الجامع لمسائل المدونةكتاب العارية
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الأول: في القضاء في العارية والتعدي فيها، وما يضمن منها

[(1) فصل: في الأصل في العارية] والعارية جائزةٌ مندوبٌ إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم: ((كل معروفٍ صدقةٌ)).

الجزء: 18 - الصفحة: 417

ولأنه - صلى الله عليه وسلم - استعار وكذلك الصحابة - رضي الله عنهم - والقضاء في العارية التي يغاب عليها أنها مضمونةٌ؛ لأن - صلى الله عليه وسلم - قال لصفوان في السلاح الذي استعاره منه: ((عاريةٌ مؤداةٌ))، وقد تقدم بعض الحجة أول كتاب الوديعة.
[(2) فصل فيما يضمن من العارية، وكيف إن أقام البينة على أنها هلكت بغير سببه] قال ابن القاسم: فالعارية مضمونةٌ فيما يغاب عليه من ثوب أو غيره من العروض، فإن ادعى المستعير أن ذلك هلك أو سرق أو تخرق أو انكسر، فهو ضامنٌ وعليه فيما أفسد فساداً يسيراً ما نقصه، وإن كان كثيراً ضمن قيمته كله، إلا أن يقيم بينة أن ذلك هلك بغير سببه فلا يضمن، إلا أن يكون منه تضييعٌ أو تفريطٌ فيضمن.
قال ابن القاسم: وكذلك وجدت هذه المسألة في كتاب عبد الرحيم.

الجزء: 18 - الصفحة: 418

م: فوجه قوله: لا ضمان عليه، إذا أقام البينة بهلاكها؛ لانتفاء التهمة عنه أنه لا صنع له في تلفها؛ وكهلاك ما لا يغاب عليه؛ لأنه إنما سقط فيه الضمان؛ لأنه لا يخفى هلاكه في الغالب، فصدق في هلاكه، فما قامت بينةٌ بهلاكه أحرى أن لا يضمن، [63/ب] وقال أشهب: يضمن فيما يغاب عليه، وإن أقام بينةً أنه هلك بغير سببه؛ لظاهر الحديث فيما يغاب عليه، كالسلاح الذي فيه الأثر، فهو على عمومه.
قال ابن القاسم: كل ما علم بالبينة أنه هلك أو نقص فيما استعير له، فلا يضمنه، قال: ولا يضمن فيما لا يغاب عليه من حيوانٍ أو غيره، وهو مصدقٌ في تلفه، ولا يضمن شيئاً مما أصابه عنده إلا أن يكون بتعديه.
[(3) فصل: في الاختلاف في ضمان العارية] قال بعض البغداديين: وذهب أو حنيفة إلى أن العارية لا تضمن على كل حال، وذهب الشافعي أنها مضمونةٌ على كل حال، ودليلنا على سقوط الضمان في الحيوان والرباع ما روي: ((ليس على المستعير ضمانٌ))؛ ولأنه حيوانٌ أو عقارٌ قبضه لمنفعة نفسه، فلا يضمن تلفه كالعبد المستأجر.
ودليلنا على وجوب الضمان فيما يغاب عليه، قوله عليه الصلاة والسلام في سلاح صفوان: ((عاريةٌ مؤداةٌ))؛ ولأنه قبضه لمنفعة نفسه، فلم يكن له حكم

الجزء: 18 - الصفحة: 419

الأمانة المحضة، فإذا لم يعلم تلفه إلا بقوله لزمه الضمان.
قال ابن المواز: ومن استعار دابةٌ بسرجها ولجامها، فقال: ضاعت وما عليها، فلا يضمن الدابة ويضمن السرج واللجام.
[(4)] فصل [في ضمان العارية من الحيوان، وكيف إن شرطه فيها] قال ابن حبيب: ومن استعار بازياً للصيد، فزعم أنه مات أو سرق أو طار، فلم يرجع في حين اصطياده أو في غير حينه، فهو مصدقٌ مع يمينه، ولا يضمن؛ لأنه حيوانٌ، وقاله أصبغ: وقال مطرف: من استعار دابةً أو اكتراها على أنه ضامنٌ لها، فالشرط ساقطٌ، ولا يضمن إلا أن يكون ربها خاف عليها من أمر يظهر مثل طريق مخوفةٍ من لصوصٍ أو غيرها، فيضمن في مثل هذا الشرط إن هلكت فيما يخاف عليها، وإن هلكت في غير ذلك لم يضمن، وقال أصبغ: لا ضمان عليه بكل حالٍ، وبقول مطرف أقول.
[(5)] فصل [في القضاء في العارية] [المسألة الأولى: فيمن استعار دابة يركبها حيث شاء، وكيف إن قال له صاحبها: اركبها حيث أحببت] ومن كتاب العارية قال ابن القاسم: ومن استعار دابة ليركبها حيث شاء وهو بالفسطاط، فركبها إلى الشام أو إلى إفريقية، فإن كان وجه عاريته إلى مثل ذلك، فلا شيء عليه، وإلا ضمن، والذي يسأل رجلاً يسرج له دابته ليركبها في حاجته، فيقول له ربها: اركبها حيث أحببت، فهذا يعلم الناس أنه لم يسرجها له إلى الشام ولا إلى إفريقية.

الجزء: 18 - الصفحة: 420

[المسألة الثانية: في اختلاف المعير والمستعير على الحد الذي أعاره الدابة إليه] قال ابن القاسم: ووجدت في مسائل عبد الرحيم أن مالكاً قال: فيمن استعار دابةً فركبها إلى موضعٍ، فلما رجع زعم أنه أعارها إياه إلى دون ما ركبها إليه أو إلى بلدٍ آخر، فالقول قول المستعير إن ادعى ما يشبه مع يمينه.
وكذلك في سماع ابن القاسم نصاً سواءً، قال فيه ابن القاسم: وذلك إذا ركب ورجع، وإن لم يركب بعد؛ فالمعير مصدقٌ مع يمينه؛ وكمن أسكنته داراً أو أخدمته عبداً، فبعد سنةٍ قال هو: المدة سنة، وقلت أنت: ستة أشهر، فهو مصدقٌ عليك مع يمينه، إلا أن يدعي ما لا يشبه، ولو لم يقبض المسكن ولا العبد، فأنت مصدقٌ مع يمينك.
م: وهذا من قوله يدل أن القول قوله في رفع الضمان والكراء؛ لأن مستعير الدار لو ثبت عداؤه بمجاوزة المدة التي استعارها إليها، فانهدمت الدار بأمرٍ من الله تعالى في تلك المدة لم يضمنها؛ لأنه إنما تعدى على السكنى، فلا يكون أسوأ حالاً من غاصب السكنى، فكيف بمن لم يثبت عداؤه؟ فإذا ثبت أنه لا يضمنها لم يبق إلا أن يكون القول قوله في السكنى ودفع الكراء.
وذكر أبو محمد في المختصر أن سحنوناً قال: القول قول المستعير فيما يشبه، يعني في الضمان لا في الكراء.
[64/أ].
وقال أشهب في كتبه: إن القول قول المستعير في رفع الضمان مع يمينه، والقول في الكراء قول رب الدابة مع يمينه، ويكون له فضل ما بين كراء الموضع الذي أقر المعير أنه أعاره إليه، وبين كراء الموضع الذي ركب إليه المستعير.

الجزء: 18 - الصفحة: 421

م: وهذا خلافٌ لقول ابن القاسن: لما قدمنا، فاعرفه، وقول أشهب جيد، وإليه ذهب ابن حبيب.
قال ابن حبيب: سمعت من أرضى يقول فيمن استعار من رجلٍ دابةً، فمضى لها عنده يومان، ونفقت في اليوم الثاني، فقال المعير: إنما أعرتك يوماً، وقال المستعير: بل يومين، أن كل واحدٍ منهما مدعٍ على صاحبه، فالمعير يدعي تضمين المستعير، والمستعير يدعي يقوط الكراء عنه، فأرى أن يحلفا جميعاً، ويلزم المستعير كراء اليوم الثاني، ولا يلزمه الضمان إذا حلف.
[المسألة الثالثة: في شهادة من أرسله المستعير ليستعير له إذا اختلف هو والمعير في المكان الذي استعاره إليه] قال أشهب في كتبه: ومن بعث رسولاً إلى رجلٍ يعيره دابةً إلى برقة، فأعاره، فركبها المستعير إلى إفريقية فعطبت، فقال المعير: إنما أعرتك إلى فلسطين، وقال الرسول: بل إلى برقة، فشهادة الرسول ها هنا لا تجوز للمستعير ولا عليه؛ لأنه إنما يشهد على فعل نفسه، ويحلف المستعير أنه ما استعارها إلا إلى برقة، ويسقط عنه الضمان، ويحلف رب الدابة أنه ما أعاره إلا إلى فلسطين، ويكون له على المستعير فضل ما بين كراء برقه على كراء فلسطين.
قال ابن القاسم في آخر كتاب العارية: ومن بعث رسولاً إلى رجلٍ يعيره دابةً إلى برقه، فقال له: يسألك فلانُ أن تعيره إياها إلى فلسطين، فأعاره فركبها المستعير إلى برقة ولا يدري، فعطبت، فإن أقر الرسول بالكذب ضمنها، وإن قال بذلك أمرتني وأكذبه المستعير، فلا يكون الرسول شاهداً؛ لأنه خصمٌ.
قال أشهب في كتبه: إن قامت للمعير بينةٌ أن الرسول قال له: إلى

الجزء: 18 - الصفحة: 422

فلسطين، كان له فضل كرائها على ما فسرنا لا يمين عليه؛ لأن البينة قد قامت له بذلك، ولا ضمان على المستعير؛ لأنه يقول: إلى برقة استعرتها - يريد: فيحلف ويبرأ - وإن قال الرسوب ما أمرني المستعير - قال: فإن قال الرسول: إنما أمرتني إلى برقة، فقلت أنا لرب الدابة غير ذلك، ضمن الرسول الدابة إن كانت مسافة برقة أشد من مسافة فلسطين في البعد والتعب، ولو كانت مثلها في البعد والتعب والحزونة، لم يضمن الرسول ولا المستعير؛ لأن المستعير لو استعارها إلى موضع، فركب إلى موضعٍ غيره مثله في البعد والتعب والحزونة فهلكت تحته، لم يضمن.
م: وفي كتاب أبي محمد: وإن قال الرسول: بذلك أمرتني، وأكذبه المستعير، فلا يكون الرسول شاهداً؛ لأنه خصمٌ والمستعير ضامنٌ، إلا أن يأتي ببينة أنه أمره إلى برقة.
م: وليس في رواية سليمان بن سالم ولا يزيد بن أيوب ضمان المستعير.

الجزء: 18 - الصفحة: 423

قال اللبيدي: وهو مطروحٌ في رواية جبلة.
وأسقطها البرادعي في كتابه؛ لأن روايته رواية جبلة، ولم يفرق أشهب في فقهه بين هذه المسألة، وبين المسألة الأولى، وكذلك ينبغي ألا يفرق ابن القاسم بينهما.
وقد ذكر بعض أصحابنا عن بعض شيوخه أنه قال: الفرق بينهما أن المستعير في مسألة الرسول لا يدعي كذب رب الدابة؛ إذ لا علم له [64/ب] بما عقد الرسول؛ لأنه لم يخاطبه شفاها، فلذلك ضمن، وفي مسألة عبد الرحيم: هما متداعيان، فلم يصدق رب الدابة في تضمين المستعير، وكان عليه البيان.
م: وهذا لو عكس لكان أولى؛ لأن في مسألة عبد الرحيم المعير يدعي تكذيب المستعير حقيقةً، فجعلت فيها القول قول المستعير فيما يشبه، وفي هذه المسألة المعير لا يدعي تكذيب المستعير، فهو أحرى أن يكون القول قول المستعير فيما يشبه، وأن لا يضمنه بالشك، ألا ترى أنهم قالوا في المودع إذا قال: رددت الوديعة إلى ربها وأكذبه ربها، أن القول قول المودع مع يمينه وإن لم يكن متهماً؟ لأن ربها يدعي تكذيبه، فلا بد من يمينه؛ فإن نكل حلف ربها واستحق، ولو قال المودع ضاعت لصدق الغير متهم بغير يمين؛ لأن ربها لا يدعي تكذيبه، فبان أن من ادعى تكذيبه أشد، وأيضاً فإن من أصلنا إذا استوت دعوى المتداعيين أن القول قول من ادعى عليه الضمان؛ ففي المسألة الأولى استوت دعواهما؛ لأن كل واحدٍ منهما يدعي تكذيب صاحبه فجعلت القول قول من ادعى عليه الصمان وهو

الجزء: 18 - الصفحة: 424

المستعير، وفي هذه المسألة كل واحدٍ لا يدعي تكذيب صاحبه، فقد استوت دعواهما، فاجعل القول قوله، وهذا بينٌ، وبالله التوفيق.
[المسألة الرابعة: فيمن استعار دابة لركوب أو حمل، ثم ردها مع عبده أو أجبره فعطبت] قال ابن حبيب: ومن استعار دابةً لركوبٍ أو حمل، ثم ردها مع عبدِه أو أجيره أو جاره، فعطبت أو ضلت، فلا يضمن؛ لأن شأن الناس على هذا، وإن لم يعلم ضياعها إلا بقول الرسول وهو مأمونٌ أو غير مأمونٍ، فذلك سواءٌ، ولا يضمن.
[المسألة الخامسة: في اختلاف المستعير والمعير على أصل العقد] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ركب دابة رجلٍ إلى بلدٍ وادعى أنه أعاره إياها، وقال ربها: بل اكتريتها منك، فالقول قول ربها.
م: لأنه ادعى عليه معروفاً.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون مثله ليس يكري الدواب لشرفه وقدره.
وقاله أشهب.
[المسألة السادسة: فيمن استعار دابة ليحمل عليها فاختلف هو والمعير فيما حمل عليها] قال في أول الكتاب: لو استعار دابةً ليحمل عليها، فاختلفا فيما حمل عليها، صدق المستعير فيما يشبه - يريد: مع يمينه - قال: ولو استعار مهراً فحمل عليه بزاً لم يصدق أنه استعاره لذلك، وإن كان بعيراً صدق.

الجزء: 18 - الصفحة: 425

[(6)] فصل [في التعدي على الدابة المستعارة بزيادة الحمل] [المسألة الأولى: فين استعار دابة ليحمل عليها حنطة حمل عليها حجارة] ومن استعار دابةً ليحمل عليها حنطةً فحمل عليها حجارةً، فكل ما حمل عليها مما هو أضر مما استعارها له فعطبت به، فهو ضامنٌ، فإن كان مثله في الضرر لم يضمن؛ كحمله عدساً في مكان حنطة، أو كتاناً أو قطناً في مكان بزٍ، وكذلك من اكتراها لحمل أو ركوب فأكراها من غيره في مثل ما اكتراها له فعطبت، لم يضمن، وإن اكتراها لحمل حنطةٍ فركبها فعطبت، فإن كان ذلك أضر وأثقل ضمن، وإلا لم يضمن.
م: وإذا استعارها لحمل شيءٍ فحمل غيره أضر، فإن كان الذي زاد مما تعطب في مثله فعطبت، خير رب الدابة في أن يضمنه قيمتها يوم تعديه، ولا شيء له غير ذلك، وإن أحب أن يأخذ كراء فضل الضرر أخذه، ولا شيء له غير ذلك؛ ومعرفته: أن يقال كم يسوى كراؤها فيما استعارها له؟ فإن قيل: عشرةٌ، قيل: وكم يسوى كراؤها فيما حمل عليها، فإن قيلك خمسة عشر، دفع إليه الخمسة الزائدة على كراء ما استعارها له، وإن كان ما حمله عليها لا تعطب في مثله، فليس له إلا كراء الزيادة؛ لأن عطبها أمرٌ من الله عز وجل ليس لأجل الزيادة.
[المسألة الثانية: فيمن استعار دابة فركب وأردف فعطبت الدابة] ومن المدونة وإن استعارها ليركب إلى موضعٍ فركب وأردف رديفاً تعطب في مثله فعطبت، فربها مخيرٌ في أخذ كراء الرديف فقط أو تضمينه قيمة الدابة يوم أردفه.
قال أشهب في كتبه: ولا يلزم الرديف شيءٌ وإن كان المستعير عديماً، وقد أخطأ [65/أ] من ألزمه كراء الرديف في عدم المستعير، ولو كان الرديف عبداً له أو لغيره لم يكن شيءٌ من ذلك في رقبته ولا في ذمته؛ لأنه ركبها بوجه شبهة.

الجزء: 18 - الصفحة: 426

م: وقال بعض شيوخنا هذا خلافٌ لابن القاسم، بل عليه الكراء في عدم المستعير؛ كمن غصب سلعةً فوهبها فهلكت - أن الموهوب يضمن في عدم الغاصب.
م: وهذا إذا لم يعلم الرديف أنها مستعارةٌ، وأما إن علم، فهو كالمستعير، لربها أن يضمن من شاء منهما.
وفي كتاب الأكرية: ذكر المكتري يزيد في الحمل ما تعطب الدابة في مثله في الحمل أم لا.
[(7)] فصل [في التعدي على الدابة المستعارة بزيادة مسافة] [المسألة الأولى: فيمن استعار دابة إلى مسافة، فجاوزها فتلفت] وإن استعارها إلى مسافةٍ، فتجاوزها فتلفت، فربها مخيرٌ في أن يضمنه قيمتها يوم تعدى أو كراء التعدي فقط.
[(1) فرع: في استشكال أبي إسحاق التونسي عدم تقييد الإمام في هذه المسألة كما قيدها في التعدي في الزيادة على الحمل] م: وقال بعض فقهاء القرويين: لم يراع إذا جاوز المسافة، هل جاوزها بما تعطب في مثله أم لا تعطب في مثله؟ كما قال في زيادته على الحمل، وضمنه قيمة الدابة وإن كانت لا تعطب في مثله، وأمرهما سواءٌ، فإن قيل: إن من زاد في الحمل مأذونٌ له في سيرها، والذي جاوز المسافة غير مأذونٍ له في ذلك الزائد.
قيل: وهذا إنما أذن له في سيرها على صفةٍ، فإذا سيرها على خلافه ضمن وإن كان لا تعطب في مثله؛ لأنه غير مأذونٍ له فيه.
[فائدة: في بيان الفرق بين المسألتين] م: والفرق بينهما: أن الذي زاد في المسافة تعدى على جملة الدابة فأشبه

الجزء: 18 - الصفحة: 427

الغاصب لها، والذي زاد في الحمل ما لا تعطب في مثله علمنا أن عطبها ليس لأجل الزيادة، فكأنه لم يزد عليها شيئاً، وقد هلكت في موضعٍ أذن له في سيرها فيه فافترقا.
فإن قيل: إن الزائد في المسافة كالذي أمره أن يضرب عبده عشرة أسواط فضربه أحد عشر؛ فقد قال: إن خاف أن الحادي عشر أعان على قتله، ضمن.
قيل: الضارب كالزايد في الحمل، وكأنه قيل له: احمل عليها عشر ويبات فرفع عليها ويبةً ثم ويبةً ثم ويبةً حتى بلغ عشرة، ثم زاد ويبةً، فهو كالزيادة في الحمل.
[المسألة الثانية: فيمن استعار دابة إلى مسافة فجاوزها، ثم رجع فعطبت في الطريق الذي أذن له فيها] ومن المدونة: قلت: فمن استعار دابةً إلى مسافة فجاوزها بميلٍ أو نحوه، ثم رجع بها إلى الموضع الذي استعارها إليه، ثم رجع ليردها إلى ربها، فعطبت في الطريق الذي أذن له فيها هل يضمن؟ قال: سمعت مالكاً سئل عن تكارى دابةً إلى ذي الحليفة فتعداها ثم رجع فعطبت بعد أن رجع إلى ذي الحليفة فقال: إن كان تعدى إلى مثل منازل الناس، فلا شيء عليه، وإن جاوز ذلك بمثل الميل والميلين ضمن.
وقال ابن الماجشون في الواضحة: لا يضمن في مثل هذا، قال ابن حبيب كقول مالكٍ فيمن تعدى فتسلف من وديعةٍ عنده ثم رد فيها ما تسلف، ثم سرقت بعد ذلك: إنه لا يضمن، فهذا مثله.

الجزء: 18 - الصفحة: 428

م: وقد تقدم هذا في الأكرية موعباً.
[المسألة الثالثة: فيمن أمرته ليضرب عبدك عشرة أسواط فمات العبد فيها] قال ابن القاسم: وإن أمرت من يضرب عبدك عشرة أسواطٍ ففعل فمات العبد منها، فلا شيء لك عليه، واستحب له مالك أن يكفر كفارة الخطأ، وإن ضربه أحد عشر سوطاً أو عشرين سوطاً فمات من ذلك فإن زاد زيادةً أعانت على قتله ضمن.
وقال سحنون: يضمن ولو زاد سوطاً واحداً.
م: وقال بعض أصحابنا: شبهه ابن القاسم بالذي يزيد في الحمل فينظر إلى ما تعطب في مثله أم لا، وشبهه سحنون بمثل الزيادة على المسافة.
م: العدد المأمور به كالمسافة المحدودة، والزائد على العدد كالزائد على المسافة، وهذا أقيس، وكأن ابن القاسم رأى هذا كزيادة في الحمل فعطبت؛ كمن أذن له أن يحمل عليها عشرة أرطالٍ ثم زاد رطلاً ثانياً وثالثاً حتى بلغ أحد عشر قبل أن يبرح بها، ثم سار فعطبت، فهو كالدابة في الحمل.

الجزء: 18 - الصفحة: 429

[الباب الثاني] فيمن أعار عرصة للبناء أو الغرس أو الزرع، ثم أراد إخراجه، وكيف إن شرط أن يترك [65/ب] له البناء والغرس إذا خرج، وما يجوز من المغارسة

[(1) فصل: فيمن أعار أرضاً للبناء أو للغرس، ثم أراد إخراج المستعير] [المسألة الأولى: فيمن أذنت له بالبناء أو الغرس ثم أردت إخراجه بقرب إذنك] قال مالك: ومن أذنت له أن يبني في أرضك أو يغرس، فلما فعل أردت إخراجه، فأما بقرب إذنك له مما لا يشبه أن تعيره إلى مثل تلك المدة القريبة، فليس لك إخراجه إلا أن تعطيه ما أنفق، وقال في بابٍ بعد هذا: قيمة ما أنفق.
وإلا تركته إلى مثل ما يرى الناس أنك أعرته إلى مثله من الأمد.
[(1) فرعك في تأويل قوليّ الإمام مالك: "تعطيه ما أنفق"، "قيمة ما أنفق"] م: قال بعض أصحابنا: تؤول في هذين القولين ثلاث تأويلات: أحدهما: أن يكون له قيمة ما أنفق: إذا أخرج من عنده شيئاً من آجر وأجيرٍ ونحوه، وقوله: ما أنفق: إذا أخرج ثمناً فاشترى به هذه الأشياء.
ويحتمل أن يكون قيمة ما أنفق: إذا طال الأمد؛ لأنه يتغير بانتفاعه، وما أنفق: إذا كان بالقرب جداً - يريد هذا أنه إذا شرط فيما أنفق اليوم واليومين - فعلى هذين التأويلين لا يكون اختلافاً من قوله.
والوجه الثالث: أنه إنما يعطي ما أنفق: إذا لم يكن فيه تغابن أو يكون فيه تغابنٌ يسيرٌ، ومرة رأى أن القيمة أعدل؛ إذ قد يسامح مرةً فيما يشتريه ومرة يغبن فيه، فإذا أعطى قيمة ذلك يوم بنائه لم يظلمه، فيكون على هذا اختلافاً من قوله.

الجزء: 18 - الصفحة: 430

م: وهذا التأويل، والتأويل الأول محتملان، وأما التأويل الآخر فخطأٌ؛ لأنه إنما يعطيه قيمة ما أنفق يوم البناء، فلا يراعي تغير أو لم يتغير، ولو عكس هذا لكان أولى؛ لأن ما تقادم وتغير القيمة فيه يوم البناء متعذرةٌ لتغيره، ولا يتحقق كيف كان حاله يوم البناء، فيجب أن يعطيه ما أنفق لهذا.
وما كان بالقرب لم يتغير، فالقيمة فيه متخلصة، فإذا أعطيها لم يظلم؛ لأنها متوسطةٌ بين ما غبن أو غبن، كيف وهو إذا طال الأمد بما ينقص فيه، فهو يخرجه ويعطيه قيمته مقلوعاً؛ لأنه مثل ما يعار إلى مثله.
قال أبو محمد: وروى الدمياطي عن ابن القاسم أنه قال: وإن لم يضرب له أجلاً فنسي، فليس له إخراجه حتى يبلغ ما يعار إلى مثله من الأمد.
م: صوابٌ؛ لأن العرف كالشرط.
وذكر أشهب في كتبه: أن المستعير إذا فرغ من بنائه وغرسه، أن لرب الأرض أن يخرجه فيما قرب أو بعد؛ لأنه أعاره إلى غير أجلٍ، وهو فرط إذ لم يضرب أجلاً، ويعطيه رب الأرض قيمة ذلك مقلوعاً ويأخذه أو يأمره بقلعه.
وروى عنه الدمياطي أن له إخراجه متى شاء إذا كان لحاجته إلى عرصته أو إلى بيعها، سواءٌ تقدم بينهما شرطٌ أم لا، وإن كان لغير حاجةٍ ولكن لشر وقع بينهما، فليس ذلك له.
وقال أصبغ: إذا لم يسكن، فليس له إخراجه أصلاً وإن أعطاه قيمته قائماً

الجزء: 18 - الصفحة: 431

إلا برضاه، وبه أخذ يحيى بن عمر، وقال سحنون: ومن أصحابنا من يقول: يعطيه قيمته قائماً، وهو المغيرة وابن كنانة.
[المسألة الثانية: فيمن أعرته أرضاً للبناء أو للغرس، ثم أردت إخراجه بعد مدة يشبه أنك أعرته إليها] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أردت إخراجه بعد أمدٍ يشبه أنك أعرته إلى مثله، فلك أن تعطيه قيمة البناء والغرس مقلوعاً - قال محمد بن المواز: بعد طرح أجر القلع - وإلا أمرته بقلعه إلا أن يكون مما لا قيمة له، ولا نفع فيه إذا قلع، مثل: الجص ونحوه، فلا شيء للباني فيه، وكذلك لو ضربت لعاريته أجلاً فبلغه، فليس لك ها هنا إخراجه قبل الأجل، وإن أعطيته قيمة ذلك قائماً، وكذلك لو لم يبن ولم يغرس حتى أردت إخراجه، فليس ذلك لك قبل الأجل، ولو لم تضرب أجلاً كان ذلك لك، وقاله أشهب.
قال أشهب في كتبه: وكذلك من قال لرجلٍ قد أعرتك دابتي، فإن قال إلى موضع كذا أو كذا، وكذا يوماً أو حياتك، فليس له أن يرجع في شيء من ذلك إلا إلى الأجل الذي سمى [66/أ]، وإن لم يزد على أن قال: قد أعرتك، فله أن يرجع متى شاء.
[المسألة الثالثة: فيمن أعرته أرضك ليبني أو يغرس، ولم تسم له ما يبني أو يغرس] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا سميت له أجلاً ولم تسم ما يبني ويغرس، فليس لك منعه مما يبني ويغرس إلا مما يعلم أنه يضر فيه بأرضك، وإن أراد الباني أن يخرج قبل الأجل، فله قلع بنيانه وغرسه، إلا أن تشاء أنت أخذه بقيمته مقلوعاً إن كان فيه إذا قلع منفعةٌ، وإن لم تكن فيه منفعةٌ، فلا شيء له عليك.

الجزء: 18 - الصفحة: 432

وقال ابن حبيب في كتاب الصدقات: قال مطرف وابن الماجشون: قال مالك: وكل من بنى في أرض قومٍ أو غرس بإذنهم أو علمهم فلم يمنعوه ولا أنكروا عليه، فله قيمة ذلك قائماً كالباني يشبهة، وكذلك من تكارى أرضاً، أو منحها إلى أجلٍ أو إلى غير أجلٍ أو بنى في أرض زوجته أو أرضٍ بينه وبين شركائه بإذنهم أو بعلمهم فلم ينهوه، فإن له قيمة عمله قائماً، وأما كل من بنى في أرض غيره من زوجةٍ أو شريكٍ أو غيره بغير إذن ربها أو علمه، فله قيمة عمله منقوضاً، قال: قلت لهما: روى لنا عن مالك: أن له قيمة عمله منقوضاً بنى بإذن رب الأرض أو بغير إذنه، قالا: ما علمنا أن مالكاً اختلف قوله في هذا، ولا أحداً من أصحابه: ابن أبي حازم والمغيرة وابن دينار وغيرهم، وبه قضى قضاة المدينة قديماً وحديثاً، وقد وهم ناقل هذا عن مالك، قال ابن حبيب: وهو قول ابن كنانة وابن نافع وجميع المدنيين، وقال ابن القاسم بالقول الآخر، ورواه عن مالك، وقال أصبغ، وبقول المدنيين أقول، وروي مثله عن ابن مسعود، وشريحٍ، ورواه ابن وهب عن النبي - صلى الله عليه وسلم.
[المسألة الرابعة: فيمن أذن لرجل أن يبني في أرضه واشترط المستعير بعد تمام الأجل أن يقلع البنيان] قال مطرف وابن الماجشون: فيمن أذن لرجلٍ أن يبني في عرصته على أن يسكن إلى أجلٍ يؤقته، على أنه إذا خرج قلع بنيانه وذهب به وترك عرصته، قالا: فالشرط باطلٌ؛ لأنه من الضرر، وله قيمته قائماً إذا تم الأجل.

الجزء: 18 - الصفحة: 433

م: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ((المسلمون عند شروطهم))، وليس هذا من الضرر؛ ولأنه دخل عليه.
ابن حبيب قالا: ولو شرط في أصل العقد أن له إذا تم الأجل قيمته قائماً، فإن الشرط يفسده، كأنه أكراه الأرض تلك المدة بما يغادر فيها من البناء بقيمته يوم يتركه؛ وهذا من الغرر والسلف يجر منفعةٌ، فإذا بنى على هذا، فله الأقل من قيمة بنيانه قائماً يوم فرغ منه أو ما أنفق فيه، ثم يكون لرب العرصة قيمة كرائها مبنية من يوم سكن.
م: إذا كان الحكم يوجب له عنده قيمته قائماً، فيجب ألا يفسده الشرط؛ لأنه شرطٌ لم يؤثر أثراً، فهو كما لو لم يشترطه، ولو كان هذا الشرط يفسده لما كان يجوز أن يعيره أرضه على أن يبني فيها بناءً؛ لأنهما عالمان أن الحكم يوجب له قيمته قائماً، فكأنهما عليه دخلا، وإن لم يلفظا به فقد أضمراه، فيجب أن تدخله العلة التي علل بها في الشرط فيفسد أيضاً كما فسد بالشرط، وهما يجيزانه إن لم يشترط، فهذا تناقضٌ، والله أعلم.
قال ابن حبيب: وقال أصبغ مثل قولهما إذا شرط له قيمة بنيانه قائماً، وأجازه إن شرط له قيمته منقوضاً؛ لأن ذلك الذي يجب له في الحكم.
م: هذا فقهٌ جيدٌ.
[المسألة الخامسة: فيمن أذن لجاره في غرز خشبة في جداره] ومن العتبية قال أشهب عن مالك: ومن أذن لجاره في غرز خشبةٍ في جداره ففعل، ثم أراد نزعها، فليس له ذلك، وهذا من الضرر الذي نهى عنه النبي إلا أن يكون احتاج إلى جداره بما لم يرد به الضرر، وأما إذا أراد البيع

الجزء: 18 - الصفحة: 434

فطلب نزعها ليزيده المشتري في الثمن فليس له ذلك، أرأيت [66/ب] إن كان المبتاع عدواً له؟ قيل: فإن ذلك على الصحة، قال: ليس له ذلك.
م: وقيل: ليس له ذلك على كل حال، وفي كتاب نفي الضرر إيعاب هذا.
[المسألة السادسة: فيمن أعار رجلاً أرضاً للزرع فزرعها فأراد إخراجه قبل تمام الزرع] ومن كتاب العارية: قال ابن القاسم: وإن أعرته أرضك للزرع فزرعها، فليس لك إخراجه حتى يتم الزرع؛ إذ ليس مما يباع حتى يطيب فتكون فيه الآن القيمة، وليس لك أخذه بكراء من يوم رمت إخراجه، ولا فيما مضى إلا أن تكون إنما أعرته للثواب، فهذا بمنزلة الكراء.
م: قال بعض أصحابنا عن غير واحد من شيوخنا: إذا أعاره أرضاً ليزرعها، فليس له إخراجه قبل أن يزرع؛ لأن أمد الزراعة معلومٌ، فهو كضرب الأجل.
[(2) فصل: في اشتراط معير الأرض للبناء أن يكون البناء له بعد تمام المدة] قال ابن القاسم: وإن أعرته أرضك ليبني فيها ويسكن عشر سنين، ثم يخرج

الجزء: 18 - الصفحة: 435

ويدع البناء لك، فإن بين صفة البناء ومبلغه وضرب لذلك أجلاً، فهو جائزٌ، وهي إجازةٌ، وإن لم يصفه لم يجز، وإن وصفه وقال: أسكن ما بدا لي - ولم يضرب أجلا - فمتى خرجت فالبناء لك، لم يجز؛ فإن بنى على هذا وسكن، فله قلع بنيانه - إلا أن تأخذه بقيمته مقلوعاً ولا ينقضه - ولك عليه كراء أرضك على كل حالٍ.
قال بعض الفقهاء من القرويين: سكت عن العشر سنين، ولا يجوز ذلك؛ لأن البناء يختلف في مثل هذا الأمد؛ كما لا يجوز بيع دارٍ استثنى البائع سكناها عشر سنين ونحوها؛ إذ لا يدري كيف يصير البناء إلى ذلك الأمد، ولو أمكن أن يكون البناء متقناً لا يتغير إلى مثل ذلك الأمد لجاز، قال: وإذا بين البناء ولم يضرب أجلاً، فله قيمة البناء منقوضاً، وعليه كراء العرصة.
[(3)] فصل [في اشتراط معير الأرض للغرس أن يكون الغرس له بعد تمام المدة] وإن أعرته أرضك عشر سنين على أن يغرسها أصولاً على أن يكون لك بعد المدة شجرها لم يجز؛ إذ ليس للشجر حدٌّ معروفٌ، والمغارسة من ناحية الجعل، وإنما يجوز أن تعطيه أرضك يغرسها أصولاً نخلاً أو كرماً أو فرسكاً أو تيناً وشبه ذلك، فإذا بلغت شباب كذا فالشجر والأرض بينكما على النصف أو الثلث أو ما سميتما، وإن أعطيتها له سنتين أو ثلاثاً يغرسها شجر كذا، فإذا خرجت من الأرض فهي لك لم يجز، بخلاف البناء؛ لغرر الغراسة إذ لا يدري ما

الجزء: 18 - الصفحة: 436

تنبت منها؛ كما لو استأجرته يغرس لك كذا وكذا شجرةٌ مضمونةٌ عليه إلى أجلٍ لم يجز، ولو كان بناءً معلوماً يوفيكه إلى أجلٍ معلومٍ جاز.
وقد تقدم إيعاب هذا في كتاب الأكرية.
[(4)] فصل [فيمن استعار عارية ثم مات] ومن استعار مسكناً عشر سنين ثم مات، فورثته بمثابته - كان قد قضبه أو لم يقضبه - فإن مات المعير قبل القبض بطلت العارية، وإن مات بعد القبض نفذ ذلك كله إلى أجله.

الجزء: 18 - الصفحة: 437

الباب الثالث: في ما جاء في العمري والرقبي والإخدام

[(1) فصل: في العمري] روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((المسلمون عند شروطهم))، والحديث الآخر رواه جابر ((من أعمر عمري له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع للذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءٌ وقعت فيه المواريث)).
فإذا أعمر له ولعقبه فهذا سبيله - ما دام أحدٌ من العقب الذين توارثوا تلك المنافع - أن يكون موقوفاً.
فأما من أعمر ولم يقل: ولعقبه، لم يجز دخول العقب فيه؛ إذ الحديث إنما جعله للعقب المشترط.
وأعمرتك إنما هو مأخوذٌ من العمر، ولا فرق بين أن يسكنه عمره أو يسكنه حياة فلانٍ أو إلى قدوم فلانٍ؛ لأن ذلك كله مجهولٌ، فما وجب في أحد هذه الوجوه وجب في بقيتها.
ويدل - إن ذكر العقب -[أن الأصل] يرجع بعد

الجزء: 18 - الصفحة: 438

نفاذ العقب إليه: أن مفهوم قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((من أعمر عمري له ولعقبه)) إنما هو تمليك النفع [67/أ] دون الأصل، وهو الذي جرت فيه المواريث في ذلك النفع، ودل أنه ليس كتوارث الأصل، وأن وارث تلك المنافع العقب دون الزوجة ومن ليس من العقب المعروف، فلما حصل في قوله: فإنها للذي يعطاها، أنه النفع دون الأصل، وانقرض العقب ولم يكونوا ملكوا الأصل لم يبق إلا أن الأصل راجعٌ إلى مالكه، فهذا دليلٌ أن قوله لا ترجع إلى الذي أعطاها أنها المنافع، وهي التي توارثها العقب، وهي التي جعل لها النفع ما دام ذلك العقب قائماً، مع وجود العمل بالمدينة على ما تأولنا من ذلك، وما جرت به عوائد الناس من اشتراطهم في أموالهم لا يتجاوز ما شرطوه إلا بإذنهم.
قال ابن القاسم عن مالك: ومن أعمر رجلاً داراً حياته، رجعت بعد موته إلى المعطي، والناس عند شروطهم.
قال ابن القاسم: وتكون العمرى في الرقيق والحيوان كله، ولم أسمع ذلك في الثياب، وهي عنده على ما أعارها عليه من الشرط.

الجزء: 18 - الصفحة: 439

[(2)] فصل [في الرقبى] ولم يعرف مالك الرقبى، وفسرت له، فلم يجزها، وهي: أن تكون دارٌ بين رجلين فيحبسانها على أن من مات منهما أولاً فنصيبه حبسٌ على الآخر.
[(3) فصل: في الإخدام] قال ابن القاسم: وسألنا مالكاً عن العبد بينهما يحسبانه على أن من مات منهما أولاً فنصيبه يخدم آخرهما موتاً حياته - ثم يكون العبد حراً بعده - مكانه، فلم يجزه، إلا أنه قد ألزمهما العتق إلى موتهما، ومن مات منهما أولاً فنصيبه يخدم ورثته دون ورثة صاحبه، ويبطل ما أوصى به في الخدمة؛ لأنه خطر، فإذا مات أحدهما كان نصيب كل واحدٍ منهما حراً من ثلثه، كمن قال: إذا مت فعبدي يخدم فلاناً حياته، ثم هو حر.
م: فألزمهما العتق؛ لأنه كالمعتق إلى أجلٍ؛ لقوله: أنت حر بعد موت فلانٍ.
وجعله من الثلث، لقوله: أنت حر بعد موتي، فجمع له الحكمين لقوله بعد موتى وموت فلان.
ومن المدونة: ولو قال: عبدي حر بعد موت فلان كان من رأس المال، وكذلك لو كان ذلك في العبد الذي بين الرجلين فمات أحدهما لكان نصيب الحي حراً من رأس ماله في قوله: نصيبي منه بعد موت فلانٍ حر.

الجزء: 18 - الصفحة: 440

الباب الرابع] في عارية ما لا [يبقى] بعينه، وهلاك العارية فيما استعيرت له، وعارية العبد واستعارته. [واختلاف المستعير والمعير والرسول

[(1) فصل: في عارية ما لا يبقى بعينه] قال مالك: ومن استعار دنانير أو دراهم أو فلوساً أو طعاماً، فذلك سلفٌ مضمونٌ لا عاريةً، قال مالك: فيمن حبس على رجل مئة دينارٍ فتجر بها أمداً معلوماً، فإنه ضامنٌ لما نقصته، فهي كالسلف وذلك جائزٌ، فإن شاء قبلها على ذلك أو ردها فترجع ميراثاً، وقال مالك: في امرأة حبست دنانير على ابنة ابنتها على أن تنفق منها إذا أرادت الحج أو نفست، فذلك ناقدٌ فيما شرطت، وليس للابنة أن تتعجلها قبل ذلك على أن تضمنها.
[(2)] فصل [في هلاك العارية فيما استعيرت له] ومن استعار سيفاً ليقاتل به فضرب به فانكسر، لم يضمن؛ لأنه فعل ما أذن له فيه، وهذا إذا كانت له بينة أو عرف أنه كان معه في اللقاء، وإلا ضمن.
قال سحنون: ولعله ضرب به ضرباً أخرق فيه.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا استعار ثوباً أو منشاراً أو فأساً أو غيره مما يغاب عليه، فيأتي به مكسوراً وهو يقول: نابه ذلك فيما استعرته له، أنه ضامنٌ ولا يصدق، وقاله ابن وهب، وقاله أشهب في كتابه.
قال عيسى: لا يضمن إذا ذكر ما يشبه ويرى أن يصيبه ذلك في ذلك العمل، وذلك لا يخفى.

الجزء: 18 - الصفحة: 441

وذكر ابن حبيب عن مطرف [67/ب] وأصبغ مثل قول عيسر وتفسيره في الفأس، والسيف والحفة وما يغاب عليه: لا يضمن إذا جاء بما يشبه، وابن القاسم يضمنه، وبقول مطرف أقول.
م: وهو عندي أبين.
[(3) فصل: في عارية العبد بغير إذن سيده، واستعارته بإذنه أو بغير اذنه، واختلاف المستعير والمعير والرسول] [المسألة الأولى: في عارية العبد] قال: وليس للعبد أن يعير شيئاً من متاعه، ولا يدعو إلى طعامه إلا بإذن سيده، وهذا في المأذون مذكورٌ.
[المسألة الثانية: في استعاره العبد بإذن سيده] ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: في الأمة أو الحرة تأتي قوماً تستعير منهم حلياً لأهلها وتقول لهم: بعثوني.
ويتلف، فإن صدقها أهلها، فهم ضامنون ويبرأ الرسول، وإن جحدوا حلفوا وبرئوا، ويحلف الرسول لقد بعثوه ويبرأ؛ لأن هؤلاء قد صدقوه أنه مرسلٌ، وإن أقر الرسول أنه تعدى وهو حرٌّ ضمن، وإن كان عبداً كان في ذمته إن عتق يوماً ما، ولا يلزم رقبته بإقرارٍ، ولو قال الرسول: أوصلت ذلك إلى من بعثني، لم يكن عليه ولا عليهم إلا اليمين.
وقال سحنون عن أشهب: إذا قال العبد: سيدي أرسلني فأوصلت العارية إليه أو تلفت والسيد منكر، فذلك في رقبته كالجناية، ولو كان حراً كان ذلك في ذمته، وسألت عنها ابن القاسم فقال: إن أقر السيد غرم، وإن أنكر فذلك في

الجزء: 18 - الصفحة: 442

رقبة العبد؛ لأنه خدع القوم.
قال أبو محمد: أراه إذا ثبت أخذه له ببينة.
ومن سماع ابن القاسم قال: قال مالك: في أمةٍ جاءت إلى جارتها بقلادةٍ استعارتها لها فأنكرت وقبلتها لتردها على أهلها، فتلفت، فهي ضامنةٌ لقبولها لها، والقول في صفتها ووزنها قول الضامنة مع يمينها، ثم تغرم قيمة تلك الصفة.
[(4)] فصل [في اختلاف المستعير والمعير والرسول] وقد تقدم إيعاب القول في اختلاف المستعير والمعير والرسول أول الكتاب فأغنى عن تكرير جميعه، وزاد بعض فقهاء القرويين زياداتٍ أنا أذكرها: قال: إذا قال المعير: أعرتك الدابة إلى طرابلس، وقال المستعير: إلى مصر، فإن لم يركب أو ركب إلى طرابلس خاصةً، فلا شك أن القول قول المعير، ويحلف لئلا يؤخذ ماله بدعوى من ادعى عليه، وأما إن بلغا إلى مصر، فقال ابن القاسم: القول قول المستعير ويحلف، وقال في مسألة الرسول: القول قول المغير ويحلف.
قال: ولا فرق بينهما في التحقيق وإنما هو اختلاف قولٍ، فمرةٌ جعل المستعير - لما ركب حيث ادعى - لما ركب بعد إقرار المعير بالإذن في الركوب [صار المستعير] مدعى عليه التضمين، فالقول قوله، ويحلف؛ كما قال ابن القاسم [في المأمور]: إذا أمرته أن يشتري تمراً فاشترى لك قمحاً، وقال: بذلك أمرتني، أن القول قول المأمور ويحلف؛ لأنه مدعى عليه التضمين بعد إقرار الآمر

الجزء: 18 - الصفحة: 443

أنه أذن له في الشراء، قال: وإذا قلنا: إن القول قول المعير؛ فلأنه لا يؤاخذ بغير ما أقر به، وكان يجب على أصل أشهب أن يكون القول قول المعير، وقد قال أشهب في هذا: إن القول قول المستعير في طرح الضمان عنه، والقول قول المعير في الكراء؛ لأنه [لا] يؤخذ بغير ما أقر به؛ فإن قال الرسول: ما أمرتني أن أستعير إلا إلى طرابلس، وقال المستعير: ما أمرتك إلا إلى مصر، قال: لا يكون الرسول شاهداً، فذلك صوابٌ؛ لأنه يكذب من أمره، فلا يكون شاهداً عليه، وكذلك لا يمكن أن يكون شاهداً على المعير؛ لأنه خصمه.

الجزء: 18 - الصفحة: 444

الباب الخامس: فيمن اكترى دابة فعطبت تحته، وفي الشهادة لمن اعترف دابة لمستحقها

[(1) فصل: فيمن اكترى دابة فعطبت تحته ثم استحقت] ومن اكترى دابةً، فعطبت تحته [68/أ] ثم استحقت، فليس لربها أن يضمنه قيمتها بخلاف من ابتاع طعاماً فأكله، إنما يضمن ما هلك بانتفاعه.
وهذا وما أشبهه في الغصب مذكورٌ.
[(2) فصل: في الشهادة لمن اعترف دابة أنها له] قال ابن القاسم: ومن اعترف دابةً أنها له وأقام البينة سألهم القاضي عن علمهم، فإن شهدوا له أنهم لا يعلمون أنه باع ولا وهب، قضى بشهادتهم بعد يمينه على البت أنه ما باع ولا وهب ولا خرجت من ملكه بوجهٍ من الوجوه، فإن شهدوا أن الدابة له ولم يقولوا لا نعلم أنه باع ولا وهب ولا تصدق حلف على البت أنه ما باع ولا وهب كما ذكرنا ويقضى له.
قال أشهب في كتابه: هذا إن لم يقدر على كشف البينة، وأما إن وقفوا فأبوا أن يقولوا إنهم لا يعلمون أنه ما باع ولا وهب، فلا شهادة لهم.
ومن كتاب العارية قال مالك: وإن شهدوا على البت أنه ما باع ولا وهب، كانت شهادتهم زوراً، يعني كذباً.
لا يسلك بها مسلك شهادة الزور في العقوبة ورد الشهادة أبداً، إنما تسقط في هذا فقط.
تم كتاب العارية بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

الجزء: 18 - الصفحة: 445

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل