قال بعض أصحابنا عن بعض فقهائنا: قول ابن القاسم ها هنا إنما هو على قول مالك الذي قال: إن للطالب أن يتبع الكفيل إن شاء في يسر الغريم، وقد خالف ابن القاسم أصله في هذه المسألة.
وقال بعض شيوخنا من القرويين: إنما قال ذلك؛ لأنه رأى أن ذمة العبد وذمة السيد كشيءٍ واحدٍ.
وقال غيره: ليس الأمر كما قالا، وإنما محمل المسألة أن السيد فلي وهو حي أو مات مفلساً فلذلك خيره؛ لأن الغريم إذا فلس وخاف الطالب المحاصة أن له إتباع الكفيل.
م: وهو الصواب إن شاء الله.
وقيل: هذا من ابن القاسم كقول مالكٍ في الذي يكره العبد على
الحمالة وعلى أن يجعل في ذمته مالاً بعد عتقه؛ لأن العبد يقول: إنما أنا جميل بما عجز عنه مال سيدي فهو الذي يلزمني.
فإذا أكره على أن يبقى في ذمته مع يسر سيده صار كأنه أكرهه على الحمالة وإن كان قد دخل أولاً طائعاً لتوجه براءة ذمته منها، والذي قاله غير ابن القاسم ها هنا هو قياس قول ابن القاسم في أنه لا يكره عبده على الحمالة، وإذا اتبع الطالب ذمة السيد، فبيع العبد في ذلك فما عجز ثمنه فباقٍ في ذمة العبد يباع بشرط أنه حميل لسيده، ثم له مرجع على سيده بالذي يبقى عليه متى غرمه هو.
وفي كتاب محمد: لو تحمل السيد عن عبده ثم باعه، وكان منتزع المال بالبيع، فقال صاحب الدين: اقضني حقي فقد بعت الغلام.
قال: ليس ذلك له حتى يحل الأجل.
قال بعض الفقهاء: وذلك صواب؛ لأن العبد لو مات أو فلس قبل الأجل لم يحل الدين على الحميل؛ فكيف انتزاع ماله.
واعلم أنه إذا طالب السيد، فبيع العبد، فلم يف بالدين،
أن له مطالبة العبد بما بقى؛ كالحر في هذا، وذلك مأخوذ من قول الغير: ليس له أن يطالب ذمة العبد إلا بما عجز عنه ذمة السيد، وهذا لا يختلفون فيه.
قال أبو محمد: وينبغي أن يباع العبد في هذا القول على التنقيص؛ ليعلم ما يبقى في ذمة العبد من الدين، فيبرأ منه؛ مثل أن تكون قيمته مئة، فيقال: من يشتريه بخمسين على أن تبقى في ذمته خمسون، أو بستين على أن يبقى في ذمته أربعون، فتقع المزايدة فيه على هذا، كلما زيد في ثمنه نقص عن ذمته مثله.
وكذلك إن كان على السيد دين آخر، فحوصص الطالب في ثمن العبد، أن ما يقع له في الحصاص يسقط مثله عن ذمة العبد؛ مثال ذلك أن يكون على السيد دين مئة دينارٍ، وتحمل عنه العبد بدين بمئة دينارٍ أخرى، فيقال: من يشتري هذا العبد بمئة دينارٍ على أن تبقى في ذمته خمسون، فإن قال آخر: أنا أخذه بمئةٍ وعشرين، قيل: له بقى في ذمته أربعون.
هكذا: ما وقع للذي تحمل به العبد بالحصاص سقط مثله عن ذمة العبد، وقد ذكرنا لك أيضاً في كتاب التفليس.
ومن المدونة قال ابن القاسم: إن تحمل العبد بدين على أجنبي بأمر سيده كان ذلك في ذمته، لا في رقبته.
قال: وتجوز كفالة العبد، أو من فيه بقية رق لسيده ولا يجبره السيد على ذلك، ولا يلزمه إن جبره السيد.
قال: وإن أبى العبد أن يتكفل به، وقال: أخاف إن عتقت لزمتني الكفالة، وأشهد السيد أنه ألزمه الكفالة عنه، لم يلزم العبد ذلك إلا برضاه.
وقال مالك- في الرجل يعتق عبده وعليه مئة دينارٍ-: إن ذلك لازم للعبد وإن كره العبد ذلك.
م: كأن ابن القاسم عرض بهذا التشبيه أن مالكاً يمكن أن يقول: للسيد أن يجبره في الكفالة به؛ كما جبره في العتق، وهو يخالفه في الوجهين، ويرى في قوله: أنت حر، وعليك ألف أنه حر ولا شيء عليه.
ابن المواز: وقال عبد الملك: للسيد أن يكره عبده على الحمالة ما لمك يكن على العبد دين يحيط بماله، وقول ابن القاسم: لا يكرهه، والأول أحب إلينا.
ومن المدونة: ومن باع من عبده سلعة بدينٍ إلى أجل أو تكفل عنه بدين، فأداه عنه ثم باعه أو أعتقه، فإن ذلك باقٍ له في ذمته إلا أن ذلك عيب في المبيع، فإن لم يبينه فالمبتاع مخير في الرضى بذلك أو رد البيع، ومن له على عبده دين، فأخذ منه كفيلاً لزم ذلك الكفيل؛ لأن السيد يحاص به غرماء عبده.
[الباب السابع عشر] في الحمالة بمجهول أو إلى أجل مجهولٍ،
وفي ضياع ما اقتضاه الحميل
[(1) فصل في الحمالة بالمجهول أو إلى أجل مجهول]
قد تقدم أن الحمالة بالمال المجهول جائزة كهبة؛ لأنها معروفٌ، كقوله: ما ذاب لك قبل فلان فأنا ضامنه، أو داين فلاناً فما داينته به فأنا ضامن أن ذلك يلزمه إذا ثبت مبلغه، وصح ذلك عليه: فكذلك الحمالة بالمال إلى أجل مجهولٍ جائزةً، ويضرب له من الأجل بقدر ما يرى.
قال ابن القاسم: ومن قال لرجلٍ: إن لم يوفك فلان حقك فهو على ولم يضرب لذلك أجلاً، تلوم له السلطان بقدر ما يرى، ثم ألزمه المال إلا أن يكون الغريم حاضراً مليئاً، وإن قال له: إن لم يوفك فلان حقك حتى يموت فهو علي فلا شيء على الكفيل حتى يموت الغريم.
يريد: يموت معدماً.
م: ولو مات الحميل قبل موت فلان وجب أن يوقف من ماله قدر الدين، فإن مات المحمول عنه عديماً أخذ المحمول له ذلك المال الموقوف.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس أن يتكفل بمالٍ إلى خروج العطاء وإن العطاء مجهولاً إن كان من قرضٍ أو تأخيرٍ بثمن بيع صحت عقدته، وإن كان في أصل بيع لم يجز إذا كان العطاء مجهولاً.
وقال في كتاب السلم: فيمن أسلم في طعامٍ، وأخذ برأس المال جميلاً أنه بيع لا خير فيه.
قال سحنون: لأنه أصل العقد، ولو كانت الحمالة بعد العقد لم يفسخ البيع وفسخت الحمالة، إلا أن على الحميل مثل رأس المال يشتري به للطالب طعاماً، فإن لم يكن فيه وفاء لم يلزمه غير ذلك.
م: وقد بينت في السلم الثاني وجه كلام سحنون فأغنى عن إعادته.
[2] فصل: [في ضياع ما اقتضاه الحميل]
قال في الكفالة: وليس للكفيل أخذ الغريم بالمال قبل أن يؤخذ منه إلا أن يتطوع به الغريم؛ لأنه لو أخذه منه ثم أعدم الكفيل أو فلس كان للذي له الحق أن يتبع الغريم.
قال: وإذا دفع الغريم الحق إلى الكفيل فضاع، فإن كان
على الاقتضاء ضمنه الكفيل- قامت بهلاكه بينة أو لم تقم- عيناً كان أو عرضاً- أو حيواناً؛ لأنه متعد، وإن كان على الرسالة لم يضمنه، وهو من الغريم حتى يصل إلى الطالب-.
قال ابن المواز: والقول قول الحميل في ضياعه بلا بينةٍ؛ لأنه مؤتمن، فإن اتهم حلف.
وقد تقدم هذا كله في كتاب السلم.
[الباب الثامن عشر] في كفالة البكر المعنسة وغير المعنسة
وأفعالها، وكفالة ذات الزوج وأفعالها في مالها.
[(1) فصل: في كفالة البكر المعنسة]
قال ابن القاسم: وإذا عنست الجارية البكر في بيت أبيها، وأنس منها الرشد جاز عتقها وهبتها وكفالتها وإن كره الوالد.
قيل: أهذا قول مالكٍ؟ قال: هذا رأيي، وقوله: إن ذلك ليس بجائزٍ هو الذي يعرف.
قال ابن القاسم: وسئل مالك عن الجارية المعنسة تعتق أجائز؟
قال: إن أجازة الوالد.
وسئل ابن القاسم في بابٍ آخر عن البكر التي عنست في بيت أهلها أتجوز كفالتها؟
قال: قال مالك- في هبتها وصدقتها-: لا تجوز، وكذلك كفالتها في هذا لا تجوز، لأن بعضها بيد أبيها.
م: يريد على قول مالك هذا.
قال ابن القاسم: وكان مالك مرة يقول فيما وجدت في كتاب عبد الرحيم: أنها إذا عنست جاز أمرها.
م: واختلف في حد التعنيس، فقيل: أوله ثلاثون، وقيل: خمسة وثلاثون، وقيل: أربعون.
ابن حبيب: قال مطرف عن مالكٍ: في البكر المرشدة المرضية
الحال الحسنة النظر، لا يجوز لها قضاء في مالها ببيع ولا غيره كان لها أب أو لم يكن حتى تبلغ أربعين سنةً، وقاله ابن القاسم وأصبغ.
وقال ابن الماجشون: إذا لم يول عليها بأب ولا غيره، فإذا بلغت ثلاثين جاز قضاؤها في مالها من عتقٍ وعطيةٍ وغير ذلك إذا كانت مرشدة.
وأما التي يولى عليها بأبٍ أو وصي أو خليفة سلطان فلا يجوز لها قضاءٌ وإن كانت في السن والحال كما ذكرنا حتى تنكح أو تعنس.
وأول التعنيس أربعون سنة، وبه قال ابن وهب، وغيره.
ابن حبيب وبه أقول.
[(2) فصل: في حمالة البكر غير المعنسة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما البكر التي في بيت أهلها وقد حاضت إلا أنها لم تعنس، فلا تجوز كفالتها ولا صدقتها ولا عتقها ولا شيء من معروفها وإن أجازه الوالد لم ينبغ للسلطان أن يجيزه، وهي في هذا
كالصبي والمولى عليه، وإن أعطت لأبويها شيئاً من مالها، لم يجز ذلك لهما؛ كما لو أعطت ذلك لأجنبي.
[(3) فصل: في كفالة ذات الزوج]
ولا يجوز لها بعد البناء بيع ولا شراء ولاشيء من المعروف أجاز ذلك زوجها أو لم يجزه حتى يتبين رشدها، فإذا عرف بعد البناء رشدها وصلاح حالها جاز بيعها وشراؤها في مالها كله وإن كره الزوج إذا لم تحاب، فإن حابت أو تكفلت أو أعتقت أو تصدقت أو وهبت أو صنعت شيئاً من المعروف كان ذلك في ثلثها؛ لأن كل معروفٍ تصنعه ذات الزوج فهو في ثلثها، وكفالتها معروف وهو عند مالك من وجه الصدقة فإن حمل ذلك كله ثلثها وهي لا يولى عليها جاز وإن كره الزوج؛ لأن ذلك ليس بضرر، وإن جاوز الثلث فللزوج رد الجميع أو إجازته؛ لأن ذلك ضرر إلا أن يزيد على الثلث كالدينار وما خف، فهذا يعلم أنها لم ترد به ضرراً، فيمضي الثلث مع ما زادت.
وقد سئل مالك عمن أوصى في جاريته أن تعتق إن حملها الثلث، وإن لم يسعها الثلث فلا تعتق، فزاد ثمنها على الثلث ديناراً أو دينارين؟ فقال: لا تحرم العتق بمثل هذا، وقال ابن القاسم: وتغرم الجارية ما زاد على الثلث إذا كان يسيراً، وإن لم يكن معها اتبعها به الورثة ديناً.
قال أبو محمد: أنكره سحنون وقال: هذا من باب الاستسعاء، وأخذ برواية ابن وهب: أن ما زاد يرق منها ويعتق ما حمل الثلث منها، وقيل: يعتق جميعها ولا يتبع بشيء.
م: قال بعض أصحابنا: ولا يختلفون أذا أوصى بعتق جاريته ولم يقل: إن حملها الثلث، فكان ثمنها يزيد على الثلث الدينار ونحوه، أنه يرق ذلك المقدار منها، وليست كمسألة المدونة؛ لأنه شرط فيها إن حملها الثلث وإلا فلا.
وقاله بعض شيوخنا.
وقال بعض أصحابنا من البغداديين: إنما قال مالك: لا يجوز لذات الزوج أن تتصدق أو تعتق أو تخرج شيئاً من مالها بغير عوضٍ فيما زاد على ثلثها- خلافاً لأبي حنيفة والشافعي.
في قوليهما: أنه لا حق لزوجها في منعها- لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة ملك زوجها عصمتها عطية في مالها إلا بإذنه)) وهذا نص.
وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((تنكح المرأة لدينها ومالها وجمالها.....)) وذلك يفيد أن للزوج حقاً في تبقية
المال؛ ويبين ذلك أن مهر المثل يقل ويكثر بحسب قلة مالها وكثرته، كما يقل ويكثر بحسب قبحها وجمالها، وإذا ثبت ذلك فليس لها إبطال غرض الزوج فيما لأجله رغب في نكاحها وزاد في صداقها؛ وإنما أجزنا لها الثلث؛ لأن الحديث مقيد في المنع بما زاد عليه؛ ولأن منعها فيه لأجل غيرها فأشبهت المريض.
وقال ابن حبيب: إنما كان معروف ذات الزوج في ثلثها لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يجوز لامرأة أن تقضي في ذي بالٍ من مالها إلا بإذن زوجها)) فرأى العلماء أن ذا بال من مالها ما جاوز الثلث وأجازوا لها القضاء في الثلث فلم تكن أسوأ حالاً من المريض الذي قصره رسول الله صلى الله عليه وسلم على الثلث.
ورواه مطرف وابن الماجشون.
قالا: فما فعلت بأكثر من الثلث من عتقٍ أو صدقةٍ أو هبةٍ
فهو مردود حتى يجيزه الزوج.
وقال ابن القاسم: هو جائز حتى يرده الزوج؛ كعتق المديان، ورواه عن مالك.
وأنكر مطرف وعبد الملك هذه الرواية.
وقالا: الغرماء لا يصح لهم نكير إلا بإثبات البينات على الدين واغتراق الذمة، وهذا زوج لا يكلف بالبينة، فقد قال في الحديث: ((لا يجوز لامرأةٍ)) فهو مردود في الأصل.
وقال أصبغ بقول ابن القاسم: إن قضاء المرأة جائزٌ حتى يرده زوجها.
قالا: فإذا قضت بالكثير فلم يعلم به الزوج حتى تأيمت بموته أو طلاقه أو علم فرده ولم تخرجه عن ملكها حتى تأيمت فذلك نافذ عليها؛ وكالعبد يعطي ويعتق فلا يرد ذلك حتى يعتق أنه يلزمه؛ والغرماء يردون عتق المديان للعبد
فلم يخرج من يده حتى أيسره، أن العتق ماضٍ.
وقال ابن القاسم: إذا لم يعلم به الزوج حتى تأيمت حكم به عليها، ولا يحكم به عليها إن كان الزوج قد رده.
م: وقول ابن القاسم في ذلك كله أصوب وهو القياس؛ لأنه إذا كان على قولهم على الرد حتى يجيزه الزوج فينبغي إذا تأيمت أن لها الرجوع فيه؛ لأنه لم يزل مردوداً، وقد أجمعوا أن ذلك ماضٍ عليها إذا تأيمت فهذا يؤيد على الإجازة حتى يرد الزوج.
وقول ابن القاسم أيضاً- إذا علم الزوج بعتقها فرده أن ذلك رد ولا يعتق عليها بعد التأيم- أصوب؛ وقد أجمعوا أن رده لهبتها رد، ولا يلزمها إمضاؤها بعد التأيم فكذلك ينبغي أن يكون عنقها؛ وكرد السيد لعتق العبد، هذا هو القياس.
وقال ابن حبيب: وإذا لم يعلم الزوج بما فعلت من عتق أو عطية حتى ماتت هي، أو لم يعلم السيد بفعل العبد حتى مات فذلك مردود؛ لأن لهما الميراث.
قال ابن القاسم: إن موت الزوجة مثل التأيم، وذلك ماضٍ.
وقال أصبغ بقوله في الموت.
وأما التأيم فبقول مطرف وابن الماجشون.
وقال ابن حبيب بقولهما في كل شيء.
قال ابن حبيب: قال ابن القاسم: ولو أعتقت ثلث عبد لا تملك غيره، جاز ذلك، ولو أعتقته كله لم يجز منه شيء، وهو قول ابن أبي حازم.
وقال ابن الماجشون ومطرف: يبطل عتقها في الوجهين؛ لأنه كأنها أعتقته كله بعتق بعضه، لإيجاب النبي صلى الله عليه وسلم تتميم العتق على معتق شقصٍ، فكيف بمن يملك جميع العبد، فلما منع الزوج من عتق الجميع رد كله.
وروياه عن مالك، وعن المغيرة، وابن دينار.
وغيرهم.
قال مطرف وابن القاسم عن مالك: وإذا دبرت عبدها، فذلك ماضٍ لا رد لزوج فيه؛ إذ لم يزل من ملكها، وإنما منعت من بيعه وقد كان لها ألا تبيعه بلا تدبير، وقاله أصبغ، وبه أقول.
وقال ابن الماجشون: لا يتم ذلك إلا بإذنه، وهو كعتقه، وقد منعت نفسها من البيع إن أرادته بعد ذلك.
ومن المدونة وقال المغيرة- في ذات الزوج تزيد في عطيتها على الثلث-: أنه يجوز منه الثلث كالوصايا.
وقال غيره: ليس كالوصايا، إذ تجوز وصية من لم يبلغ
الحلم، أجازها عمر بن الخطاب، وأبان بن عثمان وغيرهم، ولا يجوز صنيعه في صحته في قليل مالٍ ولا كثيره، فحكم المرض غير حكم الصحة.
ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وإذا أعطت أو تصدقت بأكثر من الثلث، رد منه الزائد على الثلث، وأما في عتق العبد فيرد جميعه؛ لئلا يعتق بعض عبدٍ بلا استتمامٍ، فيخالف السنة ورواه عن مالك، وقال مطرف: علمت مالكاً فرق بين ذلك، وذلك مردود إلا أن تقتصر هي على الثلث، وقاله ابن القاسم.
ويقول ابن الماجشون أقول.
وقال مطرف وابن الماجشون وأشهب عن مالك: إذا تصدقت بالثلث فأقل على وجه الضرر بالزوج والسفه أنه يرد ذلك كله، وبه أقول.
وقال ابن القاسم: وذلك ماضٍ لها على أي وجهٍ كان،
وقاله أصبغ.
وقال مطرف وابن الماجشون: ولها أن تنفق على أبويها وتكسوهما وإن جاوزت الثلث، ولا أقول للزوج؛ لأن الحكم يوجبه عليها، وقاله أصبغ.
قال أصبغ: وإذا أعتقت رأساً من رقيقها ثم رأساً ثم رأساً، والزوج غائب ثم قدم، فإن كان بين ذلك أمد قريب- حتى كأنها اغترت تجويز الكثير من مالها- مثل أن يكون بين ذلك اليوم واليومان، فإن حمل جميعهم الثلث، وإلا رد جميعهم كعتقها إياهم في كلمةٍ، وإن كان بين ذلك بعد مثل: شهرٍ أو شهرين، جاز الأول إن حمله الثلث، ورد ما بعده وإن حمله الثلث مع الأول؛ لأن مخرجه الضرر.
وإن تفاوت ما بين الوقتين مثل ستة أشهرٍ فهو عتق مؤتنف يبتدأ لها فيه نظر الثلث في كل وقتٍ.
م قوله-: فإن كان بين ذلك مثل شهرٍ أو شهرين، جاز الأول إن حمله الثلث ورد ما بعده وإن حمله الثلث مع الأول؛ لأن مخرجه الضرر
-: ليس بصحيح، وينبغي أن يجوز كعتقها إياهما في كلمةٍ، لا فرق، إلا أن يعلم أنها قصدت الضرر، فيدخله الاختلاف الذي تقدم له قبل هذا.
قال أصبغ: وإذا تصدقت بشوار بيتها وهو قدر الثلث فأقل، فقال الزوج: لا تعري بيتي، فذلك ماضٍ صحيح، وتؤمر هب أن تعمر بيتها بشوار مثله، وكذلك لو تصدقت قبل البناء بصداقها وهو دون الثلث وهي ثيب، أن ذلك ماضٍ وتؤمر أن تجعل مثله من مالها في شورةٍ تدخل بها.
ومن العتبية: قال أصبغ عن ابن وهب- في العبد له المرأة الحرة-: أنه ليس له منعها من القضاء في ثلثي مالها، ولها أن تتصدق بمالها كله ولا كلام له.
قلت له: إنه قد يعتق.
قال: ما اتفق الناس في الحر، فكيف بالعبد.
قلت له: فهو رأيك في الحر أن له منعها إلا من الثلث؟ قال: هو أحب إلي.
قال: وأما الأمة تحت الحر فليس له عليها حجر؛ لأن مالها لسيدها وهي لا تختلع إلا بإذنه.
قال أصبغ: أما قوله في الحرة تحت العبد فليس بشيءٍ، وله ما للحر وهو زوج، وهو حق له.
وقال أشهب وابن نافع عن مالك مثله.
ومن المدونة قال مالك: وإذا حلفت ذات الزوج بعتق رقيقها فحنثت، والثلث يحملهم، عتقوا، وإن كانوا أكثر من ثلثها، فللزوج رد ذلك، ولا يعتق منهم شيء قال: فإن مات زوجها أو طلقها رأيت أن تعتقهم بغير قضاء، قال: وهي في عطيتها لأبويها كعطيتها لأجنبي.
[(4) فصل: في كفالة الزوجة عن زوجها]
قال ابن القاسم: وإذا أجاز الزوج كفالة زوجته الرشيدة في أكثر من الثلث جاز تكلفت عنه أو عن غيره، وإن تكلفت عنه بما يغترق جميع مالها فلم يرض الزوج، لم يجز من ذلك ثلث ولا غيره.
قال مالك: ونجوز عطيتها لزوجها جميع مالها إذا لم تكن سفيهة، وإن تكلفت بزوجها، ثم ادعت أنه أكرهها على ذلك لم تصدق، ولزمها ذلك- وإن أحاط الدين بمالها- إذا كانت مرضية، إلا أن يعلم ذلك، أو تقوم عليه بينة فيسقط عنها.
قال مالك: وإن كانت المرأة أيما لا زوج لها فلها أن تتكفل بمالها كله وتعطيه إذا لم يول عليها.
وفي كتاب محمد عن أشهب فرق بين حمالتها بزوجها لأجنبي، وحمالتها لزوجها.
فقال: أما حمالتها بزوجها الأجنبي فذلك لازم لها، ولا يقبل قولها- كنحو ما تقدم في المدونة- إلا أن يكون صاحب الحق عالماً بإكراهها أو تقوم لها بينة بأن زوجها أكرهها، قيل له: فإن أنكر صاحب الحق أن يكون عالماً بذلك؟ قال: أما قريب الجواز فإنه يحلف، فإن نكل حلفت المرأة لقد علم وبرئت، وأما
غير الجار ومن لا يمكنه علم ذلك فلا يمين عليه.
قال أشهب: وأما حمالتها بغير زوجها لزوجها، فإنه ينظر في ذلك، فإن كان ظاهر الإساءة- بالبينة العادلة- وقلة ورعه وقهرته وتحامله عليها بما لا يحل معروفاً- إن لم تفعل ركبها بما لا يحل- فإن الحمالة ساقطة عنها إذا هي حلفت، وإن كان غير ذلك، حلف الزوج ما أكرهها ولا أخافها ولزمتها الحمالة.
والله أعلم وبالله التوفيق تم كتاب الحمالة من الجامع لابن يونس بحمد الله وإحسانه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
بيان حساب مسألة الستة الحملاء
قال محمد بن عبد الله بن يونس رحمه الله: قد تقدم فقه هذه المسألة وتفريع وجوهها، وأنا مبين وجه حسابها بتوفيق الله عز وجل وعونه:
قال: إذا كان لرجل ستمئة درهمٍ على ستة رجالٍ، على أن بعضهم حميل ببعض بجميع المال.
فإذا لقي أحدهم فليأخذه بستمئة درهمٍ، مئة عن نفسه وخمسمئةٍ بالحمالة، ثم إن لقي الغارم للستمئة أحد أصحابه أخذه بمئةٍ أداها عنه، وبنصف الأربعمئة التي أداها عن الباقين؛ لأنه حميل معه بهم، فجميع ما يأخذه منه ثلاثمئةٍ، وبقي له مما غرم ثلاثمئةٍ.
ثم إن لقي ثانياً قال له: غرمت ثلاثمئةٍ، مئةٍ عن نفسي، ومئتين بالحمالة عن أربعةٍ أنت أحدهم تلزمك في خاصتك خمسون، وتبقى مئة وخمسون أنت معي بها حميل عليك نصفها: خمسة وسبعون، فجميع ما يأخذ منه: مئةٌ وخمسةٌ وعشرون، فصار جميع ما أخذ من صاحبيه أربعمئةٍ وخمسةٌ وعشرين وبقي له مما أدى بالحمالة خمسة وسبعون.
ثم إن لقي ثالثاً قال له: أديت بالحمالة خمسة وسبعين على ثلاثةٍ أنت أحدهم، فهلم ثلثها: خمسة وعشرين، ونصف ما يبقى؛ لأنك معي بها حميل فجميع ما يأخذه منه خمسون، وبقيت له خمسة وعشرون.
ثم إن لقي رابعاً قال له: بقي لي مما أديت بالحمالة خمسةٌ وعشرون هي عليك وعلى صاحبك الباقي، فهلم نصفها: اثنى عشر ونصفاً، ونصف باقيها بالحمالة وذلك ستة وربع، فجميع ما يأخذ منه: ثمانية عشر وثلاثة أرباع درهم، وبقي له مما غرم ستة وربع.
ثم إن لقي الآخر فيأخذ منه ستةً وربعاً، وهو باقي ما أداه بالحمالة.
ثم إن لقي الثاني- الغارم لهذا الأول ثلاثمئة لقي- الثالث الذي كان غرم للأول أيضاً: مئة وخمسة وعشرين، فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة: مئتان عن أربعة أنت أحدهم عليك منها خمسون، فيأخذها منه، وتبقى مئة وخمسون أنت معي بها حميل، فيقول هذا الثالث: قد أديت أنا أيضاً بالحمالة للأول خمسة وسبعين ساويتك في مثلها، وبقيت لك خمسة وسبعون فخذ نصفها: سبعة وثلاثين ونصفاً، فجميع ما يأخذ منه: سبعة وثمانون ونصف، وصار جميع ما أداه هذا الثالث للأول والثاني: مئتين واثنى عشر ونصفاً، فأحفظها وبقي يطلب مئة واثنى عشر ونصفاً وهو ما أداه بالحمالة.
ثم إن لقي الرابع- الذي كان غرم للأول خمسين- فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة مئة واثنا عشر ونصف، عن ثلاثة أنت أحدهم يلزمك
في خاصتك ثلثها: سبعة وثلاثون ونصف، فيأخذها منه، وتبقى خمسة وسبعون أنت معي بها حميل فهلم نصفها، فيقول له الرابع: قد أديت أنا بالحمالة للأول خمسة وعشرين ساويتك في مثلها، وبقيت لك خمسون فخذ نصفها، فجميع ما يأخذ منه اثنان وستون ونصف، وجميع ما أدى الرابع للأول والثاني: مئة واثنا عشر ونصف، فاحفظهما.
وبقي الثاني يطلب بخمسين، ثم إنه إن لقي الخامس، فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة خمسون عنك وعن السادس، عليك نصفها: خمسة وعشرون، فيأخذها منه، ويقول له: بقي لي خمسة وعشرون أنت معي بها حميل، فيقول له الخامس: قد أديت أن أيضاً بالحمالة للأول: ستة وربعاً ساويتك في مثلها وبقيت لك: ثمانية عشر وثلاثة أرباع، على نصفها وذلك: تسعة وثلاثة أثمانٍ، فجميع ما أدى له الخامس: أربعة وثلاثون وثلاثة أثمان.
وجملة ما أدى هذا الخامس للأول ثمانية عشر وثلاثة أرباع، وللثاني أربع وثلاثون وثلاثة أثمانٍ، فجميع ذلك ثلاثة وخمسون وثمن، وبقي الثاني يطلب بخمسة عشر وخمسة أثمان، ثم إن لقي السادس فيأخذها منه.
ثم إن لقي الثالث- الغارم للأول والثاني مئتين واثنى عشر ونصفاً لقي- الرابع فقال له: بقي مما أديت بالحمالة مئة واثنا عشر ونصف عن ثلاثةٍ أنت أحدهم فهلم ثلثها: سبعة وثلاثين ونصفاً، فليأخذها منه، ويقول له: بقيت لي خمسة وسبعون أنت معي بها حميل، فيقول له الرابع: قد أديت أيضاً أنا بالحمالة للأول: خمسة وعشرين، وللثاني: خمسة وعشرين، فذلك خمسون ساويتك بها، وبقيت لك خمسة وعشرون فخذ نصفها: اثنى عشر ونصفاً، فيصير جميع ما يأخذ من خمسين، وجميع ما أدى الرابع للأول والثاني والثالث: مئة واثنان وستون ونصف.
ثم إنه لقي الخامس فيقول له: بقيت لي مما أديت بالحمالة: اثنان وستون ونصف عنك وعن السادس عليك منها: واحد وثلاثون وربع، فيأخذها منه، ثم يقول له: بقي لي واحد وثلاثون وربع أنت معي بها حميل، فيقول الخامس: قد أديت أنا أيضاً بالحمالة للأول: ستة وربعاً، وللثاني: تسعة وربعاً وثمناً، وذلك خمسة عشر ونصف وثمن ساويتك فيها، وبقيت لك
خمسة عشر ونصف وثمن أيضاً، على نصفها: سبعة وثلاثة أرباع ونصف ثمن فيدفعها إليه فيصير جميع ما أخذ منه: تسعة وثلاثين ونصف ثمن، ويصير جميع ما أدى الخامس للأول، والثاني، والثالث: اثنين وتسعين وثمناً ونصف ثمن.
ثم إن الثالث لقي السادس فيقول له: بقي لي مما أديت عنك بالحمالة ثلاثة وعشرون وربع وثمن ونصف ثمنٍ، فيأخذها منه، فيذهب وقد غرم مئة.
ثم إن الرابع الذي غرم للأول، والثاني، والثالث: مئة واثنين وستين ونصفاً لقي الخامس فقال له: بقي لي مما أديت بالحمالة اثنان وستون
ونصف عنك وعن السادس، عليك نصفها: واحد وثلاثون وربع فيأخذها منه، ثم يقول له: بقي لي واحد وثلاثون وربع أنت معي بها حميل، فيقول له الخامس: قد أديت أنا بالحمالة للأول والثاني والثالث: ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ونصف ثمن ساويتك في مثلها وبقيت لك سبعة وستة أثمان ونصف ثمن على نصفها: ثلاثة وسبعة أثمان وربع ثمن فيأخذها منه فيصير جميع ما يأخذ الرابع من الخامس: خمسة وثلاثين وثمناً وربع ثمن، وجميع ما أدى الخامس للأول، والثاني، والثالث، والرابع: مئة وسبعة وعشرون وثلاثة أرباع ثمنٍ فاحفظها، وبقي الرابع يطلب بسبعةٍ
وعشرين وربع وثلاثة أرباع ثمنٍ.
ثم إنه لقي السادس فيأخذها منه، فيذهب وقد غرم مئة.
ثم إن الخامس لقي السادس قد كان أدى للأول، والثاني، والثالث، والرابع: مئة وسبعة وعشرين وربعاً وثلاثة أرباع ثمنٍ، عليه منها مئة، بقي يطلب بسبعةٍ وعشرين وربعٍ وثلاثة أرباع ثمنٍ، فيأخذها من السادس، فيذهب وقد غرم مئة.
ويذهب السادس وقد غرم المئة: للأول ستة وربع، وللثاني: خمسة عشر وخمسة أثمان، وللثالث: ثلاثة وعشرون وثلاثة أثمان ونصف ثمنٍ، وللرابع: سبعة وعشرون وربع وثلاثة أرباع ثمنٍ، وللخامس مثلها، فجميع ذلك: مئة، فقد انصرف كل واحد منهم وقد غرم مئة، وبالله التوفيق، والحمد لله كثيراً كما هو أهله.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كتاب الحوالة جامع القضاء في الحوالة الأصل في جواز الحوالة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم ومن اتبع على مليء فليتبع)).
م: ولم يختلف في جوازها؛ وهي في الحقيقة بيع الدين بالدين فاستثنيت منه؛ لأنها معروف؛ كاستثناء العرية من بيع الرطب بالتمر.
قال أبو محمد: وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من اتبع على مليء فليتبع)) هو على الندب، والله أعلم؛ يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم))، فإذا أحاله فلم يرض، فقد مطله؛ لأنه مليء بتعجيل حقه؛ ولو كان تلزمك حوالة بغير رضاك لكان لكل من أحلت عليه أن يحيلك إلى ما لا نهاية له، أو يحيلك على مليء ظالمٍ أو سلطانٍ ونحوه فهذا من الضرر،
ومن ناحية المطل الذي جعله الرسول صلى الله عليه وسلم ظلماً.
[(1) فصل: هل تكون الحوالة على غير أصل الدين؟]
ومن المدونة وكتاب محمد قال مالك: لا تكون حوالة إلا على أصل دين، وإلا فهي حمالة.
م: قال غيره: لأن حقيقة الحوالة بيع الدين بالدين، وذلك يقتضي أن يكون ثم دين تحصل الحوالة به.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: الحوالة جائزة وإن لم يكن للمحيل على المحال عليه دين، وبه أقول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (ومن أتبع على مليء فليتبع).
ومن العتبية قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: في المطلوب يذهب بالطالب إلى غريم له فيأمره بالأخذ منه، ويأمر الآخر بالدفع إليه، فيتقاضاه فيقضيه البعض أو لا يعطيه شيئاً إن للطالب أن يرجع على الأول؛ لأنه يقول:
ليس هذا احتيالاً بالحق، إنما أردت أن أكفيك التقاضي، وإنما وجه الحول أن تقول أحلتك بحقك على هذا، وأبرأ إليك بذلك.
م: قال بعض الفقهاء: وإذا مات المحال عليه فقال المحال: أحلتني على غير أصل دين، وقال المحيل: بل على أصل دين قال: هو حول له ثابت حتى يتبين أنه أحاله على غير أصل دين؛ قال: لأن ظاهر الحوالة براءة للذمة، وأنها على أصل دين، فمن ادعى بعد قبوله الحوالة أنها على غير أصل دين لم يصدق.
قيل: فإن أحاله، ثم أنكر المحال عليه أن يكون عليه دين، هل يكون ذلك عيباً في الحوالة؟ لأن المحال يقول: لو علمت أن ليس عليه بينة ما قبلت الحوالة عليه فالأظهر أن لا مقال له عليه؛ لأنه فرط حين أحاله، وهو حاضر مقر إذ لم يشهد عليه، ولكن لو لم يحضر فقبل الحوالة عليه، فلما حضر أنكر لا نبغي ألا تلزمه الحوالة، وكذلك إن مات قبل أن ينكر فذلك
كالعيب في الحوالة؛ كما جعله- إذ غر من فلس المحال عليه- عيباً ترد به الحوالة.
انظر وهم يقولون: لو بعت سلعة من إنسان فوجدته عديماً مفلساً كتم ذلك لم ينقض البيع.
م: والفرق أن الحوالة إنما هي بيع دين بدين وإنما جازت للرخصة التي وردت فيها، وشراء الدين لا يجوز حتى يعرف ملء الغريم من عدمه؛ لأنه شراء لما في ذمته فإذا وجد ذمته معيبة كان له الرد؛ كسلعة اشتريت فوجدت معيبة، والذي باع السلعة لم يقصد شراء ما في ذمته فيردها بعيبٍ وجده فيها، والله أعلم.
وفي كتاب محمد- فيمن له عند رجلٍ وديعة، وعلى صاحب الوديعة دين لرجل فأحال صاحب الدين على المودع وقال له المودع: هي لك علي حتى أدفعها إليك، فذهب ليدفعها إليه فوجدها قد ضاعت عنده- قال: هو مصدق في الضياع ولاشيء عليه فيها، غير أنه ضامن
للطالب لما ضمن له بدفع ذلك إليه، أو قيمتها- إن كانت سلعة- إلا أن يكون دينه أقل، فيدفعه إليه ويرجع به على صاحبها.
[(2) فصل: إذا قبل المحال الحوالة هل تبرأ ذمة المحيل؟]
ومن المدونة قال مالك: وإذا أحالك غريمك على من له عليه دين فرضيت بإتباعه برئت ذمة غريمك، ولا ترجع عليه في غيبة المحال عليه أو عدمه.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: له الرجوع إن مات المحال عليه أو فلس أو جحد الحق.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن أحيل على مليء فليتبع)) فأطلق؛ ولأنها حوالة برئت ذمة المحيل بها فلم يكن له الرجوع عليه، أصله إذا لم يتغير حاله.
[(3) فصل: إذا غر الغريم المحال بعدم غريمه]
ومن المدونة: ولو غرك غريمك من عدم يعلمه بغريمه، أو بفلس فلك طلب المحيل.
م: لأن المحال إنما أبرأ الغريم على أن يسلم له ذمة مليئة، فإذا غره من عدمها فقد دلس لع بعيبها، فوجب له الرجوع فيما دفع عوضاً عنها
وهي ذمة غريمه.
قال مالك: ولو لم يغرك أو كنتما عالمين بفلسه كانت حوالة لازمة لك، فإن لم تقبض ما أحالك به حتى فلس المحيل أو مات فلا دخول لغرمائه معك في ذلك الدين؛ لأنه بيع نقد.
[(4) فصل: إذا حل ما تحيل به صحت الحوالة]
وإنما تجوز الحوالة إذا حل ما تحيل به، أحلت على ما قد حل أو لم يحل، إذا كان في صفته وفي جنسه وهي السنة عند مالك وأصحابه، ودل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم ومن أتبع على مليء فليتبع))، والمطل لا يكون إلا بعد حلول أجل الدين، فأما إذا لم يحل دينك فلا نحيل به على دين قد حل أو لم يحل، ويصير ديناً بدينٍ، وقد جاء النهي عنه.
[(5) فصل: فيمن أحال على من ليس له قبله دين]
قال مالك: وإن أحالك علة من ليس له قبله دين، فليست حوالة وهي حمالة سبيلها سبيل ما وصفنا في الحمالة.
قال ابن القاسم: ولو علمت حين أحالك عليه أنه لا شيء للمحيل عليه،