء ولا يجزئه عن ظهاره.
وسئل عن الذي ظاهر من أمته وليس له غيرها فأعتقها عن ظهاره، وكيف أجزأه ذلك وهو إذا أعتقها حُرم عليه فرجها؟
فقال: نية العودة إلى الوطء توجب عليه الكفارة، فإذا أعتقها زال عنه الظهار، وحرُم عليه فرجها إلا بتزويج.
قيل له: فإن بعض الناس يضعف هذه المسألة؟
فقال: إنما يضعفها من لا يعرف ما للسلف في ذلك، والقاسم بن محمدٍ وسالم وغيرهما يقولون: إن الظهار في الإماء، ويعتقن عن ظهارهن، وقال غير
واحد من القرويين: إنما تصح المسألة إذا كان قد وطئ، أو على القول الذي يسري أن بإرادته العودة لزمته وإن الكفارة وإن ماتت أو طلقها.
قال الشيخ: والكفارات إنما وضعت تحل الأيمان، فإذا كفَّر لِحِلَّ يمينه فقد انحل، فلا تراعي حرمت عليه بهذه الكفارة أم لا، ومتى ما حل له وطوَّها ولم يكن عليه فيها يمين تمنعه الجماع، والله أعلم.
قال الشيخ: وفرق بعض أصحابنا بين من أعتق عن رجل لظاهر لزمه أو غيره، وبين من أدي عن رجل زكاة لزمته.
فقال: تجزئ في الكفارة لا تجزئ في الزكاة، قال: لأن الزكاة ليست في ذمته، والعتق لزم ذمته كالدين، فلو عكس ذلك لكان أولى، وذلك أن الكفارة قبل الحنث غير لازمة، والزكاة إذا حلت فقد وجبت، فإذا كان يجزئه العتق عنه في الكفارة التي لم يحنث فيها إذا كان بأمره، ففي الزكاة التي لزمته إذا أداها عنه بأمره أحرى أن تجزئه، لأنها كدين عليه وهذا بين.
فإن قال: أردت في كفارة لزمته بالحنث؟
قيل: ذلك كزكاة حلَّت ووجبت، وأما قبل الحنث وقبل حلول الزكاة فالحكم معكوس يجزئ في الظهار لجواز أدائها قبل الحنث، ولا يجزئ في الزكاة، لأنها لا تؤدي قبل حلولها.
فصل [4_ فيما يمنع الإجزاء من العيوب]
ولا يجزئ أقطع اليد الواحدة أو أصبع أو أصبعين أو الإبهام أو الإبهامين أو الأذنين أو أشلََّّ أو أجذم أو أبرص أو أصم أو مجنون وإن أفاق أحيانًا، ولا أخرس ولا أعمى ولا مفلوج يابس الشق.
وأجازه غيره مقطوع الأصبع الواحدة، أو من به برص خفيف ولم يكن بمرض.
قال ابن القاسم: ولا يعجبني عتق الخصي في شيء من الكفارات.
ابن المواز: واختلف في ذلك، فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز.
[فصل 5 - في عتق الأعور في الظهار]
ومن المدونة: وأجاز مالك عتق الأعور في الظهار، وقاله النخعي والحسن.
ابن المواز: وقال عبد الملك: لا يجزئ عتق الأعور في الظهار.
قال الشيخ: فوجه قول مالك: هو أم العين الواحدة تقوم مقام الأثنين، ويري بها ما يرى بالأثنين، ولذلك ديتها كدية العينين جميعا ألف / دينار، فهو (170/أ) كالصحيح.
ووجه قول عبد الملك: فلأنه فقد ما يجب فيه شطر الدية كأقطع اليد.
[فصل 6 - في عتق الأعرج، ومن به عيب خفيف والصغير، والأعجمي]
ومن المدونة: قال مالك: ويجزئ عتق الأعرج في الكفارات إذا كان عرجاً خفيفاً.
قال ابن القاسم: وإن كان به عيب خفيف كجدع في أذن، أو قطع أنمله، أو قطع طرف أصبع فأرجو أن يجزئ في كل الكفارات، وما كان من عيب فاحش أو ينقصه فيما يحتاج إليه من عنائه أو جزائه لم يجيزه.
وقال مالك: ويجوز عتق الصغير في كفارة الظهار إذا كان من قصر النفقة، وعتق من صلى وصام أحب إلي.
قال ابن القاسم: يريد من عقل الصلاة والصيام.
قال مالك: ومن اشتري أعجمياً فأعتقه عن ظهاره، فإن كان من ضيق النفقة فأرجو أن يجزئه، وعتق من صلي وصام أحب إلي.
وفي نقل أبي محمد عن ابن المواز: قال ابن القاسم: ويجزئ الأعجمي عند مالك وغيره، وهو أحب إلي، وذلك الأمر عنده، لأنهم على دين من اشتراهم.
قال ابن القاسم: وهو رأيي.
ابن المواز: وقال أشهب: لا يجزئ حتى يجيب إلى الإسلام وهو أحب إلي.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: وينبغي على قول ابن القاسم أن يوقف عن امرأته حتى يسلم، وإن مات قبل أن يسلم لم يجزه.
وقلت أنا: بل له وطء زوجته حيث أعتقه، ولو مات قبل أن يسلم لأجزأه، لأنه علي هذا القول على دين من اشتراه، ولما كان يجبر على الإسلام ولا يأباه في غالب أمره حمل الأمر علي الغالب فيه فكأنه مسلم بعد، كالصغير الذي هو على دين أبيه بل إن قول أشهب أحسن.
[فصل 7 - في عتق الرضيع وولد الزنا]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأجازه عتق الرضيع في الكفارات عدد من التابعين، وأجاز أبو هريرة وغيره عتق ولد الزنا في الكفارات.
ابن المواز: وقيل: لا يجزئ.
[فصل 8 - فيمن أعتق عبده عن ظهار غيره]
قال ابن القاسم في المدونة: ومن أعتق عبده عن رجلٍ عن ظهاره أو عن شيء من الكفارات بأمره أجزأه، والولاء للمعتق عنه، وإن كان بغير أمره قبل أن يطأ أو يريد العودة لم يجزه، وإن كان بعد وطء أو إرادة العودة فبلغه ذلك فرضي أجزأه، لأن مالكا قال فيمن اعتق عبده عن ميت لظهار لزمه أو ودي عنه كفارة لزمته: أن ذلك يجزئه، فكذلك الحي إذا بلغه فرضي به.
سحنون: وقد قال ابن القاسم وغيره: لا يجزئه إلا بأمره، لأنه عتقُ لا يُرد، رضي هذا أوكَرِه، وإذا قال: قد أجزت، فإنما أجاز شيئًا قد فات فيه العتق، وهو أحسن إن شاء الله.
[الباب العاشر]
فيمن صام عن ظهاره في رمضان أو ذي الحجة أو سافر في صومه فمرض.
[فصل 1 - فيمن صام عن ظهاره في رمضان أو ذي الحجة]
قال ابن القاسم: ومن صام شعبان ورمضان ينوي بهما الظهار ويريد أن يقضي رمضان في أيام أخر لم يجزه رمضان لفرضه ولا لظهاره.
وقال ابن حبيب: إذا صام شعبان لظهاره ورمضان لفرضه ثم أكمل ظهاره بصيام شوالٍ أن ذلك يجزئه، فيحتمل أن يكون ذلك موافقا لقول مالك فيمن صام ذا القعدة وذا الحجة لظهار عليه جاهلا فعسي أن يجزئه.
وقال بعض شيوخنا: أن ذلك / لا يجزئه، لأنه تفريق كثير والأول أولى، (170/ب) لأن الجهالة غرر كالمرض في غير وجه.
قال مالك: ومن صام ذا القعدة وذا الحجة لظهار عليه، أو قتل نفس خطأ لم يجزه إلا من فعله بجهالة وظن ذلك يجزئه، فعسي أن يجزئه.
قال أبو محمد: يريد ويقضي أيام النحر التي أفطر ويصلها.
قال مالك: وما هذا بالبين، وأحب إليَّ أن يبتدئ.
وقال سحنون: لا يجزئه.
ونقل أبو محمد في النوادر عن مالك: أنه إن افطر يوم النحر وصام أيام التشريق رجوت أن يجزئه.
وهذا اصح من قوله: أفطر أيام النحر.
قال ابن القصار: لأن صوم هذه الأيام.
إنما هو علي الكراهة، لأن مالكا قال فيمن صام شهري التتابع وهو يعلم أنه يمر بيوم النحر ووصل ما بعده أجزأه، فدل أنها تصام كما يصومها المتمتع.
وقال أبو القاسم بن الكاتب: معنى مسألة المدونة أنه صام يوم النحر وأيام التشريق فيقضها ويبني، وأما لو أفطرها لم يجزه البناء، لأنه صوم غير متوال، والأول.
وإن كانت أياما لا تصام فهو لم يأكل فيها ونوى صيامها وإن كانت لا تجزئه.
قال الشيخ: فصار في ذلك ثلاثة أقوال، قول تجزئه البناء وإن أفطر أيام النحر كلها إذا جهل ذلك.
وقول لا يجزئه إلا أن يفطر يوم النحر خاصة ويصوم أيام التشريق.
وقول لا يجزئه إلا إن يصومها كلها، ويقضيها ويبني، وهو أضعفها.
[فصل 2 - فيمن سافر في صوم الكفارة فمرض]
قال مالك: ومن سافر في شهري ظهاره فمرض فأفطر فيهما فأخاف أن يكون السفر هيج عليه مرضه حراً أو برداً أصابه، ولو أيقنت أن ذلك لغير حرٍ أو بردٍ أهاجه السفر لأجزأه البناء، ولكني أخاف.
وقال سحنون: يجزئه.
قال مالك: ومن صام لظهاره ثم مرض فأفطر فليبين إذا صح، فإن أفطر يوما متعمدا بعد قوته على الصوم ابتدأ.
قال: وإن حاضت امرأة في صوم عليها متتابع ولم تصل قضاء أيام حيضتها فلتبتده.
قلت: فقول الله تعالى:} فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً {[المجادلة:4]، ومن هذا الذي لا يستطيع؟
فقال: هو الصحيح الذي لا يقوى علي الصوم من كِبَر أو ضعف، ومن الناس من هو صحيح لا يقوى علي الصوم.
ومسألة من تظاهر وهو مريض قد قدمت في باب الصوم في الظهار فأغني عن إعادتها.
[الباب الحادي عشر]
في كفارة من ظاهر من جماعة نساء أو يمين بالله، أو إيلاء
قال مالك: ومن ظاهر من أربع نسوة له في غير مرة واحدة لزمه في كل واحدة منهن كفارة.
قال ابن القاسم: فأنه أعتق عنهن أربع رقاب في مرة واحدة أجزأه وإن لم يعين التي أعتق عن كل واحدة، لأنه لم يشرك بينهن في العتق، وليس لهن من ولائهم شيء.
وكذلك إن أعتق ثلاث رقاب عن ثلاث منهن غير معينات وحاشى واحدة من نسائه لم ينوها بعينها أجزأه ذلك، إلا أنه لا يطأ واحدة من الأربع حتي يعتق رقبة رابعة.
ولو ماتت منهن واحدةً أو طلقها كان كذلك أيضًا لا يطأ واحدة نمهن حتى يعتق رقبة رابعة.
قال الشيخ: يريد فإن وطئ فقد أساء, ولم يكن له أن يطأ واحدة منهن حتى يكفر، وقد تخلدت هذه الكفارة في ذمته لا يزيلها موتهن أو طلاقهن، بخلاف لو لم يطأ.
/... (171 / أ)
ومن كتاب ابن المواز: قال أشهب: إن أعتق عن الأربع أربعة أرؤس أجزأه وإن لم يعين عن كل واحدة رأساً، ولو أعتق اليوم رأسين، وفي غد رأسين ولم يسم في ذلك واحدة بعينها لم يجزه، وإن أعتق ثلاثة أرؤس وأطعم ستين مسكينًا في مجلسٍ واحدٍ لم يجزه.
قال ابن المواز: لم يعجبنا قوله.
قال الشيخ: وهذا خلاف قول ابن القاسم المتقدم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أعتق ثلاث رقابٍ عن الأربع استأنف عتق أربع رقاب، لأنه أشركهن في كل رقبة، ولا يجزئه هاهنا عتق رقبةٍ رابعةٍ، ماتت إحداهن، أو طلقها، أو لم يطلقها، وكذلك الجواب في تظاهره في امرأتين وعتقه عنهما.
قال: ولو صام ثمانية أشهر متتابعات عن الأربع نسوة ينوي لكل واحدةٍ منهن لم يعينها كفارةً أجزأه، وكذلك الإطعام.
فإن أشركهن في كل يوم في الصيام أو في كل مسكين في الإطعام لم يجزه، إلا أن ينوي به مدًا لكل مسكين في كفارته، وإن لم ينوِ امرأة بعينها ولا كفارة كاملةً فيجزئه ذلك، لأن الإطعام يجزئه أن يفرق فيطعم اليوم عن هذه أمدادًا، وفي غد عن الأخرى أمدادًا، ثم يتم بعد ذلك كفارة كل واحد فتجزئة وإن كان متفرقًا بخلاف الصوم، لأن فيه شرط التتابع.
وإن ماتت واحدةً وقد أطعم عن جميعهن مئة وعشرين مسكينًا ولم ينو مالكل واحدةٍ من ذلك, ولا أشركهن في كل مسكين سقط حظ الميتة من ذلك وذلك ثلاثون مُدَّاً، وُجِبر علي ما بقي بعد ذلك تمام ثلاث كفارات.
ولو تظاهر منهن في كلمةٍ ثم وطئ واحدةً منهن لزمته كفارةً واحدةً، فإن صام شهرين ونوى بصومه التي وطئ، وأدخل الباقيات في نيته، أو نسبهن فذلك يجزئه عنهن.
ولو جامع ليلاً في صوم غير التي نوى الصوم عنها ابتدأ، لأن صومه كان يجزئ عن جميعهن، كمن حلف بالله في أشياء سماها ألاَّ يفعلها فحنث يفعل أحدها فكفارةً تجزئ عن جميعها، وإن نوى بالكفارة الشيء الذي حنث به ناسيًا لباقيها، أو ذاكرًا فلا شيء عليه فيما بقي مما كان حلف عليه ألا يفعله لو فعله، وكذلك لو كفَّر قبل حنثه في اليمين بالله تعالى ونوى بكفارته أحد هذه الأشياء التي حلف لا فعلها ولم يدخل باقيها في كفارته أجزأه ذلك عن جميعها، ثم لا يلزمه شيء من فعل باقيها، وقد استحب مالك الكفارة في اليمين بالله تعالى بعد الحنث.
قال: وعن كفَّر قبل الحنث رجوت أن يجزئ عنه.
وقد سئل مالك عمن حلف بعتق رقبة ألا يطأ امرأته، فأخبر أن الإيلاء عليه فأعتق إرادة إسقاط الإيلاء؟
قال مالك: أحب إلي أن يعتق بعد الحنث، فإن أعتق قبله أجزأه، ولا إيلاء عليه.
قال ابن المواز: وقال أيضا مالك: لا يلزمه ذلك إلا في رقة معينة.
[تمَّ كتاب الظهار بمحمد الله وحسن عونه
وصلى الله على نبينا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا]
[الكتاب العاشر]
كتاب التخيير والتمليك
[الباب الأول]
باب جامع في تخيير الزوجة وجوابها
[فصل 1 - في معني التخيير وأدلته وما يلزم به] وقد خيَّر الرسول عليه الصلاة والسلام نساءه كما أمر الله سبحانه، وقالت عائشة رضي الله عنها: فبدأ بي رسول الله صلي الله عليه وسلم وتلا هذه الآية: } يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا {[الأحزاب:28 - 29]، فقلت له: إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت عائشة رضي الله عنها: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل
ما فعلت، فلم يكن ذلك طلاقاً.
وقال عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم.
قال زيد بن ثابت وربيعة: واختارت ابنة الضحاك العامري نفسها، فكان ذلك البتات.
فكان ما دل عليه الكتاب وبينته السنة في الخيار أن تبين الزوجة أو تقيم، ولا تبين المدخول بها بدون الثلاث إلا في طلقة بائنة يوجبها حكم، أو خلع، والله أعلم.
ومن الأحكام لإسماعيل اختصار [بكر] القاضي قال: وقد ظن قوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه في الطلاق، وهذا ظن سوء أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخير في الطلاق يكون ثلاثا، وإنما خيرهن بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الآخرة كن علي ما كن عليه ولهن ما اخترن، وإن اخترن الدنيا طلقهن حينئذ طلاق السنة الذي علمه الله تعالى، ألا تري إلي قوله تعالى:
﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب:28].
قال الشيخ:
وهذا من قوله يدل علي خلاف اختيار ابنة الضحاك نفسها لأنه كان يكون اختارت ما جعل لها، فلا يلزم ما أختارته.
وقال بعض البغداديين: إنما يكره التخيير كما يكره التطليق ثلاثا، فإنه فعل لزمه كما يلزمه تطليقه ثلاثا.
وحكي لنا عن أبي عمران أنه قال: لا يكره للرجل أن يخير زوجته كما يكره له التطليق ثلاثا، وإنما يكره ذلك للمرأة أن تطلق نفسها ثلاثا.
فقيل: إنما يكره ذلك للمرأة أن تطلق نفسها ثلاثاً.
فقيل: إنما صار ذلك إليها بسببه؟
فقال: أليس الذي يقصد إلى البدعة كالذي لا يقصد إليها؟
فقيل له: ما ذكر أبو محمد عن بعض البغداديين أنه التخيير كما يكره التطليق ثلاثا؟
فقال: هذا شيء ذكره بكر القاضي وما في الحديث يرده، لان النبي صلي الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها:" لا تعجلي حتى تستأمري أبويك "، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فلو علم أنها تختاره لم يقل لها:
"لا تعجلي".
وقد ذكر في بعض الحديث أن امرأة بدوية اختارت نفسها، فلا يكره ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم واستعمله السلف بعده.
قال مالك رحمه الله: ومن قال لامرأته بعد البناء: اختاري نفسك، فقالت: اخترت نفسي، فهل ثلاث، ولا مناكرة للزوج، وإن قال لها: اختاري، فقالت قبلت أمري، سئلت ما الذي قبلت، فإن قالت: ما جعل لي من الخيار ولم أطلق، قيل لها: فطلقي إن أردت، أو فردى، فإن طلقت ثلاثا لزمته ولا مناكرة له، وإن طلقت دون البتات لم يلزمه شيء، وإنما لها الخيار أن تطلق ثلاثا، أو ترد ذلك، وإن قالت: أردت بذلك الطلاق، سئلت أي الطلاق أرادت، فإن كان دون البتات بطل، ولم يلزم الزوج بشيء، وإن كان البتات لزم ولا مناكرة للزوج.
قال ابن المواز: قال مالك وأصحابه: إذا طلقت واحدة فليس بشئ، إلا عبد الملك فقال: تكون ألبتة.
قال الشيخ: فوجه قول مالك: أنها اختارت ما لم يجعل لها، فلم تكن بذلك مختارة ما جعل لها، أصله لو اختارت شيئا آخر مخالفا لما هما فيه، فلا خلاف أن ذلك قطع لخيارها.
ووجه قول عبد الملك: أن اختيار البعض فيما لا يتبعض اختيار له بكماله،/ (172/أ) كمن طلق بعض طلقة أنه تلزمه طلقة كاملة، إذا لا يتبعض الطلاق.
قال ابن المواز: وإذا اختارت واحدة فتبين من الزوج الرضى بها فتلزمه، وله الرجعة ليس من قبل الخيار، لأن لا خيار طلاق لا رجعة فيه.
قال الشيخ: يريد: ولكن لرضاه بما طلقت به نفسها، فهو كما لو طلقها ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: وإنما ينظر في الخيار والتمليك إلي ما قال الزوج، فإنه قال: اختاري، فهذا خيار، وإن قال: أمرك بيدك، فهذا تمليك، ولتسأل المرأة في الخيار والتمليك كما وصفنا، وليس للزوج مناكرة المدخول بها في الخيار وله مناكرتها في التمليك إذا قضت باكثر من الواحدة إن ادعي نية في ذلك، فالفرق بينهما أن الخيار إنما جعل لها فيه أن تقيم عنده، أو تبين منه، والواحدة لا تبينها، فلما كانت الواحدة لا تبينها علمنا أنه إنما جعل ذلك إليها في الثلاث.
- وقد جرت فيه السنة التي قدمناها -
وأما التمليك فلم يجعل لها الخيار في أن تبين منه أو تقيم عنده، وإنما جعل لها أن تطلق واحدة، أو اثنتين، او ثلاثا، إلا أن يناكرها فيعلم أنه لم يجعل لها إلا ما قال مع يمينه، ويكون أملك بها، وإن قضت المملكة بواحدة، فقال الزوج كذلك أردت، كان مالك بها.
أبو محمد: وقال ابن أبي سلمة: التخيير والتمليك سواء، وله فيه المناكرة.
ومن المدونة: قلت: فإن لها: اختياري في أن تطلقي نفسك تطليقة واحدة وفي أن تقيمي، فقالت: أخترت نفسي؟
فقال: سئل مالك عنها فقال لزوجها: احلف بالله ما أردت بقولك اختاري في واحدة، إلا واحدة وتكون أملك بها.
قيل لابن القاسم: فكيف كانت المسالة التي سألوا مالكا عنها؟ قال: سألوا مالكا عن رجل قال لامرأته: اختاري في واحدة، فأخبرهم بما أخبرتك.
قال ابن المواز: وإنما استحلفه مالك فيما نري خوفاً أن يكون إنما قال لها: اختاري في واحدة، أي مرة واحدة، فتكون ألبتة، فأما إن بين لها فقال لها: اختاري في أن تطلقي من الطلاق واحدة، فلا يمين عليه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: اختاري في تطليقة، فقالت قد اخترتها، أو اخترت نفسي، لم تلزمه إلا واحدة، وله الرجعة، ولا يكون لها أن تختار أكثر من واحدة.
قال الشيخ: وإنما لزمته واحدة إذا قالت: اخترت نفسي، لأنها قد اختارت ما جعل لها وزادت عليه، فلزمه ما جعل لها وزادت عليه، فلزمه ما جعل لها وسقط عنه الزائد.
ابن حبيب: وقال مطرف عن مالك فيمن ملك امرأته في واحدة فقضت بالبتة، فلا شيء لها، لأن ألبتة لا تتبعض، ولو قالت بالثلاث لزمته واحدة، وساوى بينهما المغيرة، فقال في ألبتة كما قال مالك: أنها تلزمه واحدة.
وقال أصبغ: إن ملكها ثلاثا، أو قال: البتة، فقضت بواحدة، او ملكها واحدة فقضت بالبتة، أو بالثلاث، فذلك كله باطل، لأنه غير ما أعطاها.
قال الشيخ: وقد وجه مطرف قوله، ووجه قول المغيرة: إن ألبتة كناية عن الثلاث، ألا تري أنه أوقعها عليها لم يتزوجها إلا بعد زوج كالثلاث، فله في هذا حكم الثلاث.
ووجه قول أصبغ فيما إذا جعل لها واحدة فقضت بالثلاث: إنه لا يلزمه شي لأنه غير ما جعل لها، أصله إذا جعل لها الثلاث فقضت بواحدة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن ملكها فقضت بواحدة أنه يملك رجعتها إلا أن يكون مع ذلك فداء فيكون بائنا.
قال/ مالك: وإن قال لها: اختاري، فقالت: قد اخترت طلقة، أو طلقتين، فلا شيء لها إلا أن تختار ثلاثا.
قال ابن القاسم: وكذلك إن قال لها: اختاري تطليقتين، فاختارت واحدة لم يقع عليا شيء، وكذلك إن قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا، فقالت: قد طلقت نفسي واحدة، لم يقع عليها شيء من الطلاق/ وإن خيرها بعد البناء فقالت: خليت سبيلك، ونوت واحدة لم يقع عليها شيء من الطلاق، وإن لم تكن لها نية فهي البتات.
فصل [2 - فيمن قال لزوجته: اختاري اليوم كله]
قال ابن القاسم: ومن قال لزوجته: اختاري اليوم كله، فمضي اليوم ولم تختر فلا خيار لها.
قال أبو محمد وغيره: يريد في قولي مالك جميعا, بخلاف افتراقهما من المجلس، لأن المجلس أخذ فيه بالاجتهاد، فأحتمل فيه التأويل، واليوم بالتوقيف فأرتفع التأويل منه.
قال: وهكذا كان علماؤنا يقولون في هذه المسألة.
قال الشيخ: وهو الصواب وإن كان خلاف ظاهر الكتاب، ونص ما في الكتاب: قلت: أرأيت إن قال لها: اختاري اليوم كله، فلم تختر حتى مضي اليوم كله؟
قال: أرى أن ليس لها أن تختار إذا مضى ذلك اليوم كله، لأن مالكا قال: إن خيرها فلم تختر حتى تفرقا من مجلسهما فلا خيار لها، فكذلك مسألتك إذا مضى الوقت الذي جعل لها الخيار إليه.
وأما قول لآخر: فإن لها الخيار وإن مضى ذلك الوقت لأن مالكا قال في الرجل يخير امرأته فيفترقا قبل أن يقضي حتى يوقف: أو حتى يجامعها، وقوله الأول أعجب إلي وبه آخذ، وعليه جماعة الناس.
فظاهر الكتاب يبين أن اختلاف قول مالك يدخل في الوجهين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن خيرها ولم يوقت يوما، ثم افترقا من المجلس قبل أن تختار فلا خيار لها في قول مالك الأول، وبه أقوال، وعليه جماعة الناس وروي مثله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره.
وقول مالك الآخر: إن لها أن تختار وإن مضى الوقت وتفرقا ما لم توقف أو توطأ.
قال الشيخ: فوجه قول الأول: أن ذلك إيجاب يقتضي قبولا، فإذا لم يحصل الجواب الحال بطل لفظ الإيجاب كالإيجاب في البيع والنكاح.
ووجه قول الثاني: قياسًا بعتق الأمة تحت العبد، لأنه معنى نقل طلاقه بيدها كما نقله العتق.
[فصل 3 - فيمن جعل التخيير إلي وقتٍ أو أمرٍ مستقبل]
ومن المدونة: قال مالك: وإن قال لها: إذا جاء غد فقد خبرتك، وقفت الآن، فتقضي أو ترد، وإن وطئها قبل غد فلا شيء بيدها.
وإن قال لأجنبية: يوم أتزوجك فاختار، فتزوجها فلها الخيار، وإن قال لها: كلما تزوجتك فلك الخيار، أو فأنت طالق: فالخيار لها، والطلاق واقع عليها كلما تزوجها، وإن نكحها بعد ثلاث تطليقات لقوله: كلنا، وإن قال لامرأته: إذا قدم فلان فاختاري، فذلك لها إذا قدم فلان، ولا يحال بينه وبين وطئها، وإن وطئها الزوج بعد قدوم فلان ولم تعلم المرأة بقدومه إلا بعد زمن، فلها أن تختار حيت تعل، وإن خيرها ثم خاف أن تختار نفسها فأعطاها ألف درهم علي أن تختار لزمته الألف إن اختارته وكذلك إن شرط في عقد نكاحها أنه إن تسرر عليها فأمره بيدها، ففعل، فأرادت أن تطلق نفسها، فقال لها: لا تفعلي ولك ألف درهم، فرضيت بذلك، لزمته الألف درهم، وإن خيرها فقالت: اخترت
نفسي إن دخلت علي ضرتي، فلها أن توقف فتختار، أو تترك.
وقال سحنون في المجموعة: ليس لها قضاء، لأنها أجابت بغير ما جعل لها.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران فيمن قال لزوجته: اختاري نفسك، فقالت: اخترت نفسي وزوجي، قال: هذا أمر محتمل ومشكل، والنص في إذا قالت: اخترت نفس وزوجي، أن طلقها وقع عليها.
قال الشيخ: الحكم في هذا: لأول قولها، والثاني يعد ندما منها، فإذا قدمت اختيار زوجها فقد أسقطت ما جعل لها في نفسها.
وف العتبية: قال يحيى عن ابن القاسم فيمن قال لامرأته: قد خيرتك، فقالت: قد طلقت نفسي بواحدة بائنة قال: ليس بشي، ولو كان تمليكا كان له أن يناكرها، وتكون واحدة غير بائنة، وله الرجعة، وإن لم يناكرها فهي ألبتة.
قال الشيخ: وينبغي علي هذا أن يكون في الخيار ألبتة أيضا، ويكون كمن خبرها فقضيت بالبتة، ويكون كمن قال لزوجته: أنت طالق واحدة بائنة، أنها طالق ثلاثا.
فصل [4 - في مناكرة الزوج لزوجته فيما قضيت بالتخيير] ومن المدونة: وإن خيرها قبل البناء فقالت: اخترت نفس، أو طلقت نفسي ثلاثا، قالت له: قد خليت سبيلك، تريد الثلاث، فله أن يناكرها، فإذا قال: لم أرد بذلك إلا واحدة، صدق.
- قال الشيخ: يريد مع يمينه -
لأن الواحدة تبينها، والخيار والتمليك في هذا سواء، وإن لم تكون له نية حيت خيرها فهي الثلاث ولا يناكرها، وقاله ابن عمرو غيره.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإن اختارت واحدة فقال هو: لم أخيرك إلا في الثلاث، فله ذلك، ولا شيء لها، وكذلك لو لم تكن له نية.
قال سحنون: فإن قال: خليت سبيلك ونوت واحدة، أو اثنتين سئل الزوج، فإن نوى مثل ذلك فالقضاء فيه مثل ما قضت، وإن قال: نويت ثلاثا، فلا شيء لها، وكذلك إن قال: لم انو شيئا، ولا يمين عليه/ لأن مخرج "اختاري" الثلاث.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: وإذا أجابت المملكة بالظاهر لم يلزمه (شيء) لاظهار ولا غيره، ولا ظهار للنساء، وليس لها أن توجب عليه كفارة.
قال مالك: وإذا ملكها فبكت وقالت: طلقني زوجي، فأخبرت أنه ليس بطلاق فقالت: ظننته طلاقا، فلا شيء عليه.
ابن المواز: والمملكة إذا فارقت المجلس ولم تقض فقالت: نويت الفراق في المجلس، فلا ينفعها ذلك إلا أن تفعل ما يشبه جواب الفراق، مثل أن تقوم من مكانها فتنقل متاعها، أو تخمر رأسها وتنتقل، فتصدق إذا قالت: نويت بذلك الفراق ووصله بكلامه فهو كالجواب، وهي واحدة وله الرجعة إلا أن تقول: نويت بفعل الثلاث، فذلك لها إلا أن يناكرها بنية كانت له وقت القول ويحلف، وقاله عبد الملك.
وقال أصبغ: يحلف يمينين، يمين أنه ما علم أن ما فعلته به ألبتة ولا رضيه، ويمين أنه نوى واحدة.
وقال ابن المواز: يمين واحدة تجزئه يجمع ذلك فيها.
[الباب الثاني]
في التمليك وما دخل فيه من معاني التخيير
[فصل 1 - في معني التمليك وما يلزم به]
روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: من ملك امرأته أمرها فلم تقبل نفسها فليس هو بشيء، وقاله علي وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم وكثير من التابعين.
والتمليك يفارق الخيار، لأنه إذا ملكها مبهما كان له أن يقول: ملكتك بعضا دون بعض، ويحلف علي ذلك، وكان لها أن تقضي بالبعض فيما ملكها منه الجميع، والخيار أبان الله عز وجل القصد فيه فحمل علي ما ظهر معناه.
قال: والتمليك قوله: أمرك بيدك، أو طلاقك بيدك، أو طلقي نفسك، أو نحوه.
قال مالك: ومن ملك زوجته قبل البناء أو بعده ولا نية له، فالقضاء ما قضت، ولا مناكرة له إلا أن تكون له نية حين ملكها في كلامه الذي ملكها فيه فله ذلك، ويحلف على ما نوى.
ابن المواز: قال أصبغ: والنية التي ينتفه بها في هذا ما نواه أولا في أول كلامه الذي ملكها فيه، وأخرج التمليك عليه، فأما ما جدده من النية عندما سمعها تقضي أو بعدما ملكها فلا ينتفع بها.
ابن المواز: ويحلف مكانه في المدخول بها، لأن له الرجعة مكانه، فإن لم يكن بني فلا يلزمه الآن يمين، لأنها قد بانت منه، فإذا أراد نكاحها حلف علي ما نوى، ولا يحلف قبل ذلك، إذ لعله لا يتزوجها.
قال عبد الوهاب: وإنما يكون له مناكرتها بثلاثة شروط وهي: أن يزعم أنه نوى ذلك عند التمليك، وأن يكون تمليكه إياها من غير شرط، وأن يناكرها في الحال، وإنما ذلك لأن ظاهر تمليكه أنه ملكها جميع ما بيده فإذا أدعى ما يخالف ذلك لم يقبله منه إلا أن يكون نواه، ويحلف علي ذلك فيقبل قوله/ لأ، الطلاق بيده فلا يهرج عنه إلا ما أقر به أنه أراده، لأن تمليكه يحتمل ما قاله/ وإنما شرطنا أن يكون ذلك في الحال، لأن إمساكه عنها دلالة على رضاه بما قضت، ولو كان بخلاف ما أراد لبادر بالإنكار، وإنما شرطنا أن يكون تمليكها طوعاً لا عن شرط، لأنه إذا كان عن شرط فالغرض منه تمليك ما يزيل العصمة لا نقصان عدد الطلاق ببقاء العصمة، ولا تستفيد بشرطها شيئًا، إذ العصمة باقية، وذلك كالعوض في الخلع، لأن المقصود منه زوال العصمة وإلا لم تستفد بالعوض شيئا.
قال الشيخ: وقد قال بعض فقهائنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عن الرجل يملك زوجته فقضت بالثلاث فلم يناكرها، هل له مناكرتها بعد المجلس على
قوله في المملكة أن لها أم تقضي بالفراق بعد المجلس؟ فقال: لا يدخل الخلاف في المناكرة، وسكوته التزام جوابها علي القول الذي لم يقل به ابن القاسم.
ومن العتبية: قال ابن القاسم عن مالك فيمن قال لامرأته: أمرك بيدك، فتقول: قد طلقت نفسي بثلاث، فيقول: لم أرد طلاقا، ثم يقول بعد ذلك: إنما أردت واحدة، قال: يحلف علي نيته وتلزمه تطليقة.
قال أصبغ: هذا وهم عندنا من السامع لا تقبل منه نية بعد أن قال: لم أرد شيئا، والقضاء ما قضت المرأة من البتات.
قال عنه أشهب: ومن قال لامرأته وهو يلاعبها: أمرك بيدك، فقالت: قد تركتك، فقال الرجل: لم أرد طلاقا، ما قلت ذلك إلا لاعبا، وقالت المرأة: مثل ذلك، قال: أري الرجل حرجا أن يحلف أنه إنما أراد واحدة والله يعلم أنه ما أراد شيئا؟
قيل: فترى علي الرجل حرجا أن يحلف أنه إنما أراد واحدة والله يعلم أنه ما أراد شيئا؟
قال: لابد له من هذا فيكيف يصنع.
فيحلف ما أراد بقوله الطلاق، وتكون واحدة.
قال الشيخ: وهذه مسألة ضعيفة, والطلاق هزله جد, والتمليك يجر إلى الطلاق, فيؤخذان بقولهما, ويكون قولها: قد تركتك, كقوله: قد خليتك وفارقتك.
وقد قال ابن المواز فيهما: إنها واحدة حتى ينوى أكثر من ذلك, فأجعل قولها: قد تركتك, واحدة, ولا أجعلها أكثر, إذ لا يحلف النساء في التمليك, والله اعلم.
] فصل 2 - في أثر الافتراق من المجلس بعد التمليك أو التخيير [
ومن المدونة: قال مالك: وإن خيرها, أو ملكها فذلك لها ما دامت في مجلسها, فإن تفرقا فلا شيء لها, وقاله عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم وكثير من التابعين.
ابن ألمواز: وكذلك إن ملك أمرها أجنبيا ما لم يقيد التمليك فيقول: قد قبلت, أو أنظر, أو شبهه, فلا يضر الافتراق ولا يزول ما بيده إلا بإيقاف/] 174 / أ [السلطان, أو تمكنه من نفسها.
ولو قال لها الزوج: لا أفارقك حتى تبيني فراقك أو ردك, فليس ذلك له إلا بتوقيف السلطان, أو ترضى هي بتركه, أو يطؤها غير مكرهة, وقاله مالك في العتبية.
ومن المدونة: قال مالك: وإن وثب حين ملكها يريد قطع ذلك عنها لم ينفعه, وحد ذلك إذا قعد معها قدر ما يرى الناس أنها تختار في مثله, ولم يقم فرارا فلا خيار لها بعد ذلك.
وقال في باب بعد هذا: إذا طال المجلس وذهب عامة النهار وعلم أنهما قد تركا ذلك, أو قد خرجا مما كانا فيه إلى غيره فلا قضاء لها.
ابن المواز: وقال أشهب: ذلك بيدها ما أقاما في المجلس, واحتج بحديث عمر: ما داما في المجلس
ومن المدونة: ثم رجع مالك إلى أن ذلك بيدها حتى توقف أو وطأ, قالت في المجلس: قد قبلت, أولم تقل, وأخذ ابن القاسم بقوله الأول, وعليه جل أهل العلم.
قال أشهب في المجموعة: وإنما قال مالك: إن ذلك لها بعد المجلس, مرة, ثم رجع عنه إلى أن مات.
قال ابن سحنون عن أبيه: ولو خيرها وهى في صلاة فريضة فأتمتها, أو في نافلة فصلت أربع ركعات, فلا يقطع ذلك ما بيدها, وإن زادت على أربع ركعات حتى تبلغ من الصلاة ما يرى أنها تاركة لما جعل لها, وقد تستشير نفسها في أكثر من مقدار عشر ركعات.
قال: ولو خيرها فدعت بطعام فأكلت, أو امتشطت, أو اختضبت في مجلسها فليس بقطع لخيارها إلا أن يكون في ذلك كلام غير الخيار يستدل به على ترك ما جعل لها مع طول المجلس والخروج عما كانا فيه.
ابن حبيب: وإذا قالت المملكة: عجل على ولم يجلس مقدار ما أختار في مثله, أن القول قول الزوج وهى مدعية تريد فراقه.
قال بعض فقهائنا: وكذلك ينبغي لو وطئها فقالت: أكرهني, وأكذبها الزوج, أن القول قوله وهى مدعية للإكراه, وهى بخلاف مسألة كتاب إرخاء الستور: إذا خيرها فقالت: كنت اخترت نفسي, وقال الزوج: لم تختر, لأن الزوج أقر بما جعل لها وادعى عليها ترك ذلك فلم يقبل منه.
وإذا قالت: عجل عليَّ, وأنكر فقد تقاررا أن المرأة ما قضت, والظاهر أنهما قد افترقا من مجلسهما فكانت المرأة هي المدعية على الزوج أنه عجل عليها, إذ تحب استئناف فراقه بعد الوقت الذي كان لها, وكذلك في دعواها الإكراه, لأنها قد أقرت بالوطء الذي يزيل ما بيدها, فدعواها الإكراه لا يلتفت إليه فذلك مفترق, والله أعلم.
ابن المواز: ولو أرسل إلى زوجته بالتمليك أو بالخيار فلم تختر ولم تجب حتى فارقها الرسول فقال مالك: ذلك بيدها بخلاف حضور الزوج على أن يطول الزمان او يتبين من أفعالها فعل الراضية بالزوج, لأن المشافهة من الزوج كلام, بعضه جواب لبعض, والمرسل أعطى من ذلك مالا ينتظر له جوابا وليس للزوج ان يبدو له بعد أن أرسل إذا أرسل مجمعا كالكتاب.
ابن الماجشون: ومن قال لأجنبية: إذا تزوجتك فاختاري, فلها الخيار إذا تزوجها وإن لم تقل في مجلسها قبل النكاح: قد قبلت, ولها الخيار بعد النكاح في مجلس النكاح وفيما قرب منه ويبطل فيما بعد.
] فصل 3 - في ذكر بعض ألفاظ التخيير وجواب المرأة وما يلزم بذلك [
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وغن قال لها: أنت طالق إن شئت / فكأنه] 174 / ب [
تفويض فوضه إليها, فذلك بيدها, وإن افترقا من مجلسهما ما لم توطأ, وأرى أن توقف فتقضي أو ترد, فإن قال لها: اختياري, أو اختاري نفسك, فقالت: قد اخترت نفسي, فقال: لم أرد الطلاق وإنما أردت أن تختاري أي ثوب أشتريه لك, فإن تقدم كلام دل على ذلك فذلك له ويدين, وإلا فهو البتات, وإن خيرها فقالت: قد طلقت نفسي, سئلت أي الطلاق أرادت, فإن كان ثلاثا لزمه ولا مناكرة له, وإن كان أقل لم يلزمه, وإن قالت: قد فعلت, أو قبلت أمري, أو اخترت أمري, سئلت ما أرادت بذلك, فإن قالت: ما أردت به الطلاق,
صدقت فإن قالت: أردت به طلاقا دون الثلاث, لم يلزمه, وإن أرادت الثلاث لزم ولا مناكرة له.
ابن المواز: إذا قالت: اخترت أمري, فقال عبد الملك: لا يقبل منها وإن قالت: لم أرد الطلاق, ولو علم أنها ممن تعلم الفرق بين ذلك وبين الطلاق وقصدت ذلك لقبل منها, ولا يكاد يفرق بين ذلك من الرجال إلا من تفقه, فرأيت مذهب عبد الملك: أنها البتة, وقال أشهب: تسال, فإن قالت: أردت زوجي, لم تصدق, وكان طلاقا إلا أن تأتي بأمر يعرف به صدقها, وإن قالت: حتى أنظر في أمري, فذلك مخرج, وإن قالت: كنت لاعبة, أو: لم أرد شيئاً, دنيت.
وقال أصبغ: هذا فراق في التخيير والتمليك, ولا تسأل عما أرادت, ولا تحل له إلا بعد زوج.
ومن المدونة: وتسأل المرأة في جوابها بما لها وجه يعرف ما أرادت به في خيار, أو تمليك, إلا أنه يناكرها في التمليك خاصة إن ادعى نية, ويحلف على ما نوى, فإن لم تكن له نية حين ملكها فقضت بالثلاث لزمه ولا مناكرة له, فإن أجابت بألفاظ ظاهرة المعاني كقولها: اخترت, أو قبلت نفسي, أو طلقت نفسي منك ثلاثا, أو طلقتك ثلاثاً, أو بنت منك, أو بنت مني, أو حرمت
عليك, أو حرمت علي, أو برئت منك, أو برئت مني, أو نحو هذا فهو البتات, ولا تسال فيه المرأة عن نيتها في خيار ولا تمليك إلا أن للزوج أن يناكرها في التمليك على ما وصفنا.
ابن المواز: وقولها: قبلت نفسي, مثل: اخترت نفسي, في قولهم أجمع, إلا أشبهت بغير حجة كان يقول: قبلت أمري, وقبلت نفسي, سواء, لا يراه طلاقا حتى توقف ولم يره مثل: اخترت نفسي.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن قال لزوجته: اختاري أباك, أو أمك فإن أراد بذلك الطلاق فهو الطلاق, وإن لم يرد به الطلاق فلا شيء عليه.
وقد سئل مالك عمن كانت له زوجة تكثر التردد إلى الحمام, أو إلى غرفة في دار جيرانها تغزل فيها, فقال لها: اختاريني أو اختاري الحمام, أو الغرفة؟
فقال مالك: إن لم يرد بذلك طلاقا فلا شيء عليه.
قال في كتاب ابن المواز: ويحلف على ذلك.
قال مالك: وإن أراد به الطلاق فهو الطلاق.
قال ابن القاسم: ومعنى قوله: إن أراد به الطلاق فهو الطلاق, إنما ذلك إن اختارت الشيء الذي خيرها فيه بمنزلة مالو خيرها نفسها, وإن لم تختر ذلك فلا شيء لها.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإن أراد الطلاق فهو البتات, لأنه خيار.
[فصل 4 - فيمن قال لرجل: خير امرأتي, ومن وطئ زوجته قبل علمها بالتخيير ومن قال لزوجته: أمرك بيدك, وجواب ذلك وما لم يلزم به]
ومن المدونة: ومن قال لرجل: خير امرأتي, فسمعته المرأة فاختارت نفسها قبل أن يخيرها فذلك لازم إن جعله رسولا, وإن أراد تفويضه إليه كقوله: خيرها إن شئت, أو بكلام دل به على ذلك, فل خيار لها حتى يخيرها الرجل, وإن شهد أنه خير امرأته ثم ذهب فوطئها قبل أن تعلم فلها الخيار إذا علمته, ويعاقب الزوج في وطئه إياها قبل أن يعلمها, لن مالكا قال فيمن شرط لامرأته إن تزوج عليها/ أو تسرر فأمرها بيدها, ثم فعل ذلك وهى لا تعلم: لم ينبغ له أن] 175 / [يطأها حتى يعلمها فتقضي أو تترك.
قال ابن القاسم: وإن وطئها قبل أن علم فلها الخيار إذا علمت.
قال مالك: وكذلك الأمة تعتق تحت عبد فلها أن تمنعه من وطئها حتى تختار أو تترك, فإن وطئها قبل أن تعلم فلها الخيار إذا علمت, فإن أمكنته بعد العلم من وطئها فلا خيار لها.
وإن قال لها: أمرك بيدك, فطلقت نفسها واحدة فهي واحدة وله الرجعة, وإن قال لها الزوج: إنما أردت أن تطلق نفسها ثلاثا, أو تقيم, فالواحدة تلزمه, ولا قول له, وإنما يكون للزوج مناكرتها إذا زادت على الواحدة, أو على الاثنتين, وإن قالت: قد طلقت نفسي البتة, أو اخترت نفسي, أو قبلت نفس, فهي ثلاث إلا أن يناكرها مكانه ويحلف فيلزمه ما نوى من واحدة أو أكثر, ولا تسأل المرأة ها هنا كم أرادت من الطلاق, لأنها قد بينت, وليس لها أن تقول
في هذه الألفاظ: أردت دون الثلاث - يريد بعد البناء - وإن قالت: قد قبلت, أو قبلت أمري, أو طلقت نفسي, سئلت عن نيتها, فيلزم ما نوت إلا أن يناكرها الزوج فيما زاد على الواحدة, فإن جهلوا سؤالها في المجلس حتى مضي شهر, أو شهران, ثم سألوها فقالت: أردت ثلاثا, فللزوج مناكرتها فيما زاد على الواحدة وإن قالت: لم أرد بقولي: قبلت, أو قبلت أمري, طلاقا, صدقت وكان لها أن تطلق نفسها الآن, أو ترد وإن كان بعد شهرين, لأن قبولها ما جعل لها لا يزيله من يدها إلا إيقاف من إمام, أتترك هي ذلك, أو توطأ طوعا, وإن وطئت كرها فهي على أمرها.
وقال المغيرة في المجموعة: إذا لم تشترط: أستخير, أو أنظر, لم يكن إلا الثلاث.
وقال عبد الملك: إذا قالت: لم أنو شيئا بقولي: قد قبلت, وقال الزوج: لم أنو شيئا حين ملكتها, لزمته الثلاث.
ومن غير المجموعة: فإذا قال لها: اختاري, أو أمرك بيدك, ولا نية له, فقالت: قد طلقت نفسي, ولا نية لها, أنها طلقة, كالزوج إذا قال لها: أنت طالق, ولا نية له أنها طالق واحدة, ففي التخيير يسقط, وفي التمليك تلزمه الواحدة.
ابن المواز: وإذا قالت: طلقت نفسي, فلتسأل في التمليك: كم أرادت.
وروي عن ابن القاسم: أنها لا تسأل, وهى في التمليك طلقة واحدة, فأما في الخيار فتسأل في المجلس فإن قالت: واحدة, سقط خيارها, وإن افترقا سقط أيضا.
ابن المواز: وأحب إلى أن تكون في التمليك طلقة, ولا تسأل في الخيار بعد جوابها, لأنه هو الجواب.
قال الشيخ: تحصيله: إذا خيرها أو ملكها فقالت: قد طلقت نفسي, فظاهر المدونة أنها تسال في المجلس وبعده: كم أرادت, فإن قالت: واحدة, لزم في التمليك وسقط في الخيار, وإن قالت: ثلاثا, لزم في الخيار وكان له مناكرتها في التمليك إن ادعى نية.
وقيل: لا تسأل في خيار ولا تمليك في مجلس ولا بعده, وهى واحدة, وتسقط في الخيار وتلزم في التمليك.
وقيل: تسأل في الخيار في المجلس, ولا تسأل بعده ويسقط خيارها.
] فصل 5 - فيمن قال: قد ملكتك الثلاث أو اختاري في ثلاث, ونحو ذلك [
ومن المدونة: وإن قال لها: قد ملكتك الثلاث, فقالت: أنا طالق ثلاثا, فذلك لها.
قال الشيخ: يريد وأن قضت بدون الثلاث لم يلزم كالخيار.
وقال ابن حبيب: قال اصبغ: إن قال لها: اختاري في ثلاث, فاختارت واحدة فذلك لها, وإن قال لها: من ثلاث, فهو/ أبينه, وإن قال: اختاري ثلاثا,] 175 / ب [أو ملكتك ثلاثا, ولم يقل: في, ولا: من, فإن اختارت أقل من الثلاث لم يلزمه شيء.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإن قال لها: اختاري في ثلاث, أو في الثلاث, أنها واحدة, ولها الخيار في واحدة, أو اثنتين, أو ثلاث, ولو قال من الثلاث, أو من ثلاث, لم يكن لها الخيار إلا في واحدة واثنتين لا في ثلاث, ولو قال لها: أمرك بيدك, ثلاثا, فليس لها إلا الثلاث, إن لم تقبل منه الواحدة فليس لها ذلك, وإنما لها جواب واحد.
وفي كتاب ابن القصار: إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثا, فقالت: قد طلقت واحدة, أو قال لها: طلقي نفسك واحدة, فقالت: قد طلقت نفسي ثلاثا, لم يقع عليها شيء من الطلاق.
ومن المدونة: وإذا قال لها: أنت طالق واحدة إن شئت, فقالت: قد شئت ثلاثا, لزمته واحدة.
فهذا خلاف قول ابن القصار, ووجه قول ابن القصار: فلأنها لم تفعل الصفة التي شرط لها.
[فصل 6 - في تكرير التمليك وما يلزم به [
ومن المدونة: وإن قال لها: أمرك بيدك في أن تطلقي نفسك ثلاثا, أو قال لها: طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة لم يلزمه كالخيار, وإن ملكها في تطليقتين - يريد أو في ثلاث - فقضت بواحدة لزمته طلقة إلا أن يريد بذلك معنى الخيار في أن تطلقي اثنتين, أو تدعى, وإن قال لها: أمرك بيدك, أمرك بيدك, أمرك بيدك, فطلقت نفسها ثلاثا, سئل الزوج ماذا أراد, فإن نوى واحدة حلف وكانت واحدة, وإن أراد الثلاث فهي الثلاث فهي الثلاث, وإن لم تكن له نية فالقضاء ما قضت من واحدة فأكثر ولا مناكرة له.
ابن ألمواز: قال مالك: وإذا ملكها فقالت: كم ملكتني؟ فقال: مرة ومرة ومرة, فإن قال: أردت واحدة, حلف وصدق.
وقال ابن القاسم في المجموعة: هي ثلاث إذا اختارت نفسها ولا مناكرة له كالقائل: قد طلقتك مرة ومرة ومرة
قال الشيخ: وهذا أبين.
ومن المدونة: وإن قال لها: أمرك بيدك, وأراد ثلاثا, فطلقت نفسها واحدة فذلك لها وتلزمه طلقة وله الرجعة, وإن قال لها: أمرك بيدك, وكرر ذلك ثلاثا, ينوى بالتكرار ثلاثا, فقالت قد طلقت نفسي واحدة, أو ملكها أمرها مرة ونوى الثلاث, أو لا نية له حين ملكها فقضت بتطليقه أنها واحدة وله الرجعة.
وفي المجموعة: إذا قال: قد ملكتك, وقد ملكتك وقد ملكتك, فقضت بالثلاث فهي ثلاث, ولا ينوى, وإن قضت بدون الثلاث فهو ما قضت به, وكذلك إذا قال: قد ملكتك مرة ومرة ومرة, فاختارت نفسها فهي ثلاث ولا مناكرة له, كالقائل: قد طلقتك مرة ومرة ومرة.
قال مالك: وإن ملكها ولا نية له فقالت: قد حرمت نفسي, أو أبنت نفسي, فهي الثلاث, وإن قال لها: أمرك بيدك, ثم قال لها أيضا قبل أن تقضي, أمرك بيدك على إلف درهم, فلها القضاء بالقول الأول بلا غرم, وقوله الثاني ندم منه, كقول مالك قيمن قال لزوجته: إن أذنت لك إلى أمك فأنت طالق البتة, ثم قال لها بعد ذلك: إن أذنت لك إليها إلا أن يقضي على به سلطان فأنت طالق ثلاثا, قال مالك: يلزمه قوله الأول, والثاني ندم منه.
قال الشيخ: وحكي لنا عن بعض فقهائنا القرويين في الذي قال لامرأته: أمرك بيدك, ثم قال لها: أمرك بيدك على ألف درهم, فقضت بالثلاث, فإن ناكرها الزوج فقال لها: أردت بالكلام الثاني الأول, وحلف على ذلك لزمته واحدة, فإن أرادت المرأة ودت الألف, وبانت منه, لأنها طلقة بمال, وإن لم ترد دفع / الألف فهي واحدة, وللزوج الرجعة, ولو قال: أردت بالكلام الثاني] 176 / أ [غير الأول, فناكرها في الأول لما قضت بالثلاث, فكانت واحدة, فإن أرادت المرأة أن تؤدي الألف وتأخذه بقوله الثاني فذلك لها وتلزم طلقتان وتبين منه, لأنها طلقت على مال وإن لم ترد أن تدفع الألف فهي طلقة وله رجعة, وهذا بين إذا قال الكلام الثاني بفور الأول, وأما بعد طول فلا يقبل منه انه أراد بالكلام