[الباب الأول]
باب ما يجب على المكلفين اعتقاده ولا يسع جهله
قال القاضي أبو بكر بن الطيب رحمه الله وغيره:- الواجب على كل مكلف أن يعرف به بالأوائل والمقدمات التي لا ينم فيه النظر في معرفة الله عز وجل وصفاته وحقيقة توحيده إلا بها.
[فصل 1 - تعريف العلم]
فأول ذلك القول في العلم وأحكامه ومراتبه.
فحد العلم: معرفة المعلوم على ما هو به.
[فصل 2 - أقسام العلم] والعلوم كلها تنقسم على قسمين:- فقسم منها علم الله سبحانه، وهو علم قديم ليس بحادث ولا عرض ولا جنس من الأجناس، ولا يحصل العلم به اضطرارا ولا استدلالا، ولا مما له ضد ينفيه، ولا يصح عدمه، ولا يختص في تعلقه بمعلوم أو معلومات مخصوصات، بل هو متعلق بما لا نهاية له منها، وهو علم الله سبحانه الذي هو لم يزل ولا يزال عالما به، وهو صفة لذاته.
قال الله عز وجل: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾.
وقال جل من قائل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾، فأثبت لنفسه علما.
والقسم الآخر: علم الخلق وهو ينقسم على قسمين:-
فقسم منه: علم اضطرار.
والآخر: علم نظر واستدلال.
فالضروري: ما لزم أنفس الخلق لزوما لا يمكنهم دفعه ولا الشك في معلومه، نحو العلم بما أدركته الحواس الخمس وما أفتي في النفس من الضرورات.
والنظري: ما احتيج في معرفته إلى الفكر والرواية.
[فصل 3 - طرق تحصيل العلم]
وجميع العلوم الضرورية تقع للخلق من ست طرق، فمنها:-
درك الحواس الخمس وهي: حاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحاسة الذوق، وحاسة الشم، وحاسة اللمس.
والسادس: العلم المبتدأ في النفس نحو: علم الإنسان بوجود نفسه وما
يحدث فيها من لذة وألم وغم وفرح وصحة وسقم، والعلم بأن الضدين لا يجتمعان، وأن الاثنين أكثر من واحد، وأن الثمر لا يكون إلا من شجر، واللبن لا يكون إلا من ضرع، وكالعلم بالبلدان والدول، ونحو ذلك.
وما عدا هذه العلوم لا يحصل إلا مع استيفاء النظر.
وأن تعلم أن الاستدلال هو نظر القلب المطلوب به ما غاب عن الحس، والدليل ما أمكن أن نتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطرار.
وأن تعلم أن المعلومات على ضربين: معدوم، وموجود.
فالمعدوم: الذي ليس بشيء، قال الله عز وجل: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.
والموجود: هو الكائن الثابت، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ وهو سبحانه وتعالى شيء موجود.
وقول أهل اللغة: علمت شيئا، ورأيت شيئا إشارة إلى شيء موجود، وقولهم: ليس بشيء إشارة إلى معدوم.
فصل [4 - أنواع الموجودات وأقسامها]
وأن تعلم أن الموجودات على ضربين:
قديم لم يزل: وهو الله عز وجل وصفات ذاته.
ومحدث: وهو لم يكن فكان.
وأن تعلم: أن المحدثات على ثلاثة أقسام: جسم، وجوهر، وعرض.
فالجسم: هو المؤلف المركب أقل ما يجتمع من جوهرين.
والجوهر: هو الذي له حيز وهو إشغال مكان، أو ما يقدر تقديرا لمكان من غير أن يوجد فيه غيره، وهو الجزء الذي لا يتجزأ.
والعرض: كالحركات، والألوان تعرض في الجواهر والأجسام، ولا يصح بقاؤه.
فيتبين من قولهم: عرض لفلان عارض من مرض إذا قرب زواله، وقوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
فكل شيء قرب زواله وصف بذلك.
[فصل 5 - الدليل على وجوب وجود الخالق] وأن يعلم: أن للعالم محدثاً أحداثه.
والدليل على ذلك: وجود الحوادث بعد أن لم تكن، ولأن المحدث لو لم يتعلق بمحدث أحدثه لم تتعلق الكتابة بكاتب ولا البناء ببان.
ويدل على ذلك -أيضا- علمنا بتعلق الفعل بالفاعل في كونه فعلا، كتعلق الفاعل في كونه فاعلا بفعل، وأن تعلق الكتابة والصناعة بالكاتب والصانع، كتعلق الكاتب في كونه كاتبا بالكتابة، والصانع بالصناعة، فلو جاز فعل لا من فاعل، وكتابة لا من كاتب لجاز وجود محدث لا محدث له، وذلك محال.
فصل [6 - في ذكر بعض صفات الخالق]
ومن صفات هذا الصانع أنه موجود قديم واحد حي عالم قادر مريد متكلم سميع بصير باق، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
والدليل على أنه موجود: أن الأفعال يستحيل أن تقع إلا بوجود القدرة، والقدرة يستحيل أن تقوم بمعدوم، فأثبت أنها قائمة بوجوده.
-وأيضا- فلو لم يقتض حدوث العالم وجود المحدث له لم يقتض البناء وجود الباني، ولا الكتابة وجود الكاتب.
والدليل على أنه قديم: لأنه لو كان محدثا لاقتضى محدثا أحدثه، واقتضى محدثه محدثا أحدثه إلى ما لا نهاية له وذلك محال، فوجب أن يكون الصانع قديما.
والدليل على أنه عالم قادر حي: ظهور الأفعال المحكمة منه، لاستحالة ظهورها من العاجز الجاهل.
ولما ثبت أنه عالم قادر استحال أن يقصد إلى فعله وليس بحي، ولو جاز ذلك لم يدر فعل سائر ما يظهر من الحيوان من تدبرهم، وسائر صنائعهم تظهر منهم وهم موتى، فلما استحال ذلك ثبت أنه حي.
والدليل على أنه واحد: أنه لما ثبت أن للعالم محدثا أحدثه، ولم يكن في الأفعال ما يدل على صانع ثان، فلو أثبتنا الأفعال ثانيا لم يقم عليه دليل، ولم يكن أولى من إثبات ثالث ورابع وذلك لا نهاية له، وذلك محال، وما أدى إلى المحال محال.
-وأيضا- فلو كان للعالم أكثر من صانع لكان لا يستحيل أن يريد أحدهما خلاف ما يريد الآخر، فإن تم ما يريد أحدهما، فالذي لم يتم مراده عاجز، والعاجز لا يكون إلها، فدل أن صانع العالم واحد.
والدليل على أنه سميع بصير: أنه لما ثبت أنه حي، والحي إذا لم يكن سميعا بصيرا كان موصوفا بضد السمع والبصر، ومن ذلك من الآفات الدالة على حدث من جازت عليه وقد أثبتنا أنه قديم.
-وأيضا- فإنه لو كان غير سميع بصير لعجز عن الرؤية والسمع والعاجز لا يكون إلها.
والدليل على أنه مريد قاصد لمراده: لأنه يستحيل ترتيب الأفعال ووضعها مواضعها ممن ليس بمريد ولا قاصد إلى ترتيبها، واستحالة ذلك كاستحالة ظهورها ممن ليس بعالم، وقد أثبتنا أنه عالم.
والدليل على أنه ليس كمثله شيء: لأنه لو أشبه الأشياء لجاز عليه ما يجوز عليها، ولكان محدثا من حيث أشبهها، وكانت قديمة من حيث أشبهته، وذلك محال، واجتماع لضدين.
وفيما ذكرنا من ذلك كفاية.
[الباب الثاني]
باب البيان عن إثبات الرسل صلى الله عليهم أجمعين
[فصل 1 - الدليل على إثبات نبوة الأنبياء] لو قيل: ما الدليل على إثبات نبوة نبيكم وغيره من الرسل صلى الله عليهم أجمعين؟ قيل له: الدليل على ذلك ما ظهر عليهم من الآيات وإتيانهم بظهور المعجزات، وبعث كل رسول منهم إلى قومه لما يفوق به الضرب الذي به يعجزون وعليه يعولون، فتحداهم على الإتيان بمثله، وقرعهم بالعجز عن معارضته.
[فصل 2 - من معجزات موسى عليه السلام]
فبعث الله موسى على نبينا وعليه السلام إلى قوم، وجل ما يحسنون، ومعظم ما به يعجزون علم السحر، فتحداهم بقلب العصا حية، وإخراج اليد بيضاء، وفلق البحر، وإرسال الضفادع والقمل.
فتلقفت عصاه ما يأفكون، وانقلب فرعون وقومه خاسرين، وقال السحرة آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون بعد أن قال لهم موسى: ما جئتم به السحر إن الله سيبطله.
[فصل 3 - من معجزات عيسى عليه السلام] وبعث عيسى على نبينا وعليه السلام إلى قوم عظيم عملهم الطب، فتحداهم بإحياء الموتى، وإقامة الزمنى، وإبراء الأكمه والأبرص، فأذعنوا لقومه منقادين، وتيقنوا أن ما أتاهم به خارج عن إمكان المخلوقين، وأنها شهادة له من رب العالمين
[فصل 4 - من معجزات محمد صلى الله عليه وسلم]
وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى قوم بلغاء فصحاء، أصحاب نثر ونظم وخطابة، وسجع وشعر، وكانوا أفصح أهل عصرهم، ومن جميع الناسبين بعدهم.
[معجزة القرآن العظيم]
فأنزل الله عز وجل عليه القرآن العزيز وأمره في قصد التلاوة بتحديهم، فتحداهم بالإتيان بمثله، وبالغ في توبيخهم بالعجز عن شبهه.
فقال عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
وقال عز من قائل: ﴿فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، ولم يقل من طوالها دون قصارها فلم يستطيعوا ذلك، ولا تسرعوا إليه ولا تعاطوه، ولو كانوا على ذلك قادرين لتسارعوا إليه ولكان ذلك أخف عليهم وأيسر من المسابقة وبذل المهج،
ونصب الحرب معه، وما أداه إليه من ذهاب أنفسهم، وقتل كبرائهم وإجلائهم عن ديارهم, وتملك أرضهم واسترقاقهم.
[معجزة الإخبار عن الغيوب]
وقص عليهم سير الأولين، وأخبار المتقدمين، وشرائع الماضين مع علمهم بنشئه ومسكنه، ثم ما أخبرهم به من الغيوب المستقبلية، والحوادث الكائنة التي لا يعلمها إلا علام الغيوب.
فقال عز وجل: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ فدخلوه كما وعدهم.
وقال تبارك وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي
ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} فمهد لهم البلاد وأذل لهم العباد حتى افتتحوا لهم البلاد ومصروا الأمصار وجبوا الأموال وسبوا الأولاد، وأزاحوا ملك الأكاسرة والجبابرة، واستقامت لهم البلاد، وصارت كلمتهم عالية إلى يوم التناد.
[معجزة العادات الخارقة] مع ما ظهر على يديه من كلام الذئب، وحنين الجذع، ومجيء الشجرة ومشيها إليه وانقلاعها من موضعها ثم انصرافها إليه، وتسبيح الحصاة، وجعل قليل الطعام كثيرا، وانشقاق القمر، وقصة شاة أم معبد، وابتلاع الأرض لقوائم فرس سراقة بن مالك، وكلام الزراع المسمومة إلى غير ذلك مما قد تظاهرت به
أخبار الأحاديث وبمحضرة الجماعات الكثيرة إلى غيره، وظهور ذلك بمشهد منهم، والله عز وجل لا يظهر الآيات ويخترع المعجزات إلا للدلالة على صدق رسله والإقامة لهم بالفضيلة من جميع خلقه، لأن فعل ذلك مع تحديهم قام مقام القول: صدقوا أنني أرسلتهم وأمرتهم بالإبلاغ عني، فوجب لذلك أن يكون تعالى قد يشهد بتصديقهم وقطع العذر في الدلالة على نبوتهم.
وهذا بيان شاف يكتفى به في إثبات التوحيد والنبوة لأنبيائه.
الباب الثالث]
[باب] ذكر ما أنعم الله على خلقه الحسي [الإدراك
[فصل 1 - نعمة إدراك اللذات وسلامة الحواس]
فأول ذلك خلقه فيهم إدراك اللذات وسلامة الحواس.
وقيل: ما يشبعون به من الشهوات التي تميل إليها طباعهم وتصلح عليها أجسامهم، ولو أحياهم وآلمهم ومنعهم إدراك اللذات لكانوا مستضرين بالآلام وبمثابة الأحياء المعذبين من أهل النار.
[فصل 2 - نعمة الإيمان]
وأفضل نعم الله تعالى على عباده المؤمنين خلقه الإيمان في قلوبهم وإجراؤه على ألسنتهم، وهذه نعمة خصهم بها دون الكافرين.
ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
[وقوله]: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾.
وقال عز وجل: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
[الباب الرابع]
[باب] ذكر البيان عن طرق الأدلة التي يعلم بها الحق
وهي خمسة:-
أولها: كتاب الله عز وجل.
والثانية: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثالثة: إجماع الأمة.
والرابعة: ما استخرج من هذه النصوص وبني عليها بطريق القياس والاجتهاد.
والخامسة: حجج العقول.
[فصل 1 - الأمر باتباع الكتاب العزيز]
قال الله عز وجل آمرا باتباع كتابه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرً﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
وقال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
[فصل 2 - الأمر باتباع السنة المطهرة]
وقال عز من قائل في الأمر باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
[فصل 3 - الأمر باتباع إجماع المسلمين] وقال سبحانه وتعالى في وصف عدالة أمة نبيه صلى الله عليه وسلم، والأمر باتباعهم والتحذير عن مخالفتهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.
وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
[فصل 4 - الأمر بالقياس]
وقال جل ثناؤه في الأمر بالقياس والحكم بالنظائر والأمثال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
وقال النبي عليه السلام لقاضيه معاذ بن جبل حين أنفذه لإقامة الحدود واستيفاء
الحقوق بم تحكم؟ فقال: بكتاب الله عز وجل، قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأي وأحكم، فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يحب ويرضى رسوله، فأمره على الحكم بالاجتهاد وجعله أحد طرق الأحكام.
[فصل 5 - الأدلة على اتباع حجج العقول]
وقال تعالى في اتباع حجج العقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وأمرهم بالاعتبار ورد الشيء إلى مثله، والحكم له بحكم نظيره.
[الباب الخامس]
باب ترتيب المكلفين، وتنزيل جميع فرائض الدين
وجميع فرائض الدين على أربعة أقسام:-
[فصل 1 - ما يلزم جميع الأعيان المكلفين]
فقسم منها يلزم جميع الأعيان المكلفين وهو: الإيمان والتصديق له ولرسوله وكتبه وما جاء من عنده، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان والحج من استطاع إليه سبيلا مرة والجهاد، والكف عن جميع المحظورات من غضب الأموال وظلم العباد، والامتناع عن دفع الحقوق ونحو ذلك، والتوبة من جميع الموبقات والخروج عن الواجبات، وتجديد التوبة عن ذكر الذنب، وما يلزم من النذور والكفارات.
فهذه فروض واجبة على جميع المتعبدين وسائر العقلاء المكلفين من راع ورعية وخاصة وعامة وذكر وأنثى وحر وعبد، ممن بلغ الحلم وجرى عليه القلم؛ غير أن العبد لا تجب عليه الزكاة ولا الحج حتى يعتق وتجتمع فيه شروط إيجاب ذلك.
[فصل 2 - ما يختص وجوبه بالأئمة دون العلماء والرعية] والقسم الثاني: من الفرائض يختص وجوبه بالأئمة دون الرعية من العلماء والعامة وهي: إقامة الحدود واستيفاء الحقوق وفصل الحكومات والقضايا والخصومات، وجنايات الجراح، وجنايات الأموال ووضعها في حقوقها وصرفها إلى أهلها لا يلي ذلك أحد من الرعية ولا يسوغ فيه الشروع لأحد من العامة الذين ليسوا الأئمة وخلفائهم والولاة من قبلهم.
[فصل 3 - ما يلزم العلماء دون العامة] والقسم الثالث: من فرائض العلماء دون العامة وهي: الفتوى في النوازل والأحكام من الأمر إلى العامة بما يؤدي إليه النظر والاجتهاد، هذا الفرض مقصور على العلماء من سلطان ورعية لا يحل لأحد من العامة الذين ليسوا من أهل النظر في الأحكام الدخول فيه، وفتوى الإمام وخلفائه لا يكون حكما لازما بل هم وغيرهم في ذلك سواء.
وإنما ما يلزم من ذلك ويصير حكما ما قضي به على الرعية عند التخاصم والترافع إليهم، ويكره للقاضي والإمام أن يفتيا فيما يتعلق بالخصومات والحقوق لئلا تعرف مذاهبهم ويسرع في التحرز من أحكامهم ويتوصل بالحيل في ذلك إلى إبطال الحقوق.
[فصل 4 - ما يختص بالعامة]
والقسم الرابع: من الفروض يختص بالعامة خاصة، وهو الاستفتاء في الأحكام والرجوع إلى قول العلماء في تعريف ما يلزمهم في حكم الحلال والحرام، وهذا فرض مقصور على العامة، ومحظور على العلماء الذين لهم آية الاستنباط، وعلم بطريق القياس والاستخراج.
وقد أجاز بعض الناس تقليد العالم للعالم عند تضيق فرضه وانغلاق طريق الحكم عليه.
وأجاز ذلك آخرون على كل حال.
وأنكره آخرون، وهو أولى، والله عز وجل أعلم.
[الباب السادس]
باب القول في البيان عن الإسلام والإيمان ومعنى ذلك
[فصل 1 - في معنى الإسلام والفرق بينه وبين الإيمان]
معنى الإسلام: الانقياد، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ يريد: لأنه انقاد إليكم ظاهره وأذعن بكلمة الحق لكنكم لا تعرفون باطنه.
وقال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أي انقاد له، فكل طاعة انقاد بها العبد لربه فاستسلم فيها لأمره فهي إسلام.
والإيمان أعلى خصلة من خصال الإسلام، وهو الذي لا تتم طاعة الله عز وجل وقربه إليه إلا به، فوجب أن يكون كل إيمان إسلاما لله عز وجل من حيث كان قربه إليه وانقيادا له واستسلاما لأمره، ولا يكون كل إسلام إيمانا؛ لأن من الإسلام تصديقا وإيمانا ومنه ما ليس بتصديق.
قال الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ يريد بإسلامهم: الاستسلام بدقائق السيف دون انشراح الصدر للإيمان، فأثبت لهم الاستسلام ونفى عنهم التصديق.
فصل [2 - تعريف الإيمان]
والإيمان بالله عز وجل: هو التصديق بالقلب بأن الله عز وجل هو الفرد الواحد الصمد القديم الخالق العليم الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
والدليل على ذلك أن الإيمان هو التصديق بالقلب قوله عز وجل: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ يريد: بمصدق لنا.
وقوله عز وجل: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي: تصدقوا.
ويقال: فلان مؤمن بالله وبالبعث، أي: مصدق بذلك.
وقد اتفق أهل اللغة على أن الإيمان في اللغة هو التصديق.
فالإيمان بالله عز وجل هو التصديق بمضمن التوحيد له سبحانه، والوصف له
بصفاته، ونفي النقائص عنه الدالة على حدوث من جازت عليه.
[فصل 3 - في زيادة الإيمان ونقائصه]
قال أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله: الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية نقصا عن حقائق الكمال لا محبطا للإيمان.
ولم يختلف أئمة الدين في الزيادة، ولا يرفع في ذلك إلا أحاديث المرجئة الذين يقولون: أن إيمان أهل الكبائر كإيمان جبريل وميكائيل وإسرافيل وسائر النبيين صلى الله عليهم أجمعين.
وقوله هذا هو الباطل الذي أكذبه القرآن، وقد نص الله تعالى على زيادته في القرآن وهو قوله عز وجل: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
فأول الإيمان له حد ليس يكون بعده نقص إلا كان كافرا أو شاكا، فإذا سلم من هذا كان إيمانا يخرج به من الريب والشك إلى الإيمان والتصديق ثم يزيد فتقوى بصيرة من وهبه الله عز وجل المزيد فيزداد يقينه بأمور الله عز وجل ووعده ووعيده، ويعظم الله سبحانه في قلبه ويهون عليه الدنيا في طلب مرضاته لما عنده من مزيد الإيمان.
وقد سمى الله تعالى الأعمال إيمانا بقوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس حين نسخت القبلة.
وإلى هذا المعنى يرجع أن العمل إيمان وأن النقص إنما يكون في تلك الزيادات فترى مؤمنين وبأحدهما من الخوف والإشفاق والزهد ما ليس بصاحبه، أفترى إيمان هذين سواء، هذا جهل من قائله، فنقص الإيمان إنما ينقص من تلك الزيادات حتى يبلغ إلى أقل الإيمان الذي النقص فيه شك وكفر.
قال الشيخ أبو الحسن الفاسي: اتفق أهل السنة أن الإيمان قول وعمل:-
وذلك لقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾.
وقوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس.
ولقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، وفيها: وآتى المال على حبه، وفيها: وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون.
وما في كتاب الله عز وجل من هذا فهو توكيد ويزيده بيانا.
وأما السنة فكثيرة منها:-
قوله صلى الله عليه وسلم:" بني الإسلام على خمس" فذكر بعد الشهادة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت.
والإيمان يزيد وينقص، ولم يختلف أهل السنة في زيادته؛ لأنه في كتاب الله تعالى.
ووقف مالك عن القول في نقصانه وإنما توقف عن إطلاق النقصان لما يؤدي
ذلك إليه من الخصام، إذ لم ينص على النقص في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فلما كان إطلاق ذلك يدخل الشك على العوام أن من أبى من قبول نقصه يكون ما صدق به إيمانا لا يضره ما ارتاب فيه، ووقف الكلام في نقصه.
وأما من أطلق القول من أهل السنة بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فمعناه: أنه إذا كان الإيمان قولا وعملا اقتضى أنه من وفى بالقول والعمل فقد جاء به كاملا بشروطه، ومن خالف بالعمل باقتراف الذنوب فقد نقص شروط الإيمان.
وقد تختلف -أيضا- معرفة المؤمنين بالإيمان من غير أن يدخل على أقل المؤمنين معرفة به ريب فيما أمر به وإن تساووا في القبول والإقرار وفي السلامة من الشك والريب في شيء من الإيمان.
فالقلوب تختلف في يقينها وشكها وحسن توكلها، وتختلف في القوة والضعف عند الابتلاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي البأساء والضراء وحين البأس.
قال أبو محمد بن أبي زيد: ولا يكمل قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.
[فصل 5 - في عدم تكفير أهل القبلة]
وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة وإن كان كبيرا، ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله؛ كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وفيما ذكرنا من ذلك كفاية لمن يفهم، والله الموفق لمن يشاء برحمته.
[الباب السابع]
باب في التوحيد والأسماء والصفات وسائر الاعتقادات
[فصل 1 - في إثبات الأسماء والصفات]
والتوحيد لله عز وجل هو: الإقرار بأنه ثابت موجود، وأنه واحد ليس له ثان، فرد صمد معبود ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ على ما ورد به قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وأنه الأول قبل المحدثات، الباقي بعد فناء المخلوقات على ما أخبر به عز وجل، وقوله عز وجل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ إلى قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، والعالم الذي لا يخفى عليه شيء، والقادر على اختراع كل مصنوع وإبداع كل جنس
معقول على ما أخبر به عز وجل من قوله عز وجل: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
وأنه الحي الذي لا يموت، والدائم الذي لا يزول، وأنه إله كل مخلوق ومبدعه ومنشئه ومخترعه، وأنه لم يزل مسميا لنفسه بأسمائه الحسنى، واصفا لها بصفاته العلا قبل إيجاد خلقه، وأنه قديم بأسمائه وصفات ذاته التي منها الحياة التي فارق بها الموات والأموات، والقدرة التي بها أبدع الأجناس والذوات، والعلم الذي به أحكم جميع المصنوعات، وأحاط بالمعلومات، والإرادة التي صرف بها أصناف المخلوقات، والسمع والبصر الذي أدرك بهما جميع المسموعات والمبصرات، والكلام الذي به فارق الخرس والسكوت وذوي الآفات، والبقاء الذي به سبق المكونات ويبقى بعد فناء جميع الفانيات، كما أخبر عز وجل في قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾
[وقوله تعالى]: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.
فنص عز وجل على إثبات أسمائه وصفات ذاته، وأخبر أنه تعالى ذو الوجه الباقي بعد انقضاء الباقيات كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
[صفة اليدين]
واليدان اللتان نطق بإثباتهما له القرآن في قوله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.
وقوله عز وجل: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
وأنهما ليستا بجارحتين ولا ذواتي صورة وبنية.
[صفة العينين]
والعينان اللتان أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن، وتواترت بذلك أخبار الرسول عليه السلام.
فقال عز وجل: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ و ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾.
وأن عينيه ليستا بجارحتين ولا بحاسة من الحواس ولا يشبه الجوارح ولا الأجناس.
[صفة الإرادة] وأنه سبحانه لم يزل مريدا وشافيا ومحبا ومبغضا وراضيا وساخطا ومواليا ومعاديا ورحيما ورحمانا، وأن جميع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشيئته، لا إلى غضب يعتريه ورضى يسكن طبعا له وحنق وغيظ يلحقه وحقد يجده؛ إذا كان سبحانه متعاليا عن الميل والنفور، وأنه سبحانه لم يزل راضيا في أزليته عمن علم أنه بالإيمان يختم عمله ويوافي به ربه إذ خلقه، وأنه لم يزل غضبانا على من يعلم أنه بالكفر يختم عمله وتكون عاقبة أمره.
فقد قال عز وجل: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وقال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
فدل أنه يشاء ويريد.
قال ابن فورك: وأن تعلم أن الله عز وجل ما خلق شيئا لعلة موجبة لخلقه سوى خلقه، وأن قول المعتزلة: خلق الخلق لينفعهم كلام باطل، وأنه سائغ في حكمه أن يخلق خلقا ينفعهم كلام باطل دائما أبدا دون وقت، أو يضرهم أو يضر بعضهم دائما أو منقطعا كل ذلك منه حكمة وصواب.
فصل [2 - في الاستواء]
قال القاضي رضي الله عنه: وأنه سبحانه مستو على عرشه كما قال عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة.
وأنه تعالى في السماء إله وفي الأرض إله كما أخبر بذلك.
قال أبو محمد: قال رجل لمالك: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟
قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وأراك صاحب بدعة، أخرجوه.
وأن تعلم أن الله عز وجل فوق سماواته وعلى عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، وأن له تعالى كرسيا كما قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
ولما جاءت به الأحاديث أن الله عز وجل يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء.
قال مجاهد: وكانوا يقولون: ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة في فلاة من الأرض.
[فصل 3 - في رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة]
قال القاضي: وأنه تعالى يتجلى لعباده المؤمنين في المعاد فيرونه بالأبصار على ما نطق به القرآن في قوله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وأكد ذلك بقوله في الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ تخصيصا منه تعالى برؤية المؤمنين، والتفرقة بينهم وبين الكافرين، وعلى ما وردت به السنن الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك:-
حديث أبي هريرة: أن الناس قالوا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فقال عليه السلام: "هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله.
قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ "، قالوا: لا يا رسول الله.
قال: " فإنكم ترونه كذلك"
ومنه حديث أبي سعيد الخدري قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا؟ قال: " هل تضارون في رؤية الشمس إذا كانت صحوا؟ " قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ كما لا تضارون في رؤيتها".
ومنه حديث ابن شهاب عن قيس بن حازم عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم سترون ربكم عيانا".
وقال محمد بن يحيى النيسابوري: السنة عندنا، وهو قول أئمتنا مالك بن يونس، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، وابن حنبل، وعليه عهدنا أهل العلم قالوا: إن الله عز وجل يرى في الآخرة بالأبصار، يراه أهل الجنة دون من سواهم من بني آدم، وفي ذلك سنن كثيرة يطول ذكرها، وعليه حذاق أهل الكلام والله الموفق للصواب.
فصل [4 - في الإدراك]
وأن تعلم مع كونه سميعا بصيرا أنه مدرك لجميع المدركات التي يدركها الخلق من الطعوم والروائح واللين والخشونة والحرارة والبرودة بإدراك غير مكيف.
وأنه مع ذلك ليس بذي جوارح وحواس توجد بها هذه الإدراكات، فتعالى عن التصوير والجوارح والآلات.
وأن تعلم أنه مع إدراك سائر الأجناس المدركات وجميع الموجودات أنه غير ملتذ، فلا ألم لإدراك شيء منها ولا شبيه لها ولا نافر عنها ولا منتفع بإدراكها ولا متضرر بها ولا يجانس شيئا منها.
وأن تعلم أنه سبحانه ليس بمغاير لصفات ذاته وأنها في أنفسها غير متغايرة؛ إذ كان حقيقة الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما للآخر بالزمان أو المكان أو الموجود أو العدم، فإنه سبحانه يتعالى عن المفارقة لصفات ذاته عن أن توجد الواحدة منها مع عدم الأخرى.
فصل [5 - في أقسام الصفات] وأن تعلم أن صفات ذاته التي لم تزل ولا يزال موصوفا بها، وأن صفات أفعاله