الجامع لمسائل المدونةصفحات 925-964

كتاب المكاتب الأول

صفحات 925-964

قال عنه ابن المواز: وإذا زمن أحد المكاتبين فقال له السيد: إذا عجزت فأنت حر.
فهو حر الساعة، إذ لا نفع في توقيفه وكذلك الصبي.
ومن المدونة: وإذا أعتق السيد أحد المكاتبين، ودبر الآخر؛ فإن كان المعتق زمناً: جاز عتقه، وإلا لم يجز، فإن عجز ألزمه العتق والتدبير، وإن أديا [عتقا.
فصل قال ابن القاسم وأشهب: ومن كاتب عبده على نفسه وعلى عبد للسيد غائب] لزم العبد الغائب وإن كره؛ لأن هذا يؤدي عنه ويتبعه إن لم يكن ذا قرابة له ممن يعتق على الحر بالملك، وتلزم الغائب الكتابة، كقول مالك فيمن أعتق عبده على أن عليه كذا وكذا فيأبى العبد: أن ذلك جائز، والمال لازم للعبد، وكذلك العبد يكاتب عن نفسه وعن أخ له صغير لا يعقل في ملك السيد أنه جائز.
ابن المواز: وكذلك لو ألزم عبديه الكتابة على كذا، أو في كل نجم كذا، فرضي أحدهما ولم يرض الآخر؛ فذلك يلزمه عند ابن القاسم، ويرجع عليه بما أدى عنه، كما لو كان غائباً، وقاله أصبغ على الاستحسان والاتباع للعلماء، قال: وكذلك عندي في العبد

الواحد يلزمه السيد الكتابة فذلك يلزمه على ما أحب أو كره، ولا حجة له فيها إلا بعجز ظاهر.
وقد تقدم في الباب الأول الاختلاف في إكراه العبد على الكتابة.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كان لك عبد ولرجل آخر عبد؛ لم يجز لكما جمعهما في كتابة واحدة، كل واحد منهما حميل بما على صاحبه؛ لغرر الكتابة، إذ لو هلك أحدهما أخذ سيد الهالك مال الآخر باطلاً، فهذا غرر، وهو كقول مالك في دار بين رجلين حبساها على أنفسهما على أن من مات منهما أولاً فنصيبه حبس على الباقي منهما، فقال مالك: لا خير في هذا؛ لأنه غرر ومخاطرة؛ لأنه إن مات أحدهما أخذ الآخر نصيب الآخر باطلاً فكذلك مسألتك.
قال سحنون: فإن نوى ذلك فالكتابة جائزة؛ لأنها حمالة والحمالة لا تبطل الكتابة.
قال ابن المواز: وأما عبدان بين رجلين، أو ثلاثة أعبد بين ثلاثة نفر، لكل واحد ثلث عبد؛ فقد اختلف في جميعهم في كتابة واحدة.
فلم يجزه أشهب قال: لأن كل عبد تحمل لغير سيده في عبد آخر، فهي كتابة منتقضة إلا أن يسقطوا حمالة بعضهم عن بعض؛ فيجوز إن لم يكن ثم عقد كتابة تلزم فتكون كتابة كل واحد على حدة، وعلى كل واحد ما يلزمه من الكتابة يوم عقدت.

قال أحمد بن ميسر: ليس كما احتج؛ لأن لكل واحد ثلث عبد، فإنما يقبض كل واحد عن ثلثه ثلث الكتابة، فلم يقتض أحدهم عن غير ملكه شيئاً.
قال أشهب: وإذا كاتب الرجل عبديه كتابة واحدة؛ فهو جائز، فإن أراد بيع أحدهما فلا يجوز، وكذلك لا يجوز بيع نصفهما، ولا بيع نصف أحدهما؛ لأنه يصير مثل ما وصفت لك، وذلك أن النصف المبيع يصير متحملاً عمن لا يملكه سيده.
قال: وله بيعها من رجل واحد لا من رجلين؛ لأن كل واحد من الرجلين تصير له حمالة بكتابة على من لا يملكه، وإن أسقطت الحمالة عنهم لم يجز؛ لأنه يعجزهم ويضعفهم.
قال ابن المواز: أما بيعهما من رجلين أو من رجل نصف كتابتهما جميعاً؛ فجائز، ولو ورثهما رجال جاز لكل واحد بيع نصيبه منهما وهبته، وقد أجاز ابن القاسم وأشهب بيع بعض المكاتب أو نجماً بغير عينه، وأكره لمن اشتراهما أو للورثة قسمتهما أن يأخذ هذا مكاتباً وهذا مكاتباً ولهما قسمة ما عليهما.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية: أن الورثة لا يجوز لهم اقتسام ما على المكاتب إلا عند انقضاء كل نجم؛ لأنه ليس بدين ثابت فيقسم كاقتسام الديون.
قال ابن المواز: وإذا كاتب الرجلان عبديهما كتابة واحدة؛ فجائز، لا تنقص خلاف ما قال أشهب.

قال مالك: ويوضع عن كل واحد منهما من الكتابة على قدر طاقته واجتهاده فيما يرى يوم الكتابة.
فصل ومن المدونة ابن وهب وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا: أن العبد إذا كاتبه سيده لم ينبغ أن يتحمل له أحد بكتابته إن مات العبد أو عجز، وليس هذا من سنة الكتابة؛ لأن الكتابة ليست بدين ثابت، وإن مات المكاتب أو عجز لم ينتفع الحميل بما أدى في عتق ولا رق يملكه.
قال غيره: إجازة الضمان فيها إصراف لها إلى الذمة وشبهها، إلا تكون في ذمة، فما أخرجه الحميل لا يكون له في ذمة العبد، وإن وجد عنده شيئاً أخذه، وإلا بطل حقه وذهب ماله باطلاً، وليس هكذا شروط المسلمين.
في عجز المكاتب وتعجيزه نفسه قال ابن القاسم: وإذا غاب أحد المكاتبين في كتابة أو هرب وعجز الحاضر، لم يعجزهما إلا السلطان بعد التلوُّم.

قال مالك: وإذا غاب المكاتب وحل عليه نجم أو نجوم لم يكن للسيد أن يعجزه إلا عند السلطان.
قال ابن القاسم: ولو أشهد السيد أنه قد عجز ثم قدم المكاتب بنجومه التي حلت عليه؛ فهو على كتابته، ولا يقبل قول السيد عليه، ولا يعجزه إلا السلطان.
فصل قال مالك: فإن كان للمكاتب مالٌ ظاهر معروف فليس له تعجيز نفسه، وإن لم يظهر له مال ذلك له دون السلطان ويمضي ذلك.
قال في كتاب محمد: وكذلك لو كان صانعاً لا مال له.
قال في المدونة: وكذلك إن عجز نفسه قبل محل النجم بشهر فله ذلك، وإنما الذي لا يعجزه إلا السلطان: الذي يريد سيده تعجيزه بعد محل ما عليه وهو يأبى العجز، ويقول: يؤدي إلا أنه مطل سيده، فالإمام يتلوم له، فإن رأى له وجه أداء تركه، وإلا عجزه بعد التوم ولا يكون تأخيره عن نجومه فسخاً لكتابته، ولا يعجزه إلا السلطان، ما دام العبد متمسكاً بالكتابة، وأما من عجز نفسه وهو يرى أنه لا مال له فذلك له دون السلطان.
قال سحنون في العتبية: لا يجوز التعجيز إلا عند السلطان.
قال ابن حبيب: وقال ابن كنانة وابن نافع: إذا عجز نفسه وكره الكتابة وأشهد بذلك؛ رد مملوكاً وإن كان له مال ظاهر.
وقول مالك أحب إلينا.

م: فصار في ذلك ثلاثة أقوال: قول: لا يعجزه إلا السلطان على كل حال.
[وقول: له أن] يعجز نفسه على كل حال.
وقول: إن كان له مال ظاهر لم يعجز نفسه، وإن لم يكن له مال فله تعجيز نفسه وهو أصوبها.
ومن المدونة: وإن عجز نفسه وهو يرى أنه لا مال له ثم ظهر مال صامت أخفاه أو طرأ له؛ فهو رقيق، ولا يرجع عما رضي به أولاً.
قال ابن المواز: وإنما له أن يعجز نفسه ولا مال له إذا كان وحده، وأما إن كان معه ولد فلا تعجيز له، ويؤخذ بالسعي عليهم صاغراًَ، ولو تبين منه لدد رأيت عقوبته، فإن كان له مال ظاهر فلا تعجيز له، ويؤخذ ماله فيعطى لسيده شاء أو أبى.
أو محمد يريد: بعد محله ويعتق هو وولده.
وروى ابن وهب في المدونة أن عبد الله بن عمر: كاتب غلاماً له يقال له شرف بأربعين ألف درهم فخرج إلى الكوفة فكان يعمل بها على حُمرٍ له حتى أدى خمسة

عشر ألفاً، فجاءه إنسان فقال له: أمجنون أنت؟ تعذب نفسك وابن عمر يشتري الرقيق يميناً وشمالاً ثم يعتقهم، ارجع إليه، وقل له: إني عجزت، فجاءه بصحيفته فقال: يا أبا عبد الرحمن قد عجزت فهذه صحيفتي امحها، فقال: لا والله امحها أنت إن شئت، فمحاها، ففاضت عينا عبد الله بن عمر، ثم قال له: اذهب فأنت حر، فقال: أصلحك الله: أحسن إلى ابني، فقال: هما حران، فقال أصلحك الله: أحسن إلى أمي ولدي، فقال: هما حرتان، فأعتقهم خمستهم في مقعد واحد.
في أداء المكاتب وله أو عليه دين قال مالك: وإذا أراد المكاتب أن يؤدي ما عليه وسيده غائب ولا وكيل له على قبض الكتابة فليدفع ذلك إلى الإمام، ويخرج حراً حل الأجل أو لم يحل.
قال ابن القاسم: وإذا حل على المكاتب نجم، وللمكاتب مثله على السيد، فله قصاصة، إلا أن يفلس السيد، فيحاص الغرماء بماله على سيده، إلا أن يكون السيد قاصه بذلك قبل قيامهم فذلك ماض.

فصل قال مالك: وإذا أدى المكاتب كتابته وعليه دين فأراد غرماؤه أن يأخذوا من السيد ما قبض منه؛ فإن عُلم أن ما دفع من أموالهم؛ فلهم أخذه من السيد.
قال ابن القاسم: ويرجع رقاً.
يريد: مكاتبه.
م: هذا من قوله يدل: أنه إن دفع لسيده شيئاً تقدمت له فيه شبهة ملك، أنه يرد عتقه، ويرجع مكاتباً خلاف ماله، بعد هذا قال مالك: وإن لم يعلم أنه من أموالهم لم يرجعوا على السيد بشيء من ذلك.
م: اختلف في معنى قوله: فإن علم أن ما دفع من أموالهم؛ هل يريد: أموالهم بعينها، أو دفع وقد استغرق الدين ما كان بيده؛ والذي أرى أنه إن دفع وهو مستغرق الذمة فلهم رده، وإن لم تكن أعيان أموالهم؛ لأنها أموالهم، أو ما تولد عنها، وكما لهم منع الحر من العتق والصدقة إذا كان استغرق الذمة فكذلك لهم منع هذا من أن يعتق نفسه بها، وقد قال مالك بعد ذلك: إذا كان المكاتب مدياناً فليس له أن يقاطع سيده، ويبقى لا شيء له؛ لأن غرماءه أحق بماله من سيده، فإن فعل لم يجز، فكذلك أداءه جميع كتابته.
م: ولا فرق بين أعيان أموالهم أو أثمان ذلك، أو ما اعتاض المكاتب منها، إن ذلك كأعيان أموالهم سواء، والغرماء أحق بها؛ لأن دينهم في ذمته ودين السيد ليس في ذمته.

وأما قوله: وإن لم يعلم أن ما دفع من أموالهم لم يرجعوا على السيد بشيء من ذلك: فهو ما أفاده بعمل يده، أو أرش جرحه، أو دفعه مما بيده، وليس بمستغرق الذمة، أو فيما بقي بيده وفاء لدينه ثم تلف بعد ذلك ما بقي بيده فهذا الذي ليس لهم فيما دفع إلى السيد متكلم والله أعلم.
م: وإنما كان ذلك؛ لأن عمل يده؛ كإجارته، وأرش جرحه؛ كرقبته، فكما كان الحر المديان لا يؤاجر ولا يباع في الدين فكذلك لا تسلط لهم على عمل يده ولا أرش جرحه، وكما كان لا رد للغرماء في عتق المديان إذا بقي بيده ما بقي بدينهم، [فكذلك المكاتب: إذا بقي بيده ما بقي بدينهم]، قيل: فإن أشكل فيما دفع المكاتب؛ هل ذلك من أعيان أموالهم وأعراضها وما تولد منها، أو من عمل يده وأرش جرحه، أو مال وهب له ليعتق؟ فقال بعض علمائنا: إذا أشكل ذلك، هل ذلك سن بعض الأسباب التي لا حق للغرماء فيها أو من أموالهم التي هم يبدون فيها على السيد؟ لم يكن إلى نقض العتق سبيل، ولو اعترف بذلك السيد؛ لكان القياس أن ينفذ العتق، ويرجع الغرماء على السيد بما قبض؛ لإقراره أنهم أولى بذلك منه إلا على قول سحنون فإنه زعم: أن كل ما اكتسبه المكاتب من عمل يده قبل عجزه فإنه للغرماء؛ لأنه أحرزه عن سيده، فلا يبقى له إلا أن يوهب له مال أو يوصى له بشرط أن يؤديه إلى سيده، أو يسلفه ليوم ما، ليتبعه به بعد براءة ذمته، وإن ما النظر لو قام الغرماء وبيد المكاتب مال مجهول الأصل فتنازع الغرماء والسيد فيه، وقد

عجز أو لم يعجز، وأشرف على العجز وهو باق على الكتابة؛ فالقياس أن يحتاط للغرماء بما لا يحتاط للسيد؛ لأنه قد عرض المكاتب بالكتابة للمداينات كالأحرار، فمهما أراد أن يمنع الغرماء من ما له، كان عليه البيان، لا سيما مع ما ذكرنا عن سحنون، وأما ما أداه إلى السيد وعتق به فالعتق حرّمه لاحتمال الأمرين، فإذا أنفذنا العتق لم نجد بداً من تمسك السيد بما قبض؛ لأنه فكاك الرقبة وغير معتدل أن ينتزعه من السيد ثم يمضي عليه العتق، وقال غيره: إذا كان ما على المكاتب يغترق ما في يديه؛ فهي أموال غرمائه حتى يعلم أن الذي دفع إلى سيده من عمل يده أو من ثمن خدمته.
م: وهذا موافق لظاهر المدونة مع ما يسعده من قول أشهب وسحنون: أن عمل يده للغرماء، كما أن ما في يد الحر من عمل يده للغرماء، وهو نحو ما قدمنا في صدر المسألة والله أعلم بالصواب.
وقال أشهب وابن نافع عن مالك: في مكاتب قاطع سيده فيما بقي عليه على عبد دفعه إليه فاعترف مسروقاً فأخذ منه؛ فليرجع السيد على المكاتب بقيمة العبد.
قال ابن نافع: وهذا إذا كان له مال، فإن لم يكن له مال رد مكاتباً كما كان قبل القطاعة، وهذا رأيي، والذي كنت أسمع.
وقال أشهب: لا يرد عتقه؛ لأن حرمته قد تمت، وجازت شهادته، ووارث الأحرار، ولكن يتبع بذلك.

قالا عن مالك: وإن قاطع سيده على وديعة أودعت عنده فاعترف بذلك سيده وأخذ منه؛ أنه لا يعتق المكاتب، وقال: أيعتق المكاتب هكذا بالباطل؟ لا يؤخذ الحق بالباطل.
م: يريد: ويرجع مكاتباً.
وقال ابن القاسم وغيره: إن غر سيده بشيء لم تتقدم له فيه شبهة ملك فهذا الذي لا يجوز له يعني: ويرد عتقه ويرجع مكاتباً.
قالا: وأما ما كان بيده يملكه وله فيه شبهة لطول ملكه له ثم استحق ذلك مضى عتقه ورجع عليه بقيمته، فإن لم يكن له مال أتبع به ديناً.
م: إن قيل: لِم لَم يرجع ببقية الكتابة التي قاطعه عليها كمن أخذ من دينه عوضاً ثم استحق؟ أنه يرجع بدينه قبل الكتابة [لأن الكتابة] ليست بدين ثابت؛ لأنها تارة تصح وتارة لا تصح، فأشبهت مالاً عوضه [معلوم من خلع أو نكاح، بعرض] يستحق؛ فأنه يرجع بقيمته فكذلك هذا.
قال مالك: وإذا كان المكاتب مدياناً فليس له أن يقاطع سيده، ويبقى لا شيء له؛ لأن غرماءه أحق بماله من سيده، فإن فعل لم يجز ذلك، وإن مات المكاتب وترك مالاً وعليه

دين؛ فغرماؤه أحق لماله ولا يحاصهم السيد بما قاطعهم به، كما لا يحاصهم بالكتابة، وقاله زيد بن ثابت، وقال شريح: يحاصهم بنجمه الذي حل، قال ابن المسيب: أخطأ شريح.
وإذا عجز المكاتب وعليه دين؛ كان رقيقاً لسيده، وبقي دين الناس في ذمته، لا في رقبته.
قال ابن شهاب: وإن كوتب وعليه دين كتمه: فإن كان ديناً يسيراً بدأ بقضائه قبل أداء الكتابة وأقر على كتابته، وإن كان ديناً كثيراً يحبس نجومه؛ خير سيده بين فسخ الكتابة، أو تركه يقضي دينه ثم يستقبل نجومه وبالله التوفيق.
في حكم المكاتب وتزويجه وسفره والحكم في ماله وأمته وولده وفيما فضل له مما أعين به قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «المكاتب عبد ما بقي عليه عشرة دراهم».
وقال جماعة من الصحابة والتابعين: والمكاتب هو عبد ما بقي عليه درهم واحد؛ فوجب بذلك أن يكون حكم المكاتب حكم الأرقاء في الميراث والشهادة والحدود والجراح والحجابة وغير ذلك حتى يؤدي ما عليه.
قال مالك: وليس للمكاتب أن ينكح إذا بإذن سيده؛ لأن ذلك يعيبه إن عجز.
ابن المواز قال مالك: وله أن يزوج عبيده وإماءه، وقاله ابن القاسم: إذا كان على وجه النظر، ورجاء الفضل.
وقال أشهب: لا يزوج عبده إلا بإذن سيده، وأما فإن خفف بذلك عن نفسه ثقلاً وأدخل مرفقاً يرى أن ذلك أفضل له جاز ذلك بغير إذن سيده.

قال أشهب: إن كان معه في الكتابة غيره؛ فليس للسيد إجازة نكاحه إلا بإجازة من معه إلا أن يكونوا صغاراً فيفسخ على كل حال، ويترك لها إن دخل ثلاثة دراهم، ولا يتبع إن أعتق بما بقي.
ابن القاسم: وما رد من عتقه وصدقته فلا يلزمه إن أعتق، وإن كان ذلك بيده، ولا يتزوج الرجل مكاتبته وإن رضيت ويزوجها لغيره برضاها.
ومن المدونة: ولا له أن يسافر أو يخرج من أرض سيده إلا بإذن اشترط ذلك عليه سيده أو لا.
قال ابن القاسم: إلا ما قرب من السفر مما ليس على سيده فيه إذا غاب كبير خوف لحلول نجم أو غيره فذلك له.
قال مالك: ولو شرط عليه السيد أنه إن نكح أو سافر بغير إذنه؛ فمحو كتابته بيده، لم يكن له محوها إن فعل المكاتب شيئاً من ذلك، وليرفع ذلك إلى السلطان.
ابن وهب [وقال ربيعة: للسيد فسخ الكتابة في بعيد السفر بحكم الإمام، وإن تزوج فُرِّق بينه وبين امرأته وانتزاع ما أعطي].
وقال ابن شهاب: ولا ينبغي لأهل المكاتب أن يمنعوه أن يتسرر وقد أحل الله له ذلك حتى يؤدي نجومه.

فصل قال مالك: وإذا كاتب الرجل عبده تبع العبد ماله من رقيق أو عرض أو عين أو دين، كتم ذلك أو ظهره، ولم يكن للسيد أخذه بعد الكتابة إلا أن يشترط سيده حين الكتابة فيكون ذلك له.
قال: والمكاتب مثل المعتق إذا أعتق تبعه ماله وأحرزه عن سيده.
قال: ولا يتبع المكاتب ما تقدم له من ولد ولا حمل أمته، وإن كتم ذلك ويكون الولد إذا وقعته رقاً للسيد، والأمة تبعاً للمكاتب دون الولد وليس الولد كماله.
والعبد إذا عتق تبعه ماله في السنة ولا يتبعه ولده فيكون حراً مثله، وإذا فلس أخذ ماله، ولا يؤخذ ولده، والذي يبتاع عبداً يشترط ماله لا يقضى له بولده، وأما الأمة إذا كوتبت وهي حامل فولدها مكاتب معها يعتق بعتقها، وقد تقدم هذا.
قال ابن المواز: ولو كاتب عبده عليه وعلى أم ولده في كتابة واحدة أو مفترقين، فهو جائز، وتحرم على المكاتب أمته، وإن كاتبهما كتابة واحدة وهو انتزاع من السيد فلا تحل للمكاتب إلا بنكاح، وولدها للسيد، وإن مات المكاتب سعت وحدها؛ لأنها في عقد الكتابة، وإن ترك وفاء اعتقت فيه وأتبعها ولدها منه أو السيد إن لم يكن لها ولد بما أدى عنها، وذلك إذا ما لم يكن تزوجها، فإن كان المكاتب تزوجها بعد أن كاتبها السيد فلا يرجع عليها السيد ولا الولد بما أدى عنها من مال زوجه الميت، قال ابن المواز: وهو صواب إن شاء الله، ورواه أصبغ عن ابن القاسم.

فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: والمكاتب إذا أعانه قوم على كتابته بمال فأدى منها كتابته وفضلت منه فضلة؛ فإن أعانوه بمعنى الفكاك لرقبته لا صدقة عليه، فليرد عليهم الفضلة بالحصص، أو يحللونه منها، وفعله زياد مولى ابن عياش رد عليهم الفضلة بالحصص.
قال ابن القاسم: وإذا عجز المكاتب فكل ما قبض السيد منه قبل العجز حل له، كان من كسب العبد أو من صدقة عليه.
قال مالك: ولو أعين المكاتب بشيء على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته؛ كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى إلا أن يحلل منه المكاتب فيكون له.
قال ابن القاسم: ولو أعانوه صدقة لا على الفكاك فذلك إن عجز حل للسيد.
قال سحنون وقال أشهب: إن عرفهم رد عليهم.
م: يريد: إذا أعانوه على الفكاك.

قال: وإن لم يعرفهم جعله في مكاتبين أو في رقاب.
قال سحنون: ولست أرى ذلك، وأرى إن لم يعرفهم أن يوقف المال بيده أبداً وهو كاللقطة.
م: يريد: في الإيقاف لا في المدة؛ لأنه قال: يوقف أبداً وفارق اللقطة في هذا؛ لأن هذا عرف أصحابه، واللقطة لا يعرف صاحبها، فأوقفت سنة كما جاء في الحديث، وهذا كالوديعة: يغيب صاحبها ولا يعرف له خبر فقد قيل: إنه يعمر ثم يتصدق بها ولا يقتصر في إيقافها على سنة.
قيل: فإن قال الذين أعانوه: إنما أردنا إفكاك الرقبة، وقال السيد: بل الصدقة.
نُظر إلى عُرف البلد: فيكون الأمر عليه؛ فإن لم يكن في ذلك عرف، فالقول قول الذين أعانوه: أنه منهم على الفكاك مع أيمانهم؛ حكي ذلك عن الفقيه أبي عمران، وقد تقدم في الباب الأول أن ابن القاسم: يجيز كتابة الصغير [ومن لا حرفة لهم].
وقال أشهب: لا تجوز كتابة الصغير ولا الأمة التي لا صنعة بيدها؛ لأن عثمان كان يكره مخارجتها.

فيمن أعتق بضع مكاتبه أو شقصاً له فيه صحة أو وصية قال مالك: ومن أعتق شقصاً له من مكاتب له، أو كان بينه وبين آخر؛ فليس يعتق وإن عجز، وإنما هو وضع مال إن كان أعتق نصفه وضع عنه نصف كل نجم، وإن ثلث فثلث وقاله يحيى بن سعيد وغيره.
قال مالك: وإن أعتق ذلك عند الموت أو أوصى بذلك أو وضع له من كتابته؛ فذلك عتاقة؛ لأنه ينفذ من ثلثه على كل حال.
م: يريد: لأنه لو جعل ذلك وضع مال ثم عجز فرق للورثة صاروا لم ينفذوا وصية الميت، والميت أراد إبتالها، وألا يعود إليهم شيء منها، والصحيح إنما أراد التخفيف عن المكاتب، وإنه إن عجز كان رقاً، على هذا محمل أمره؛ لأنه إنما يملك منه اليوم مالاً ولو قصد إلى إبتال عتقه كما قصد الموصي، وأنه إن عجز كان ذلك النصيب حراً؛ لوجب عتقه واستتم عليه بقية عتقه.
وكذلك روى ابن سحنون عن مالك: أنه إذا أعتق نصف مكاتبيه فهو وضيعه، إلا أن يريد العتق ويعمد له فهو حر كله.
قال ابن المواز: والفرق بين الصحة في هذا وبين الوصية أنه في الوصية أشرك بين المكاتب وبين ورثته على قدر ما أوصى له به من نفسه، فصار شريكاً للورثة بقدر ذلك، فليس أحدهم أولى من صاحبه، وكما لو أوصى بذلك الجزء لرجلٍ لكان شريكاً للورثة بقدر ذلك، والصحيح يقول: لم أعط من الرقبة شيئاً إنما أعطيته دنانير أو دراهم.
م: فرق حسن.

ومن المدونة قال مالك: وإن كان المكاتب بينه وبين رجل فوضع عنه حصته، أو أعتق حصته منه في غير وصية؛ فإنه يوضع عنه حصته من كل نجم، فإن عجز رق لهما ولا يقو على الذي أعتق، وليس عتقه ذلك عتقاً إذ إنما يملك منه مالاً فعتقه وضع مال، وإن مات قبل أن يؤدي بقية كتابته وله مال، أخذ المتمسك مما ترك ما بقي له، ثم يقتسمان ما بقي بينهما، وقاله ابن المسيب، فلو كان ذلك عتقاً لكان ما ترك للمتمسك خاصة، ولكان إذا عجز يقوم على الذي أعتقه.
قال ابن القاسم: وإذا زمن الكاتب فأعتق سيده نصفه لم يعتق عليه النصف الباقي إلا بأداء بقية الكتابة.
م: يريد أنه لا يعتق منه شيء إلا بعد أداء بقية الكتابة.
قال مالك: وإذا هلك سيد المكاتب فورثه ورثته فأعتق أحدهم نصيبه منه ثم عجز المكاتب كان رقيقاً كله، لأن عتقه إنما هو وضع مال، ومما يبين لك ذلك: أن الرجل إذا مات وترك مكاتباً وترك بنين وبنات، وأعتق أحد البنين نصيبه من المكاتب، أن ذلك لا يثبت له من الولاء شيئاً، ولو كانت عتاقة لثبت الولاء لمن أعتق منهم من رجالهم ونسائهم، وإن من سنة المسلمين التي لا اختلاف فيها: أن الولاء لمن عقد الكتابة، وأنه ليس لمن ورث سيد المكاتب من النساء من ولاء المكاتب شيء وإن أعتقن نصيبهن، إنما ولاؤه لذكور ولد سيد المكاتب أو عصبته من الرجال.

قال ابن المواز: ومن قال لعبده: إن كلمت فلاناً فنصفك حر، فكاتبه ثم كلم فلاناً فليوضع عنه نصف ما بقي من الكتابة يوم حنث، فإن عجز رق كله ولا يلزمه حنث.
قال أشهب: كمن أعتق نصف مكاتبه، وكذلك لو حنث أحد الشريكين بعد أن كاتباه، وضعت عنه حصته، فلو كان عتقاً؛ لقوم عليه إن عجز، ولكنه يبقى رقيقاً بينهما، ولو كان إنما حلف بحرية جميع عبده ثم كاتبه مع آخر ثم حنث؛ فذلك عتق إن عجز، ولا يعجل عنقه حتى يعجز، وهو كمن أعتق أحد مكاتبيه.
م: قال بعض شيوخنا: ولو أعتق عضواً من مكاتبه كقوله: يدك حرة، أو عينك، أو نحو ذلك؛ لعتق عليه جميعه؛ لأنه قاصد للعتق هاهنا لا لوضع المال، بخلاف إذا أعتق منه جزاء كالنصف والثلث، ألا ترى أنه لو قصد هاهنا العتق وعمد له؛ لوجب عتقه كما قال مالك.
ابن سحنون: ومن قال لعبده: أخدم لاناً سنة فأنت حر، فوضع عنه المخدم نصف الخدمة؛ فإن أراد أنه ترك له خدمة ستة أشهر فهو كذلك، وإن أراد أنها ملك لك وتشاركني في الخدمة، وتصير لك ملكاً؛ كان حراً مكانه كله، كمن وهب لعبده نصف خدمته.
قلت لسحنون: فلم قلت في هذا المخدم: إذا وهبه نصف خدمته أنه يعتق عليه وإن أعتق نصف مكاتبه لم يعتق عليه وكان وضع مال؟ قال: هو مفترق، ولا أقول فيه شيئاً.
ابن سحنون: الخدمة مقام الرقبة.

م: فهبته بعضها كهبته بعض الرقبة؛ ولأن من عجل عتق عبده على خدمة سنة؛ أنه يعجل عتقه ولا خدمة عليه؛ لأن ذلك بقية رقة، فهو كمن أعتق بعض عبده، والمكاتب إنما يملك منه مال فعتقه نصفه وضع نصف ما عليه إلا أن يقصد إلى عتق الرقبة كما ذكرنا.
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم: فيمن وضع عن مكاتبه نجماً من نجومه بغير عينه عند الموت؛ فإن كانت النجوم ثلاثة وضع عنه من كل نجم ثلثه، وإن كانت أربعة؛ وضع عنه من كل نجم ربعه، فإن أدى عتق، وإن عجز رق، فإن كانت النجوم ثلاثة عتق ثلثه، وإن كانت أربع عتق ربعه، ثم على هذا.
وروى عنه أبو زيد ومثله في المدونة: وإن أوصى أن يوضع عنه النجم الأول؛ نُظر إلى قيمته لو بيع في قرب محله؛ فإن كانت قيمته خمسين وقيمة بقية النجوم على محل آجالها خمسين، علمت أن الوصية له بنصف رقبته، فيجعل في الثلث الأقل من نصف قيمة رقبته أو قيمة ذلك النجم، فأي ذلك حمل الثلث عتق نصفه، ووضع عنه ذلك النجم بعينه، وكذلك يعمل في النجم الآخر والأوسط، فإن لم يدع غير المكاتب خير الورثة بين أن يضعوا عنه ذلك النجم ويعتقوا نصفه، أو يعتقوا ثلثه، ويوضع عنه من كل نجم ثلثه.
وفي المكاتب الثاني إيعاب هذا.

فيمن وطأ مكاتبته أو ابنتها قال مالك: ومن كاتب أمته فليس له وطؤها، فإن فعل درئ عنه وعنها الحد، أكرهها أو طاوعته، ويعاقب، إلا أن يعذر بجهل، ولا صداق لها ولا ما نقصها إن طاوعته.
يريد: وإن كانت بكراً.
قال ابن القاسم: وإن أكرهها فعليه ما نقصها.
يريد: إن كانت بكراً، وكذلك قال سحنون: إنما ينقصها إذا كانت بكراً؛ فيغرم ما بين قيمتها بكراً وثيباً.
قال ابن القاسم: وأما الأجنبي فعليه بكل حال ما نقصها طاوعته أو أكرهها، إذ قد تعجز فترجع إلى السيد ناقصة، فذلك حق للسيد لا يسقطه عنه طوعها.
قال مالك: وإذا وطأها السيد طائعة أو كارهة فهي على كتابتها إلا أن تحمل فتخير؛ أن تكون أم ولد أو تمضي على كتابتها.
قال سحنون وابن المواز: ولها إذا حملت أن تعجز نفسها وترجع أم ولد وإن كان لها مال كثير ظاهر وقوة على السعي، وليس ذلك للمكاتب أن يعجز نفسه إذا كان على هذه الصفة.
م: للاختلاف فيها قد قال سعيد بن المسيب، إذا حملت بطلت كتابتها وصارت أم ولد فذلك كان لها أن تعجز نفسها عند مالك وإن كان لها مال ظاهر.
قال سحنون في كتاب ابنه عن مالك: وإن اختارت المضي على كتابتها فنفقتها في الحمل على السيد ما دامت حاملاً كالمبتوتة.

قال ابن حبيب وكذلك سمعت من أرضى يقول؛ لأنه إنما ينفق على ولده.
وقال أصبغ: نفقتها في الحمل على نفسها لا على السيد؛ لأنها اختارت المضي على كتابتها فلها حكم المكاتب إلا أن تعجز فتكون أم ولد.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو ضرب رجل بطنها فألقت جنيناً ميتاً؛ ففيه ما في جنين الحرة موروث على فرائض الله تعالى، كقول مالك في جنين أم الولد من سيدها.
وروى ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال: إذا وطأ السيد مكاتبته فحملت بطلت كتابتها وهي جاريته؛ يريد: أم ولد.
وقال النخعي: تبقى مكاتبته إذا وطأها، فإن عجزة رقت، وإن حملت فهي أم ولد.
وقال ربيعة: إن وطأها طائعة فولدت منه فهي أمة له ولا كتابة له فيها، يعني أم ولد، وإن أكرهها فهي حرة والولد لا حق به.
قال ابن القاسم: وإذا ولدت المكاتبة بنتاً ثم ولدت ابنتها بنتاً أخرى فرقت البنت العليا فأعتقها السيد جاز عتقه، وبقيت الأم مع البنت السفلى فإن أدتا؛ أعتقتا، وإن عجزتا رقتا.
قيل: فإن وطأ السيد البنت السفلى فأولدها؟ قال: ولدها حر، ولا تخرج هي من الكتابة، وتسعى معهم إلا أن ترضى هي وهم بإسلامها للسيد ويحط عنهم حصتها من الكتابة وتصير حينئذٍ أم ولد للسيد، فإن أبوا أو أبت: لم تكن أم ولد، وكانت في الكتابة على حالها.
قال سحنون: وهذا إذا كان الذين معها في الكتابة ممن يجوز رضاه.
قال: وإن كانت في قوتها وأدائها ممن يرجى نجاتهم بها، ويخاف عليهم إذا رضوا بإجازتها العجز؛ لم يجز ذلك إذ ليس لهم أن يرقوا أنفسهم.

قال سحنون وقال بعض الرواة: لا يجوز وإن رضوا ورضيت، وإن كان قبلهم من السعي والقوة مثل ما قبلها؛ لأنا لا ندري ما تصير إليه حالتهم من الضعف ولتبقى معهم على السعي، فإن عتقوا، وإن عجزوا كانت أم ولد.
م: قال أبو محمد: معرفة ما يخصها من الكتابة هو أن يقال: كم يلزم هذه حين بلغت السعي أن لو كانت هكذا يوم عقد الكتابة فيحط عنهم قدر ذلك على قول من أجاز ذلك وقال أصبغ.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا كاتب المكاتب أمته بإذن السيد ثم وطأها المكاتب فحملت؛ فلا خيار لها في التعجيز وتمضي على كتابتها، فإن أدت خرجت مع ولدها أحرار، وإن أدى المكاتب قبلها خرج هو وولدها أحراراً وسعت هي فيما بقي عليها إن شاءت أو عجزت نفسها؛ فكانت له أم ولد.
ولو مات في كتابته قبل خروجها وترك وفاء بكتابته؛ خرجت هي حرة وولدها، وإن بلغ الولد قبل عتقها سعى مع أقربها عتقاً فعتق بعتقه، ولو كان معه ما يؤدي عن أبويه؛ أخذ من ماله ما يؤدي عنهما وأعتقوا.
وإن ماتت هي أولاً وتركت مالاً؛ أخذ المكاتب من مالها ما بقي عليه وعتق وولدها، وورث الولد ما بقي من مالها، وإن لم يكن فيه وفاء فللولد أخذه والسعاية فيه، وكذلك لو لم يدع شيئاً، فإن أدى عتق، وإن عجز كان في كتابة الأب.
قال ابن القاسم: فإن كان سيد المكاتب هو الذي وطأ هذه المكاتبة فأحبلها قال: هذه لها الخيار في أن تعجز نفسها، وتكون أم ولد للسيد الواطئ، ويغرم قيمتها للمكاتب، ولا

شيء عليه في الولد، وليس للسيد أن يحاسب بالقيمة المكاتب في كتابته إلا أن يشاء المكاتب، وإن اختارت البقاء على كتابتها؛ غرم قيمتها يوم وطأها؛ قيمة أمة فتوقف تلك القيمة خيفة أن يعدم الواطئ عند العجز، ويكون ولداً حراً مكانه، فإن أدت عتقت وأخذ الواطئ القيمة التي أوقفت وإن عجزت؛ كانت القيمة لسيدها المكاتب، وكانت أم ولد للسيد الواطئ.
قال ابن القاسم: وإن ماتت قبل أن تؤدي كانت القيمة لسيدها المكاتب أيضاً.
وقال في العتبية: إن ماتت قبل الأداء أخذ من القيمة الموقوفة قيمة الولد فدفعت إلى المكاتب ورجع باقيها إلى الواطئ.
م: وذكر محمد فيها جواباً لأصبغ وأعابه قال: والجواب عندي: أن تخير؛ فإن اختارت العجز: كانت أم ولد لمحبلها، وغرم لمكاتبه قيمتها يوم أحبها، كما لو وطأ أمته، وإن اختارت المضي على كتابتها؛ لم يغرم الواطئ الآن شيئاً؛ لأنها استقامت على نجومها ولم يدخل عليه فيها نقص ولا ضرر فلا حجة له حتى تعجز، وإن عجزت رجعت أم ولد للسيد الواطئ على ما أحب أو كره، وغرم القيمة يوم الوطء، أو ما بقي عليها من الكتابة، [يغرم الأقل منهما، فإن رضي يغرم ما بقي عليها من الكتابة]؛ خرجت حرة ولم يتبعها من ذلك شيء، وإن هو غرم قيمة رقبتها كانت أم ولد، قال: ولا معنى لإيقاف القيمة؛ لما يلحق الواطئ من الضرر بإحضارها فقد يوجب ذلك تفليسه وقيام غرمائه عليه فلا منفعة بتعجيلها المكاتب، وفي إيقافها أيضاً غرر؛ إذ قد تتلف، ولو كنت أرى إيقافها لأوقفت ما تؤدي للمكاتب بعد الإيقاف؛ لأني لا أغرمه إلا قيمتها يوم الوطء، فيجب إيقاف ما

تؤدي حتى ينظر ما يصير إليه أمرها؛ لأنها إن عجزت فقد كانت أم ولد لواطئها من يوم وطئها فلا شيء للمكاتب من كتابتها، فقد صار إيقاف القيمة ضرر عليهما، ولكن أرى أن تترك على حالها الذي اختارته، تؤدي كتابتها لسيدها، فإن عجزت غرم الواطئ القيمة، ولم يرد المكاتب ما تؤدي منها بعد الوطء؛ لأنه أخذ ذلك قبل أن يمضي فيها حكم فاقتضاه على أنها مكاتبة وملكه، فهو كالعلة قبل الاستحقاق، وكمن أعتق أمته أو كاتبها، ثم استحقت بحرية أو بملك، فلا يرد من كانت بيده شيئاً من ذلك إلا من يوم ينظر الحاكم فيها فيوقفها فيوقف العلة إلى وقت الحكم، قال وإن ماتت في نجومها فلا شيء على واطئها؛ لأنه ليس من سبب الوطء ماتت، قيل: فلم لا يغرم الواطئ قيمة الولد وتكون تلك القيمة معونة لأمة في كتابتها كما قالوا فيمن اشترى أمة فأولدها ثم استحقت أنها مكاتبته أن الأب يغرم قيمة الولد فيأخذه السيد ويحبسه لأمته من آخر كتابتها؟ قال: لأن هذه ترجع إلى رق الكتابة، ولا تكون أم ولد للواطئ، فولدها بمنزلتها؛ فلذلك غرم الأب قيمتهم، ولولا السنة التي جرت بحريتهم لكان مكاتباً مع أمه؛ فإنما فداهم أبوهم عن الكتابة، ألا ترى أنه لو تأخر الحكم عن الأب حتى أدت الأم الكتابة وخرجت حرة؛ لم يكن على الأب فيهم غرم فمسالتك يؤول أمرها إلى أن أم ولد لمحبلها إذا عجزت فيغرم قيمتها وأي قيمة عليه في ولدها، أو يؤول إلى الحرية بالأداء؛ فلا غرم عليه على حال.
م: وذكر فيها ابن سحنون قولاً لسحنون تركته خشية التطويل.

ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن وطأ مكاتبة ابنه فحملت؛ فإنها تخير بين أن تقوم عليه وتكون له أم ولد وتبطل كتابتها، وبين أن تسعى في كتابتها على حالها فإن أدت عتقت وإن عجزة قومت عليه.
وقال سحنون: لا خيار لها؛ لأن هذا من نقل الولاء وليس لها نقل ولائها إلا بعجز بين.
وقال: فإن عجزت فالابن مخير إن شاء قومها على أبيه.
قال أبو محمد: والمعروف لأصحابنا: أنه لابد أن يقومها عليه؛ لأنها أم ولد له.
قال ابن القاسم: وإن اختارت البقاء على كتابتها؛ أوقفنا القيمة من الأب، فإن أدت رجعت القيمة إليه، وإن عجزت أخذها الابن وصارت أم ولد للأب، وإنما توقفت القيمة لخوف عدمه، وإن جنى عليها جناية من ذهاب جارحة قبل عجزها؛ فإن كان في عقلها ما تعتق به عتقت ورجعت القيمة إلى الواطئ، وإلا سعت فيما بقي عليها، فإن أدت عتقت، وإن عجزت قوصص واطؤها بما أخذ سيدها من ثمن جسدها فيما عليه من القيمة، ولو أصابها ذلك بأمر من الله ثم عجزت أخذ الابن القيمة كلها بلا حطاط شيء.
م: وفيما ذكرناه كفاية، وفي كتاب أمهات الأولاد من معاني هذا الباب كثير.

في بيع المكاتب وبيع كتابته قال مالك: لا تباع رقة المكاتب وإن رضي؛ لأن الولاء قد ثبت لعاقد الكتابة.
قال ابن القاسم: فإن بيعت رقبته ولم يعجز؛ رد البيع ما لم يفت بعتق، فيمضي، وولاءه لمن أعتقه.
وقد أخبرني الليث بن سعد أن يحيى بن سعيد باع مكاتباً ممن أعتقه، وأن عمرو بن الحارث دخل في ذلك حتى اشتراه، فلذلك أمضيت بيعه إذا فات العتق، وقاله الليث.
قال سحنون: وهذا إذا كان العبد راضياً ببيع رقبته فكأنه رضي منه العجز.
وقد تأول بعض أصحابنا أن يحيى بن سعيد إنما باع مكاتبه بعد عجزه.

قال ابن نافع: كما عجزت بريرة فاشترتها عائشة -رضي الله عنها-.
وقال غيره: عقد الكتابة عقد قوي؛ فلا يجوز بيع رقبته ويرد بيعه، وينقض عتقه وقاله أشهب.
وقال أشهب: وهذا إذا كان المكاتب لم يعلم بالبيع.
قال ابن القاسم: وكان مالك يقول في المدبر يباع فيعتقه المبتاع: أن بيعه يرد، ثم قال: لا يرد.
فصل قال مالك: أحسن ما سمعت في المكاتب: أن سيده لا يبيع كتابته إذا كانت عيناً إلا بعرض نقداً ولا يؤخره فيكون ديناً بدين، وقد نهى الرسول -عليه السلام- عن الكالئ بالكالئ.

قال: وإن كانت الكتابة عرضاً بيعت بعرض مخال له أو بيعت نقداً ولا يؤخر شيئاً من ذلك، قال: ويتبعه في بيعها مكاتبه وماله، ويؤدي إلى المبتاع، فإن أدى وعتق كان ولاؤه للبائع وإن عجز رق للمبتاع، وقاله عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار.
قال ابن المسيب: والمكاتب أحق بكتابته إن بيعت بالثمن، وقضى به عمر بن عبد العزيز.
وقال عطاء: وكذلك من عليه دين فبيع فهو أولى به بالثمن، وقاله مالك في سماع أشهب، قال: وذلك إذا بيعت جميع كتابته حتى يعتق بذلك، فأما ما لا يعتق به فلا يكون أحق به؛ فإنه لا يرجع إلى حرية.
قال أصبغ عن ابن القاسم عن مالك فيمن اشترى كتابة مكاتب ثم مات المكاتب قال: ميراثه له لأنه لو عجز لاسترقه، وكذلك في الهبة والصدقة يرثه إن مات، وإن كان ما ترك أكثر من الكتابة فهو له.
وروى الصمادحي والدمياطي عن ابن القاسم فيمن وهب كتابة مكاتبه لرجل فعجز: فهو رق للمعطىَ كالبيع.

وروى عنه أبو زيد: أنه يرجع للواهب وقاله أشهب.
وروى عنه محمد مثل رواية الصمادحي عن ابن القاسم.
م: وروي لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن فيمن اشترى كتابة مكاتبه ثم وجد بالمكاتب عيباً قال: ينتظر به؛ فإن أدى كتابته فلا رجوع للمشتري بشيء؛ لأنه قد حصل له ما اشترى، وإن عجز فرق له، فله رده بالعيب، ويرد معه جميع ما أخذ من كتابته، ولم يكن ذلك كالعلة ألا ترى أن لو اقتضى تسعة أعشار كتابته ثم عجز فرده بالعيب أيكون له ما اقتضى؟ بل يرد ذلك؛ لأنه إنما اشترى الكتابة فليست كالغلة.
وقال غيره: ليس عليه أن يرد شيئاً مما قبض من الكتابة؛ لأن ذلك كالغلة.
قال: وله رده وإن لم يعجز؛ لحجته؛ لأنه بالعجز يرق له، ثم لا يرد معه ما قبض من كتابته، واحتج بأن الأمر كان فيه مترقب لا يدري ما يحصل له؛ الرقبة بالعجز، أو مال الكتابة فلما عجز فكأنه إنما اشترى رقبته فكان ما قبض غلة له.
م: والأول أبين؛ لأنه إنما اشترى الكتابة، والرقبة قد تصح له أو لا تصح، وما يكون أو لا يكون فلا حكم له.
قال ابن القاسم: وإذا كاتب المكاتب عبداً له فباع السيد كتابة الأعلى تبعه مكاتبه؛ لأنه مال وأدى الأسفل للأعلى، فإن عجز الأسفل رق للأعلى، وإن عجز الأعلى وحده أدى الأسفل للمبتاع ولا يرجع إلى المكاتب بعد أن عجز، فإن أدى عتق وكان ولاؤه للبائع.
ومن غير المدونة قال أشهب: بل الولاء للمبتاع؛ لأنه عبده.

وذكر ابن المواز عن ابن القاسم مثله وخالفه وقال: بل الولاء للبائع وهذا الصحيح.
وقال ابن القاسم في رواية سليمان: وبلغني أن ربيعة وعبد العزيز كانا يريان بيع كتابة المكاتب غررا لا يجوز.
وقال مالك في العتبية: ولا يجوز لأحد الشريكين بيع حصته وإن أذن له شريكه إلا أن يبيعا جميعاً.
قال ابن القاسم: وكذلك لا يشتري المكاتب نصيب أحد الشريكين إلا أن يشتري جميعه.
وقال ابن المواز: يكره بيع أحد الشريكين حصته في المكاتب من المكاتب؛ لأنه كالقطاع، وجائز من غيره.
وأجاز ابن القاسم وأشهب في العتبية بيع نصف المكاتب أو جزء منه أو نجم بغير عينه؛ لأنه يرجع إلى جزء منه.
في كتابة أحد الشريكين وتدبيره نصيبه بإذن شريكه أو بغير إذنه ومن كاتب بعض عبده قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا: أنه لا يجوز أن يكاتب الرجل شقصا له من عبد بإذن شريكه أو بغير إذنه إلا أن يكاتباه جميعاً كتابة واحدة؛ لأن ذلك ذريعة إلى عتق النصيب بغير تقويم؛ وذلك خلاف قول الرسول -عليه السلام-: «فيمن أعتق شركا له في عبد فإنه يقوم عليه نصيب شريكه».

قال مالك: فإن كاتب نصيبه بإذن شريكه أو بغير إذنه؛ فسخ ذلك ورد ما أخذ، سواء قبض الكتابة كلها أو بعضها، فيكون ذلك بينه وبين شريكه مع رقبة العبد على قدر حصصهما، وتبطل كتابته ويبقى عبداً لهما على حالته الأولى.
قال غيره: إنما يكون ذلك بينهما إذا اجتمعا على قسمته، ومن دعا إلى رده إلى العبد فذلك له، إذ لا يجوز اقتسام مال العبد إلا بالرضا منهما.
قال ابن القاسم: ولو كاتب هذا حصته ثم كاتب الآخر حصته بغير إذن شريكه ولم يعلم أحدهما بكتابة الآخر؛ لم يجز إذا لم يكاتباه جميعاً كتابة واحدة، ويفخ، كاتباه على مال متفق أو مختلف؛ لأن كل واحد يقتضي دون الآخر، وليس ذلك وجه الكتابة، ولو جاز هذا؛ لأخذ أحدهما ماله بغير إذن شريكه.
وقال غيره: إن وافق الثاني كتابة الأولى في النجوم والمال؛ جاز ذلك وكأنهما كاتباه جميعاً، وإن اختلف لم يجز.
وقيل: إن كاتبه هذا بمائة إلى سنتين، وهذا بمائتين إلى سنة، فإن حط صاحب المائتين مائة وأخره بالمائة الباقية سنتين؛ جازت، فإن أبى؛ قيل للمكاتب: أترضى أن

تزيد صاحب المائة مائة وتعجلها إلى سنة ليتفق الأداء؟ فإن فعل جاز أيضاً وإلا فسخت الكتابة.
قال ابن اللباد: لم يروه يحيى ولكن هو لابن الماجشون.
م: وهو عندنا من رواية يزيد بن أيوب.
قال ابن القاسم: وأما إن أعتق هذا أو دبر، ثم فعل الآخر مثله أعتق أو دبر، ولم يعلم بفعل صاحبه؛ فذلك جائز.
فصل قال ومن كاتب بعض عبده لم يجز ذلك ولا يكون شيء منه مكاتباً، وإن أدى لم يعتق منه شيء، كقول مالك: فيمن كاتب شقصا له من عبد والعلة في ذلك أيضاً: أنه يؤدي إلى عتق نصفه ولا يستتم عليه عتق بقيته، إذ ليس كتابته بصريح العتق، فمنع من ذلك؛ فئلا يكون خلاف السنة فيمن أعتق نصف عبده.

قال غيره: ومن عيب كتابة أحد الرجلين نصيبه بإذن شريكه؛ أنهما يتخاطران في ماله، فيقتضى هذا نجوماً وهذا خراجاً.
وإذا كاتب نصف عبد هو له؛ فأصل الكتابة لا تكون إلا على المراضاة؛ كأنها بيع، ألا ترى أن العبد لو أراد أن يكاتبه سيده بكتابة مثله أو أقل أو أكثر، لم يلزم السيد ذلك، إلا أن يرضى، فكذلك لا يلزم السيد أن يكاتب ما بقي بعد ما كاتب إلا بالرضا، كما كان بدون الكتابة، ولا يعتق إذا أدى عما كوتب منه إذ ليست الكتابة عتقاً، وإن كانت تصير إلى عتق.

في مكاتبة الأب لعبد ولده، والوصي لعبد يتيمه، ومكاتبة المكاتب، والمأذون، والمديان، لعبيدهم.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يكاتب الرجل عبد ولده على وجه النظر؛ لأن بيعه وشراءه على وجه النظر جائز، وقال مالك.
قال مالك: وإذا أعتق عبد ابنه الصغير جاز عتقه إن كان مليئاً يوم أعتق ويقوم عليه.
قال غيره: فإن لم يكن له مال فلم يرفع إلى الحاكم ولا نظر فيه حتى أفاد مالاً، تم عتقه للعبد، وكان كعبد بين شريكين، وأعتق أحدهما نصيبه ولا مال له، فلم يرفع إلى الحاكم حتى افاد مالاً؛ فإنه يقوم عليه ويتم عتق العبد كله.
قال مالك في كتاب القسم: وإن لم يكن الأب موسراً يوم أعتق فرفع إلى الحكم؛ رد عتقه للعبد إلا أن يتطاول زمانه، وتجوز شهادته ويناكح الأحرار فلا يرد، ويتبع الأب بقيمته.
قال في كتاب محمد: وإنما يلزمه العتق إذا أعتق عبد ابنه الذي في حجره وولايته، فأما الابن الكبير الخارج من ولايته فلا يجوز عتقه في عبده.

ابن المواز: وإن أعتق عبد ابنه الصغير عن الابن لم يجز ذلك، وإنما يلزمه، ويقوم عليه إذا أعتق عن نفسه، وفي كتاب العتق زيادة على هذا.
ومن المكاتب قال ابن القاسم: وللوصي أن يكاتب عبد من يلي عليه على النظر، ولا يجوز أن يعتقه على مال يأخذه منه إذ لو شاء انتزعه منه، ولو كان على عطية من أجنبي جاز على النظر كبيعه عليهم، وكذلك الحكم في المكاتب يكاتب عبده.
فصل قال ابن القاسم: وإذا كاتب المكاتب عبده على وجه النظر بنفسه ثم عجز الأعلى أدى الكتابة الأسفل للسيد الأعلى، فإن أعتق السيد الأعلى المكاتب الأعلى بعدما عجز لم يرجع بشيء مما أدى هذا المكاتب الأسفل؛ لأنه حين عجز صار رقيقاً وصار ماله لسيده بما كان له على مكاتبه فهو مال للسيد؛ ولأن مالكاً [قال: إذا عجز المكاتب] الأعلى فولاء المكاتب الأسفل إذا أدى عتق للسيد الأعلى، ولا يرجع إلى المكاتب [الأول على حال أبداً]، وكتابة المكاتب عبده على ابتغاء الفضل جائزة، وإلا لم

تجز، وكذلك قوله لعبده: إن جئتني بكذا فأنت حر، فإنما يجوز ذلك إذا كان على ابتغاء الفضل، إلا أنه يتلوم للعبد في هذا بلا تنجيم.
قال في كتاب الولاء: ولا يعتق المكاتب عبده على مال يأخذه منه؛ لأنه يقدر أن ينتزعه منه، فأما على أخذ المال من أجنبي فجائز؛ كبيعه منه.
قال في كتاب الخلع: إذا خالع أو تصدق بإذن سيده، فجائز.
وقال في الحمالة: إن حمالته بالدين بإذن سيده جائزة.
وقال غيره: لا تجوز؛ لأن ذلك دعاية إلى رقه.
فصل ولا يجوز للمأذون أن يكاتب عبداً له أن يعتقه إلا بإذن سيده، فإن فعل بإذنه وعلى المأذون دين يغترق ماله؛ لم يجز ذلك إلا بإذن غرمائه؛ لأن ماله للغرماء، وكتابته من ناحية العتق إلا أن يكون في ثمن الكتابة إن بيعت كفافاً للدين أو لقيمة الرقبة فلا حجة للغرماء؛ لأنهم إذا قبضوا دينهم أو قيمة الرقبة التي كانت تباع لهم لو رُدت الكتابة لم يكن لهم حجة، وتباع لهم الكتابة فيستعجلونها إن شاءوا، فإن أدى المكاتب عتق، وإن عجز رق لمشتريه، وكذلك الجواب في الحر المديان يكاتب عبده.

م: سئل الفقيه أبو عمران: ما الفرق بين كتابة الوصي لعبد من يلي عليه، وبين كتابة المأذون لعبده؛ أن ذلك لا يجوز في المأذون إلا بإذن السيد؟ قال الفرق: أن الوصي أقامه الأب مقام نفسه وعوضاً منه، فهو كإياه في ذلك، والمأذون إنما أذن له في التصريف في المتاجرات والمبايعات بين الأجنبيين، وأما بيعه عبده من نفسه أو كتابته إياه فلم يأذن له فيه؛ لأن ذلك من ناحية العتق لا من باب المتاجرة، ألا ترى أنه لا يحاص الغرماء بالكتابة ولا بما أعتق عبده عليه؛ لأن ذلك من باب المعروف وليس في دمه، وذلك بخلاف متاجرته مع الأجنبيين، فحكم المتاجرة والكتابة مفترق.
قال: وساوى أشهب بين الوصي وبين المأذون وبين المكاتب في كتابة العبد ورأى أن الكتابة هاهنا طريقها التجارة وابتغاء الفضل كسائر المتاجرات، وذهب إلى أن: المأذون أن يكاتب عبده على وجه النظر، وإن كره الغرماء، وليس لغرمائه في ذلك مقال؛ أذن له السيد أو لم يأذن.
قال: وإن للحر المديان أن يكاتب عبده إذ وقعت بغير محاباة على وجه النظر وإن كره الغرماء، وأبى ذلك ابن القاسم في المديان.
واختلفا في المريض: فأجاب فيه كل واحد منهما بضد قوله في المديان.
قال ابن القاسم: كتابة المريض من ناحية البيع إذا لم تكن بمحاباة، وأبى ذلك أشهب في كتبه وإن غالاه ولم يحابه حتى يحمل رقته الثلث، وكان سحنون نحا أن الكتابة عنده من ناحية العتق في المريض والمديان؛ لأنه استشهد في المريض لما جاء بكلام أشهب بقول

ابن القاسم في كتابه المديان: أنه لا يجوز؛ لأن ذلك من ناحية العتق فصار ابن القاسم يجيزه في المريض ولا يجيزه في المريض ولا يجيزه في المديان.
وقال أشهب بضده، وقال سحنون لا يجيزه فيهما.
واحتج أشهب بمنع المريض من الكتابة إذا لم يحمله الثلث: بأنه حابى نفسه بما جر إليه وغلى ولده من الولاء، وقد اعترض عليه في ذلك بما يجوز من كتابة المديان؛ لأنه حابى نفسه أيضاً بالولاء، وهذا أصل مضطرب فيه؛ هل الكتابة من ناحية البيع، أو من ناحية العتق؟ فمهما دل عليه في النازلة غلب الحكم له.
م: وهذا كله من كلام الفقيه أبي عمران الفاسي -رضي الله عنه- إلا ما اختصرت أنا منه وبينت.
قال ابن القاسم ومن كاتب عبده وعلى السيد دين وقد جنى العبد جناية قبل الكتابة فقيم عليه بذلك الآن، فقال العبد: أنا أؤدي عقل الجناية والدين وأثبت على كتابتي فذلك له.
م: قيل لأبي عمران: فهل يحاسب السيد في الكتابة بما أدى من دين أو جناية؟ قال: أما الدين فيحاسبه بذلك إذ لو صحت الكتابة ثم لحق السيد لم يكن على المكاتب منه شيء، وإنما تباع كتابته في الدين، فأما ما أدى في الجناية فلا يحاسب السيد

بشيء من ذلك؛ لأنه لو جنى بعد صحة الكتابة لم يكن على السيد منها شيء، وإنما يقال للمكاتب: قم بجنايتك وإلا عجزت، فلو كان يحاسبه بجنايته قبل الكتابة لحاسبه بها إذا كانت بعد الكتابة وهذا بين.
قال ابن القاسم: ومن كاتب أمته وعليه دين يغترقها فولدت في كتابتها من غيره ثم قال الغرماء؛ فلهم فسخ الكتابة، ويرقها الدين وولدها، إلا أن يكون في ثمن الكتابة إن بيعت بنقد؛ مثل الدين أو مثل قيمة رقبتها، فلا تغير الكتابة، ولكن تباع في الدين.
قال: ولو فلس سيد العبد بدين بعد الكتابة؛ بيعت الكتابة للغرماء، فيقبضون حقوقهم، ولا شيء لهم غير بيع كتابته وإن كثر الدين.
في مكاتبة النصراني لعبده وإسلام مكاتبه قال ابن القاسم: وإن كاتب النصراني عبده النصراني، جازت كتابته، ثم إن أراد بيعه وفسخ الكتابة لم يمنع من ذلك، وليس هذا من حقوقهم التي يتظالمون فيها فيما بينهم، والعتق أعظم حرمة، ولو أعتقه ولم يبنه على يده ثم رده في الرق لم يمنع من ذلك، فكذلك الكتابة إلا أن يسلم العبد.
م: يريد فتلزمه كتابته وعتقه وهذا خلاف قوله في العتبية.
قال فيها في نصراني أعتق عبده ثم أراد بيعه: فليس للإمام منعه، فإن أسلم العبد أن يرجع في عتقه فإن كان بان عن يده حتى صار حاله كحال الأحرار فلا رجوع له فيه بعد إسلامه، وإن كان إذا أعتقه يستخدمه بحالته التي كان عليها حتى أسلم فله الرجوع فيه.
م: فلم يجعل لإسلامه حكماً إلا بالبينونة، والبينونة عندنا تمنع من الرجوع فيه وإن لم يسلم، ولا فرق بين العتق والكتابة في هذا، وظاهر المدونة: أنه يلزم العتق والكتابة وإن لم

جارٍ التحميل