القطع في السرقة
[الباب الأول]
القضاء في السرقة, وذكر ما يجب فيه القطع, والشهادة على قيمة السرقة وعلى من سرقها
[1 - فصل: دليل القطع في السرقة]
[96/ب] قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:38] الآية.
وبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يجب فيه القطع, «فقطع في مِجَنِّ قيمته ثلاثة دراهم».
و"وفعله عثمان بن عفان" رضي الله عنه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: «مَا طَالَ عَلَيَّ ولاَ نَسيتُ, القَطْعُ في رُبْعِ دينَارٍ فَصَاعِدا».
2 - فصل [في القضاء في السرقة, والنصاب الذي يجب فيه القطع, وحكم المغشوش والرديء من النقدين]
قال مالك رحمه الله فيمن سرق ذهباً: يُنظر إلى وزنه دون قيمته, فإذا بلغ وزنه دينار قطع وإن كانت قيمته درهماً واحداً, وإن لم يبلغ وزنه ربع دينار لم يقطع وإن ساوى ثلاثة دراهم.
وكذلك من سرق فضة نُظِر إلى وزنها دون قيمتها من الذهب, فإذا بلغ وزنها ثلاثة دراهم قطع.
وإنما يقوّم غير الذهب والفضة من سائر الأشياء.
م: وإنما لم يقوّم الذهب والفضة؛ لأن القطع جاء في ربع دينار فوجب ألا ينظر إلى قيمته.
(وقطع عليه السلام فيما قيمته ثلاثة دراهم), ففي الثلاثة دراهم نفسها أحرى أن يقطع؛ ولأن الذهب والفضة هي أثمان الأشياء, وبها تقوّم المتلفات فوجب ألا تقوّم؛ لأن وزنها هو قيمتها فعوّل على وزنها.
قال عيسى بن دينار: وكذلك في الحَلْي المصوغ من ذهب أو فضة لا ينظر إلى قيمته ولكن إلى وزنه.
ومن كتاب ابن الموَاز: وسواء كان الذهب والفضة دنيئاً أو جيداً, نقرة كان ذلك أو تبراً, ذهبا يعمل أو فضة.
قال: وإذا سرق ثلاثة دراهم ينقص كل درهم نحو الخروبة, أو ثلاث حبات وهي تجوز؛ فلا يقطع فيها حتى تكون قائمة الوزن.
ابن المواز قال أصبغ: وأما مثل الحبتين من كل درهم؛ فإنه
يقطع.
وقال بعض أصحابنا: عن بعض شيوخه القرويين: من سرق دراهم فيها نحاس كثير فإنما يراعى ما فيها من الفضة, ولا يقطع في ثلاثة دراهم منها إلا أن يكون النحاس يسيراً فيقطع.
وكذلك في الزكاة يراعى النحاس القليل من الكثير.
م: وهذا فيه نظر؛ لأن الذهب والفضة الدنيء إنما دناؤه ذلك من غش فيه, فإذا صُفِّي صار ذهبا وفضة جيدين, وكذلك إذا كان
فيهما نحاس فصفي عاد ذهبا وفضة جيدين, فلا فرق بين المغشوش بنحاس أو رصاص أو غيره.
إذ لا يكون [97/أ] قطع وزكاة إلا في الجيد الصافي منه, ويكون ذلك في المغشوش إذا كان هو جواز الناس, وهذا أحوط, وهو ظاهر كتاب محمد, والله أعلم.
[3 - فصل: فيما تُقوَّم به العروض المسروقة, وتكون بقيمتها يوم السرقة]
ومن المدونة: قال مالك: وأما من سرق شيئاً من العروض فإنه يقوّم بالدراهم, فما بلغت قيمته ثلاثة دراهم فأكثر وجب فيه القطع وإن لم يساو ربع دينار, ولو ساوى ربع دينار ولم يساو ثلاثة دراهم لم يقطع فيه.
م: وإنما قال ذلك؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنّما قوّم
العرض المسروق بالدراهم).
وقال بعض أصحابنا: إنما يعني بذلك في بلد إنما يباع فيه العرض بالدراهم خاصة.
فأمّا إن كانت البلدة يباع فيها بالدنانير والدراهم جميعا؛ فهذا إن بلغت القيمة ثلاثة دراهم أو ربع دينار فإنه يقطع وإن لم يساو ثلاثة دراهم.
قال: وقد ذكر الأبهري نحو ذلك.
قال عن بعض شيوخه: ولو كان البلد إنما يباع فيه العرْض ولا يتبايعون بالعين قومت السرقة بالدراهم في أقرب المواضع إليهم التي يُتبايع فيها بالدراهم.
ومن المدونة قال مالك: وصرف الدَّينار في حد القطع اثني عشر درهما بدينار على ما «قوّم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدية اثني عشر ألف درهم», فلا ينظر إلى الصرف في هذه الأشياء, ارتفع أو انخفض, وإنما ينظر في هذا إلى ما مضت به السنة, وإنما ينظر إلى قيمة السرقة يوم سرقها السارق ولا تبالي زادت قيمتها يوم القيام به أو نقصت.
4 - فصل [في صفة من يُقوّم السرقة, وعددهم, واختلافهم في التقويم]
ويقوّم السرقة أهل العدل والنظر, ولا يقطع بقيمة رجل واحد.
قيل: فإن اختلف المقومون فيها؟.
قال: إذا اجتمع عدلان بصيران أن قيمتها ثلاثة دراهم وجب القطع.
ابن المواز قال أشهب: كما لو شهدا له بها ديناً على رجل, وشهد له آخران بدرهمين؛ فإنه يقضي بثلاثة دراهم.
5 - فصل [في الشهادة على قيمة السرقة, وما ينبغي للإمام أن يسألهم عنه]
قال ابن القاسم: وينبغي للإمام إذا شهدت عنده بينة على رجل أنه سرق ما يقطع في مثله أن يسألهم عن السرقة: ما هي؟ وكيف هي؟ ومن أين أخرجها؟.
كما يكشفهم عن شهادتهم في الزنى, فإن كان في ذلك ما يدرأ به الحد درأه.
وإنما القطع حد من حدود الله تعالى, وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ادْرؤُا الحُدُودَ بالشُّبُهَاتِ».
قال سحنون: إن كان الشهود عالمين بمواقع الشهادة لم [97/ب] يكشفوا, وإن كانوا ممن يجهل ذلك كشفوا.
قال بعض أصحابنا: وضعّف قول سحنون هذا بعض فقهائنا, فقال: ينبغي أن يكشفوا وإن كانوا لا يجهلون, إذ قد يكون رأي الحاكم فيه نفي القطع, ويرى باجتهاده خلاف ما يرونه, فلهذا ينبغي أن يسألهم كما
شرط ابن القاسم.
[6 - فصل: في حبس السارق بعد الشهادة, وتزكية الشهود, وتغير حالهم قبل الحكم أو بعده, ورجوعهم عن شهادتهم]
ومن كتاب السرقة: وإذا شهدت بينة على رجل بالسرقة حبس السارق حتى تزكى البينة, ولا يؤخذ في الحدود والقصاص كفيل, فإن زكوا أقام القاضي ذلك الحد, غاب الشهود وصاحب السرقة أو حضروا, وكذلك إن زكوا بعد أن ماتوا, أو عموا, أو جنوا, أو خرسوا, نفذ الإمام الحد الذي شهدوا به من سرقة, أو زنا, وكذلك الحقوق, وإن ارتدوا, أو فسقوا قبل الحكم لم يحكم بشهادتهم, وسقطوا, وإن ظهر ذلك منهم أو أخذوا يشربون الخمر بعد أن حكم الإمام بإقامة الحد, أو القصاص, إلا أن ذلك لم يقم بعد فإن ذلك ينفذ, ويقام الحد والقصاص وكذلك هذا في الحقوق؛ لأن هذا حكم نفذ بالأمر فيه.
وإذا نفذ الحكم بقتل, أو قصاص, أو رجم, ثم رجعوا قبل إقامة ذلك:
قال ابن القاسم مرة: ينفذ ذلك ويقام, ثم توقف, وقال: أحب إليّ في القتل والقطع والرّجم ونحوه ألاّ يُقام كحرمة القتل ونحوه, قال: فيه العقل, والقياس أن يمضي القتل, ولكني أقف لحرمة القتل وذلك بخلاف الحقوق.
وقال أشهب: ينفذ عليه القتل.
ثم قال: لا ينفذ.
وروى عنه في المرجوم: ألاّ يرجم, ويقام عليه أدنى الحدّين, وهو الجلد.
وروى عنه أصبغ: أنه لا يقام ذلك في قطع لسرقة, أو قصاص, بخلاف رجوعهم في الأموال.
قال أصبغ: والقياس أن يقام القتل والقطع ولكني
استحسن أن يبطل, ولا تكون فيه دية على الشهود, ولا على المشهود عليه.
وقاله ابن المواز.
وأما المرجوم فيجلد ولا يرجم.
[7 - فصل: في شهادة المبرَّزين, والكفار, والأخوين لأخيهم]
ومن المدونة: وإذا شهدت البينة في الحدود لم يفّرِّقهم الإمام إذا كانوا عدولاً مبرزين إلا أن يستنكر منهم شيئا.
ولا تجوز شهادة أهل الكفر في سرقة ولا غيرها على مسلم أو كافر.
قال في باب بعد هذا: وشهادة الأخوين لأخيهما أن هذا سرق متاعه جائزة إن كانا عدلين.
الباب [الثاني]
في القيام [98/أ] بالسارق, والعفو عنه, والشفاعة له, والشهادة عليه
[8 - فصل: صاحب الحق في رفع الدعوى على السارق والعفو عنه]
قال مالك: ومن سرق متاعاً سراً لرجل غائب فقام به أجنبي قطع, وإذا لم يقم رب المتاع على السارق وتركه بعد أن أخذ منه السرقة أو لم يأخذها, أو عفا عنه, ثم رفعه بعد ذلك بزمان هو أو غيره إلى السلطان قطع.
وكذلك إن قام بزانٍ فإنه يحد.
قال مالك: وليس للوالي أن يعفو إذا انتهت إليه الحدود.
وقد قال صلى الله عليه وسلم لصفوان في الذي سرق ردآءه: «فَهَلاَّ قَبْلّ أنْ تأتِيَنَي به».
وهذا بخلاف القاذف يرفعه غير المقذوف, هذا لا يحد حتى يرفعه المقذوف.
ولو سمع الإمام رجلا يقذف رجلا ومعه من تثبت شهادته عليه أقام عليه الإمام الحد.
ومن عفا عن قاذفه قبل بلوغ الإمام لزمه, ولا رجوع له فيه, وكان مالك يقول: في القذف العفو وإن بلغ الإمام.
"وقاله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه".
ثم رجع مالك فقال: لا عفو فيه إذا بلغ الإمام؛ إلا أن يريد المقذوف ستراً, مثل أن يخاف أنه إن لم يعف عنه أثبت ذلك عليه.
وفي كتاب القذف إيعاب هذا.
قال مالك: ولا يحل للبيَّنة الكف عن الشَّهادة على السرقة إذا رُفع السارق إلى الإمام.
[9 - فصل: في الشفاعة للسارق, والشهادة عليه]
ولا بأس بالشفاعة للسارق إذا لم يعرف منه أذى للناس, وإنما كانت منه زلة, ما لم يبلغ الإمام, أو الشرط, أو الحرس, فإذا بلغهم لم تجز الشفاعة.
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللهُ الشَّافِعَ والمُشَفْعَ لَه».
قال مالك: وأما المعروف بالفساد فلا ينبغي أن يشفع له, ويترك حتى يحد.
وإذا عاينت البينة إخراج المتاع من البيت ولا يدرون لمن هو فلا يشهدوان بملكه لرب البيت, ولكن يؤدون ما عاينو وعلموا, ويقطع السارق, ويقضى بالمتاع لرب الدار.
وكذلك إن عاينوا أنه غصبه ثوباً, وكذلك يشهدون لبائع السلعة في فلس المبتاع أنه باعها منه, ولا يقولون: أنها له حين باعها, ولا يشهدون من ذلك إلا ما عاينوا وعلموا.
الباب [الثالث]
فيمن سرق متاعاً فقال: ربه أرسلني.
فصدقه ربه أو قال: هو له, أو ما سرق مني شيئاً.
قال مالك: ومن سرق متاعاً لرجل وقال: رب المتاع أرسلني فليقطع وإن صدقه ربه أنه بعثه, [98/ب] كان معه في بلد أو لم يكن.
وإن أخذ في جوف الليل ومعه متاع فقال: فلان أرسلني إلى منزله فأخذت منه هذا المتاع فإن عرف منه انقطاع إليه وأشبه ما قال, لم يقطع, وإلا قطع ولم يصدق.
وإذا شهدت بينة على رجل أنه سرق متاعاً فقال رب المتاع:
ما سرق مني شيئاً؛ فليقطع.
ولو قال السارق: حلَّفوه أنه ليس المتاع لي, فلا بد من قطعه, ويحلف له الطالب ويأخذه, فإن نكل حلف السارق وأخذه.
قال ابن المواز: ولو أقام المشهود عليه شاهداً عدلاً أن المتاع له؛ فليقض له به مع يمينه ويقطع.
قال في العتبية: ولو صدقه المسروق منه فقال: هو متاعه, فلا بد من قطعه.
قال عيسى: أحب إلى إذا صدَّقه صاحب المتاع ألاَّ يقطع.
الباب [الرابع]
في سرقة الجماعة, والسرقة من الجماعة, وتكرار السرقة, والسرقة من غير مالك, أو ما قُطع فيه, وسرقة الذمي, وسرقة الخمر والخنزير
[10 - فصل: في سرقة الجماعة]
قال مالك رحمه الله: وإذا سرق جماعة ما تعاونوا في إخراجه من الحرز لثقلة قطعوا كلهم, وإن لم يكن في قيمته إلا ثلاثة دراهم فأكثر.
وكذلك إن حملوه على ظهر أحدهم في الحرز, ثم خرج به, إذا لم يقدر على إخراجه إلا بمعاونتهم ورفعهم معه, ويصيرون كأنهم حملوه على دابة فيقطعون إذا تعاونوا عليه لثقله أو لكثرته.
وإذا حملوه على ظهر أحدهم وهو قادر على حمله دونهم كالثوب, والصرة, لم يقطع إلا الخارج به, كما لو خرج به دون عونهم.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: وإن خرجوا بالثوب, أو الشيء الخفيف يحملونه جميعا فإن كان في قيمته لو قسمت عليهم ما يقع لكل واحد ربع دينار قطعوا.
وإن كان يقع لكل واحد أقل من ربع دينار فلا قطع عليهم.
ونحوه روى عنه ابن المواز, وقال سحنون.
قال ابن المواز: قال مالك: وإنما مثل الجماعة يسرقون ما قيمته ثلاثة دراهم, فيقطعون, كما قطعوا يد رجل عمداً لقطعوا, وفي الخطأ تلزم عواقلهم دية اليد, وإن لم يقع على كل عاقلة إلا
ربع عشر الدية.
ومن المدونة قال مالك: ولو خرج كل واحد منهم حاملاً لشيء دون الآخر, وهم شركاء فيما أخرجوا لم يقطع إلا من أخرج منهم ما قيمته ثلاثة دراهم.
[11 - فصل: في السرقة من الجماعة, وتكرار السرقة]
قال مالك: ومن سرق عرْضاً قيمته دراهم [99/أ] وهو لرجلين أو لرجل قطع.
ومن العتبية قال أشهب عن مالك: في السارق يأتي البيت فيه القمح فيسرق منه, وينقله بقُفّةٍ قليلا قليلا ما لا يجب فيه القطع في كل نقلة إلى خارج, حتى يجتمع له ما يجب فيه القطع في سرقة واحدة.
قال: أرى عليه القطع.
وقال أبو زيد عن ابن القاسم في السارق يدخل البيت في ليلة عشر مرات وكل ذلك يخرج بقيمة درهم أو درهمين: أنه لا قطع عليه حتى يخرج في مرة واحدة ما قيمته ثلاثة دراهم.
قال أبو بكر بن اللباد, قال سحنون: يقطع إذا كان في فور واحد وطلب أن يحتال فاحتيل عليه.
12 - فصل [في السرقة من غير ملك كسرقة ما بيد مودَع ونحوه, وسرقة ما سرقة غيره, وسرقة ما سبق أن قُطع فيه]
قال مالك: ومن سرق متاعاً ممن هو بيده وديعه, أو عارية, أو بإجازة قطع لأنه سارق سرقه من حرز له.
ومن سرق متاعا فسرقة منه سارق, ثم سرقه من الثاني ثالث, قطعوا كلهم
لأنهم سراق كلهم.
ومن سرق متاعا فقطع فيه, ثم سرقة ثانية وثالثة فإنه يقطع في كل مرة.
[13 - فصل: في سرقة المرأة, والذمي, وكيف إذا حارب أو زنى]
وإذا سرقت الحرة, أو من فيها بقية رق, أو ذمية, قطعت.
وإذا سرق الذمي قطع لأن السرقة من الفساد في الأرض, فلا يقروا عليها كالحرابة.
وأجمع الناس أنه إذا حارب حكم عليه بحكم المحارب.
وأمَّا إن زنى فلا يقام عليه الحد, إذ ليس فيه من الضرر ما في الأموال, ويرد إلى أهل دينه, ولا أمنعهم رجمه إن شاءوا.
14 - فصل [في سرقة الخمر والخنزير]
ولا قطع في سرقة خمر, أو نبيذ مسكر, أو خنزير, وإن كان لذمي إذا لا ثمن في ذلك عندنا, وسواء سرقة مسلم أو ذمي, إلا أن للذمي المعاهد قيمته على المسلم إذا زالت عينه, وكذلك على الذمي إذا حكمنا بينهما.
قال عبد الملك: لا قيمة فيما حرم الله عز وجل وعليه الأدب.
الباب [الخامس]
في السرقة من الدار المشتركة, والمباحة, والمأذون فيها, وسرقة الدواب من مرابطها وموافقها
[15 - فصل: في السرقة من الدار المشتركة كالفنادق والعمارات السكنية ذات الشقق ونحوها]
قال ابن القاسم: وإذا كانت دار مشتركة مأذون فيها.
م: -يريد لسكانها- وبيوتها محجورة عن الناس كالفنادق.
قال مالك: فإن السارق إذا أخرج المتاع من بيت منها قطع وإن أخذ في الدار؛ لأنه قد صيَّره إلى غير حرزه.
م: يريد أنه قد صيرَّه إلى موضع لو سرق هو منه لم يقطع.
قال سحنون: وذلك [99/ب] إذا كان السارق من سكانها, وإذا لم يكن من سكانها لم يقطع حتى يخرج من باب الدار.
م: يريد إلى موضع لو سرق هو منه أيضاً لم يقطع؛ لأنه صيره إلى موضع ليس بحرز لسارقه.
قال ابن القاسم: ولو نشر أحد من أهل هذه الدار ثوبه على ظهر بيته وهو محجور عن الناس قطع سارقه.
م: لأن ظهر بيته كداخل بيته.
وقد قال ابن القاسم عن مالك فيمن حلف ألاّ يدخل داراً سماها فقام على ظهر بيت منها: فإنه يحنث.
قال ابن القاسم: ولو كان الثوب في صحن الدار لم يقطع سارقه إن كان سارقه من أهل الدار, وإن كان من غيرها قطع إذا خرج به من جميعها, إلا أن تكون الدار مباحة لا يمنع منها أحد فلا يقطع.
قال سحنون: جيدة
[16 - فصل: في أحكام الدار الخاصة, وذكر الخائن, وسرقة الضيف]
قال ابن القاسم: وإن كانت الدار مأذونا فيها -م: يريد غير مشتركة.
قال:- وفيها تابوت مغلق ففتحه بعض من أذن له في الدخول فيها, وأخرج المتاع منه, وأخذ قبل أن يبرح بالمتاع منه, فلا يقطع.
م: يريد: وكذلك لو خرج من جميع الدار لم يقطع, لأنه ممن أذن له في الدخول فهو خائن.
قال ابن القاسم: وإن كان ممن لم يؤذن له لم يقطع أيضاً, إذا أخذ في الدار, إلا أن يؤخذ بعد ما خرج منها فليقطع هذا.
وقد قال مالك في الضيف يسرق من بعض منازل الدار المغلقة عنه: لا يقطع لأنه؛ إئتمنه حين ادخله بيته.
وقال سحنون: يقطع الضيف والمأذون له إذا سرقا من بيت مغلق
عنهما, وكذلك من تابوت كبيرا؛ لأنه كالخزانة, فإذا أخرج منه المتاع, أو من البيت المغلق قطع, وإن أخذ في الدار, كالزوجة تسرق من بيت قفله عنها زوجها.
وأما غير المأذون فلا يقطع حتى يخرج بالسرقة من الدار.
ولو سرق المأذون له تابوتاً صغيراً.
أو فتح قفله فسرق منه لم يقطع.
وفي النوادر قال سحنون عن ابن القاسم, وفي مختصر أبي محمد.
قال ابن المواز عن مالك في الضيف يسرق من بيت من الدار مغلق, أو يكسر تابوتاً فيها ويسرق ما فيه: فلا يقطع, إن كانت الدار غير مشتركة.
وكذلك إن دق خزانة في البيت, أو تابوتاً كبيراً, فسرق منه, فهو خائن.
م: وهذا وفاق لما في المدونة.
[17 - فصل: في سرقة أحد الزوجين من الآخر]
قال في الكتابين: وكذلك أحد الزوجين يسرق [100/أ] من متاع صاحبه من منزل من الدار قد أغلقه دونه, وما لا يؤذن له في دخوله.
فإن كانت الدار غير مشتركة فلا قطع عليه.
وإن كان فيها ساكن غيرهما فعلى ذلك القطع, كالدار المشتركة, وكذلك مماليكهما إذا أذن لهما في الدخول في دخول الدار وهي غير مشتركة.
م: وتلخيص فقه هذه الدور في ثلاثة أوجه:
فدار مشتركة مأذون فيها لسكانها خاصة.
ودار مشتركة مباحة لجميع الناس, كدار الأنماط بمصر ونحوها.
ودار مأذون فيها غير مشتركة.
فالدار المشتركة المأذون فيها لسكانها: من سرق من السكان من بيت محجور عليه فإنه إذا أخرج المتاع من البيت إلى الساحة قطع, لأنه صيره إلى غير حرز له, وإن سرق من الساحة لم يقطع وإن خرج به من جميع الدار؛ لأنه موضع مأذون له فيه.
وأما إن كان السارق من غير السكان فإنه لا يقطع حتى يخرج من جميع الدار, سواء سرق من البيت أو الساحة, وقاله سحنون.
وقال ابن المواز في هذه: أنه يقطع إذا أخرجه من البيت إلى الساحة, ولو سرق من الساحة لم يقطع حتى يخرج به من جميع الدار.
م: ووجه هذا القول: أنه إذا أخرجه من البيت إلى الساحة فلأنه أخرجه من حرزه إلى موضع الإباحة له, فقد صيره إلى غير حرز له.
ووجه قول سحنون: فلأنه إنما أخرجه إلى موضع محجور عنه لو سرق هو منه لقطع, فلم يصيره إلى موضع الإباحة له, فكأنه أخذ في الحرز الأول لأن الجميع حرز من هذا السارق.
م: والدار المشتركة المباحة لجميع الناس: بيوتها كبيوت السكة النافذة, وساحتها كالسكة النافذة, فمن سرق من بيوتها قطع.
إذا أخرج السرقة من البيت, كان من سكانها, أو من غيرهم.
ومن سرق من ساحتها لم يقطع, وإن خرج من جميع الدار, كان من سكانها, أو من غيرهم.
والدار المأذون فيها الغير مشتركة: فهذه إن سرق منها من أذن له فيها من بيت حجر عليه وأخذ في الدار, أو بعد أن خرج من جميعها, لم
يقطع, وقيل: يقطع إذا أخرجه من البيت.
وساوى سحنون وابن المواز بين الضيف وبين أحد الزوجين يسرق مما حجر عليه الآخر.
غير أن سحنون قال: يقطعون.
وقال ابن [100/ب] المواز عن مالك: لا يقطعون.
قال ابن القاسم: يقطع أحد الزوجين, ولا يقطع الضيف.
م: والفرق عنده بينهما والله عز وجل أعلم: أن أحد الزوجين قد حجر على صحبه ذلك البيت وخصه بالتحجير عليه فقوي الأمر في قطعه, والضيف لم يخصه بالتحجير, ولا من أجله كان الغلق, فكأنه لم يحجره عليه, فلم يقطعه.
م: والقياس المساواة بينهم.
ووجه قول سحنون: أن هذه دار فيها حجر وإذن كالدر المشتركة المأذون فيها لسكانها, فإذا سرق الضيف من بيت حجر فهو كأحد أهل الدار
المشتركة يسرق من بيت محجور عليه فيخرج به فيقطع.
ووجه قول ابن المواز عن مالك: أنها دار لرجل واحد لا يشاركه في سكناها غيره, وجميعها حرز من غير من أذن له فيها, فإذا أخرج المأذون له السرقة من بيت غلق عنه إلى موضع أذن له فيه فهذا إنما أخرجه من حرز إلى حرز فوجب إلاّ يقطع, ثم إذا أخرجه من ذلك الموضع المأذون له فيه إلى خارج الدّار كان أحرى ألاّ يقطع؛ لأنه أخرجه من موضع أذن له فيه فهو خائن, وقد جاء: «لاَ قَطْعَ عَلَى خَائِن».
قال ابن المواز: ولو كان لرجل حانوتان في دار فسرق من كل واحد درهماً ونصفاً, فإن كانت دراً مشتركة لم يقطع, خرج بذلك من الدار كلها أو لم يخرج.
وإن لم تكن مشتركة فإن خرج بذلك من جميع الدار قطع, وإن أخذ فيها لم يقطع.
م: وهذا على أصله في الدار المشتركة: أنه إذا سرق أحد من بيت محجور عنه ما فيه القطع, فأخذ بعد خروجه من البيت فإنه يقطع.
كان من السكان أم لا, فلهذا كان هذا لما سرق من الحانوت ما لا قطع فيه, وأخرجه إلى موضع الإباحة لم يجب قطعه, فبطل أن يضيف إليه ما سرق من غيره لأنها سرقة بعد سرقة.
م: وأما إن كانت الدار غير مشتركة فالسرقتان قد اجتمعتا في يده قبل خرجه من الحرز؛ لأنه لو أخذ في ذلك الموضع وقد سرق من بيت ثلاثة دراهم لم يقطع لأنه في الحرز بعد, فإذا خرج بها من جميع الدار وجب قطعه.
[18 - فصل: في سرقة الدواب من مرابطها ومواقفها, وسرقة الأشياء الثقيلة, وبيان حرز ذلك]
ومن المدونة قال ابن القاسم: والدار المشتركة المأذون فيها إذا سرق رجل منها دواباً من مرابطها قطع.
قال ابن المواز: وإن أخذ في الدار إذا جاوز بها مرابطها, وكذلك الأعكام من الثياب, [101/أ] والأعدال, والشيء الثقيل قد جعل ذلك موضعه, فهو كالدابة على مدودها في الدار المشتركة, أنه يقطع إذا أبرز به عن موضعه.
قال: وأما المتاع يكون في قاعتها مما جعل ليرفع لا على أن يكون ذلك موضعه, فهذا إنما يجب عليه القطع إذا أخرجه من جميع الدار إلا أن يكون يؤذن فيها لكل أحد كالقياسير فلا يقطع في هذا المتاع.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن كان مربط الدواب في السكة معروفا بفنائه فإنه يقطع من سرقها منه.
ولو كانت على باب المسجد, أو باب الأمير؛ لم يقطع سارقها إلا أن يكون معها حافظ لها فهو حرز لها.
الباب [السادس]
في السارق يؤخذ في الحرز بالمتاع أو بعد أن ألقاه خارجاً, أو ناوله لغيره فيه, أو من باب الحرز, أو النقب, أو ربطه بحبل, وما يكون حرزاً أم لا.
[19 - فصل: الدليل على اشتراط الحرز] قال الرسول عليه السلام: «لاَ قَطْعَ في قَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلاَ في حَرِيسَةِ جَبَلٍ