كتاب الجوائح
[الباب الأول]
في وضع الجوائح ووجوهها
] فصل 1 - وضع الجوائح [
] المسألة الأولى: أدلة وجوب وضع الجائحة [
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح وقال صلى الله عليه وسلم: «من باع ثمرة فأصابتها جائحة فلا يأخذ من مال المشتري شيئاً عَلاَم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق» وفي حديث آخر توقيت الثلث.
وعمل به وقاله كثير من الصحابة والتابعين، ولو لم يأت فيه توقيت استحال وضع مالا بال له، إذ لا بد من سقوط شيء منها، وعليه يدخل المشتري
الجزء: 14 - الصفحة: 321
فانبغى أن يوضع ماله بال، والثلث عدل مما له البال في سنة الوصايا وغيرها، وحد فيما بين القلة والكثرة في الأصول.
] المسألة الثانية: هل ينفع شرط البراءة من الجائحة؟ [
قال ابن المواز: قال مالك: ويقضي بوضع الجائحة ولا ينفع البائع بشرط البراءة من الجائحة.
وقال في المختصر: ولا ينجي البائع من الجائحة أن يدعو إلى الإقالة أو يغلي في الثمن فيربح المبتاع، أو يلزمه الوضيعة دعاه إلى الإقالة أو إلى ربح في بقية الثمرة؛ إذ لو خسر أكثر من ذلك لم يرجع بشيء فوضيعة الجائحة له ثابتة.
قال ابن المواز: وابن حبيب: وهي في ضمان البائع لما بقي فيها من الاستنضاج والمصلحة كما في ضمانه ما بقى فيه الكيل والوزن مما بيع على ذلك.
م: فوضع الجوائح على ثلاثة أوجه: فالوجه الأول: ما يجنى من الثمار بطناً بعد بطن كالمقاثي والورد والياسمين، وما لا يدخر من الفواكه مثل الخوخ والكمثرى والسفرجل وشبهه.
الجزء: 14 - الصفحة: 322
والوجه الثاني: ما ييبس ويدخر مثل النخل والعنب واللوز والجوز ونحوه.
والوجه الثالث: البقول وما أشبهها.
] فصل 2 - الوجه الأول: جائحة ما يجني من الثمار بطناً بعد بطن وما لا يدخر من الفواكه [
تفسير الوجه الأول
قال ابن القاسم: وما بيع مما يطعم بطوناً كالمقاثيء والورد والياسمين وشبهه، أو من الثمار مما لا يخرص ولا يدخر مما يطعم في كرة إلا أن طيبه يتفاوت، ولا يحبس أوله على آخره كالتفاح والرمان والخوخ والتين.
قال ابن حبيب: البطن الأول منه، ومثل الأترنج والقراسيا والرمان ونحو ذلك.
فإن أجيح شيء من ذلك نظر فإن كان ما أصابت الجائحة منه قدر ثلث الثمرة في النبات فأكثر في أول مجناة أو في وسطه أو أخره حط من الثمن قدر قيمته في زمانه من قيمة باقية كان في القيمة أقل من الثلث أو أكثر، وإن كان المجاح من الجميع أقل من الثلث في كيل أو وزن لا في القيمة فلا يوضع فيه جائحة زادت قيمته على الثلث أو نقصت.
مثل أن يبتاع مقثأة بمئة
الجزء: 14 - الصفحة: 323
درهم فأجيح منها بطن ثمن جني بطنين فانقطعت، فإن كان المجاح مما لم يجح قدر ثلث النبات بعد معرفة ناحية النبات وضع قدره، وقيل ما قيمة المجاح في زمانه؟ فقيل ثلاثون والبطن الثاني عشرون، والبطن الثالث عشرة في زمانهم لغلاء أوله، وإن قل ورخص آخره وإن كثر فيرجع بنصف الثمن، وكذلك لو كان المجاح تسعة أعشار القيمة لرجع بمثله من الثمن، وإن كان أقل من الثلث في النبات لم يوضع منه شيء، وإن كانت قيمته تسعة أعشار الصفقة، وكذلك فيما يتفاوت طيبه مما ليس بطناً بعد بطن.
ابن المواز قال أصبغ: فإن تقاربت قيمته حمل على أنه متفق.
ومن المدونة: وراعى أشهب في وضع الجائحة القيمة، فما بلغ عنده في القيمة الثلث فأكثر وضع عنه حصته من الثمن، وإن نقص من الثلث في النبات، ولا يضع ما نقص عن الثلث في القيمة وإن جاوز الثلث في النبات قال: لأنها ليست حينئذٍ مصيبة دخلت عليه.
ابن المواز: وهذا خلاف لمالك وأصحابه ويقول مالك أقول، ومذهب أشهب القيمة يوم وقعت الصفقة، فإن أصيبت ثلث القيمة وضع عن المشتري، ولا يلتفت إلى ثلث الثمرة، والمقثأة عند أشهب بمنزلة البقل يوضع فيها الجوائح فيما قل أو كثر.
الجزء: 14 - الصفحة: 324
م: فوجه قول مالك وابن القاسم «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح» وذلك يقتضي أن يكون الاعتبار بما يكون فيه الجائحة وهو الثمرة؛ لأن الثمن لا جائحة فيه.
وفي حديث آخر رواه ابن وهب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا باع المرء الثمرة فأصابتها عاهة فذهبت بثلث الثمرة فقد وجب على صاحب المال الوضيعة» فقد بيَّن في هذا الحديث أن الاعتبار إنما يكون بالثمرة، وفائدة ذلك أن يكون ما تلف كأنه شيء استحق ولم يوفه البائع للمشتري ولأن الثمرة في ضمانه حتى يقبضها المشتري فوجب أن يرجع المبتاع بحصة ذلك من الثمن؛ ولأن كل مصيبة في مبيع وجب بها الرجوع على البائع في الثمن إنما الاعتبار بقدرها في المبيع، كمن ابتاع عِدلاً على أن فيه مئة ثوب فوجد فيه خمسين أو استحق ذلك منه، فإنما الاعتبار بأجزاء المبيع نفسه لا بالقيمة.
ووجه قول أشهب أن الرجوع بحصة المجاح إنما هو / من حقوق المشتري فما كان أضربه وجب أن يعتبر به ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بم يأخذ أحدكم مال
الجزء: 14 - الصفحة: 325
أخيه» فالضرر إنما هو في المال، وقد قال: يحيي بن سعيد: لا جائحة فيما أصابت دون رأس المال وذلك في سنة المسلمين
قال عبد الوهاب: وقول ابن القاسم أقيس.
م: وبعض هذا التوجيه لعبد الوهاب.
] فصل 3 - الوجه الثاني جائحة: ما ييبس ويدخر مثل النخل والعنب ونحوهما [
تفسير الوجه الثاني
قال ابن القاسم: وأما ما بيع من الثمار مما ييبس ويدخر، ويترك حتى يُجَز جميعه مما يخرص أم لا كالنخل والعنب والزيتون والجوز واللوز والجلوز والفستق وما أشبهه، فأصابت الجائحة منه قدر ثلث الثمرة فأكثر في كيل أو مقدار لا في القيمة، وضع عن المبتاع قدر ذلك من الثمن، وإن أجيح الثلث رجع بثلث الثمن، وإن كان النصف رجع بنصف الثمن بلا تقويم، فإن أجيح أقل من الثلث في المقدار لم يوضع عنه شيء، ولا تقويم في هذه الأشياء؛ لأن لمبتاعها تعجيل جذاذها أو تأخيرها حتى تيبس.
الجزء: 14 - الصفحة: 326
فأما التفاح والرمان والخوخ والأترنج والموز والمقاثي وشبهها فإنما تشترى على طيب بعضه دون بعض، ولو ترك أوله حتى يطيب آخره كان فساداً لأوله.
قال وأصل قوله في هذا أن ينظر في كل ما يقدر على ترك أوله على آخره ولا يكون فساداً حتى ييبس فهو بمنزلة النخل والعنب، وكل ما لا يستطاع ترك أوله على آخره حتى ييبس في شجرة فهو كالمقاثي.
] فصل 4 - ما كان بطوناً فاشترى أول جزه فأجيحت [
قال: وإن اشترى أول جزة من القَصِيل يريد أو من القَرْطِ أو القَضْبِ فأجيح ثلث ذلك، فثلث الثمرة موضوع بغير قيمة، ولو شاء فصله يوم الشراء وقد أدرك جميعه، ولو شرط خلفه ذلك كان كالمقاثي إن أجيح قدر الثلث من أوله أو من خلفته على ما ذكرنا من التقويم.
الجزء: 14 - الصفحة: 327
وهكذا يحسب في من اكترى أرضاً سنين فتعطش منها سنة أو ربعاً، ويخرب في بعض السنين إن كانت السنون تختلف قيمتها في الكراء.
م: انظر إذا أجيح البطن الأول من القصيل كله وقد اشترط خلفته ينبغي أن يفسخ البيع كله؛ لأنه إنما جاز بيع الخلفة لجمعها مع الأصل فإذا انفردت جائحة الأصل صارت كأنها بيعت منفردة كاشتراط ثمرة الدار قبل طيبها إنما تجوز مع الدار إذا كانت تبعاً، فإن انهدمت الدار قبل طياب الثمرة رجعت الثمرة إلى ربها؛ لأنها تصير كأنها بيعت منفردة.
] فصل 5 - ما كان يطعم بعضه بعد بعض وأيضاً ييبس ويدخر فكيف شأنه إذا أجيح؟ [
ومن المدونة قيل فالتين هو أيضاً مما يطعم بعضه بعد بعض، وهو أيضاً مما ييبس ويدخر فكيف يعرف شأنه؟ قال: يسأل عنه أهل المعرفة.
الجزء: 14 - الصفحة: 328
قال ابن المواز: وقد قال مالك فيه هذا القول، وقد كان جعله مثل القرط والقضب إذا اشترى بخلفته، ومع المقاثي والورد والياسمين وذلك أحب إلينا.
قال أبو محمد: لم يشك مالك أن في التين الجائحة وإنما جعله مرة مثل ما ييبس ويدخر إذا أجيح ثلثه وضع منه ثلث الثمن بلا تقويم / وجعله مرة مثل القثائي إذا أجيح ثلثه راعى قيمة ما أجيح من قيمة باقية.
] فصل 6 - جائحة الموز، والمقثأة التي فيها بطيخ فأجيح أول بطن منها [
قال ابن حبيب: وفي جائحة الموز كالمقاثي توضع إذا بلغت الثلث.
وقاله ابن المواز، وروي عن مالك أن جائحة الموز كالبقول يوضع قليلها في كثيرها.
ومن المدونة: ومن اشترى مقثأة وفيها بطيخ فأجيح أول بطن منها فإن كانت قدر الثلث فأكثر من باقي البطون فكما ذكرنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 329
فصل [7 - الحائط فيه أصناف من الثمار تجاح إحداها]
] المسألة الأولى: الحائط فيه أصناف من التمر أو فيه مقثأه أو فيه ما لا يدخر فيجاح بعض ذلك [
منه قال ابن القاسم: وإن كان في الحائط أصناف من التمر بُرْني وصَيْحَاني وعجوة وشَقَم وغيره فأجيح أحدها فإن كان قدر الثلث في الكيل من الأصناف وضع من الثمن قدر قيمته من جميعها ناف على ثلث الثمن أو نقص.
ابن المواز وقال أشهب: بل يقوَّم كل صنف يوم الشراء ثم ينظر كم قيمة المجاح من قيمة ما لم يُجح؟ قال كان قيمة المجاح الثلث وضع ذلك عن المشتري، ولا ينظر إلى شيء من الثمرة، وإن لم يبلغ المجاح ثلث القيمة لم يوضع شيء، وذلك إذا كانت أصناف التمور متفاوتة ليست متقاربة فحينئذٍ تكون بمنزلة الفاكهة الأصناف في حائط يجاح أحدها وكالحوائط المختلفة تباع في صفقة يجاح أحدها فإنه ينظر قيمة
الجزء: 14 - الصفحة: 330
المجاح من قيمة ما لم يجح، فإن كان الثلث فأكثر وضع عن المشتري ذلك في الأصناف المختلفة والأصناف من الثمن.
قال ابن المواز: وهذا خلاف لمالك وأصحابه، ويقول مالك أقول إذا كان كله صنفاً واحداً نخل كله أو كرم كله، وإن اختلف طيب بعضه على بعض.
وكذلك أقول في المقثأة وما لا يدخر مما لا يقدر صاحبه على حبس ما طاب منه حتى يلحق آخره، أو ما يجني بطناً بد بطن، فإن كان أصيب قدر ثلث جميع الثمرة فأعلى وضع من الثمرة ما وقع عليه من القيمة بالغة ما بلغت.
قال أصبغ وهذا أحب إلينا، وإنما استعمل قول أشهب في اختلاف الأنواع من الفاكهة تشترى جملة فيصاب نوع منها بجائحة فإنما ينظر إلى القيمة هاهنا لا إلى ثلث الثمرة.
] المسألة الثانية: الحائط فيه أنواع من النخل والكرم والرمان فأجيح بعض نوع منها [
قلت لابن المواز فإن كانت أنواعاً مختلفة نخل وكرم ورمان فأجيح بعض نوع منها قال: ينظر فإن كان جميع ذلك الصنف لا يبلغ قيمته لو لم يجح ثلث قيمة الجميع فلا جائحة فيه أجيح كله أو بعضه.
وإن كان كله يبلغ ثلث قيمة الجميع نظر ما أجيح منه فإن كان قدر ثلث ثمرته وضع قدر ثلث قيمة ذلك من قيمة باقية من الثمن، وإن كان أقل من ثلث ثمرته لم يوضع منه شيء.
وهو كقول ابن القاسم في من اكترى داراً وفيها ثمرته قد طابت
الجزء: 14 - الصفحة: 331
فاشترطها المكتري وهي أكثر من الثلث فذلك جائز، فإن أصابت الثمرة جائحة أذهبت ثلثها وضع عنه ما يقع على المجاح من حصة الثمرة من الكراء، وإن أصيب منها أقل من الثلث من الثمرة أو كانت الثمرة كلها أقل من الثلث فلا جائحة فيها.
قال بعض القرويين: وفي هذا نظر؛ لأن ثمرة الدار إنما أجيزت للضرورة التي تدخل على المكتري من دخول المكري عليه لإصلاح ثمرته، والرمان في حائط النخل إذا بيعت الثمرة لم يجز أن يباع الرمان بزهو النخل وإن قل الرمان.
وفي كتاب محمد في ثلاث / مئة شجرة تين فيها عشرة شتوية هل تباع الشتوية بما طاب من الصيفي قال: لا.
فإن قيل إنما لم يجز ذلك؛ لأن ثمرة الصيفي تنقضي قبل زهو الشتوي فأشبه انقضاء الكراء قبل طيب الثمرة، ولو كانت الصيفية يتأخر طيبها إلى زهو الشتوية والشتوية يسيرة لجاز ذلك كالدار، قيل إنما علة جواز شراء ثمرة الدار للضرورة التي ذكرنا، والحائط سقيه على البائع وهو يدخل ويخرج باع ثمرة الرمان مع النخل أو لم يبع، إلا أن يقول قائل أنه أراد.
البائع شرط جميع السقي على المشتري لما يدخل عليه من الضرر في دخول أحد عليه فيستوي الحكم في ذلك والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 332
[المسألة الثالثة: من اشترى أصنافاً من ما ييبس ويُدَّخر صفقة فأجيح صنف منها]
قال أبو محمد: وذكر ابن حبيب في مبتاع أصناف من التمر كالصيحاني والبرني والعجوة في صفقة فأجيح صنف منها فذكر مثل ما تقدم لابن القاسم في المدونة.
قال: وكذلك مبتاع أصناف من التين أو أصناف من العنب وغيره مما ييبس ويُدَّخر، قال: وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم، قال: وكان ابن القاسم لا يفرق بين ما تفاضلت قيمته في ذلك من النوع الواحد ويقول قولاً مجملاً إذا بلغت الجائحة ثلث الثمرة كلها رجع بثلث الثمن بلا تقويم.
قال أبو محمد: والذي قاله ابن حبيب عنه شيء تأوله عليه، وهو بعيد من مذهب ابن القاسم.
قال ابن حبيب: ومن قول مالك في من ابتاع بستاناً فيه تمر وتين وعنب ورمان وغيره، وقد حل بيع كل صنف، وهو في موضع أو افترقت أماكنه وجمعته الصفقة، فأجيح صنف منها كله أو بعضه، فإن جائحة كل ثمرة منها على حِدة لا تضم إلى غيرها، فإذا بلغت ثلث ذلك النوع حط عنه ثلث حصته من الثمن بالقيمة.
] المسألة الرابعة: الرجل يشتري ثمر حوائط صفقة فأجيح بعضها [
ومن العتبية قال مالك: ومن اشترى ثمر حوائط في صفقة فأجيح بعضها أو أحدها فإن كان ما أجيح من ذلك ثلث الثمرة من جميع الحوائط وضع عنه وإلا لم يوضع
الجزء: 14 - الصفحة: 333
عنه، وإن كان ذلك في صفقات روعي بالجائحة ثلث كل صفقة.
م: ولم يبين في العتبية أنها أنواع مختلفة كنخل وعنب ورمان أو ذلك نخل كله أو عنب كله، والذي اختار أصبغ إذا كانت أنواعاً مختلفة في صفقة قول أشهب، وجعلها محمد كالدار والأرض تكتري وفيها ثمرة قد طابت وقد بيَّناه.
م: وقد طالعت في هذه المسألة الأمهات وعولت عليها، إذ كان في نقل أبي محمد اختلاط وبالله التوفيق.
] فصل 8 - [تفسير الوجه الثالث وهو البقول وشبهها
] المسألة الأولى: هل توضع الجائحة في البقول؟ [
قال مالك: ومن اشترى شيئاً من البقول السلق والبصل والجزر والفجل والكراث وشبهه فإنه يوضع قليل ما أجيح منه وكثيرة، وروي على ابن زياد وابن أشرس عن مالك أنه لا يوضع جائحة البقول حتى تبلغ الثلث.
وروي عنه أنه لا يوضع منه شيء.
قال عبد الوهاب: فوجه قوله أنه يوضع قليلها وكثيرها لعموم الحديث وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم «أمر بوضع الجوائح».
الجزء: 14 - الصفحة: 334
وهذا يوجب القليل / والكثير إلا أن الدلالة قامت في الثمار ولم تقم فيما عداها؛ لأن العادة في الثمار ذهاب بعضها للحاجة إلى تبقيتها على رؤوس النخل حتى تنضج، والمشتري على ذلك دخل وليس كذلك البقول؛ لأن العادة سلامة جميعها فوجب أن يوضع قليلها وكثيرها.
ووجه قوله أنه لا يوضع فيها جائحة حتى تبلغ الثلث فقياساً على سائر الزروع والثمار، ووجه قوله أنه لا يوضع عنه شيء هو لما كان في أغلب الأحوال سلامة جميعها فكأن البائع باع على أن لا رجوع عليه ودخل المشتري على ذلك.
ابن المواز قال مالك: توضع جائحة البقول قلَّت أو كثرت إذ لا مساقاة فيها وإن عجز عنها صاحبها.
م: فخالفت الثمار التي يجوز فيها المساقاة.
قال ابن المواز: واللفت والبصل والأصول المغيبة في الأرض مما لا يدخر هي بمنزلة البقل.
قال لي ابن عبد الحكم وذلك أحب إليّ وقد اختلف فيه.
] المسألة الثانية: هل توضع الجائحة في الموز والزعفران والريحان؟ [
وقال سحنون عن ابن القاسم في العتبية: في الفجل والإسفنارية لا جائحة فيها حتى تبلغ الثلث؛ لأن المساقاة تجوز فيها وكلما جازت فيه المساقاة فالجائحة فيه إذا
الجزء: 14 - الصفحة: 335
بلغت الثلث إلا الموز فإن المساقاة لا تجوز فيه، وتوضع فيه الجائحة إذا بلغت الثلث.
م: لأنها ثمرة فكانت فيها الجائحة كالثمار، ولم تجز فيها المساقاة؛ لأنها تجد ثم تخلف كالبقول.
قال سحنون: وأما الزعفران والريحان والبقل والقرط والقضب فإن الجوائح توضع في قليلها وكثيرها، ولا تصلح فيها المساقاة.
] المسألة الثالثة: هل توضع الجائحة في قصب السكر؟ [
وكذلك قصب السكر كالبقل، وقد قال مالك لا جائحة فيه حتى يبلغ الثلث، وكذلك اختلف قوله في كتاب محمد في القصب والموز، وقد قال في قصب السكر الجائحة إذا بلغ الثلث، وكذلك روى سحنون عن ابن القاسم في المدونة قال: وهو أحسن من قوله لا جائحة في قصب السكر إذ لا يجوز بيعه حتى يطيب، ويمكن قطعه، وليس ببطون.
م: فصار الاختلاف في البقول وفي قصب السكر على ثلاثة أقوال.
قول: لا حاجة فيه أصلاً.
وقول: فيه الجائحة في القليل والكثير.
وقول: فيه الجائحة إذا بلغت الثلث.
م: وهو القياس؛ لأنه يحتاج إلى السقي وهو يجمع شيئاً فشيئاً كالثمار.
الجزء: 14 - الصفحة: 336
قال ابن حبيب: وجائحة القصب غير الحلو كالحلو توضع فيه إذا بلغت الثلث، وإنما يجوز بيعها بطناً واحداً، ولا يجوز بيعها حتى يبدو صلاحها؛ وكانت فيها الجائحة لتأخير قطعها لما يزيد من استنضاج، وحلاوة في قصب الحلو كمدخر الثمار، فإذا بلغت الجائحة الثلث وضع ثلث الثمن بلا تقويم مثل القصيل تباع منه جزة واحدة، إلا أن يكون القصب متفاضلاً بعضه أعظم من بعض وأفخر فيقَّوم كأصناف الثمار يجاح صنف منها /.
الجزء: 14 - الصفحة: 337
[الباب الثاني]
في جائحة ما بيع قبل بدو صلاحها على الجذاذ أو بيع بعد إمكان جذاذه
] فصل 1 - جائحة ما بيع قبل بدو صلاحها على الجذاذ [
] المسألة الأولى: إذا ابتاع قطنية خضراء على أن يقطعها خضراء هل توضع فيها الجائحة؟ [
قال مالك: ومن ابتاع فولاً أخضراً أو شيئاً من القِطنية على أن يقطعها خضراء فذلك جائز.
قال ابن القاسم: وتوضع فيه الجائحة إذا بلغت الثلث وضع عنه ثلث الثمن، ولا يجوز اشتراط تأخيره حتى ييبس يريد ولو اشترط تأخير ذلك حتى ييبس فأصابته جائحة بعد ما ييبس أو قبل كان جميع ذلك من البائع؛ لأنه بيع فاسد لم يقبض بعد.
] المسألة الثانية: من اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها وشرط تأخيرها فأصابتها جائحة بعد ما بدا صلاحها [
وكذلك قال ابن القاسم: في من اشترى ثمرة قبل أن يبدو صلاحها، وشرط تأخيرها حتى يبدو صلاحها، فأصابتها جائحة بعد ما بدا صلاحها، فهي من البائع وإن كانت أقل من الثلث؛ إذ هو بيع فاسد لم يقبضه مبتاعه.
الجزء: 14 - الصفحة: 338
قال: ولو اشتراه على الجَذَّ مكانه فأجيج قبل الجَذَّ وضعت فيه الجائحة إن بلغت الثلث كالثمار لا كالبقل.
] المسألة الثالثة: من اشترى بلح جميع الثمار على أن يجده قبل طيبه فأجيج قبل الجَذَّ [
وكذلك كل من اشترى بلح جميع الثمار كلها التين والجوز والجلوز واللوز والفستق وغير ذلك على أن يَجذّه قبل طيبه فأجيج قبل الجَذَّ، فهو كالثمار توضع فيه الجائحة إذا بلغت الثلث.
م: وإنما كانت في ذلك الجائحة؛ لأنه إنما يجذه شيئاً فشيئاً هذه هي العلة فيه فأشبه جني الثمرة شيئاً فشيئاً إذ لو جذه في يوم واحد أو يومين لفسد عليه إذ لا يكاد يتم له بيع ذلك إلا بنقص كثير في الثمن فكأنه إنما دخل على أن يجذه على عادة الناس شيئاً فشيئاً فلذلك كانت فيه الجائحة.
وقال بعض القرويين: إن أراد أن فيه سقيا إلى أن يقطع لا يراد بالسقي زيادته وإنما يراد بقاؤه لا يتغير فلهذا وجه كالقصيل لا يقصد بالسقي زيادته وإنما يقصد أن ترك السقي يفسده، وإن كان لا ينبغي منه ذلك فلماذا وضع فيه الجوائح؟ فإن قيل لحق التوفيه؛ إذ لا بد من جذاذة فبقدر ذلك يجب أن يكون في ضمان البائع كبيع الغائب وقدر التسليم في الحاضر.
قيل فيجب أن يضمن البائع قليله وكثيرة في هذا القدر؛ لأن هذا من باب التسليم لا من باب الجوائح المشروط فيها الثلث.
الجزء: 14 - الصفحة: 339
[المسألة الرابعة: ورق التوت الذي يباع ليجمع أخضر هل توضع الجائحة فيه؟]
قال ابن حبيب: وجائحة ورق التوت الذي يباع ليجمع أخضر لعلف دود الحرير كجائحة النخل وشبهه الثلث فصاعداً وليس كالبقل.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية أنه كالبقل يوضع فيه ما قل منه أو كثر.
] فصل 2 - جائحة ما بيع بعد إمكان جذاذه [
] المسألة الأولى: جائحة كل ما لا يباع إلا بعد يبسه من الحبوب والقطنيات [
قال ابن القاسم: وكل ما لا يباع إلا بعد يبسه من الحبوب من قمح وشعير وقطنية وشبهها من الحبوب أو سمسم أو حب فجل للزيت فلا جائحة في ذلك وهو بمنزلة ما باعه في الأنادر.
] المسألة الثانية: ما بيع من ثمر نخل وعنب فصار تمراً وزبيباً فلا جائحة فيه [
ما بيع من ثمر نخل وعنب وغيره بعد أن يبس فصار تمراً وزبيباً فلا جائحة فيه، ولو اشترى ذلك حين الزهو ثم أجيح بعد ما أمكن جذاذه ويبسه فلا جائحة فيه وكأنك
الجزء: 14 - الصفحة: 340
ابتعتها بعد إمكان الجذاذ.
قال سحنون في غير المدونة إذا تناهى العنب الُمشْترى وآن قطافه حتى لا يتركه تاركه إلا لسوق يرجوه، أو لشغل يعرض له فلا جائحة فيه.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم في من ابتاع زرعاً بعد طيبه ويبسه بثمن فاسد فأصابته عاهة قبل حصده: فمصيبته من المشتري؛ لأنه قبض له، وله كالصبرة المشتراه بخلاف مشتريه قبل بدو صلاحه على أن يتركه حتى يطيب فيصاب بعد يبسه فمصيبة هذا من البائع؛ لأنه لم يكن للمبتاع قبض ما اشترى حتى يحصده - يريد لفساد البيع - ولو كان البيع صحيحاً لم تكن فيه جائحة بعد يبسه.
الجزء: 14 - الصفحة: 341
[الباب الثالث]
في جائحة ما بيع بأصله أو اشترطه مكتري أو استثناه بائع
] فصل 1 - جائحة ما بيع بأصله [
قال مالك: ولا جائحة فيما بيع بأصله ولم يؤبر، ولا فيما اشترطه المبتاع مما أبر وهو بلح أو بسر أو رطب أو تمر، وهي لغو وإن أوجبها الاشتراط.
قال ابن المواز: كانت الثمرة هاهنا الثلث أو أكثر.
وكذلك في الواضحة عن مالك قال ابن حبيب وقال أصبغ: أما ما عظم خطره من الثمرة ففيها الجائحة إذا بيعت بأصلها بعد أن طابت؛ لأن المشتري زاد زيادة عظيمة لمكان الثمرة فأرى فيها الجائحة بعد أن يقبض الثمن على الأصل وعلى الثمرة؛ لأنه زيد من أجلها في الثمن زيادة عظيمة، وأما كل ثمرة لا يعظم قدرها فلا جائحة فيها إذا بيعت مع الأصل.
] فصل 2 - اشتراط المكتري الجائحة [
] المسألة الأولى: من استأجر داراً فيها نخلات فاشترطها ثم أجيحت [
ومن المدونة قال مالك: ومن اكترى داراً وفيها نخلات يسيرةً أقل من الثلث فاشترطها المكتري فأثمرت ثم أجيح ثمرها، فلا جائحة فيها، أبرت في حين الكراء أو لم تؤبر، طابت أو لم تطب؛ لأنها لا حصة لها إذا كانت تبعاً كمال العبد.
وإن لم تكن تبعاً فاشترطها المكتري فإن لم تزه فسدت الصفقة كلها، وإن أزهت جازت وفيها الجائحة، فإن كانت مثل ثلث الصفقة أو نصفها ففي ذلك
الجزء: 14 - الصفحة: 342
الجزء تكون الجائحة إن بلغت ثلثه فأكثر، فينظر إلى قيمة الثمرة وإلى مثل كراء الدار بغير ثمرة يوم الصفقة، فيقسم الكراء على ذلك فما قابل الثمرة منه فهو ثمنها، فإن أصابت الجائحة ثلث الثمرة وضع عنه ثلث حصة الثمرة من جميع الثمن الذي نقد في الكراء، وإن أصابت الجائحة أقل من ثلث الثمرة لم يوضع عنه قليل ولا كثير.
وكذلك عنه في كتاب محمد وابن حبيب.
قال: وكذلك الأرض فيها شجرات تشترط.
] المسألة الثانية: إذا اكترى أرضاً ثلثها سواد فأدنى واشترطه ثم أجيح [
وقال في المدونة: ومن اكترى أرضاً فيها سواد قدر الثلث فأدنى فاشترطه جاز ذلك فإن أصابت جميع الثمرة جائحة فلا جائحة فيها؛ لأن السواد كان ملغىً كمال العبد.
وقد قال مالك: في من ابتاع عبداً واستثنى ماله، ثم هلك ما له، ثم رده بعيب أو استحق فإنه يرجع بجميع الثمن ولا يحط لمال العبد من الثمن شيئاً إذ لا حصة له منه، ثم جعل في الدار التبع ما هو دون الثلث وهو لمالك، / وجعل في الأرض التبع الثلث فأدنى وهو لابن القاسم.
الجزء: 14 - الصفحة: 343
وهذا أصل اختلف فيه قول مالك في كراء الأرض والدار، ففي رواية ابن القاسم لم يبلغ به الثلث، وفيما بلغه عنه أن الثلث في حين البيع، وبه أخذ ابن القاسم، وذلك مذكور في كتاب الدور وبالله التوفيق.
فصل] 3 - شراء الأصل بثمره أو بعضه بعد بعض وما تكون فيه الجائحة من ذلك [
قال ابن القاسم: ومن ابتاع زرعاً لم يبد صلاحه على أن يحصده، ثم اشترى الأرض جاز له أن يبقيه فيها حتى يبلغ.
قال مالك: ومن ابتاع نخلاً قد أبرت فلم يشترط الثمرة فله شراؤها قبل الزهو كما كان له جمعها أول الصفقة.
قال ابن القاسم: ثم لا جائحة فيها إذ كأنهما في صفقة.
قال ابن المواز: إذا اشترى الثمرة وقد طابت، ثم اشترى الأصل بعدها، ففي الثمرة الجائحة يريد؛ لأنها كانت واجبة قبل شراء الأصل.
قال: وإن اشترى الأصل ثم الثمرة بعده فلا جائحة في الثمرة أصلاً.
وكذلك في الأسدية.
الجزء: 14 - الصفحة: 344
وروى سحنون ويحي بن يحي عن ابن القاسم مثله.
قال أبو محمد: قال سحنون هو إذا باع الأصل ثم باع الثمرة لم يكن على البائع سقي، ولو باع الثمرة وحدها كان عليه السقي يحتج بهذا في الجائحة.
قال أبو محمد: انظر رأي سحنون يريد أن مشتريها بعد الأصول يصير كالقابض إذا لم يبق له على البائع شيء ينتظره منه فتسقط الجائحة.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية أنه إذا اشترى الأصل ثم الثمرة بعده فإن كانت غيره مزهية فلا جائحة فيها، وإن كانت مزهية ففيها الجائحة.
م: كأنه يقول السقي باق على البائع فعليه حق التوفية باق.
قال ابن المواز: واختلف قول مالك في شراء الثمرة المأبورة بعد الأصل، أو مال العبد بعد الصفقة فقال مرة يجوز قرب ذلك أو بعده، وقال أيضاً فيهما: أنه غير جائز، والذي أخذ به ابن عبد الحكم والمغيرة وابن دينار أنه لا يجوز فيهما إلا أن يكون مع الأصل، أو مع العبد في صفقة واحدة.
م: تحصيل مسألة شراء الأصل بثمرة أو بعضه بعد بعض، وما تكون فيه الجائحة من ذلك، أو في اشتراطه في الكراء.
أنه إذا اشترى الأصول بالثمرة وهو مزهي أو غير مزهي تبع أو غير تبع فلا جائحة في الثمرة.
وإن اشتريت بعضها بعد بعض وهي غير مزهية فكذلك أيضاً لا جائحة فيها.
الجزء: 14 - الصفحة: 345
وإن كانت مزهية فاشتراها قبل الأصل ففيها الجائحة، وإن اشترها بعد الأصل فقولان.
وإن اكترى أرضاً أو داراً وفيها ثمر تبع مزهي أو غير مزهي فلا جائحة فيه، وإن لم يكن تبعاً فيفسد الكراء إن لم يزه ويجوز إن أزهى وفيه الجائحة.
] مسألة: ما حد التبع إذا أطلق في الجوائح [
واختلف قول مالك في التبع، وذهب ابن القاسم إلى أنه الثلث فأدنى، وذهب ابن المواز وابن حبيب أنه فيما دون ثلثه.
فصل] 4 - جائحة ما استثناه البائع [
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن باع ثمرة ثم استثنى منها آصعاً أو أوسقاً قدر الثلث فأقل جاز، فإن أجيح منها قدر الثلث فأكثر وضع بقدره مما استثنى البائع، ورواه ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم.
قال أصبغ: وهو الحق والصواب.
قال ابن المواز: وبه أقول وهذا قول ابن القاسم.
قال: وإن أجيح أقل من الثلث أخذ البائع مما سلم جميع ما استثنى.
وروى ابن وهب عن مالك أنه يأخذ جميع ما استثنى كاملاً أجيح ثلثها أو أقل
الجزء: 14 - الصفحة: 346
أو أكثر، ولا جائحة على البائع حتى يستثنى جزءاً شائعاً ثلثاً أو ربعاً فيصير حينئذٍ المشتري إنما اشترى ثلثيه أو ثلاثة أرباعه، فإذا أصيبت الثمرة كان البائع شريكاً في الجائحة بقدر ما استثنى بخلاف استثنائه أوسقاً معلومة أقل من الثلث، وبهذا أخذ ابن عبد الحكم.
م: وتفسير ذلك كله: أنه إذا باع حائطه واستثنى منه أوسقاً، الثلث فأدنى، يأخذها تمراً، كان له ذلك جائزاً، مثل أن يكون استثنى عشرة أوسق في الحائط ثلاثون وسقاً.
فاختلف في المستثنى هل هو مبقيَّ على ملك البائع لم يبعه وكأنه لم يبع إلا عشرين فقط، أو كأنه باع الثلاثين كلها بعشرة دنانير وبعشرة أرادب تمراً منها؟ فبيان هذا وهو رواية ابن القاسم وأشهب أن البائع باع الثلاثين إردباً رطباً بعشرة دنانير وبعشرة أرادب تمراً منها، وإذا كانت منها لم يدخله بيع دنانير وتمر برطب.
فإن أجيح منها تسعة لم يوضع عن المشتري شيء، وإذا العشرة دنانير والعشرة أرادب، ولم يحصل له إلا أحد عشر أردباً، فإن أجيح منها عشرة وضع عنه ثلث العشرة دنانير، وثلث العشرة أرادب المستثناه، وذلك أنهما ثمن الثلاثين إردباً.
فإذا أجيح ثلث الثلاثين حط عنه ثلث ثَمَنِها، وثَمَنُها عشرة أرادب وعشرة دنانير فيأخذ البائع على هذا ثلثي العشرة دنانير وثلثي العشرة أرادب، ويأخذ المشتري ثلثي العشرين الباقية وهذا الذي صوبه أصبغ.
الجزء: 14 - الصفحة: 347
وعلى رواية ابن وهب الذي يرى أن المستثنى مبقي على ملك البائع فكأنه لم يبع إلا عشرين، فإن أجيح ثلث العشرين فأكثر وضع عن المشتري ثلث العشرة دنانير فأكثر، فيأخذ العشرة أرادب مما بقى، وأن أُجيح أقل من ثلث العشرين لم يوضع عنه شيء.
وأخذ البائع العشرة دنانير والعشرة أرادب كلها، ولو أجيح عشرون وبقيت عشرة لأخذها البائع وسقط عن المشتري جملة العشرة دنانير؛ لأنه ثمن ما اشترى.
قال بعض الفقهاء وهذا أصوب من الأول؛ لأنه كمن باع رطباً يأخذها تمراً على الكيل، وفي كتاب السلم يفسخ إن نزل.
قال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: وإذا باع نصف ثمرة حائطه أو ثلثها فأجيح أقل من الثلث فذلك عليهما ولا يوضع من الثمن شيء، فإذا بلغ الثلث وضع عنه ثلث الثمن، وإن أجيح النصف وضع عنه النصف ولو كانت صبرة ابتاع نصفها فالمصيبة منهما ولا جائحة فيها.
م: وقال بعض فقهاء القرويين: إذا كان ما لا جائحة فيه مثل صبرة فيها نحو الثلاثين أردباً فاستثنى البائع منها عشرة فهلك منها عشرة فعلى مذهب من قال: أن المستثنى مبقىً على ملك البائع يأخذ البائع عشرة / مما بقى، ويلزم المشتري العشرة دنانير ولو لم يبق إلا عشرة لأخذها البائع، ويلزم المشتري الدنانير كلها، وعلى مذهب من جعل المستثنى مشتري يقول بعت منك صبرة بعشرة دنانير وبعشرة أرادب منها
الجزء: 14 - الصفحة: 348
فإذا هلك بعضها ضمنه المشتري وكان للبائع مما بقى ما استثنى؛ لأن ضمان ما لا يكل من بائعه كصبرة اشتريت منها عشرة أقفزة فهلكت إلا عشرة لأخذها المبتاع كلها، ولو هلكت الصبرة كلها لاختلف الجواب، وذلك أنه يقول: بعت منك صبرة فيها ثلاثون بعشرة دنانير وبعشرة أرادب منها، فضمنتها أنت بالعقد ووفيتني العشرة دنانير ولم توف الأرادب، فليس عليك أن تأتي بمثلها إذ لم تتعد عليها، فينظر إلى قيمة العشرة أرادب فإن قيل عشرة دنانير رجع البائع على المشتري بنصف قيمة الصبرة؛ لأن قيمتها عشرون عشرة قبضها وعشرة أقفزة قيمتها عشرة لم يقبضها، وذلك كثمن استحق نصفه فيرجع في نصف قيمة سلعته التي باع.
ابن حبيب: ومن باع ثمرة حائطه وقد يبس فاستثنى منها كيلا يجوز له قدر الثلث فأدنى، فأجيح قدر ثلثها فأكثر فلا يوضع عنه من الثمن شيء، ولا من الكيل المستثنى كالصبرة، فإن أجيح جميع الثمرة سقط عن المبتاع ما استثناه البائع والمصيبة منهما.
م: وإذا كان جائحة جميعها منهما فكذلك جائحة ثلثها فأكثر، وأكثر من الثلث ينطلق على التسعة أعشار فأكثر فمن المحال أن يكون إذا أجيح تسعة أعشارها فأكثر لا يوضع عن المبتاع شيء من المستثنى، فإذا أجيح الجميع وضع عنه وحكاية هذا ثوب عن بعضه.
الجزء: 14 - الصفحة: 349
[الباب الرابع]
في جائحة النخلة والعرية وما دفع في نكاح أو أسلم فيه أو أخذ مساقاة
] فصل 1 - جائحة النخلة، والعرية، وما دفع في نكاح، أو أسلم فيه [
] المسألة الأولى: من اشترى تمرة نخلة فتصيبها الجائحة [
قال ابن القاسم: ومن باع تمرة نخلة واحدة ففيها الجائحة إذا بلغت ثلث ثمرتها.
] المسألة الثانية: من أعرى حائطة كله ثم يأخذه بخرصه فتصيبه الجائحة [
قال مالك: ومن أعرى حائطه رجلاً ثم أخذه منه بخرصة فأصابته جائحة فليوضع ذلك عنه مثل ما يوضع عنه في الشراء سواء.
م: صواب.
ابن المواز وقاله ابن القاسم وابن وهب، وقال أشهب لا جائحة فيها.
م: لأن أصلها معروف فاستخف ذلك فيه كالهبة؛ ولأن الجائحة إنما وردت في البيع.
الجزء: 14 - الصفحة: 350
[المسألة الثالثة: جائحة ما دفع في نكاح]
ومن العتبية قال ابن القاسم: في من نكح بثمرة حائطه أنه لا جائحة فيها والمصيبة من المرأة.
م: لأن أصل النكاح المكارمة فاستخف ذلك فيه؛ ولأن الجائحة إنما وردت في البيع.
وقال ابن الماجشون فيها الجائحة كالبيع.
م: صواب.
] المسألة الرابعة: جائحة ما أسلم فيه [
ومن المدونة ومن أسلم في حائط بعينه في إبان ثمرته فأجيح بعضه فلا شيء على المبتاع، ويرجع بحقه في بقية الحائط؛ لأنه على الكيل بخلاف مبتاع جميع ثمرته، هذا إن أصابت الحائط جائحة أذهبت ثلثه وضع عنه ثلث الثمن.
فصل] 2 - جائحة المساقاة [
قال مالك: ومن أخذ نخلاً مساقاة فلما عمل أصابت الثمرة جائحة فأسقطتها فذلك جائحة وتوضع عنه، وحفظ سعد عن مالك أنه إن أجيح دون / الثلث لم
الجزء: 14 - الصفحة: 351
يوضع عنه سقي شيء من الحائط ولزمه عمل الحائط كله، وإن كانت الجائحة الثلث فأكثر خير فإن شاء سقى جميع الحائط، وإن شاء ترك جميعه.
قال ابن المواز: هذا إذا كانت الجائحة شائعة في الحائط، وإما إن كانت في ناحية منه فأجيحت فلا سقي عليه فيها يسقي السالم وحده ما لم يكن السالم يسيراً جداً الثلث فدون.
قال: وإذا كانت الجائحة شائعة فاختار أن يوضع عنه سقي الحائط فلا شيء له فيما تقدم من علاجه وقيامه ونفقته.
وروى أشهب عن مالك أنه لا جائحة في المساقاة، ولا للعامل أن يخرج منها، ولا تفسخ المساقاة، وهما شريكان في النماء والنقصان.
الجزء: 14 - الصفحة: 352
[الباب الخامس]
ذكر ما يعد من الحوادث جائحة
] فصل 1 - جائحة الجراد والريح والنار والبرد والمطر وغيرها [
قال ابن القاسم: وكل ما أصاب الثمرة من الجراد، والريح، والنار، والغرق، والبرد والمطر، والطير الغالب، والدود، وعفن الثمرة في الشجر، والسَّموم فذلك كله جائحة توضع عن المبتاع إن أصابت الثلث فصاعداً.
وأما إن هلكت الثمرة من انقطاع ماء السماء، أو انقطع عنها عين يسقيها فهذا يوضع قليل ما هلك بسببه وكثيرة بخلاف الجوائح؛ لأنه باعها على حياتها من الماء، فما كان من قبل الماء فمن البائع.
ومن العتبية قال: ولا بأس بشراء شرب يوم أو شهر لسقي أرضه دون شراء أصل العين، فإن غار الماء فنقص قال مالك إن نقص قدر ثلث الشرب الذي ابتاع وضع عنه كجوائح الثمار.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أنه مثل ما أصاب الثمرة من قبل الماء فإنه يوضع عنه إن نقص شربه ما عليه فيه ضرر بيّن، وإن كان أقل من الثلث إلا ما قل مما لا خطب له فلا يوضع لذلك شيء.
الجزء: 14 - الصفحة: 353
[فصل 2 - هل الجيش والسارق والغبار والتراب جائحة؟]
ومن كتاب الجوائح قال مالك: والجيش يمرون بالحائط فيأخذون ثمرته فذلك جائحة.
قال ابن القاسم: ولو سرقها سارق كانت جائحة أيضاً.
وقال ابن نافع ليس السارق جائحة.
ابن المواز: وقاله أصبغ.
وقال: إنما الجائحة لو علم به لم يقدر على دفعه.
قال ابن حبيب: ولم ير مطرف وابن الماجشون الجيش، وغلبة اللصوص جائحة
وقال ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ: ذلك جائحة وبه أقول وهو قول عطاء.
والأول قول سهل بن أبي حَثْمَة.
م: قول ابن القاسم أصوب؛ لأنه فعل مخلوق لا يقدر على دفعه كالجراد.
ابن المواز: قال مالك في الثمرة يصيبها غبار وتراب حتى تبيض، وتصير ملحاً، وتتفتت أنه جائحة.
وإن أصابها ريح كسرت أصول الشجر فهو جائحة.
م: وقد ذكرنا الاختلاف في ورق التوت فقيل أن فيه الجائحة إذا بلغت الثلث.
ابن حبيب: كالثمار لا كالبقل، وقيل: إنه كالبقل يوضع قليله وكثيرة، وانظر لو مات دود الحرير كله أو أكثره، وهذا الورق / لا يراد إلا له، هل موت دود الحرير جائحة؟ فالأشبه أن ذلك كالجائحة؟.
الجزء: 14 - الصفحة: 354
وكمن أكترى حماماً أو فندقاً فخلى البلد فلم يجد من يسكنه؛ لأن هذا اشترى منافع يقبضها شيئاً فشيئاً يبيعه ممن ينتفع بها، فكذلك ورق التوت إنما اشتراه لقبضه شيئاً فشيئاً يبيعه لمن ينتفع به فإذا عدمه كان له القيام بذلك.
م: وكذلك عندي لو اشترى قوم ثماراً ببلد فجلي أهلها عنها إما لفتنة نزلت بهم، أو لغلبة الروم فارتحلوا عنها وخلت، ولم يجد مشتريه ممن يبيعه منه أن جائحة ذلك من بائعه؛ لأن مشتريه إنما اشتراه ممن يبيعه منه، فإذا لم يجده فهلكت الثمرة فذلك كهلاكها بأمر غالب.
والله أعلم تم كتاب الجوائح بحمد الله وعونه.
الجزء: 14 - الصفحة: 355