[الباب الأول]
فيمن اكترى دارا أو أرضا وفيها نخل فاشترط ثمرها
] الفصل 1 - فيما يتبع الدار والأرض المكتراة من ثمر الشجر الموجود فيها قبل الكراء [
قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا أو أرضا، وفيها سدرة أو دالية، أو كان في الأرض نبذ من نخل أو شجر، ولا ثمرة فيها حينئذ، أو فيها ثمرة لم تزه، فالثمرة للمكري، إلا أنه إن اشترط المكتري ثمرة فإن كانت تبعا مثل الثلث فأقل فذلك جائز.
وبلغني توقيت الثلث عن مالك، فأما في سؤالي إياه فلم يبلغ به الثلث، ومعرفة ذلك أن يقوم كراء الأرض أو الدار من دون شرط الثمرة.
فإن قيل: عشرة.
قيل: فما قيمة الثمرة فيما عرف مما تطعم كل عام بعد طرح قيمة العمل والمؤنة؟ فيعلم الوسط من ذلك.
فإن قيل: خمسة فأقل، جاز ذلك.
ابن المواز قال أصبغ: وهذا إذا علم أن الثمرة تطيب قبل انقضاء مدة الكراء، وإلا لم يجز أن يعقداه.
م/: وإنما يصح هذا التقويم إذا لم يكن في الشجرة ثمرة، فأما إن كان فيها ثمرة مأبورة قد صحّ عقدها، فإنما تقوم هذه الثمرة المأبورة التي فيها يوم عقد الكراء إذا طابت، فينظر قيمتها بعد إلغاء ما بقي من مؤونتها، فإن كانت تبعا لكراء الأرض أو الدار بغير شرط الثمرة جاز، وإلا لم يجز.
م/ وإنما أجيز ذلك للضرورة التي تدخل على المكتري في دخول رب الدار لإصلاح الثمرة وجذاذها، كما أجيز شراء العريَة بخرصها تمرا؛ لدخول المعري لإصلاح العرية وجذاذها، وكذلك هذا.
قال بعض فقهاء القرويين: وإذا اكترى الدار سنين، فكانت الثمرة في بعض السنين تبعا، وفي بعضها ليست بتبع، إلا أنها إذا أضيفت جملتها إلى جملة الكراء كانت تبعا، فالأشبه أن لا يجوز.
وينبغي إذا اكتريت سنين أن ينظر إلى ثمرة كل سنة، فإن كانت تبعا جاز، وإلا لم يجز، كما لو اكترى دورا في صفقة واحدة، وفي إحداها ثمرة ليست بتبع، أو اكترى دارًا، أو اشترى عرضا في صفقة، وفي الدار ثمرة غير تبع، إلا أنها تبع إذا أضيفت إلى كراء الدور، أو العروض، كانت الثمرة تبعا للجميع أن لا يجوز، فكذلك حكم الثمرة في كراء الدار سنين، لا ينظر هل هي تبع إلا لكل سنة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وهذا كالمساقاة، فإذا كان معها بياض قدر الثلث فأدنى، في قيمة كرائه من قيمة الثمرة على عرف نباتها، بعد إلغاء قيمة مؤونتها جازت المساقاة، وإن كانت قيمة كراء البياض أكثر من الثلث لم يجز جمعها في صفقة واحدة.
[الفصل 2 - اشتراط المكتري الثمرة إذا كانت أكثر من ثلث الكراء]
قال ابن القاسم: وكذلك إذا كانت الثمرة التي في الدار أكثر من الثلث لم يجز للمكتري أن يشترطها إذا كانت غير مزهية، فإن وقع ذلك فالثمرة لرب الدار والأرض، وللمكتري أجر ما سقى وعالج، وعليه قيمة كراء الدار والأرض بلا ثمرة إن كان قد سكن أو زرع.
م/: يريد: وكذلك لو قبض الدار أو الأرض فلم يسكن ولم يزرع حتى انقضت المدة المكتراة، وكان هو الذي ترك ذلك فعليه قيمة كرائها.
قال ابن القاسم: ولو كانت الثمرة مزهية جاز للمكتري اشتراط جميعها وإن جاوزت الثلث؛ لجواز بيعها مفردة.
م/: يريد: ثمرة ذلك العام فقط.
قال: ومن اكترى وفيها زرع، أو بقل لم يطب، فاشترطه، فإن كان تافهاً جاز، ولا أبلغ بهذا الثلث.
قال: وإذا كانت الثمرة التي في الأرض أو الدار تبعا فاشترط المكتري نصفها لم يجز، وإنما جاز إذا كانت تبعا أن تلغى بالسنة، فإذا اشترط نصفها صار ذلك كبيع ثمرة قبل زهوها.
قال: وكذلك حلية السيف، ومال العبد، وأجاز ذلك كله أشهب اعتبارا باستثناء الجميع.
قال ابن القاسم: وإنما جاز في المساقاة اشتراط ما خرج من البياض بينهما؛ لأن العمل والزريعة من عند العامل.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإن كانت الثمرة في كراء الأرض أكثر من الثلث فاشترط منها الثلث فأقل لم يجز.
م/: وينبغي على قول أشهب أن يجوز ذلك.
والله أعلم.
] الفصل 3 - في الدار المكتراة تنهدم قبل نهاية الأمد وفيها نخلة قد اشترط المكتري ثمرتها [
قال يحيى بن عمر فيمن اكترى داراً سنة، وفيها نخلة فاشترط ثمرتها وهي دون الثلث، فانهدمت الدار في نصف السنة، وقد طابت الثمرة، فإنه ينظر إلى قيمة ما سكن خاصة، وقيمة الثمرة على المتعارف منها كل عام، فإن كانت الثمرة من ذلك الثلث فأدنى كانت الثمرة للمكتري، وإن كانت الثمرة أكثر كانت لرب الدار، وفسد فيها البيع، فإن جذها المكتري رطبا رد قيمتها، وإن جذها تمرا رد مثلها.
وإن انهدمت الدار، والثمرة لم تطب، فلابد من ردها لرب الدار كانت تبعا لما سكن أو غير تبع.
قال ابن المواز: إذا كانت قدر ثلث الصفقة أولا ثم انهدمت الدار بعد نصف المدة فلابد أن يرد الثمرة بحصتها من الثمن، طابت الآن أو لم تطب، ويكون على المكتري نصف ما وقع على الدار دون الثمرة من الكراء.
م/ وهذا كقول يحيي بن عمر.
وروى العتبي عن أبي زيد عن ابن القاسم إذا كانت قدر ثلث الصفقة يوم العقد، ثم انهدمت الدار في نصف المدة، فإن كانت الثمرة قد طابت كانت للمكتري، وعليه ثلُثَا الكراء، وإن لم تطب كانت لرب الدار، وكان له ثلث الكراء يريد: إن استوت قيمة أكريه الشهور.
وقال بعض فقهاء القرويين: وكان يجب على هذا أن تكون الثمرة للمكتري وإن لم تطب؛ لأن أصل العقد لم تكن فيه تهمة لكونها الثلث، فلا اعتبار بطريان الهدم.
وقاله في كتاب ابن حبيب.
] الفصل 4 - في مكتري الدار يطلب الإقالة، وفي الدار ثمرة قد اشترطها ولم تطب بعدُ [
قال ابن القاسم: وإن استقالة فأقاله، وقد نقد أو لم ينقد، ولم تطب الثمرة فينظر، فإن كانت الثمرة تبعا للستة أشهر الباقية، فالإقالة جائزة؛ لأنّه يصير كابتداء كراء من
المكتري، وإن كانت الثمرة قد طابت فليصنعا ما أحبا، نقد أو لم ينقد.
م/: ثم رجع ابن القاسم فقال: إنما هذا ما لم ينقد، فإن نقد كان بيعا وسلفا، وإن أبقى المكتري الثمرة لنفسه، فإن كانت قد طابت نظرت، فإن كانت تبعا للستة الأشهر الماضية جاز على القولين، وإن لم تكن تبعا لما مضى، فلا يجوز على رواية يحيي، ويحتمل أن يجوز على رواية أبي زيد عن ابن القاسم، كما قال في الهدم؛ إذ هي تبع في أصل العقد.
ويحتمل أن يفرق بين الإقالة والهدم؛ لأن الهدم أمر طارئ، والإقالة هما أحدثاها بالتراضي، فتدخله التهمة في بيع الثمر قبل بدو صلاحه، كما دخله التهمة في النقد أن يكون بيعا وسلفا.
وأما إن لم تطب الثمرة فلا يجوز أن تبقى للمكتري، كانت تبعا لما مضى، أو لم تكن تبعاً.
وذكر ابن حبيب مثل رواية أبي زيد أولا.
] الفصل 5 - في استحقاق الدار دون موضع الشجرة التي اشترط المكتري ثمرتها [
قال ابن حبيب: ولو استحقت الدار إلا موضع الشجرة، وذلك بعد ستة أشهر، رجعت الثمرة لربِّ الدار - يريد المكري - طابت أو لم تطب، جذت أو لم تجذ؛ لأنه ضمها إلى ما لم يملكه.
م/: إنما يصح هذا إذا كان المكري غاصبا، وأما إن كان مشتريا حتى يكون له كراء
ما مضى، فإن كانت الثمرة قد طابت، وكانت تبعا لكراء ما مضى فهي للمكتري.
والله أعلم.
وفي كتاب محمد: في استحقاق الأرض دون الزرع بعد يبس الزرع أن الزرع يمضي للمشتري بما ينوبه من الثمن.
م/: وهذا كان ينبغي أن يفسخ البيع في الزرع؛ لأنه ضمه إلى أرض لا يملكها، والمكري ضمه إلى كراء قد ملكه، فانظره.
[الباب الثاني]
ما يحل ويحرم في كراء الدور والحمامات من عقد وشرط، وكيف إن استحق بعض الكراء أو وُجد به عيب
] الفصل -1 - في اشتراط المكتري كنس المراحيض والتراب وغسالة الحمام ونحو ذلك على المكري [
قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً، أو حمّاماً، واشترط كنس المراحيض، والتراب، وغسالة الحمام على المكري جاز؛ لأنه وجه قد عُرف.
م/: قيل: معنى ذلك في كنس ما يكون بعد عقد الكراء، وأما ما كان يوم العقد في المراحيض فهو على المكري شرط عليه أم لا، كما لو كان في أحد البيوت المكتراة شيء فإن عليه إزالته وتفريغ البيت للمكتري، فكذلك المرحاض.
قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا فعلى ربها مرمتها وكنس المرحاض وإصلاح
مائها وما وهى من الجدرات والبيوت.
م/: لعله يريد: في المرمة والإصلاح الخفيف، فهو بخلاف الهدم والإصلاح الكثير، أو يريد أنه عليه، ولا يجبر عليه إنْ أبَاهُ؛ لأنّه قال في باب بعد هذا: إذا هطل البيت لم يجبر رب الدار على الطر، وللمكتري الخروج في الضرر البين، إلا أن يطرها ربها، فكذلك هذا.
وقوله ههنا: وعلى ربها كنس المرحاض لعله يريد ما كان فيه قديما؛ لأن ظاهر كلامه في المسألة الأولى أن الكنس على المكتري، إلا أن يشترطه على رب الدار.
وكذلك عنه في غير المدونة، فإذا جعلت القديم على رب الدار، والجديد على المكتري اتفق الجوابان، وإلا كان ذلك تناقضا، وهذا كله ما لم يكن عرفاً أو شرطا فيحملان عليه.
وقال ابن حبيب عن ابن القاسم: يقضى بكناسة الدار على المكتري.
وكذلك روى عنه أبو زيد في العتبية.
قال: إلا في دور الفنادق، فإن كنسها على المكري.
قال ابن حبيب: وإن كانت سنة البلد أنّ كنس المرحاض على رب الدار، فاشترط رب الدار على المكتري كنسه، فابن القاسم يقول ذلك جائز.
وقال ابن حبيب: أما في مرحاض نقي فجائز، وإن تقدمت فيه رحاضة فذلك مجهول؛ لأنه لا يدري مبلغه.
م/: يريد: إلا أن يعلم مبلغه بالمشاهدة أو بصفة تقوم مقامها فيجوز.
] مسألة: في اشتراط المرمة على المكتري في الدار والحمام [
ومن المدونة قال مالك ومن اكترى دارا أو حماما على أن ما احتاجا إليه من مرمة رمَّها المكتري، فإن شرط أن ذلك من الكراء جاز، وإن شرط أن ما عجز عنه المكري أنفقه الساكن من عنده لم يجز.
ولا يجوز أن يشترط أنّ عليه ما احتاجت الدار من يسير مرمة، أو كسر خشبة إلا أن يكون ذلك من كرائها.
[الفصل -2 - فيمن اكترى حماما واشترط أنّ عليه لربه ما احتاج أهله من نورة أو حميم]
قال ابن القاسم: ومن اكترى حماما على أن عليه لربه ما احتاج أهله من نورة أو حميم لم يجز، حتى يشترط شيئا معروفاً.
وقال ابن حبيب: ذلك جائز إذا عرف ناحية عيال الرجل، وكثرته من قلته، وعلم عدتهم.
وقد أجازه مالك، وأجاز أن يواجب الخياط على خياطة ما يحتاج إليه هو أو أهله من الثياب في السنة، أو الفرَّان على خبز ما يحتاج له من الخبز سنة أو شهرا، إذا عرف عيال الرجل، وما يحتاجون إليه من ذلك.
م/: وهذا معروف؛ لأن الأكل لابد منه، ومقدار أكل الناس معروف، والخياطة قريب منه.
وأما دخول الحمام فيمكن أن يدخل كل يوم، أو في الشهر مرة، والنورة يمكن أن تعمل في الشهر مرة، أو مرتين في شهر، فلا يجوز في ذلك إلا على أمر معروف، كما قال ابن القاسم، وهو الصواب إن شاء الله.
] الفصل -3 - فيمن اكترى دارا على أنّ عليه تطيينها [
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا على أن عليه تطيين البيوت جاز إذا سمى تطيينها مرة أو مرتين في السنة، أو في كل سنتين مرة؛ لأنه معلوم.
وأما إذا قال: كلما احتاجت طينتها، فهذا مجهول لا يجوز.
ومن اكترى حمامين أو حانوتين في صفقة، فانهدم أحدهما، فإن كان ما أنهدم وجه ما اكترى رد الجميع، وإن لم يكن وجهه لزمه الباقي بحصته من الكراء.
فصل] 4 - في إجارة نصف العبد أو نصف الدابة أو كراء نصف الدار وهل في ذلك شفعة؟ [
قال: وتجوز إجارة نصف عبد أو نصف دابة ليكون للمستأجر يوم، وللذي له النصف الآخر يوم، كالبيع.
وما جاز لك بيعه من ثمرتك جاز لك الإجارة به، وكل ما يكال أو يوزن أو يعد، وما لا يعرف بعينه يجوز أن يكترى به ولا يجوز أن يكرى.
ولا بأس بكراء نصف دار، أو سدسها، أو جزء شائع، قَلّ أو كثر منها، كالشراء.
وإذا اكترى رجلان دارا بينهما فلأحدهما أن يكرى حصته.
قال مالك: ولا شفعة فيها لشريكه بخلاف البيع.
م/: وابن المواز وأشهب يرى أن له فيه الشفعة، وبقولهما أقول.
[مسألة: في كراء الدار أو بيعها واستثناء بعض ذلك]
قال ابن القاسم: ومن أكرى مساكن له، واستثنى ربعها بربع الكراء، أو بغير كراء جاز ذلك، وكذلك من باع داره واستثنى ثلاثة أرباعها، فإنه جائز؛ لأنه إنما باع ربعها، ولا ينظر إلى لفظهما إذا صح الفعل بينهما.
فصل]-5 - في كون الكراء منفعة دار أخرى أو ثوب أو عبد ونحو ذلك [
ومن استأجر داراً سنةً بسكنى دار له أخرى جاز ذلك، ومن اكترى دارا أو أرضا بثوب أو بعبد مضمون بغير صفة أو بصفة، ولو يضرب له أجلا لم يجز، فإن سكن أو زرع فعليه كراء المثل.
وإن أكريت دارك بعبد بعينه على أن تقبضه فمات بيد المكتري فهو منك والكراء يلزمك، كالبيع.
م/: أعرفه خلاف قول محمد.
ولو كان بثوب بعينه في بيت المكتري، وقد وصفه، ثم ذكر أنه هلك، كان منه، وانتقض الكراء باقي المدة، ولك فيما سكن كراء المثل.
وكذلك لو قبضته فاستحق أو
رددته بعيب بعد أن سكن نصف المدة فعليه فيما سكن كراء المثل.
م/: قال بعض فقهائنا القرويين: ولم يذكر هل له تضمينه قيمة الثوب أم لا.
وقد ذكر محمد نحو هذا التضمين في مسألة الثوب الذي ادعى من أسلمه في طعام ضياعه، ولم يتركه وديعة أنه بالخيار، إن شاء فسخ السلم، وإن شاء ضمنه قيمته، فكذلك هذا.
وقد يقول ابن القاسم: إن العداء لما لم يتحقق كانت يمينه أوجبت الفسخ، ولم يغرمه قيمته.
] الفصل 6 - في الكراء يكون ثوباً فيُسْتَحَقُّ أو يجد به المكري عيباً [
ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس لك إذا وجدت العيب في الثوب أن تحبسه، وتأخذ قيمة العيب، وإنما لك حبسه معيباً، ولا ترجع بشيء، أو تردّه، ويكون كما وصفنا، ولو كان العيب خفيفا لا ينقص ثمن الثوب لم يكن لك رده، وإن كان عند الناس
عيباً.
ولو اطلعت على العيب بعد أن بعت الثوب لم ترجع بقيمته، أي بقيمة عيبه، وأما إن تصدقت به أو وهبته أو لبسته أو هلك ثم اطلعت على العيب فلك الرجوع بحصة قيمة العيب، وينتقض من الكراء بقدر حصة العيب؛ لأنه ثمنه.
قال أبو إسحق البرقي: فيما سكن، وفيما لم يسكن، وكذلك في استحقاق جزء منه.
قال ابن حبيب: وتفسير ذلك: أن يقوّم الثوب صحيحا ثم معيبا، فإن نقصه العيب الخمس، فإن لم يسكن المكتري رجع عليه بخمس السكنى، ولهما قسمته بالتراضي، أو بمقاواة، وإن كان العيب ينقصه كثيرا مما يضر بالمكترى إذا رجع عليه في السكنى فهو مخير، إن شاء على ذلك، وإن شاء ردها، ورجع بقيمة ثوبه معيبا، وإن قام بذلك وقد سكن نصف السنة، والعيب ينقصه الخمس، رجع رب الدار بخمس سكنى ما بقى من السنة، وخمس كراء الستة الأشهر الماضية.
وإن كان العيب كثيرا كما قلنا، فإن أحب المكتري سكن فيما بقى مع رب الدار
بحصته، وإلا ردّه، وكان على المكري للساكن قيمة ثوبه معيبا يوم قبضه، وأخذ منه قيمة كراء ستة أشهر ماضية، وإن قام عليه وقد سكن المكتري جميع السنة فإنه يرجع عليه بحصة العيب، قَلّ أو كَثُرَ، فيأخذ قيمة ما قابله من سكنى الدار ما بلغ.
وقاله أصبغ وغيره.
قال أبو محمد: كلام ابن حبيب هذا حسن، إلا قوله إذا سكن نصف السنة والعيب كثير يضر به أن يسكن معه من أجله في بقية السكنى، فاختار رد بقية السكنى، أنه يغرم قيمة كراء ما سكن، ويأخذ قيمة ثوبه، فليس هذا أصلهم بل يرجع بقيمة نصف ثوبه معيبا فيما رد من السكنى، ويغرم قيمة كراء ما وقع لنصف العيب في جميع الأشهر التي سكن.
م/: كما كان يرجع بقيمة كراء ما يخص جميع العيب إذا سكن جميع السنة، فكذلك يرجع بنصف ذلك إذا سكن نصف السنة، وهذا الذي يلزم على أصله.
وأما على أصل ابن القاسم في العيوب إذا قام عليه، وقد سكن نصف السنة، وهو إن رجع عليه بحصة العيب في بقية السكنى أضر به، فإنه يرجع عليه بجميع قيمة العيب
من قيمة السكنى لما سكن ولما لم يسكن، ويصير حكمه كما لو سكن السنة كلها، وذلك لضرر الشركة، كما قال فيمن باع عبدا بثوبين فهلك عنده أرفعهما، ووجد بالأدنى عيبا فإنه يرده، ويرجع في قيمة العبد، لا في عينه.
وعلى قول أشهبَ الذي لا يراعي ضرر الشركة، يرجع عليه ههنا في السكنى وإن أضر به، وللساكن أن يرد بقية السكنى لما دخل عليه من الضرر، كالاستحقاق، فإذا رجع بنصف قيمة ثوبه معيباً؛ لفواته، وكان عليه فيما سكن نصف ما يخص العيب من قيمة ما سكن، إن كان العيب ينقصه الخمس رجع عليه بقيمة خمس ما سكن، ولا يختلفون في هذا.
[الباب الثالث]
في كراء الدار مشاهرةً أو مساناةً وما لأحدهما فيه من الترك
] الفصل -1 - في عقد الكراء الذي لا يعين العاقدان بدايته ولا نهايته [
قال مالك: ومن قال لرجل: اكتري منك دارك، أو حانوتك، أو أرضك، أو غلامك، أو دابتك في كل شهر، أو في كل سنة بكذا، أو كل شهر، أو كل سنة بكذا، أو قال: في الشهر، أو في السنة، أو الشهر، أو السنة فلا يقع الكراء على تعيين، وليس بعقد لازم، ولرب الدار أن يخرجه متى شاء، وللمكتري أن يخرج متى شاء، ويلزمه فيما سكن حصته من الكراء.
م/: وكأنه في ذلك كله قال: أكريك من حساب الشهر، أو من حساب السنة بكذا، هذا موضع هذه الألفاظ، إلا أن ينقده في ذلك كله كراء شهر، أو سنة، فإنه يلزمه تمام ذلك كله.
وقال ابن حبيب: إذا قال: أكريك في كل شهر، أو كل شهر، أو الشهر بكذا،
فالشهر الأول في هذا لازم لهما، وما زاد عليه فلكل واحد منهما أن يخرج متى شاء، إلا أن يكون شرط ألا يخرجه، أو ينقده جميع الكراء، ويلزمه تمام المدة.
وقاله مطرف وابن الماجشون، وروياه عن مالك.
م/: والصواب رواية ابن القاسم.
وهذا استحسان ليس بالقوي.
] الفصل -2 - إذا عين المتكاريان وقت نهاية مدة الكراء لزم العقد [
ومن المدونة: وإن اكترى منه سنةً بعينها، أو شهراً بعينه، فلا يكون لأحدهما فسخه إلا أن يتراضيا جميعا.
قال ابن حبيب: وكذلك لو قال: سنة، أو شهراً، أو هذه السنة، أو هذا الشهر، أو إلى سنة كذا، أو إلى شهر كذا، فهذا كله وجيبه لازمة، إلا أن يشترط الخروج متى شاء فيلزمهما ذلك، ولا يجوز حينئذ فيه النقد، ويجوز في الأول النقد والتأخير.
ولم يختلف في هذا قول مالك وأصحابه.
[الفصل -3 - فيمن اكترى داراً مدة ولم يبيّن متى يسكن، أو أسكن معه غيره من غير ضرر جاز]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا سنة، أو سنتين، ولم يسم متى يسكن جاز، وسكن، أو يسكن غيره متى شاء ما لم يأت من ذلك ضرر بين على الدار.
يريد ضررا في السكنى.
قال مالك في المختصر الكبير: وإن أغلقها المكتري، وخرج فذلك له، وليس لصاحب الدار أن يقول: تخربها عليّ.
] الفصل -4 - إذا تعاقدَا سنة أو شهراً فتحسب من يوم التعاقد، فإن كان العقد من أول الشهر فينتهي بطلوع الهلال، وإن كان في أثنائه فيحسب ثلاثون يوماً [
قال ابن القاسم في كتاب المدبر: والسنة محسوبة من يوم التعاقد، كما لو قال: هذه السنة بعينها.
ومن كراء الدور قال مالك: من أكرى دارا في رأس الهلال كل شهر بكذا، فكان الشهر تسعة وعشرين يوماً، فله كراء الشهر كاملا.
قال: ومن اكترى دارا سنة بعدما مضى من الشهر عشرة أيام، حسب أحد عشر شهرا بالأهلة، وشهرا على تمام هذا الشهر ثلاثين يوماً، كالعدد والأيمان.
[الفصل -5 - فيمن اكترى داراً مدة معلومة، ومنع من سكناها بعض تلك المدة فيسقط من الكراء حصة المدة التي منع منها]
قال: ومن اكترى دارا ثلاث سنين، فمنعه ربها من سكناها سنة، فخاصمه بعدها، فإنما يقضى للمكتري بسكنى سنتين، ثم عليه كراؤهما فقط، كالعبد يأبق أو يمرض في الإجارة، فليس عليه قضاء ذلك.
م/: قال بعض فقهائنا القرويين: وينبغي إذا غلبه رب الدار ومنعه من قبض الدار أن يكون للمكتري أن يغرمه كراء مثل الدار تلك السنة التي حبسها، أو يسقط عن نفسه حصتها من الكراء؛ لأن بالعقد وجبت للمكتري، فكأن المكري سكن دار المكتري تعدياً، فوجب عليه غرم كرائها، كعروض باعها واستهلك بعضها.
] الفصل -6 - في لزوم الكراء للمكتري إذا مُكّنَ من الدار وتركها [
ولو مكنه رب الدار منها فتركها المكتري سنة، فإن لم يكن رب الدار فيها، أو ساكن له، أو شاغل فجميع الكراء لازم للمكتري، كمن اكترى إبلا أو دواب فأتاه
بها ربها فأبى أن يركبها أن عليه جميع الكراء.
وإن اكتريت من رجل داراً هو فيها فبقي في طائفة منها لم يخرج، وسكنت أنت طائفة لم يجب عليك إلا حصة ما سكنت، وكذلك لو سكن أجنبي طائفة من دارك وقد علمت به فلم تخرجه لزمه كراء ما سكن.
م/: وهذه مثل الأولى؛ لأن بالعقد وجبت للمكتري، فله أن يغرم المكري قيمة ما سكن كمن سكن داره، أو يلزمه حصة ذلك من الكراء، كعرض باعه فاستهلك نصفه، فله أن يغرمه قيمة ما استهلك، أو يحسبه عليه بنصف الثمن؛ لأنّه إنما قبض منه نصف ما اشترى منه.
] الفصل -7 - فيمن استأجر بيتاً شهراً بدنانيرَ معلومة على أنّه إن سكن منه يوما واحدا لزمه كراء الشهر [
قال ابن القاسم: ومن استأجر بيتا بعشرة دنانير شهرا على أنه إن سكن منه يوما واحدا فالكراء له لازم جاز، إذا كان له أن يسكن البيت بقية الشهر، أو يكريه إذا
خرج، وإلا لم يجز.
م/: قال بعض فقهائنا القرويين: ظاهر هذا العقد أنه جائز وأنه بالخيار ما لم يسكن، فإذا سكن انعقد الكراء في شهر، فإذا أراد إن سكنت فالكراء لي لازم، وليس لي أن أكري من غيري، كان هذا من بيع الشروط التي يبيع منه على ألا يبيع ولا يهب، فعلى هذا لو أسقطوا الشرط على أحد القولين تم البيع، أي الكراء، وأما إن شرط إن خرجت عاد المسكن إلى المكري، وعليه جملة الكراء، فهذا فاسد لابد من فسخه؛ لأنّه غرر.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولمن أكرى داره أن يأخذ كراء كل يوم يمضي إلا أن يكون بينهما شرط فيحملان عليه من نقد الكراء أو تأخيره، فإن لم يكن شرط، وكانت سنة البلد النقد فيقضي به.
ابن المواز: وإن اكترى داراً سنة باثني عشر دينارا، فنقده دينارا، وسكن شهرا فطلب رب الدار كراء الشهر، وتأخير الدينار إلى آخر السنة، وطلب الساكن أن يجعله لأول شهر، فإنه يقسم الدينار على شهور السنة، ثم يوفيه ما بقي من الشهر الأول، ثم كذلك كلما سكن، وكذلك لو شرط عليه نقد أربعة أشهر فنقده، فلما مضت أربعة أشهر طلبه
رب الدار بكراء ما مضى، وقال الساكن: قد نقدتك أربعة، وهي كراء ما سكنت، فإن الأربعة تقسم على السنة كلها، فيقع لكل شهر منها ثلث، ويوفيه الساكن ثلثي دينار لكل شهر مضى، ثم كلما مضى شهر دفع إليه ثلثي دينار.
ولو شرط نقد أربعة دنانير بعد أربعة أشهر، ثم اختلفا بعد حلولها فهذا تكون الأربعة لما سكن.
ولو شرط نقد أربعة أول السنة، ونقد أربعة أخرى بعد أربعة أشهر، فنقده الأولى ثم الثانية، ثم اختلفا، فالأربعة الأولى تقسم على السنة كلها، ثم يتم من الأربعة الثانية كراء الأربعة الأشهر الماضية، وذلك ثلاثة إلا ثلث، ويبقى دينار وثلث يقسم على الثمانية الأشهر الباقية، فيقع لكل شهر سدس مع ثلث متقدم.
فذلك نصف مقبوض من كل شهر، فكلما مضى شهر ودا نصف دينار.
فصل]-8 - موت المكري أو المكتري وما يجب على ورثة كل منهما [
ومن المدونة قال ابن شهاب: ومن مات بعد أن أكرى داراً عشر سنين فليس للورثة إخراج المكتري إلا برضاه، ولهم بيعها على أن للمكتري سكناه.
وقاله مالك في كتاب محمد: وقد قيل إنما يجوز إذا كان باقي السنين يسيرة، مثل السنة والسنتين وشبه ذلك، فأما إذا كانت كثيرة فقد كرهه مالك، وقال: لا يدري
المشتري كيف ترجع إليه؛ لأن البناء يتغير.
ومن المدونة قال ابن شهاب: وإن مات المكتري وقد سكن، أو لم يسكن، لزم ورثته الكراء في تركته.
[الباب الرابع]
فيمن اكترى دارا هل يكريها من غيره أو يعمل فيها ما شاء والتعدي في ذلك
] الفصل -1 - في المكتري يكري ما اكتراه من دار أو حانوت [
والقضاء أن المكتري ملك المنافع باكترائه كما ملك المبتاع الدار بابتياعه ما لم ينتفع المكتري بما فيه ضرر، أو خروج عن المتعارف.
وقال ابن القاسم: ومن اكترى دارا فله أن يكريها من مثله بأكثر من الكراء أو أقل، ومن اكترى حانوتاً للقصارة فله كراؤه من حداد، أو طحان، أو غيره، إلا أن يكون ذلك أكثر ضرراً بالبنيان فيمنع، وله ذلك في المساوي، ومن اكترى دارا فله أن يدخل فيها ما شاء من الأمتعة والدواب، وينصب فيها الحدادين والقصارين والأرحية ما لم يكن ضررا على الدار، أو تكون دارا لا ينصب ذلك في مثلها؛ لارتفاعها، ويمنع مما يتعارف منعه.
[الفصل -2 - فيمن اكترى بيتا وشرط ألا يسكن معه غيره]
ومن اكترى بيتا وشرط ألا يسكن معه غيره، فتزوج أو اشترى رقيقا فإن لم يكن في سكناهم ضرر على رب البيت لم يكن له منعه، وإن كان في سكناهم ضرر فله منعه، وقد تكون غرفة ضعيفة الخشب ونحوه فينظر في ذلك.
قال بعض فقهائنا القرويين: جعل شرطه إذا كان لا فائدة فيه ساقطا، ويتم الكراء.
فما الفرق بين هذا وبين من باع على أن لا يبيع ولا يهب؟ فيجعل البيع ههنا فاسداً.
م/: أما هذا فقد يكون إنما شرط عليه ألا يبيع ولا يهب خوفا أن يملك ملكه عَدُوٌّ لَهُ، فإن أنت أبطلت شرطه أبطلت غرضه، وما من أجله وضع من الثمن، وإن أبقيت شرطه لم يملك المبتاع ما ابتاع ملكا تاما فوجب فسخ بيعه، والمكري كأنه إنما شرط عليه ألا يدخل غيره عليه ضررا في داره فمتى لم يدخله عليه لم تكن له حجة.
[الفصل -3 - في كراء الحانوت لا يسمي ما يعمل فيه]
قال في باب بعد هذا: ولا بأس بكراء حانوت لا يسمي ما يعمل فيه، وله أن يعمل فيه حدادا، أو قصارا، أو طحانا، إذ لم يضر ذلك بالبنيان، وإن كان ذلك فيه ضرر على البنيان، أو فساد للحانوت لم يكن له أن يعمله، وإن شرط المكتري على رب الحانوت أن يعمل في الحانوت ما ذكرنا، وفيه ضرر على الحانوت لزم ذلك ربه.
ومن أكرى حانوته من رجل، فإذا هو حداد أو قصار، ولا ضرر في عمله على البنيان إلا أنه يقذر الحانوت، وكره رب الحانوت تقذيره فله منعه؛ لأن فيه ضرراً عليه.
وقال غيره: إذا كانت الأعمال يتفاوت ضررها، وأكريتها، لم يجز كراؤها إلا على شيء معروف يعمل فيه، فإن لم يختلف فلا بأس به.
ولم يجز ابن القاسم في كتاب كراء الدواب كراء الدابة حتى يسميَ ما يحمل عليها؛ لتفاوت ضرر الحمل.
قال بعض فقهاء القرويين: إذا كان الحانوت في سوق قد عرف بشيء يعمل فيه فعلى ذلك دخل المكتري والمكري، والكراء جائز على عمل أهل ذلك السوق، أو غيره مما لا يضر بالحانوت، فإن عمل ما لا يعمل أهل ذلك السوق، وذلك يضر بالحانوت ويقذره منع من ذلك.
وأما لو كان في موضع يعمل فيه أشياء مختلفة، بعضها أضر من بعض، واكترى كراء،
لم يجز حتى يبين في العقد ما يعمل فيه، وهذا الذي أراد الغير.
فصل]-4 - في الرجل يتخذ في الدار المكتراه تنورا فتحترق منه الدار ودور جيرانه [
قال ابن القاسم: إذا اتخذ مكتري الدار فيها تنورا حيث يجوز له فاحترقت منه الدار وبيوت جيرانه لم يضمن.
م/: لأنّه عنده غير متعد، وأما إن كانت دارا لا يعمل ذلك فيها؛ لأنه يقذرها، ولا جرت العادة بعمل ذلك فيما هو مثلها ضمن.
قال ابن القاسم: ولو شرط عليه ربها ألا يوقد فيها نارا، فأوقد المكتري فيها نارا لخبزه فاحترقت الدار ضمن.
قال بعض شيوخنا القرويين: وكذلك لو احترقت دور جيرانه لضمن؛ لأنه فعل ما لا يجوز له، فصار متعديا بمخالفته ما شرط عليه، وإن كان مما يجوز له فعله لولا الشرط الذي شرط عليه.
وهذا كالذي يحفر في داره بئرا للسارق فإنه يضمن ما سقط فيه من سارق وغيره، وإن كان حفره للبئر جائزا في داره، لكنه لما فعله للسارق ضمن السارق وغيره؛ لأنه فَعَلَه
لما لا يجوز له.
] الفصل -5 - في المكتري يفعل ما يجوز له فعله في الشيء المكتري ثمّ ينشأ بعد ذلك ضرر لغيره، فهل يضمن؟ [
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا فأكراها المكتري لغيره فهدمها الثاني، ضمن الثاني لربها، ولا شيء على الأول؛ لأنه فعل ما لا يجوز له فعله.
ومن اكترى داراً فربط فيها دابة حيث يجوز له، فرمحت، فكسرت حائطاً في الدار، أو قتلت ابن رب الدار، وهو معه ساكن في الدار فلا شيء عليه.
وكذلك قال مالك فيمن أتى إلى حانوته فنزل عن دابته، وأوقفها في الطريق ليشتري حاجته فقتلت إنسانا أنه لا يضمن؛ لأنه فعل ما يجوز له، وكذلك كان لو نزل عنها بباب المسجد أو باب الأمير.
[الباب الخامس]
فيمن أكرى داره ممن يبيع فيها الخمر أو يظهر الدعارة والفسق
] الفصل -1 - في كراء الدار والحانوت والدابة ممن يستخدمها لبيع الخمر ونحوه من المحرمات [
قال ابن القاسم: وأكره للمسلم أن يكري داره أو حانوته من ذمي يبيع فيها خمراً أو خنازير، أو يكري دابته ليحمل عليها ذلك، أو ممن يعلم أنه يريدها لذلك، فإن فعل فالكراء فاسد، يفسخ متى ما عثر عليه، فإن فات بالسكنى فلا يعطي من الإجارة شيئا لا ما سميا ولا أجر مثله، وتؤخذ منه الإجارة إن قبضها، أو من المكتري إن لم يقبضها، فيتصدق بها أدبا له.
قاله ابن القاسم في كتاب الإجارة.
وقال في كتاب الأكرية: وإن لم يعلم أنه يفعل ذلك فيها، ولم يقع الكراء بينهما على بيع ذلك فيها جاز كراؤه من كتابي أو مجوسي، فإن فعل ذلك فيها فله منعه منه، كان في قرية أو مدينة، ولا يفسخ الكراء، وكذلك إن اتخذ في الدار كنيسة يصلي فيها هو وأصحابه، أو إذا أراد أن يضرب فيها ناقوسا فلرب الدار منعه من ذلك كله.
قال ابن حبيب: وإذا لم يشترط الذمي أن يبيع فيها الخمر والخنازير فباعها فيها فلرب الدار منعه، فإن لم يمنعه وتمت المدة فعليه أن يتصدق بالكراء إن قبضه، فإن أبى فللإمام انتزاعه منه أو من الذمي إن لم يقبضه، ويتصدق به ويعاقبهما.
م/: إنما يصح هذا إذا اشترط أن يعمل ذلك فيها، فأما إن لم يشترطه فالقياس أن لا يتصدق عليه بشيء من الكراء؛ لأنه كراء صحيح؛ ولأن المكتري قد ملك منافع الدار بالكراء كتملكه إياها بالشراء، وإنما كان لرب الدار منعه على وجه الاستحسان؛ لئلا يظن به أنه أكراها منه لذلك، فليس تركه الاستحسان يوجب عليه الصدقة بالكراء أو العقوبة، هذا هو النظر والله أعلم.
م/: وقد تقدم في كتاب الإجارة اختلاف شيوخنا فيمن أكرى داره أو باعها ممن يتخذها كنيسة، وأن اختيارنا أن يتصدق بالكراء، وفي البيع يتصدق بالزيادة على ثمنها لو بيعت لغير ذلك؛ لأن الرقبة في البيع باقية لم تستهلك، والمنافع في الكراء قد استهلكت، فأشبهت بيع الخمر.
وينبغي أن لو باع منهم شاة لقربانهم فذبحت أن يتصدق بجميع ثمنها؛ لاستهلاكها كاستهلاك المنافع.
وقد قال مالك فيمن باع كرمه ممن يعصرها خمرا أن يتصدق بثمنها.
قال: ولو اشتراه ليعصره خمرا، أو أكراه الدار ليبيع فيها الخمر، ثم صرف العنب لغير الخمر، والدار للسكنى، فالثمن لرب العنب، ورب الدار، والكراء سائغ لا يضره الشرط إلا أن يكون زاد عليه لذلك، فيتصدق بالزائد.
م/: وهذا خلاف ما تقدم لابن القاسم من أن الكراء فاسد.
قال: ومن أخذ دابة بغير إذن ربها فحمل عليها الخمر، أو داره فباع فيها الخمر، فعليه كراؤها فيما عطلها عليه، لا على ما استعملها فيه من الخمر، كان المتعدي مسلماً أو نصرانياً.
وفرق ابن القاسم بينهما، ولا يفترقان إلا أن يكون المسلم ليس كسبه إلا من الخمر وشبهه فيتصدق بما يؤخذ منه.
] الفصل -2 - في مكتري الدار يظهر فيها الخلاعة والفسق [
ومن المدونة: وإذا ظهرت من مكتري الدار خلاعة، وفسق، وشرب خمر لم ينتقض الكراء، ولكن الإمام يمنعه من ذلك، ويكف أذاه عن الجيران، وعن رب الدار، وإن رأى إخراجه أخرجه، وأكراها عليه.
ابن حبيب: وكذلك إن ظهرت فيها الدعارة، والطنابير، والزمر، وشرب الخمر، وبيعها فليمنعه الإمام ويعاقبه، فإن لم ينته أخرجه عن جيرانه، وأكراها عليه، ولا يفسخ الكراء، وقاله مالك في الفاسق: يعلن مثل ذلك في دار نفسه أنه يعاقبه على ذلك، فإن لم ينته باع الدار عليه.
[الباب السادس]
جامع مسائل مختلفة من الأكرية
[الفصل -1 -
في الرجل يدخل بامرأته في دار اكتراها سنة فعلى
أيهما يكون الكراء بعد الدخول؟]
قال ابن القاسم: ومن نكح امرأة وهي في بيت اكترته سنة فدخل بها فيه، وسكن باقي السنة فلا كراء عليه، ولا لربها، وهي كدار تملكها هي إلا أن تبين له أني بالكراء أسكن، فأما وديت أو خرجت.
وقال غيره: عليه الأقل من كراء المثل، أو ما اكترت به.
م/: قال غير واحد من شيوخنا: عليه الأقل من ثلاثة أوجه: من كراء مثل الدار، أو كراء مثل ما يكون على مثله لمثلها، أو المسمى الذي اكترت به.
وحكي عن أبي الحسن القابسي أنه قال: إن كانت المرأة هي التي دعت الزوج إلى الدخول بها في دارها، أو في دار هي فيها بالكراء، ولم تذكر له أنها تغرمه الكراء فلا يلزمه شيء من الكراء، وإن لم تكن هي التي دعته إلى الدخول عندها، وهو الذي اختار ذلك فيلزمه كراء الدار التي هي فيها بكراء، أو كراء دارها بعد (أن تحلف ما أسكنته إلا
لأخذ) الكراء منه.
[الفصل -2 -
في المعتدة تكون في دار تملكها، أو في مسكن
بكراء فعلى من يكون الكراء؟]
وقال في كتاب العدة: إذا كانت المعتدة في مسكن بكراء فطلبت الزوج بالكراء بعد تمام العدة أن لها ذلك إن كان موسراً حين سكنت.
قال ابن أبي زمنين: معنى هذه المسألة أنها اكترت المسكن بعد ما تزوجها، وأما إن تزوجها في بيت بكراء فقد قال في الأكرية: لا كراء على الزوج، إلا أن تكون بينت له أنها تسكن بكراء.
قال: وإن لم يكن هذا معنى المسألة فهو تناقض من قوله.
وقد ذكرنا هذا في كتاب العدة.
وقال بعض فقهاء القرويين: وينبغي لو كانت الدار لها، فطلقها الزوج، فقامت عليه بكراء العدة أن ذلك لها؛ لأنها تقول: إنما وهبته ما مضى، فإذ قد طلقتني فلا أهبه بقية السكنى الواجبة في العدة.
فإن قيل: فإن السكنى لما لم تطلبه بها فكأنها لم تكن وجبت، فلا يوجبها الطلاق، كالأمة إذا طلقت، فأعتقت، وزوجها حر، أن الطلاق لا يوجب لها عليه السكنى؛ لأنها لم تكن وجبت لها السكنى بحال؛ لأنها لو طلبت ذلك قبل الطلاق لم
يكن لها ذلك، فلا يوجب لها الطلاق ما لم يكن لها، والمرأة الحرة الساكنة مع زوجها في دارها هي أسقطت عند السكنى ولو طالبته بها وهي في عصمته لكان ذلك لها.
م/: فعلى هذا التعليل يكون الفرق بين مسألة هذا الكتاب، وبين مسألة كتاب العدة، أن الطلاق أوجب للمعتدة أخذه بالسكنى، كدار تمكلها؛ لأنها غير زوجة له، ومسألة الأكرية هي بعد متزوجة فلا كراء لها إلا أن تكون بينت له ذلك حين العقد، أو بقي من السكنى بقية فتطلبه بكراء ما بقي.
وأما لو كان الكراء مشاهرة لا عقد فيه على المرأة لكان الكراء على الزوج؛ لأن المرأة لم تملك شيئاً، لا منفعة ولا رقبة.
[الفصل -3 -
في اكتراء الرجل داراً وهو ببلد آخر، والرجل يكتري
الدار على أن يبتدئ سكناها بعد شهر ونحوه]
ومن كتاب الأكرية قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً بإفريقية وهو بمصر جاز ذلك كالشراء، ولا بأس بالنقد فيها؛ لأنها مأمونة.
وإن قدم فلم يرضها حين رآها، وقال: هي بعيدة من المسجد.
فالكراء لا يصلح إلا أن يكون قد رأى الدار وعرف موضعها، أو علم صفة الدار وموضعها، وإلا فالكراء باطل.
قال: ومن اكترى داراً على أن يبتدئ سكناها إلى شهر، أو إلى شهرين جاز ذلك، وإن نقد الكراء.
والدور والأرضون المأمونة مخالفة للرقيق والحيوان في الكراء، ولو اكترى الدار على أن يقبضها إلى سنة جاز ذلك، وجاز النقد فيها لأمنها، وإن بعد الأجل جاز الكراء، ولا أحب النقد فيه، ولم يجز في سائر العروض والحيوان شراؤه على ألا يقبض إلا
إلى أجل؛ لغلبة الغرب في تغييره.
ومن اكترى داراً بدنانير ولم يصفها، والنقد مختلف، فإن عرف لنقد الكراء سنة قضي بها، وإلا فسخ الكراء، وعليه فيما سكن كراء المثل.
[الفصل -4 -
في اكتراء الرقيق عشر سنين وتعجيل النقد في ذلك]
قال مالك: ولا بأس بكراء دار، أو رقيق عشر سنين، وتعجيل النقد في ذلك.
وقال غيره في العبد: لا يؤاجره الإجارة الطويلة؛ لأن ذلك خطر.
وهو قول أكثر الرواة.
م/: والدليل لصحة قول ابن القاسم قوله تعالى حاكياً عن موسى وشعيب عليهما السلام: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص:27] الآية.
فإن قيل: هذه شريعة قد ذهبت، قيل: هذه شريعة الله تعالى نحن عليها حتى يأتي ما ينقلنا عنها، وهذه مذاهبنا.
وقد احتج مالك رحمه الله في القتل بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:45]؛ لأن الكتابة كانت عليهم، لا علينا، فنحن على ذلك الشرع حتى يأتي من ينقلنا عنه.
[مسألة: فيمن اكترى داراً سنة ولم يشترط عليه النقد]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً سنة ولم يشترط عليه النقد غرم بحساب ما سكن.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون كراء الناس عندهم على النقد فيقضى به، وكذلك في الدواب.
[مسألة: هل ينتقض الكراء بموت أحد المتكارين؟]
ولا ينتقض الكراء في الدور، ولا الكراء المضمون في الدواب والإبل بموت أحد المتكارين.
[مسألة: الرجلان يكتريان حانوتاً ويريد كل منهما مقدمه]
وإذا كترى قصار وحداد حانوتاً، فأراد كل واحد مقدمه، ولم يقع كراؤهما على أن لأحدهما مقدم الحانوت من مؤخره، فالكراء لهما لازم، فيقسم بينهما إن انقسم، وإلا أكرى عليهما؛ لأنه ضرر، والبيت مثله.
[الباب الرابع]
فيما ينهدم من دار أو حمام وما يوجب الفسخ أو لا يوجب
[فصل -1 -
فيمن يلزمه إصلاح ما انهدم من الدار الكتراة]
قال ابن القاسم: ومن اكترى بيتاً فهطل عليه لم يجبر رب الدار على الطر، ولا للمكتري أن يطر من كرائها ويسكن.
وله الخروج في الضرر البين من ذلك إلا أن يطرها ربها فلا خروج له.
وقال غيره: الطر وكنس المراحيض مما يلزم رب الدار.
قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً فانهدمت كلها، أو بيت منها، أو حائط لم يجبر رب الدار على البنيان، إلا أن يشاء، فإن انهدم منها ما فيه ضرر على المكتري قيل له: إن شئت فاسكن -يريد بجميع الكراء ولم يكن نقد- أو فاخرج وناقضه الكراء، وليس للمكتري أن يصلح من كرائها، ويسكن، إلا أن يأذن له في ذلك ربها، فإن بناها ربها في بقية من وقت الكراء لزم المكتري أن يسكن ولم يكن له أن ينقض الكراء، هذا إذا بناها ربها قبل خروج المكتري، وأما إن بناها بعد خروجه وقد بقي من الأمد شيء لم يلزم المكتري الرجوع إليها لتمام ما بقي.