الجامع لمسائل المدونةصفحات 634-646

[الباب السابع والعشرون]

في الرجلين يرتهنان رهنًا فيضيع بيد أحدهما أو بيد أمين وهل له إن قضى أحدهما أخذ حصته أو يدخل عليه الآخر وفي العبدين الرهن يقتل أحدهما الآخر

[الفصل 1 - في الرجلين يرتهنان ثوبًا فضاع بيد أحدهما] قال ابن القاسم: وإذا ارتهن رجلان ثوبًا فرضيا ورضي الراهن كونه بيد أحدهما جاز، فإن هلك ضمن الذي هو في يديه حصته [ولم يضمن الآخر شيئًا] وضمان حصة الآخر من الراهن وإن لم يجعله ربه بيد أحدهما جعلاه حيث شاءا وهما ضامنان [له].
قال أشهب في المجموعة: وإن لم يقبضاه ولم يرضيا بكون بيد أحدهما جعل بيد أمين ولا يضمناه وإنما يضمنان إذا قبضاه وجعلاه هما بيد أمين.
[فصل 2 - في الرجلين يأخذان من رجل رهنًا بدين لهما وكيف إن قضى أحدهما هل يأخذ حصته من الرهن وهل يقتضي أحدهما دون صاحبه؟] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا كان لرجلين على رجل دين مفترق، لهذا مال ولهذا طعام أو لهذا قرض ولهذا سلم، فأخذا بذلك رهنًا واحدًا جاز

ذلك إلا أن يكون أحدهما أقرضه قرضًا على أن يبيعه الآخر بيعًا ويأخذ بذلك رهنًا فلا يجوز؛ لأنه قرض جر منفعة، وأما إن وجب الدين من بيع ومن قرض بغير هذا الشرط فذلك جائز، ولو أقرضاه جميعًا معًا واشترطا أن يرهنهما فلا بأس به، وإن قضى الراهن أحدهما حقه فله أخذ حصة هذا من الرهن.
م وهذا من قوله يدل أن من رهن نصف داره يجوز أن تبقى يده على النصف الآخر يليه ويكريه مع المرتهن، وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك في أول الكتاب.
قال ابن القاسم ها هنا وقد قال مالك في رجلين رهنا دارًا في دين فقضى أحدهما الغريم حصته من الدين، كان له أخذ حصته من الدار، فكذلك مسالتك إلا أن مسألتك إن كتبا دينهما بكتاب واحد، وكان دينهما واحدًا، فليس لأحدهما أن يقبض شيئًا دون صاحبه، وإن كان دينهما مفترقًا شيئين، لهذا مال وللآخر قمح، فلا يدخل أحدهما فيما اقتضى الآخر، كتبا الصنفين في كتاب واحد أم لا، وإنما الذي ليس لأحدهما أن يقبض دون الآخر أن يكتبا كتابًا بينهما بشيء واحد، يكون ذلك الشيء بينهما أو يكون الرهن لهما في شيء واحد، وإن لم يكتبا به كتابًا مثل

أن يكون [دينهما] دنانير كلها أو قمحًا كله أو نوعًا واحدًا فليس لواحد أن يقبض دون صاحبه.
قال بعض الفقهاء: وينبغي لو أسلفه هذا منفردًا ثم أسلفه الآخر منفردًا، ألا يدخل أحدهما على صاحبه ولو جمعا ذلك في ذكر حق واحد، إنما يصح اجتماعها في كتاب واحد إذا باعاه جميعًا سلعة وأقرضاه جميعًا واشتركا فيه قبل ذلك، فإن قيل فما أنكرت أن تقرضه أحدهما عشرة ثم يبيعه الآخر سلعة بعشرة أو يقرضه عشرة ثم يكتبان بذلك ذكر حق واحد، فيكونان شريكين اشتركا لما كتبا ذكر الحق في واحد.
قيل لا ينبغي لهما أن يشتركا في دين بعد أن كانا/ منفصلين فيه؛ لأن ذلك غرر، وقد اختلف في قسمة ما على الرجل الواحد من الدين فابتداء الشركة في ذلك أبعد.

[فصل 3 - فيمن جنى جناية لا تحملها العاقلة وفيمن رهن عبدين فقتل أحدهما صاحبه] وفي كتاب التفليس ذكر من جنى جناية لا تحملها العاقلة فرهن فيها رهنًا ثم فلس، فصاحب الجناية أحق بذلك لأنها في الذمة كالدين.
وإذا ارتهنت عبدين فقتل أحدهما الآخر فالباقي رهن بجميع الدين؛ لأن مصيبة العبد المقتول من الراهن.

[الباب الثامن والعشرون]

في سكنى الأب ما حبس والغاصب يرد العبد وقد جنى أو المرتهن يعيد الرهن

[فصل 1 - في سكنى الأب ما حبسه على صغار بنيه] قال ابن القاسم: ومن حبس على صغار ولده دارًا أو وهبها لهم أو تصدق بها عليهم فذلك جائز، وحوزه لهم حوز إلا أن يكون الأب ساكنًا في كلها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها، وتورث على فرائض الله عز وجل، وأما الدار الكبيرة ذات المساكن، يسكن أقلها وأكرى لهم باقيها، فذلك نافد [لهم] فيما يسكن، وفيما لم يسكن.
قال مالك: وقد حبس زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر داريهما وسكنا من ذلك منزلاً حتى ماتا، فنفذ حبسهما فيما سكنا وفيما لم يسكنا.
وفرق غيره بين الحبس والصدقة فلم يجزه في الصدقة، قال مالك: ولو سكن الجل وأكرى الأقل بطل الجميع، وكذلك دور يسكن واحدة منها هي أقل حبسه أو أكثر على ما ذكرنا.
م وحكي عن بعض فقهائنا أنه قال إذا سكن الأكثر من الدور، فإن كان الولد كبارًا صح لهم ما حازوه وإن كانوا صغارًا بطل الجميع، ولو سكن الأقل مضى

الجميع للولد صغارًا كان أو كبارًا.
م يريد إذا حاز الكبار الأكثر، فإن لم يحوزوه بطل الجميع.
م فصار الحكم إنما يتم لهم ما حازوه، سكن الأب الأقل أو الأكثر؛ لأن الأب لا يجوز حوزه لهم.
وقال غيره إذا سكن أب الأصاغر بيتًا أنه على ثلاثة أوجه: إن سكن أكثر من النصف بطل الجميع، وإن سكن أقل من النصف صح الجميع، وإن سكن النصف صح ما لم يسكن وبطل ما سكن.
م وقال شيخنا أبو بكر بن أبي العباس: إذا سكن القليل وأبقى الكثير خاليًا لم يجز [لهم ذلك] حتى يكريه للأصاغر؛ لأن تركه لكرائه منع له، فكأنه أبقاه لنفسه ويشغله بسكناه، واستدل بظاهر لفظ الكتاب، وأكرى لهم باقيها.
م قال بعض الفقهاء: واختلف في الصغار إذا سكن الأكثر وحوزهم الأقل، فقيل يمضي ما حوزه لهم؛ لأن يده خارجة عنه فأشبه الكبار، وقيل لا يجوز لأن يده باقية عليه كما كان هو يحوز لهم، وإذا لم يرد أن يحوز الصغار.
وقال: أضعه لهم

على يدل عدل غيري، ثم مات قبل ان يضعه لهم بطل؛ لأنه لم يحزه لهم هو ولا حازه لهم غيره، وإذا حاز الكبار ما تصدق به عليهم السنة فأكثر لم يضرهم رجوعها إلى يدي المتصدق بخلاف الصغار، ولو اشتروها من يد من أوقفها على يديه للصغار بطلت إن مات، إلا أن يتبين أنه أراد أن يكون هو الحائز لهم وإنه لم يستردها إلا ليكون هو الحائز لهم فإن أبان هذا تم لهم، وإذا لم يرد الدين قبل الصدقة أو بعدها، فقيل الصدقة باطلة كانت على صغار أو كبار حازوا لأنفسهم، وقيل إن كانت على صغار فهي باطلة، وإن كانت على كبار فوجدت في أيديهم فهم أولى.
وقيل هي جائزة كانت على صغار أو كبار حازوا لأنفسهم حتى يثبت أن الدين تقدمها، وكأنه حكم بالظاهر من الأمر، وعلى هذا إذا وجد الرهن بيد المرتهن والصدقة بيد المتصدق عليه بعد الفلس أو الموت فهو أحق به؛ لأن معه دليلاً/ وهو الحوز وإن لم تعاين البينة أصل الحوز، وقد تقدم أنه لا تتم الحيازة في الرهون والصدقات إلا بمعاينة الحوز، ولا ينفع من كانت بيده بعد التفليس أو الموت إذا لم تعاين البينة الحيازة قبل ذلك.

فصل [2 - في الغاصب يرد العبد وقد جنى عنده وفيمن ارتهن عبدًا فأعاره فهلك] ومن المدونة: قال: ومن غصبك عبدًا فجنى عنده جناية ثم رده إليك والجناية في رقبته فأنت مخير في إسلامه، وتأخذ قيمته من الغاصب أو تفتكه بدية الجناية، ولا يرجع على الغاصب بشيء.
قال: ومن ارتهن عبدًا فأعاره لرجل بغير أمر الراهن فهلك عند المعار بأمر من الله، لم يضمن هو ولا المستعير وكذلك إن استودعه رجلاً إلا أن يستعمله [المودع أو المستعير] عملاً أو يبعثه بعثًَا يعطب في مثله فيضمن.
وقال سحنون: المرتهن ضامن بتعديه.
م وقيل الأشبه في هذا وأمثاله أنه يضمن؛ لأنه نقل الرقبة بغير إذن صاحبها على وجه الاستعمال، فوجب عليه الضمان كتعديه على الدابة الميل ونحوه فعطبت في ذلك أنه يضمن، مع علمنا أن الميل لا يعطب في مثله، فإن قيل يحتمل أن يكون مثل هذا في العبد ليس نقبل رقبة؛ لأن للمرتهن أن يسيره في مثل ذلك، وإن لم يؤذن له في استخدامه، فصار إنما يضمن بالاستعمال قبل نقله إلى دار غيره يستعمله تعديًا من المرتهن في نقل رقبته على هذه الصورة؛ لأنه إنما يجوز له أن يبعثه في حاجة خفيفة، وأما بعثه ليستعمل فذلك تعد، والمتعدي على المنافع إذا كان لا يوصل إليها إلا بنقل الرقاب يضمن كما قلنا في الذي تعدى على المنفعة الميل ونحوه فهلك أنه يضمن.

[الباب التاسع والعشرون]

في من رهن أمة لها زوج أو رهن أمة عبده أو رهنهما معًا وهل يزوج العبد الرهن، ومن اقرضته مئة درهم ثم مئة أخرى على أن يرهنك بهما رهنا

[فصل 1 - في الأمة الرهن يطؤها زوجها وفيمن رهن أمة عبده أو رهنهما معًا] قال ابن القاسم: قال مالك: ومن ارتهن جارية لها زوج أو ابتاعها لم يمنع زوجها من وطئها، ومن رهن أمة عبده أو رهنهما معًا فليس للعبد وطؤها في الرهن ثم هي في الوجهين بعد فداء الرهن للعبد كما كانت، وارتهانهما وافتكاكهما جميعًا أبين.
ومن كتاب ابن المواز: قلت: فللعبد المرهون أن يطأ جاريته وأم ولده، وقال: إن كان لم يشترطها المرتهن ولا مال له فله أن يطأ وإن كان قد رهنهما جميعًا، لم يكن للعبد أن يطأ لأن ذلك انتزاع من السيد لأم ولده ولجاريته إذا رهنهما.
م قال بعض أصحابنا: إذا ارتهن عبدًا وشرط أن ماله رهن معه للعبد جارية أن للعبد أن يطأ بخلاف ما لو رهنه وجاريته.
م وهذا بخلاف ما قدمنا لابن المواز، ولا فرق في ذلك أنه إذا جعله رهنًا وجاريته كأنه انتزاع، فكذلك إذا رهنه وماله كأنه انتزاع ماله، فوجب أن لا يطأ جاريته في الوجهين.

[فصل 2 - هل يزوج العبد الرهن] ومن المدونة: ومن رهن أمته وحيزت ثم زوجها لم يجز له تزويجها؛ لأن ذلك عيب إلا أن يرضى المرتهن.
قال محمد بن عبد الحكم: فإن زوجها فلم يرض المرتهن فسخ النكاح دخل بها أو لم يدخل، ولو بنى بها بغير علم المرتهن فافتضها فعليه صداق المثل يوقف معها في الرهن كالجناية عليها، فإن نقصها الافتضاض أكثر مما أخذ من الصداق غرم ذلك السيد ويوقف مع الصداق رهنًا معها.
وقال أشهب: يفسخ قبل البناء ويثبت بعده ويحال بينه وبين وطئها ما كانت/ رهنًا، ولها الأكثر من المسمى أو صداق المثل، ولو افتكها السيد قبل البناء لم يفسخ.
قال ابن عبد الحكم: وقول أشهب ليس بقياس وليفسخ وإن دخل؛ لأنه نقص الرهن، ولو لم يكن نقصًا لكان منعه الوطء يفسد النكاح، كمن تزوج على أن لا يطأ سنة، فهذا فساد في العقد [لا في الصداق] وقول مالك أنه لا يجوز نكاحها.

وقال سحنون في المجموعة: لو كان فاسدًا ما صح بالبناء؛ لأن فساده في عقده، وأرى النكاح جائزًا بمنزلة أن لو أعتقها وتعجل للمرتهن دينه.
م وقول سحنون أبينها.
م فإن لم يكن للسيد مال فسخ النكاح وإن لم يشعر بذلك حتى بنى، فإن كان له مال عجل للمرتهن دينه وثبت النكاح، وإن لم يكن له مال فسخ، وكان على الزوج الأكثر من التسمية أو صداق المثل، وإن نقصها الافتضاض أكثر من ذلك، غرم السيد الزائد ويوقف مع الصداق رهنًا، ولو دفع الزوج للمرتهن جميع دينه رغبة في بقاء النكاح لتم له ذلك، وجبر المرتهن على قبض دينه وبالله التوفيق.
فصل [3 - فيمن أقرضته مئة درهم ثم مئة أخرى على أن يرهنك بها رهنًا] ومن المدونة: ومن أقرضته مئة درهم وأخذت منها بها رهنًا قيمته مئة درهم ثم استقرضك مئة أخرى، ففعلت على أن يرهنك بالمئتين رهنًا آخر قيمته مئتا درهم لم يجز ذلك؛ لأنك انتفعت بزيادة توثقه في المئة الأولى، فهو سلف جر منفعة، وكذلك إن كانت المئة الأولى بغير رهن، فإن نزل ذلك وقامت الغرماء على المتسلف في موت أو فلس، فالرهن الثاني رهن بالدين الآخر خاصة.

قال ابن المواز: وقال بعض أصحابنا إن نصف الرهن رهن بالمئة الأخرى، ويبطل نصفه عن المئة الأولى، فيكون الغرماء أولى بنصفه.
وقلت أنا بل يكون كله رهنًا بالمئة الآخرة كرهن بثمن سلعتين تستحق إحداهما أنه رهن كله بحصته الباقية، وكالمرأة تأخذ رهنًا بالصداق ثم تطلق قبل البناء، فجميعه رهن بنصف الصداق، فإن قلت هذا أصله جائز، قيل [لك] فمن دفع دينارًا في دراهم إلى أجل وأخذ رهنًا ثم فلس [الراهن]، فالمرتهن أحق بالرهن حتى يأخذه ديناره أو قيمة الدراهم التي رضي بها أقل الأمرين.
قيل: فمن ارتهن رهنًا بحقه، فقال له قبل الأجل زدني في الأجل وأرهنك رهنًا آخر؟ قال: إن كان الرهن الأول فيه وفاء لا شك فيه مأمون فذلك جائز، وإن لم يكن فيه وفاء لم يجز.
م قيل إن كان الرهن الثاني مثل الأول وأمنه، وفي الأول وفاء بالدين فيجوز إذ لا فائدة في ذلك ولا انتفاع، ولو كان الآخر يقرب بيعه والأول يعسر بيعه، أو كان الأول غير مأمون ما جاز هذا لأنه رهنه بشرط على أن يؤخره وصار سلفًا بنفع، وقد أجاز أشهب أن يقول له أسقط عني بعض الدين على أن أعطيك رهنًا، أو يبيع منه بيعًا على أن يرهنه بالدين الأول وثمن السلعة الآخرة رهنًا، وكره هذا ابن القاسم، وقد ذكرتا علل ذلك وما يتعلق به في كتاب الحمالة.

تم كتاب الرهون بحمد الله وقوته وعونه وتوفيقه من الجامع يتلوه إن شاء الله كتاب الآجال جامع القول في ضالة الماشية وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب يوم الثلاث الذي هو الخامس من شهر الله المعظم رمضان عام تسعة وتسعين ومئة وألف وكتبه العبد الذليل الفقير إلى الله تعالى محمد بن محمد الزعو بالمسناحي غفر الله له ولوالديه ولأشياخه ولجميع المسلمين والمسلمات يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.

/ بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم

جارٍ التحميل