وقال ابن القاسم وابن وهب في العتبية في مشارطة الطبيب على أنه إن برئ فله كذا، وإن لم يبرأ فله ثمن الأدوية: فلا ينبغي ذلك، وهذا من شرطين في شرط.
ومن المدونة قال مالك: إلا أن يشترطا شرطًا حلالاً فينفذ بينهما قال ابن القاسم: كالشرط أن يكحله شهرًا وكل يوم بدرهم بالإثمد أو غيره فيجوز إن لم ينقده الإجارة -يريد وهذه إجارة- قال: فإن برئ قبل الأجل أخذ بحسابه، إلا أن يواجره وهو صحيح العينين أن يكحله شهرًا بدرهم فيجوز النقد فيه إذ لا يتقي فيه رد ما بقي بالبرء، ويلزمهما تمامه.
قال ابن الجلاب في معالجة الطبيب على البرء وتعليم القرآن على الحذاق، وقد قيل: لا تجوز إلا على مدة معلومة م: وهو قول جيد.
فصل [13 - في إجارة القَسَّام]
ومن المدونة قال مالك: وكره مالك إجارة قَسَّام القاضي وقَسَّام الدور وحسابهم.
قال: وقد كان خارجة بن زيد ومجاهد يقسمان مع القضاة ويحسبان ولا يأخذان لذلك أجر.
قال مالك في غير المدونة: وليس بحرام ولكنه ليس من عمل الأبرار.
وقال سحنون: إنما كرهه مالك؛ لأنه كان يفرض لهم الأرزاق من أموال اليتامى، فأما إذا أجرى لهم الوالي رزقًا من بيت المال فلا بأس به.
فصل [14 - في إجارة المساجد، والبناء فوقه]
قال ولا يصلح لأحد أن يبني مسجدًا ليكريه ممن يصلي فيه.
وقد كره مالك أن يبني الرجل مسجدًا ثم يبني فوقه بيتًا يسكنه بأهله يريد؛ لأنه إذا كانت معه
صار يطأها على ظهر المسجد، وذلك مكروه، وذكر مالك أن عمر بن عبد العزيز كان يبيت على ظهر المسجد بالمدينة في الصيف، وكان لا تقربه فيه امرأة.
قال ابن القاسم: ومن واجر بيته من قوم ليصلُّون فيه رمضان لم يعجبني ذلك كمن أكرى المسجد.
وقال غيره: لا بأس بذلك في كراء البيت.
وقال سحنون: إنما لم يجز في المسجد؛ لأنه حَبسٌ لا يباع ولا يكرى بمنزلة الفرس المحبس.
والبيت ليس كذلك، فالكراء فيه جائز.
م: صواب: وقال بعض العلماء: إن أراد إنما يدفع إليهم البيت وقت الصلاة فقط ليصلوا فيه، وتبقى منافعه لربه، فقول ابن القاسم أصوب؛ لأنه أخذ بقدر صلاتهم فيه ثمنًا وذلك لا قدر له، وإن كان إنما أسلم إليهم ليحوزوه عنه، ويعملوا به إذا صلوا ما شاؤا فهذا جائز؛ لأن منافع البيت قد منعت من ربها، فهو كالذي أجر أرضه عشر سنين على أن يبنيها مكتريها مسجدًا.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يكري أرضه على أن تتخذ مسجدًا عشر سنين، فإذا أنقضت المدة رجعت الأرض إلى ربها، وكان النقض لمن بناه.
قال سحنون في غير المدونة: يجعله في غيره.
قال أبو محمد: وقول ابن القاسم أبين، وليس مثل الأرض تستحق وقد بنيت مسجدًا يريد فهذا يجعله في غيره؛ لأنه أخرجه من يده لله عز وجل على التأبيد؛ والآخر إنما جعله لله إلى مدة فيرجع إليه بعد تمامها.
م: كمن دفع فرسه إلى من يغزو به ثم يرجع إليه.
قال بعض فقهاء القرويين: وليس لصاحب الأرض أن يعطيه بعد انقضاء المدة فيه النقض منقوضًا؛ لأنه لا يقدر أن ينتفع ببقائه؛ لأنه على صورة المسجد، وإذا كان لا فائدة له فيه إلا الانتفاع بنقضه فأصحابه أحب قه منهم إلا أن يقول أنا أبقية مسجدًا على حاله مؤبدًا فله أخذ النقض بقيمته منقوضًا، ثم لا يكون له نقضه بل يبقيه مسجدًا.
فصل [15 - في إجارة الكنائس]
ومن المدونة قال مالك: ولا يعجبني أن يبيع الرجل داره أو يكريها ممن يتخذها كنيسه.
م: واختلف شيوخنا كيف يكون الحكم إن نزل، فقال بعضهم: يتصدق بالثمن وبالكراء.
وقال بعضهم: يتصدق بفضلة الثمن وبفضلة الكراء تقوم الدار أن لو بيعت أو أكريت على غير هذا الوجه، وتقوم أن لو بيعت أو أكريت على أن تتخذ كنيسة، فيعلم الزائد، فإن كان مثل ثلث الكراء أو ربعه تصدق بمثل ذلك الجزء من المسمى؛ لأن هذا الفضل هو ثمن ما لا يحل.
وقال بعضهم: أما في البيع
فيتصدق بالفضلة كما ذكرنا، وأما في الكراء فيتصدق بالجميع؛ لأنه أجر داره بما لا يحل له كمن أكرى داره لبيع الخمر أو دابته لحمل الخمر.
م: وبهذا أقول.
ومن المدونة قال مالك: ولا يكري مسلم دابته من أهل الذمة وهو يعلم أنهم إنما يركبونها لأعيادهم، أو كنائسهم، أو يبيع منهم شاة يعلم أنما يذبحونها لذلك.
قال ابن القاسم: ولأهل الذمة أن يحدثوا الكنائس في بلد صولحوا عليها؛ لأنها بلادهم يبيعون أرضهم وديارهم ليس فيها للمسلمين شيء، وليس لهم أن يحدثوا ذلك في بلد العنوة؛ لأنها فيء ليست لهم، ولا تورث عنهم، ولو أسلموا لم يكن لهم شيء، وكذلك ما اختطه المسلمون عند فتحهم، وسكنوه كالفسطاط والبصرة والكوفة وإفريقيه وشبهها من مدائن الشام، فليس لهم إحداث ذلك فيها إلا أن يكون فهم عهد فيوفي به؛ لأن تلك المدائن صارت لأهل الإسلام يبيعونها، ويتوارثونها قد سألت عن ذلك مالك فقال: ليس لأهل الذمة أن يحدثوا ببلد الإسلام كنائس إلا أن يكون لهم عهدًا أعطوه.
قال سحنون وقال غيره: كل بلد فتحت عنوة وأقروا فيها، وأوقفت الأرض لأعطيات المسلمين ونوابيهم فلا يمنعوا من كنائسهم التي فيها، ولا من أن يحدثوا فيها كنائس؛ لأنهم أقروا فيها على ما يجوز لأهل الذمة، ولا خراج عليهم في قرارهم التي أقروا فيها وإنما الخراج على الأرض.
ابن حبيب وقال ابن الماجشون: ولا تبنى كنيسة في دار الإسلام، ويمنعون من رمَّ كنائسهم القديمة التي صولحوا عليه إذا رَثَّت، وعلى الإمام العدل هدم ذلك إلا أن يكون ذلك شرطًا في عهدهم فيوفي لهم به، ويمنعون من الزيادة فيها كانت الزيادة ظاهرة أو باطنة.
قال: وإن شرطوا في صلحهم أن لا يمنعوا من إحداث الكنائس فلا ينبغي للإمام أن يصالحهم إلا على ما يوافق الكتاب والسنة، فإن جهل وصالحهم على ذلك لم يجز الشرط، ويمنعون من إحداثها.
وإنما يوفي لهم بما اشترطوا من الرمَّ فقط.
قال: وأما أهل العنوة فلا تترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة قائمة إلا هدمت ثم لا يحدثوا كنيسة، وإن كانوا معتزلين عن بلد الإسلام.
فصل [16 - الكافر يواجه المسلم في حمل الخمر]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجوز لمسلم أن يواجر نفسه أو عبده أو دابته في حمل الخمر، أو داره أو حانوته أو شيئًا مما يملكه في أمر الخمر، ولا يعطى من الإجارة شيئًا لا ما سميا، ولا أجر مثله، كمسلم باع خمرًا فلا يعطى من ثمنها شيئًا، ويفعل فيه
إن كان قبض الإجارة مثل ما وصفنا في ثمن الخمر يريد يؤخذ منه الثمن فيتصدق به.
قال ابن المواز: وإذا باع المسلم خمرًا من ذمي، وقبض الثمن، أخذ منه فتصدق به، وإن لم يقبضه فقد اختلف فيه قول مالك فقال مرة: لا يؤخذ من النصراني، وقال مرة: يؤخذ منه ويتصدق به، قال ابن القاسم: وهذا أحب إلينا، وقال ابن المواز: لا يؤخذ الثمن منه وإن أخذ المسلم منه رد عليه، وأغرم خمرًا مثل ما أخذ منه، وتكسر على المسلم؛ لأن أخذ الثمن منه إجازه لشرائه.
فصل [17 - المسلم يواجر نفسه من ذمي يرعى له خنازير]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن واجر المسلم نفسه من ذمي يرعى له الخنازير، فإن المسلم يؤدب على ذلك إلا أن يعذر بجهل، وتؤخذ الإجارة من الذمي ولا تترك له فيتصدق بها على المساكين، كقول مالك في الخمر يبيعها الذمي من مسلم وهو يعلم أنه مسلم أن الذمي يؤدب على ذلك، ويؤخذ الثمن من المسلم فيتصدق به على
المساكين أدبًا للذمي، وتكسر الخمر في يدي المسلم، وإن قبض الذمي الثمن ترك له، وكسرت الخمر على كل حال.
وقال سحنون في ثمن الخمر: ينزع من الذمي إن قبضه ويتصدق به، وقد تقدم هذا كله في كتاب التجارة إلى أرض الحرب.
فصل [18 - المسلم يأخذ قراضًا من ذمي]
وكره مالك وغيره من العلماء أن يأخذ المسلم قراضًا من ذمي لئلا يذل نفسه.
م: قال محمد وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الإسلام يعلو ولا يعلى» قال ابن القاسم: وأكره للمسلم أن يواجر نفسه من ذمي في خدمة أو حرث أو بناء أو حراسة.
قال أبو محمد: فإن فات ذلك مضى بالثمن بخلاف مالا يحل عمله من رعي الخنازير، وحمل الخمر.
فصل [19 - الإجارة على طرح الميتة والدم والعذرة،
والاستقاء في جلودها]
قال ابن القاسم: ولا بأس بالإجارة على طرح الميتة والدم والعذرة.
قال مالك: ولا يواجر على طرح الميتة بجلدها إذ لا يجوز بيعه وإن دبغ، ولا يصلي عليه، ولا يلبس للصلاة به يريد وأما لغير الصلاة فجائز.
قال ابن القاسم: وأما الاستقاء في جلود الميتة إذا دبغت فإنما كرهه مالك في خاصة نفسه، ولم يحرمه على الناس.
ولا بأس أن يغربل عليها ويجلس، وهذا وجه الانتفاع بها الذي جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ألا انتفعتم بجلدها» وأما بيعه فلا يجوز، أشهب وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا أثمانها».
قال جابر بن عبد الله: ما حرم أكله حرم بيعه، وأجاز ابن وهب في العتبية بيعه والصلاة عليه لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر».
فصل [20 - إجارة نزو الفحل]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بإجارة الفحل للإنزاء كان فرسًا أو حمارًا أو بعيرًا أو تيسًا على نزو أكوام معروفة، أو شهر بكذا.
قال ابن حبيب: فإن سمى أيامًا أو شهرًا: لم يجز أن يسمى عدد النزوات.
ومن المدونة وإن استأجره ينزيه حتى تُعِق الرمكة لم يجز؛ لأنه مجهول.
قال ابن القاسم: وقد بلغ مالكًا أن بعض العلماء كرهوا إجارة الفحل للإنزاء، ولكنه أجازه؛ لأنه ذكر أنه العمل عندهم، وأدرك الناس يجيزونه بينهم.
ابن وهب: وأجازه عبد العزيز بن أبي سلمة وجماعة من التابعين.
فصل [21 - بيع البئر وبيع مائها] قال مالك: وللرجل منع ما في داره أو أرضه من عين أو بئر للشفة أو للزرع ويجوز بيعها، وبيع مائها، وأما ما حفر في الفيافي والطرق كمواجل انطابُلُس، وطريق المغرب، فقد كره مالك بيعها، ولم يره حرامًا، وهذا مستوعب في كتاب التجارة بأرض الحرب.
[الباب السادس]
في إجارة الوصي نفسه من يتيمه أو الوالد من ولده أو الولد من والده وإجارة العبد بغير إذن سيده وإجارة الصغير بغير إذن وليه
[فصل: 1 - إجارة الوصي أو الوالد نفسه من يتيمه
أو من ابنه أو الابن نفسه من أبيه]
والقضاء: ألا يجوز شراء الوصي من يتيمه، فإن فعل: نظر في ذلك الإمام، فما كان خيرًا لليتيم أمضاه.
قال ابن القاسم: وإذا واجر الوصي نفسه من يتيم له في حجره يعمل في بنيانه أو بستانه نظر في ذلك الإمام فما كان خيرًا لليتيم أمضاه.
وقد كره مالك أن يشتري الوصي من مال يتيمه لنفسه، فإن فعل: نظر السلطان في ذلك، فما كان خيرًا لليتيم أمضاه على الوصي، فأرى الإجارة مثل البيع.
قال: وكذلك الأب في ابنه الصغير في هذا مثل الوصي في يتيمه سواء.
قال ابن القاسم: وإن واجر ابنه للخدمة، فإن كان الابن محتلمًا فالإجارة للابن؛ لأنه إذا احتلم لم تلزمه نفقته.
فصل [: 2 - العبد والصغير يؤاجران أنفسهما بغير أذن الأولياء]
قال ابن القاسم: ومن واجر صبيًا صغيرًا في عمل بغير أذن وليه، أو عبدًا محجورًا عليه بغير إذن سيده لم يجز ذلك؛ لأن العبد والصغير لا تجوز عقودهما إلا بإذن السيد أو ولي الصبي، فإن فعل وعملا فعليه الأكثر مما سمى أو أجر المثل، فإن عطبا وكان عملاً يعطبان في مثله فالسيد مخير في أخذ الكراء الذي سمى له ولا شيء له من قيمة العبد، أو ويأخذ قيمة العبد ما بلغت ولا كراء له.
قال أبو محمد: وإذا اختار الكراء فله الأكثر كما لو لم يعطب.
وقال ابن شيلون إذا ترك أخذ القيمة فإنما له الكراء المسمى فقط.
وقول أبي محمد أبين.
قال ابن القاسم: وأما في الصبي فعلى المتكاري الأكثر من أجر مثله أو ما سمى له، والدية على عاقلته.
وقال ابن وهب عن مالك: إذا أنكر السيد أن يكون أذن له في الإجارة: لم يضمن مستعمله بأجر هلاكه إلا أن يواجره في غرر كالبئر ذات الحَمْاة، أو الهدم تحت الجدران بغير إذن أهله، فيضمن.
قال: وكذلك إن أطلقه ربه في
الإجارة: ضمن من استعمله في هذا الغرر بغير إذن سيده؛ لأنه لم يؤذن له في التغرير بنفسه، وقاله ربيعة.
قال سحنون: هذا هو الأصل.
م: وهو خلاف قول ابن القاسم، وروى ابن القاسم عن مالك في العتبية نحو رواية ابن وهب هذه، قال في العبد الخياط أو النجار يستأجره رجل في غير عمله يعمل له شيئًا، أو ينقل له البناء أو غير ذلك فيهلك العبد في ذلك: فلا ضمان عليه، وقد يرسل العبد البَّنَّاء في البِنَاء فيتعذر عليه البِنَاء فيواجر نفسه في غيره إلا أن يدخله في عمل مخوف فيه خطر.
قال ابن القاسم: أو يعتمد به سفرًا فيضمن.
م: قال بعض فقهاء القرويين: وقيل: يضمن، وإن كان عملاً لا يعطب في مثله؛ لأنه وضع يده عليه بغير إذن سيده فأشبه الغاصب، فإن قيل: الغاصب متعد، وهذا غير متعد، فأشبه ما لو استأجره من الغاصب فعطب فيما استأجره أنه لا يضمن،
أو اشتراه من سوق المسلمين فمات في يده فلا يضمن.
قيل: من اشترى أو استأجر من غاصب هناك من يضمن للمغصوب له وهو الغاصب، ومستأجر العبد من نفسه ليس هناك من يضمن، إذ العبد هو غاصب منفعة نفسه فلا يضمنها لسيد، وإنما يضمنها من وضع يده عليها بالخطأ، إلا أن يقال: أن هذا القدر يمكن أن يتصرف فيه العبد لو لم يُواجر، فصار كمن استأجره مكانه لم ينقله عن موضعه فأشبه الحر في هذا المعنى.
[فصل: 3 - المستعين بعبد أو غلام غير بالغ بغير إجارة
هل يضمن ما أصابها؟]
ومن المدونة ابن وهب وقال ربيعة: من استعان عبدًا أو غلامًا حرًا غير بالغ بغير أجر فيما فيه الإجارة: ضمن ما أصابها، وإن كان عملاً لا يعطيان في مثله.
بخلاف أن لو استأجرهما هذا لا يضمن إلا أن يستعملهما في غرر كما ذكرنا، وأما لو استأجر كبيرًا حرًا في غرر لم يضمن ما أصابه إلا أن يستغفل أو يستجهل في أمر لا يعلم منه ما يعلم من واجره، وكذلك في كتاب محمد.
قال ربيعه: وإن استأجر عبدًا أذن له في الإجارة، فخرج به في سفر بغير إذن وليه فهو ضامن.
قال: وما كان من عبد أو صبي استعين فيما لا إجارة فيه كمناولة النعل والقدح وشبهه فلا عقل في هذا في حر ولا عبد.
م: واختلف إن استعان عبدًا في خياطة يسيرة، فمات العبد حتف أنفه على قول ربيعة هذا، فقال بعض أصحابنا: يضمن؛ لأنه مما فيه الإجارة، وظهر لي أنه لا يضمن إلا أن يموت بسبب الخياطة التي استعانه فيها مثل أن تضربه الإبرة فيهلك لذلك، أو ينقله إلى داره يخيط له، وإلا لم يضمن.
قال مطرف وابن الماجشون: ولا بأس أن يستأجر الرجل الغلام لم يبلغ الحلم، والجارية لم تحض من أنفسها إذا عقلا، وكان فيما فعلا نظر، ويدفع إجارتهما إليهما، ويبرأ بذلك الدافع ما لم يكن شيئًا له بال، وما كان في إجارتهما من محاباة فعلى المستأجر تمامها كان معهما ولي أو لم يكن، وكذلك إذا عقد عليهما أخو أو عم يجوز من ذلك ما يجوز إذا عقداه هما إذا قل خطب ذلك، ولم يحابا فيه، ودفعه الإجارة إلى الولي الذي أجرهما يبرأ به إن كان الولي مأمونًا، ولو كان الولي من قبل الإمام كان أحب إلينا، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
ولا يواجر إلا المأمون، ولا يواجر الجواري إلا من المأمون العفيف، ويتقدم الإمام فيه، ويعاقب على خلافه، ولا يواجر من غريب لا يعرف.
[فصل: 4 - الأعزب يواجر حرة أو أمة تخدمه بدون محرم]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأكره للأعزب أن يواجر حرة ليس بينه وبينها محرم، أو أمة تخدمه يخلو معها.
وقد كره مالك أن يعادل الرجل المرأة في محمل، وليس بينهما محرم، والأول أشد عندي كراهية من هذا.
قال مالك: ولا تكرى أم الولد للخدمة، وليس لها فيها إلا المتعة.
[الباب السابع]
في إجارة الحائط لغرز الخشب وإجارة الأجير على أن يغتله وأجل الإجارة
[فصل: 1 - إجارة الحائط لحمل الخشب أو بناء سترة]
قال ابن القاسم: ولا بأس بإجارة الحائط لحمل خشب، أو لبناء سترة عليه، أو لضرب وتد، أو لتعليق ستر كل شهر بكذا.
قال بعض القرويين: فإن انهدم الحائط لم يلزم ربه بناؤه؛ لأنه إنما أكرى منافعه فهو بخلاف ما لو اشترى عليه الحمل للأبد، هذا إذا انهدم: وجب على صاحبه أن يبنيه، كالسفل ينهدم وعليه علو على صاحب السفل أن يبني أو يبيع ممن يبني.
قال مالك: والحديث في غرز الخشب قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره» إنما هو ندب ولا يقضى به.
فصل [: 2 - إجارة العبد الصانع على الإتيان بالغلة]
قال مالك: ولا بأس بإجارة العبد ذي الصنعة على أن يأتيك بالغلة ما لم تضمنه في أصل الإجارة خراجًا معلومًا، وإن وضعته عليه بعد ذلك ولم تضمنه إن لم يأت به جاز ذلك.
م: لأنك قد ملكت منافعه، فلك أن تصرفها حيث شئت في مثل ما اكتريت، كما لو اكتريت دارًا فلك كراؤها من غيرك.
قال ابن وهب: قال مالك: وإن وأجرت أجيرًا سنة بدنانير ليعمل لك في السوق، على أن يأتيك بثلاثة دراهم كل يوم: لم يجز؛ لأنه إن أعطاكه فضة فهو ذهب في فضة مؤجلة، وإن كان على أن يعطيك به طعامًا فهو سلم في حنطة بغير سعر معلوم، وقد يكثر ما يعطيك بثلاثة دراهم لرخص الطعام، أو يقل لغلائه، فهو غرر لا يجوز لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر، وأما لو ذكر أنه يأتيه كل يوم بمكيلة معلومة موصوفة فأجاز ذلك ابن المواز، وكرهه ابن القاسم، وقال بعض
القرويين: لعله يريد؛ لأنه سلم حال، وأجل انقضائه قريب ليس بطويل حتى يكون ما أخذ مقدمًا يسيرًا في جنب ما يتأخر، فعلى هذا يصح قول ابن القاسم الذي لا يجيز السلم إلا إلى أجل بعيد.
ومن المدونة قال ربيعة وابن شهاب: وإن استأجره ودفع إليه دابة على أن يأتيه كل يوم بكذا، فهو جائز ما لم يضمنه إن نقص عن ذلك.
فصل [: 3 - في أمد الإجارات]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بإجارة العبد عشر سنين وخمس عشرة سنة، وما رأيت من فعله، وأنا أرى به بأسًا، والدُّور أبين أن ذلك فيها جائز.
قال في كتاب كراء الدور: ويجوز تقديم الإجارة فيه بشرطه.
قال: وللموصى له بخدمة عبد عشر سنين أن يكريه عشر سنين، فأما الموصى له بخدمة عبد حياته فلا يجوز أن يكريه عشر سنين يريد بالنقد، وأما إذا لم ينقده فجائز؛ لأنه كل ما عمل أخذ بحسابه، وقال غيره: لا تجوز إجارة العبد السنين الكثيرة لما في الحيوان من سرعة التغيير، وهو في الدواب أبين غررًا.
م: وإلى هذا نحا سحنون، وأما الدور فتجوز إجارتها ثلاثين سنة بالنقد والمؤجل؛ لأنها مأمونة.
ابن المواز: ورواه ابن وهب عن مالك.
[الباب الثامن]
في الإجارة الفاسدة وهل يواجر الأجير أو يستعمل بالليل أو يسافر به؟ وبيع العبد المستأجر وهروبه ومرضه وسرقته
[فصل: 1 - الإجارة الفاسدة]
[المسألة الأولى: الإجارة على أن يخدمه شهرًا بعينه
على أنه إن مرض قضاه في غيره]
قال ابن القاسم: ومن واجر عبدًا يخدمه شهرًا بعينه على أنه إن مرض قضاه في غيره: لم يعجبني؛ لاختلاف أيام الشتاء، والصيف إن تمادى في مرضه.
[المسألة الثانية: استئجار الأجير في شيء فيفسخ في غيره
أو يستعمل في غير ما استأجر له]
قال مالك: ومن واجر نفسه أو عبده في الخياطة شهرًا لم يجز أن يفسخ ذلك في قصارة أو غيرها؛ لأنه دين بدين إلا أن تكون الإجارة يومًا ونحوه فيجوز ذلك؛ لأنه لا يكون دينًا بدين.
وقال سحنون لا يجوز فيما قل أو كثر.
قال مالك وكل من كان له حق على رجل من عمل أو مال فلا يجوز له أن يحوله في غير ذلك العمل والمال، فإن حوله صار كاليًا بكأل، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- «عن الكاليء بالكاليء».
ومن استأجر عبدًا في الخياطة كل شهر بكذا فلا يستعمله في غيرها، فإن استعمله في غيرها فعطب ضمنه إن كان عملاً يعطب في مثله.
قال سحنون: ليس هو هكذا، وإذا حوله بغير أذن أهله في غير ما استأجره ضمن بتعديه، كقول ربيعة في الذي استعان عبدًا فيما فيه الإجارة.
م: يريد سحنون أنه يضمن سواء كان عملاً يعطب في مثله أم لا كمسألة الاستعانة.
فصل [: 2 - الأجير في الخدمة يستعمل على عرف الناس]
ومن واجر أجيرًا للخدمة استعمله على عرف الناس من خدمة الليل والنهار، كمناولته إياه ثوبه أو الماء في ليله، وليس فيما يمنعه النوم إلا في أمر يعرض له المرة يستعمله فيه بعض ليله فلا بأس بذلك.
قال مالك: ولا ينبغي لأرباب العبيد إجهادهم، فمن عمل منهم في نهاره ما يجهده فلا يستطحن في ليله إلا أن يخف عمل نهار فليستطحنه ربه في ليله إن شاء من غير افداح وكره مالك ما أجهد [أو] قل أَمنْهُ، كعمله على الزرنوف؛ لأنه شديد يجهد وربما هلك في ذلك.
فصل [: 3 - الأجير يُسافر به]
ومن استأجر أجيرًا للخدمة فليس له أن يسافر به.
قال مالك وإن استأجره للخدمة على أنه إن سافر أو حرث استعمله في ذلك: لم يجز.
ولا بأس باشتراط ما شابه الخدمة، من طحين وطبخ وخبز وكنس، والمتباعد خطر لتفاوت قيم الأعمال.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن شرط عليه إن احتاج إلى سفر شهرًا أو
شهرين في السنة سافر معه، فلا بأس به.
قال في كتاب ابن المواز: لا يشترط عليه في الخدمة سفر أيام يسميها في وسط السنة، ولا يستأجره على عملين متباعدين مثل أن يقول تحرس لي كرمي، وتبني لي هذا البيت.
وقد قال مالك في من استأجر أجيرًا يعمل له بعض الأعمال ثم بدا له أن يحوله إلى غير نوع ما استأجره قبل أن يفرغ من الأول: فلا أحب له ذلك، وكل من كان له حق على أحد من عين أو عرض أو عمل فلا يجوز أن يحوله في غيره، ويؤخره، ويدخله المخاطرة والربا، يريد إذا كان يحوله إلى غيره نوع ما استأجره، فأما إذا كان من النوع الذي استأجره عليه فله، أن يحوله إلى ما شاء منه فإن، قال الأجير في بعض ما يحوله إليه: هذا ما لا أحسنه، مثل الحصاد والحرث والقصل، فللمستأجر أن يفسخ إجارته إن شاء، إلا أن يكون يسيرًا من العمل مما لا خطب له، ولا ضرر في تركه فلا يفسخ به.
وقال ابن المواز: يجوز أن يشترط في شهر من السنة معين عملاً آخر وقد سماه، وقد قال مالك في الدار يكريها على أنه احتاج إليها في شهر من السنة بعينه سكنها: إنه جائز.
ابن حبيب: ومن واجر أجيرًا شهرين يعمل له في الشهر الأول عملاً سماه، وفي الثاني عملاً آخر سماه، أو أجره شهرًا، ثم عامله قبل الشهر بمدة على عمل
آخر خلافه في الشهر الثاني، فما أشبه وتقارب من العمل فجائز في المسألتين إذا كانتا إجارة واحدة، وما تباعد لم يجز؛ لأنه كما واجر رجلاً في عمل لا يشرع فيه إلى شهر.
وإن واجره شهرين شهرًا بعشرة، وشهرًا بخمسة فذلك إجارة واحدة سبعة ونصف لكل شهر، إلا أن يريد أن يكون لكل شهر ما سمى، وإنما رأيت يقع عليه المحاسبة في موت الأجير أو مرضه فلا يجوز.
وقاله ابن الماجشون عن مالك.
قال ابن القاسم في العتبية: وهو من بيعتين في بيعة، إن هلك الأجير في الأول فهو الغابن، وإن هلك في الثاني فالغابن المكتري.
فصل [: 4 - بيع العبد المستأجر]
ومن المدونة قال مالك: ومن واجر عبده ثم باعه فالإجارة أولى به.
قال ابن القاسم: فإن كانت الإجارة قريبة كيوم ويومين جاز البيع، وإن بعد الأجل فسخ البيع، ولم يكن للمبتاع أخذه بعد الأجل؛ لأن مالكًا قال لا يجوز بيع عبد على أن يقبض إلى شهر.
م: فإن كانت الإجارة شهرًا، ولم يعلم المبتاع أنه مواجر حتى انقضت الإجارة، فاختلف أصحابنا المتأخرون في ذلك.
فقال بعضهم: يلزم المبتاع العيب؛ لأنه كعيب ذهب، ويكون له أجرة ذلك الشهر على ما أحب البائع أو كره؛ لأنه أجرة عبده، ولا يدخله بيع عبد وذهب بذهب، لأن الحكم أوجب ذلك ولم يتعاملا عليه.
وقال آخرون: بل الإجارة للبائع، ويخير المبتاع في أن يقبله بغير الإجارة أو يرده.
ولا يجوز أن يتراضيا على أن يأخذه المبتاع ويأخذ الإجارة معه؛ لأنه بيع عبد وذهب بذهب، وقيل: بل يقوَّم العبد على أن يقبض يوم عقد البيع، ثم يقوَّم على أن يقبض بعد شهر، فما نقص رجع بحصَّة ذلك من الثمن وهذا أحسنها.
فصل [5 - هروب العبد المستأجر أو مرضه أو انهدام الدار]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن واجر عبده ثم هرب السيد إلى دار الحرب، فالإجارة بحالها لا تنتقض، وأما إن هرب العبد إلى دار الحرب أو أبق: انفسخت الإجارة بينهما إلا أن يرجع العبد في بقية من المدة فيلزمه تمامها.
قال غيره: إلا أن يكون تفاسخا.
قال مالك: وكذلك لو مرض المستأجر مرضًا بيَّنًا: انفسخت الإجارة بينهما، إلا أن يصح العبد قبل تمام المدة، فيلزمه تمامها.
قال غيره: إلا أن يكون تفاسخا، أو فسخ ذلك بينهما قبل ذلك فلا يلزمه تمامها.
م: وكذلك الدار ينهدم بعضها ثم يصلحها ربها قبل الفسخ وقد بقى بعض المدة فيلزمه تمامها، وأما لو انهدم جميعها، وانتقل المكتري عنها، ثم بناها ربها حسب ما كانت أولاً، وقد بقى بعض المدة فلا يلزم المكتري بقية المدة؛ لأن هذه دار غير الأولى، وانهدام جميع الدار وبناؤها كموت العبد المستأجر والاتيان بغيره.
قال في العتبية: ولو تروغ العبد المستأجر حتى تمت المدة انفسخت الإجارة فيما يبطل، وإن عمل شيئًا فله بحسابه وهذا في شهر أو سنة معينة، وإنما الذي يلزمه عمله بعد ذلك، مثل أن يقول: له اعجن لي في هذا اليوم ويبة، أو اطحن لي في هذا الشهر كل يوم ويبه، فهذا لا يضر ذكر الوقت، ويلزمه العمل بعد ذلك، وليس بواقع على وقت ولكن على عمل مسمى.
وكمن قال للسقاء: اسكب لي في هذا الشهر ثلاثين قلة، فيروغ فيه فذلك باق عليه.
أشهب عن مالك: ومن واجر عبدًا شهرًا بعشرة دراهم على أن له راحة يومين، فَيُبَطَّل العبد أيامًا غير اليومين، كيف يحسب حصتها من الثلاثين أو من ثمانية وعشرين؟ قال: الذي بلغني وما هو بالبيَّن: أنه إن شرط على المستأجر أن يطعمه في
يومي الراحة المشترطين حسب ذلك على الشهر، وكأنه واجره يومًا على أن يترك له بعض النهار سويعة، وإن لم يكن عليه طعامه فيها حسب على ثمانية وعشرين يومًا.
فصل [: 6 - من استأجر عبدًا فألفاه سارقًا]
ومن المدونة: ومن استأجر عبدًا للخدمة، فألقاه سارقًا، فهو عيب يرد به كالبيع؛ ولأنه لا يستطيع التحفظ منه.
وأما من ساقيته حائطك، ثم ألفيته سارقًا: لم تفسخ مساقاته، وليتحفظ منه.
م: لأن أجير الخدمة قد ملكت جميع منافعه فهو كالشراء له، وهو يتصرف في مالك بعينه وجميع أمورك فلا تستطيع التحفظ منه، والمساقي إنما هو أجير في شيء بعينه فأنت تقدر على التحفظ منه؛ ولأن له حصة في الثمرة فصار كالشريك فهو بخلاف الأجير، ولك إذا وجدته سارقًا أن تساقي عليه غيره، ولا تفسخ مساقاته، ولا يجوز ذلك في الأجير؛ لأنه أجير بعينه، وليس ذلك العمل مضمونًا عليه، كما هو في المساقاة.
[الباب التاسع]
جامع القول في إجارة الراعي
[فصل: 1 - أجير الغنم هل له أن يرعى معها غيرها؟]
قال ابن القاسم: ومن استؤجر على رعاية غنم كثيرة لا يقوى على أكثر منها، فليس له أن يرعى معها غيرها إلا أن يدخل معه راعيًا يقوى به.
قال سحنون: قوله بعد هذا: لا يأتي الراعي بغيره، يرد هذا.
قال ابن القاسم: وإن كانت غنمًا يسيرة فذلك له إلا أن يشترط عليه ربها ألا يرعى معها غيرها، وقد قال مالك في المقارض: له أن يأخذ من غير الأول مالاً ثانيًا يعمل به، إلا أن يكون الأول كثيرًا يخاف إذا دخل معه غيره ألا يقوى عليهما فليس له ذلك: أنكرها سحنون، وقال: ليس القراض والإجارة سواء.
م: وقول ابن القاسم أبين؛ لأن القراض ضرب من الإجارة المجهولة، أرخصت السنة في جوازه، فإذا كان يجوز في القراض مع ضيقه فجوازه في الإجارة أحرى، وإنما يختلفان إذا وقع الشرط فيجوز في الإجارة؛ لأنها أوسع.
قال ابن القاسم: وقد كره مالك لرب المال القليل أن يشترط على العامل أن لا يأخذ من أحد غيره بخلاف الراعي؛ لأن القراض ليس بإجارة معلومة، فهذا يحيله عن وجه رخصته، والإجارة تجوز مؤجلة، أو على بيع متاع أو شرائه ببلد آخر، بخلاف القراض.
قال ابن القاسم: فإن رعى الراعي معها غيرها بعد هذا الشرط.
فالإجارة لرب الأولى، وكذلك أجيرك للخدمة يواجر نفسه من غيرك يومًا أو أكثر، فلك أخذ الأجر أو تركه، وإسقاط حصة ذلك اليوم من الأجر عنك.
م: وهذا فيما يشابه ما أجرته أو يقاربه، وأما أن يواجره في الرعاية شهرًا بدينار، فيذهب يواجر نفسه في الحصاد أو في أمر مخوف يومًا بدينار، أو تواجره يومًا لخدمتك في الغزو فيذهب يقاتل فيقع له في سُهمانه عشرة دنانير، فهذا وشبهه لا يكون لك إلا إسقاط ما عطل من عملك من الأجر.
وقال غير واحد من أصحابنا.
ومن المدونة وقال غير ابن القاسم: إن لم يدخل الراعي برعاية الثانية على الأولى تقصيرًا في الرعاية فأَجْر الثانية للراعي.
م: وقول ابن القاسم أحسن؛ لأنه لما اشترط ألا يرعى معها غيرها فقد ملك جميع خدمته، وزاده للشرط على أجرته، فوجب أن يكون له أجر ما رعى مع غنمه، فإن لم يكن شرط فلا خلاف بينهما أن أجر الثانية للراعي.
قال ابن حبيب: وهذا إذا استأجره على رعاية عدد غنم، وأما لو استأجره على رعاية غنمه، وضمه إلى نفسه فكان تحت يده فليس عليه أن يسمى له عدد ما يرعى له، وله أن يسترعيه ما يقوى مثله على رعيته، وليس للأجير أن يرعى غير ذلك لغيره.
وإن لم يضر ذلك بغنمه؛ لأنه أجيره وله خدمته كلها كالدابة يكتريها ليحمل عليها، فليس لربها أن يحمل لغيره عليها، إلا أن يكري منه على حمل وزن مسمى أو كيل، فله أن يحمل لغيره ما لم يدخل على الأول ضررًا، وهذا مثل إجارته على رعاية عدد غنم معلومة.
[فصل: 2 - الأجير يُستأجر لرعاية غنم بغير أعيانها أو بأعيانها
فمات بعضها فهل للمؤجر أن يخلف مكانها؟]
ومن المدونة ومن استأجرته على رعاية مئة شاة، ولم تقل بأعيانها، فمات بعضها فلك خلف ما مات منها، وإن لم تشترط ذلك عليه، فإن كانت بأعيانها فلا تجوز
الإجارة، حتى يشترطا أنها إن ماتت أو باعها أخلف مكانها غيرها.
وقال سحنون وابن حبيب: والحكم يوجب له ذلك، ويستغنى عن الشرط.
قال ابن حبيب: والأمر على الجواز حتى يشترط تصريحًا إن ماتت أو بيعت، فليس عليه أن يرعى له غيرها فتفسد الإجارة؛ ولأن الغرض في رعاية الغنم العدد لا الأعيان، وقد تقدم هذا في أول الكتاب.
[فصل: 3 - الأجير يرعى غنمًا بأعيانها فتتوالد أو يزاد فيها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا استؤجر على رعاية غنم بأعيانها وشرط ربها أن ما مات منها أخلفه فتوالدت الغنم حُمِلا في رعاية الولد على عرف الناس، فإن لم تكن لهم سنة لم تلزمه رعايتها.
قال أبو بكر اللباد: وعلى ربها أن يأتي براعي يرعى معه للتفرقة.
[فصل: 4 - هل لأجير الغنم أن يأتي بمن يرعى مكانه؟ وهل له أن
يسقي من ألبانها؟]
قال ابن القاسم: وليس للراعي أن يأتي بعبده أو بغير يرعى مكانه، ولو رضى بذلك رب الغنم: لم يجز.
م: لأنه فسخ دين في دين.
قال مالك: ومن مرَّ براعٍ، لم يعجبني أن يستسقيه لبنًا.
فصل [: 5 - ما جاء في تضمين الرعاة]
[المسألة الأولى: الراعي لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط]
قال مالك: ولا ضمان على الرعاة إلا فيما رعوا فتعدوا فيه، أو فرطوا في جمع ما رعوا من الغنم والدواب لناس شتى أو لرجل واحد.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون وقال ابن المسيب والأوزاعي ومكحول والحسن: يضمن الراعي المشترك، ولا يضمن من يرعى لرجل واحد خاصة.
م: رأوا الراعي المشترك كالصانع؛ لأنه أجير مشترك.
[المسألة الثانية: هل يضمن الراعي ما سُرق أو هرب؟]
ومن المدونة قال مالك: ولا يضمن الراعي ما سرق، إلا أن تشهد بينة أنه ضَيَّع أو فَرَّط.
قال أبو الزناد: وإلا لم تلزمه اليمين.
ومن كتاب ابن سحنون وسأل حبيب سحنونًا عن الراعي يرعى للجزارين لهذا شاة ولهذا شاتين فهربت من الذود شاة فطلبها قليلاً ثم رجع إلى الذود وتركها، فقيل له لِمَ رجعت وتركتها؟، قال خفت الضيعة على الذود، هل هذا تفريط؟ قال: ليس هذا بتفريط، ولا ضمان عليه.
[المسألة الثالثة: هل يضمن الراعي ما ضاع وهو نائم، أو انتحر؟]
قال ابن حبيب: ولا يضمن إن نام فضاعت الغنم، وإن كان نومه نهارًا في أيام النوم إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر، ويجر إلى الضيعة فيضمن، أو يكون بموضع مخوف.
ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: ولا ضمان على العبد الراعي إلا أن ينتحر شيئًا فيضمنه.
م: ويجب أن يضمن على قول ابن القاسم في ذمته، وعلى قول سحنون تكون جناية في رقته كاختلافهما إذا تعدى على الوديعة فأتلفها.
قال أبو الزناد: وإن استراعى بغير إذن سيده فانتحر، أو باع: فليس على سيده ولا في رقبة العبد شيء من ذلك.
[المسألة الرابعة: اشتراط الضمان على الرعي]
قال مالك: وإذا اشترط على الراعي الضمان: فسدت الإجارة، ولا ضمان عليه فيما هلك منها، وله أجر مثله بغير ضمان.
قال ابن القاسم: ناف ذلك على التسمية أو نقص، وقال غيره: إن كان ذلك أكثر من التسمية: لم يزد عليها.
قال: ومحال أن تكون أكثر.
قال ابن القاسم: وكذلك إن اشترطوا على الراعي أنه إن لم يأت بسمة ما مات منها ضمن.
فلا يضمن وإن لم يأت بها، وله أجر مثله ممن لا ضمان عليه.
[المسألة الخامسة: هل ما ذبحه الراعي خشية الموت يضمنه؟]
وإذا خاف الراعي الموت على الشاة فذبحها لم يضمن، ويُصدَّقُ إذا جاء بها مذبوحة.
وقال غيره: يضمن ما انتحر.
ابن حبيب: وقال ابن كنانه وأصبغ، كقول مالك أنه لا يضمن.
قال: ولا يصدق على مثله مستعير البقرة يدعي ذلك فيها.
[المسألة السادسة: هل الراعي مصدق فيما ادعى هلاكه أو سرقته؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: والراعي مصدق فيما هلك أو سرق، ولو قال: ذبحتها ثم سرقت صدق.
وقال غيره: بالذبح ضمن.
[المسألة السابعة: في تعدي الراعي]
قال ابن القاسم: وإن أنزى الراعي على الإبل والرمك والبقر والغنم بغير أذن أهلها ضمن.
وقال غيره لا يضمن.
قال ابن القاسم: وإن شرط عليه الرعاية بموضع فرعى في غيره ضمن قيمتها يوم تعدى كالتعدي في الدابة، وله الأجر إلى يوم تعديه.
وقال في الأكرية: وكل شيء صنعه الراعي مما لا يجوز له فعله، فأصاب الغنم من فعله عيب فهو ضامن، فإن صنع ما يجوز له أن يفعله، مثل أن يضربها كضرب الرعاة ففعل، فعيبت الغنم: فلا ضمان عليه.
قال ابن حبيب: إذا رمى شاة أو بقرة ففقأ عينها، أو كسرها: ضمن ما نقصها، وإن أبطلها ضمن قيمتها تعمد أو لم يتعمد، وكذلك إن رمى كما ترمي الرعاة الغنم فحدث عن ذلك ما لم يرده، فإنه يضمن.
م: وهذا خلاف لمالك.
ابن حبيب: وكذلك الرجل يضرب زوجته، والمعلم يضرب الصبي على وجه الأدب فيكون عن ذلك ما لم يرده، فإنه يعقل ذلك، ولو كان أجنبيًا كان فيه القود، وإنما لا يضمن ما حدث عن رميته مثل أن تنزو الشاة لرميته، أو تحيد فتقع في مهواة فتنكسر، أو تغرق في نهر، أو تنطح صخرة فتنكسر، فلا يضمن هذا، بخلاف ما تؤثر الرمية نفسها.
وهذا إذا رمى كما يرمى الرعاة، فإن رمى متعينًا ضمن كيف ما عطبت بسبب رميته ويصير كأجنبي، قال: ويدل أنه يضمن ما أصابت رميته أنه لو رمى صيدًا فأخطأه فأصاب شاة فعطبت لضمنها.
م: ويظهر لي أن الفرق بينهما أن الرعاة لا تستقيم لهم الرعاية إلا بذلك؛ إذ لو ذهب إلى رد كل شاة تخرج من الغنم أو تتأخر عنها بنفسه لتعذر ذلك عليه ولم يستطعه، فكان ذلك من شأن الرعاة، وجرت به عادتهم، وصار لهم ذلك عرفًا فهم كالمأذونين لهم فيه.
وأما رميهم الصيد فتصيب الشاة فهذا ليس هم مضطرين إليه، ولا هو من مصالح الغنم كالأول فافترقا، ومما يضعف قول ابن حبيب تفرقته بين ما أصاب الرمية أو تولد عنها ألا ترى أن المحرم إذا رمى صيدًا فنزى لرميته فيقع في مهواة فيهلك انه يَدِيه كما لو أصابته الرمية، فإن قيل: إن الراعي مأذون له في مثل هذا، والمحرم منهي عن ذلك قيل: هو يشبه أن لو رمى ظبيًا يظنه سبعًا فنزى في رميته فوقع في مهواة فمات، فإنه يضمن جزاءه، فإن قيل: قتل الخطأ والعمد في قتل الصيد سواء.
قيل: والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، فدل ذلك أن لا فرق بين ما أصاب برميته أو ما حدث عنها، وإنما لم يضمن الراعي؛ لأنه مضطر إلى ذلك فكأنه مأذون له فيه.
وبالله التوفيق.
[الباب العاشر]
جامع القول في إجارة الظِئْر
[فصل: 1 - الأصل في استئجار الظئر وحكمه]
قال الله تعالى في المطلقات: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وقال تعالى: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6].
قال مالك: لا بأس بإجارة الظئر على رضاع الصبي حولاً أو حولين بكذا، وكذلك إن شرطت عليهم طعامها وكسوتها فهو جائز.
ابن حبيب: وذلك معروف على قدرها وهيئتها، وقدر أبي الصبي في غناه وفقره.
م: ولا يدخل ذلك طعام بطعام إلى أجل؛ لأن النهي إنما ورد في الأطعمة التي جرت عادات الناس أن يقتاتونها ويأتدمونها، وأما الرضاع فقد جرى العمل على جوازه في مثل هذا ولا خلاف فيه؛ ولأن اللبن الذي يرضعه الصبي لا قدر له من
الثمن، وإنما أكثر الإجارة لقيامها بالصبي، وتكلفها جميع مؤنته، فكان اللبن في جنب ذلك لا قدر له.
[فصل: 2 - الظئر هل لزوجها وطؤها ويسافر بها؟]
ومن المدونة قال مالك: وليس لزوجها وطئها إن أجرت نفسها بإذنه، وإن كان بغير إذنه فله أن يفسخ إجارتها.
ابن حبيب وقال أصبغ: لا يمنع الوطء إلا أن يشترطوا ذلك عليه، وإلا لم يمنع إلا أن يتبين ضرر ذلك على الصبي فيمنع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قال: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة» ولم ينه عنها.
قال ابن حبيب: وقول ابن القاسم أحب إليَّ، اشترط ذلك أو لم يشترط، ألا ترى أن الزوج لا يكون موليًا باليمين بتركه الوطء.