واحد منهما مظلمة وقعت عليه ويترادون الواحده، قال عنه يحي: للشبهة التي تأول المصدق والثانية مظلمة على صاحبي الشاتين فلما لم تعرف التي أخذت في الصدقة من التي تعدي فيها فليتحاص الأربعة في نصف قيمتها، والنصف الآخر بين هذين.
قال عنه عيسى: ولو كان لواحد أربعون، ولآخر ثلاثون فأخذ شاة من غنم أحدهما فهي على صاحب الأربعين ويرجع عليه صاحب الثلاثين إن أخذها له، ولو أخذ شاتين من صاحب الأربعين لم يرجع على صاحبه بشيء؛ لأن الواحدة وجبت عليه، والثانية مظلمة.
قال: وإن أخذها من صاحب الثلاثين رجع بواحدة على صاحب الأربعين وكانت الثانية مظلمة عليه.
قلت: فلو كان لواحد عشرون ومئة، ولآخر ثلاثون فأخذ شاة من صاحب الثلاثين قال: يرجع بها على صاحبه، ولو أخذ شاتين من صاحب العشرين ومئة أو من
صاحب الثلاثين لترادا قيمتهما على عدد غنمهما للاختلاف في ذلك.
قال في كتاب ابن سحنون: وكذلك لو أخذ من غنم هذا شاة ومن غنم هذا شاة لترادا فيهما جميعًا، ولا أجعل الواحدة من صاحب العشرين ومئة ويترادان في الأخرى.
م: وقاله سحنون، وابن المواز.
وقال ابن عبد الحكم: الواحدة على رب العشرين ومئة خاصة ويترادان في الأخرى على عدد غنمهما كاملة.
م: يريد: إذا أخذهما من غنم صاحب العشرين ومئة.
م: ووجه ذلك: أن الواحدة تلزم صاحب العشرين ومئة خاصة لأنه لو لم يأخذ غيرها لكانت عليه خاصة ويتراجعان في الثانية على عدد غنمهما كاملة؛ لأنها هي المظلمة فيجب التراجع فيها، ولأن الذي ذهب إلى أن يترادا في الشاتين يرى أن يتراجعا في كل شاة على عدد غنمهما، فأخذ ابن عبد الحكم في الواحدة بقولنا وفي الثانية بقول
المخالف.
والله أعلم.
وأما وجه قول ابن القاسم في أنهما يترادان في الشاتين جميعًا لأن هكذا رأى من ذهب إلى هذا، فهو حكم ينفذ على ما قالوا ولا ينقض.
ومن المدونة: ولو كان لأحدهما عشرة ومئة شاة وللآخر إحدى عشرة شاة فأخذ الساعي شاتين فيترادا فيهما جميعًا؛ لأن صاحب العشرة ومئة دخلت عليه المضرة من صاحبه ولولاه ما لزمه غير شاة.
وعلى مذهب ابن الحكم: إن أخذهما من غنم صاحب العشرة ومئة ترادا في واحدة، والعلة في ذلك ما ذكرنا.
قال ابن المواز: وإن كان لأحدهما اثنان وثلاثون من الإبل وللآخر أربعة فأخذ الساعي منهما إبنة لبون فليترادا قيمة بنت اللبون على تسعة أجزاء على صاحب الإثنين والثلاثين ثمانية أجزاء، وعلى الآخر جزء واحد بقدر حصته، لأن أخذ المصدق لها على التأويل.
وقال بعض العلماء: على صاحب الكثيرة بنت مخاض، ثم يترادان زيادة قيمة بنت اللبون على قيمة بنت مخاض على تسعة أجزاء: ثمانية على صاحب الكثيرة، وجزء على صاحبه.
م: وهذا على مذهب من قال: يترادان في شاة في المسألة المتقدمة، والأولى على مذهب من قال: يترادان في الشاتين، وهو أصوب.
[فصل 5 - في الرجل يتزوج المرأة على ماشية بعينها فلم تقبضها حتى حال عليها الحول عند الزوج]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج إمرأة على ماشية بعينها فلم تقبضها حتى تم الحول عند الزوج فطلقها قبل البناء وقبل مجيء الساعي، فإن أتى ولم يقتسماها أو وجدهما قد تخالطا بعد اقتسامهما فهما كالخليطين لا زكاة عليهما حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة، وإن بلغ ذلك حظ أحدهما كانت الزكاة عليه في غنمه خاصة، ولا تكون للزوج فائدة إذ كان له شركة في نمائها ونقصانها، ألا ترى أنها لو ماتت كلها أو نقصت ثم طلقها لم يرجع عليها إلا بنصف ما بقي ولو نمت أضعاف عددها أخذ نصف جميع ذلك، وكذلك قال مالك: فيما أصدقها من العروض.
قال ابن المواز: وقال أشهب: نصيب الزوج فائدة في الاستحسان؛ لأنه لم يكن ينتفع منها بغلة.
والقياس: أنهما كالخليطين، ولا يأتنف الزوج حولاً، ومن قاله لم أعبه عليه؛ لأنه كان ضامنًا لها، وهذا قول ابن القاسم أنه كالخليط.
قال ابن المواز: وقول أشهب أحب إلي لأن حولها قد انتقض بعقد النكاح، ولو كان على قول ابن القاسم لبقيت على حولها عند الزوج، وهذا ليس بقولهما ولا قول مالك، وقال سحنون مثل قول ابن المواز.
قال ابن المواز: والغلة قبل الطلاق في هذا بينهما، وأما النفقة فقد قيل: على الزوجة، وأنا أرى أنها من الغلة إلا أن تجاوزها فلا ترجع على الزوج، وهذا استحسان.
م: وفي كتاب النكاح الثاني: وقد قيل: إن كل غلة للمرأة خاصة بضمانها.
م: وهذا يجري على قياس قول من يرى أنها للزوج فائدة؛ لأنه بالتزويج بها انتقلت عن ملكه وانتقل حولها فكأنه بالطلاق أفادها، وقد قال أشهب: إنه لو تزوجها بجارية، ثم وطئها قبل البناء أنه يحد، وابن القاسم لا يرى عليه الحد، ورآها شبهة، إذ لو طلق وجب له نصفها؛ ولأنه شريك في النماء والنقصان، ولو وطئها بعد البناء لحد
باتفاق.
وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال مالك: وكل ما أصدقهما من العروض والحيوان والدنانير فهو شريك لها في نماء ذلك ونقصه، إلا ما باعت من ذلك واشترت للتجارة أو لغير ما يصلحها لجهازها، فإن لها نماؤه وعليها نقصه.
وفي النكاح إيعاب هذا.
فصل [6 - اجتماع الخلطة والانفراد]
قال مالك: ومن له أربعون شاة ولخليطه مثلها، وله ببلد آخر أو ببلده أربعون لا خليط له فيها فليضم ذلك إلى غنم الخلطة فيأخذ الساعي للجميع شاة: ثلثاها على رب الثمانين، وثلثها على رب الأربعين، وهكذا يتراجعان في هذا الوجه كله.
قال ابن المواز: وقال عبد الملك: يكون على رب الأربعين نصف شاة، وعلى رب
الثمانين ثلثا شاة، قال ابن المواز: وقول مالك أحب إلينا، وعليه جل أصحابه.
قال أبو محمد: وقال سحنون بقول عبد الملك، وقال: هو أحب إلي من قول ابن القاسم وأشهب، وأنا أشك أن يكون ابن وهب رواه عن مالك.
قال سحنون في المجموعة: ولو أن البعض الذي له فيها خليط لا تجب فيها الزكاة إلا مع غنمه الأخرى فله حكم الخلطة مع شريكه، لأن عليه الزكاة فيما غاب وحضر.
[فصل 7 - في تعدد الخلطة]
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن عبد الحكم وأصبغ فيمن له ثمانون شاة فرقتين، له في كل أربعين منها خليط بأربعين، فهم كلهم خلطاء.
قال ابن المواز: والذي آخذ به أن صاحب الثمانين خليط لهما، وليس أحدهما خليطًا لصاحبه فيقع على صاحب الثمانين شاة وعلى كل واحد من صاحبيه ثلث شاة ثلث شاة.
قال: ومن له عشرة من الإبل ببلده وله فيها خليط بخمسة، وله ببلد آخر عشرة أخرى له فيها خليط بخمسة فهو خليط للرجلين ولا خلطة بينهما، فعلى كل واحد من الرجلين خمس بنات مخاض، وعلى صاحب العشرين ثلثا بنت مخاض، فجملة ذلك بنت مخاض وخمس ثلث بنت مخاض، فمن وجد في إبله بنت مخاض أخذها، فإن أخذها من إبل صاحب العشرين أخذ أيضًا بقية حقه من أيهما شاء وهو ثلث خمس قيمة بنت مخاض، ويرجع الذي أدى بنت مخاض وهو رب العشرين بثلث قيمتها على صاحبيه حتى
يغرم كل واحد ما عليه، وإن أخذها من أحد صاحبي الخمسة رجع على صاحبيه بما عليهما على ما فسرنا.
ولو كان خليطًا لرجلين، له مع هذا عشرة ومع هذا خمسة، ولكل واحد من الرجلين خمسة خمسة، فعليه ثلاثة أخماس بنت مخاض وعلى صاحبيه شاة شاة على كل واحد.
ومن العتبية: قال بعض المصريين: ومن له ثلاثون بعيرًا مفترقة، قد خالط بكل عشرة منها خليطًا له أيضًا عشرة، ففي الجميع حقه، فعلى صاحب الثلاثين نصف قيمة حقه، لأنه خليط لجميعهم، وعلى كل واحد من خلطائه ربع قيمة بنت لبون؛ لأنه يحسب عليه جميع ما لخليطه، وذلك ثلاثون، وله هو عشرة فالجميع أربعون وفيها بنت لبون، فعليه في عشرته ربع قيمة بنت لبون، وكذلك من له خمسة عشر مفترقة في كل خمسة خليط بخمسة فالجميع ثلاثون ففيها بنت مخاض فعلى صاحب الخمس عشرة نصف قيمة بنت مخاض وعلى كل واحد من أصحابه شاة؛ لأنه له خمسة ولخليطه خمسة عشر فذلك عشرون ففيها أربع شياه فعلى صاحب الخمس شاة.
ثم على هذا يجري ما ورد عليك من هذا الباب.
فصل [8 - فيمن خالط عبدًا أو ذميًا]
ومن كتاب ابن المواز والعتبية: قال ابن القاسم: في السيد يكون خليط عبده لا يوجب ذلك خلطه وليؤد كما يؤدي وحده، ولو زرع معه لم يكن على السيد شيء
إلا أن يكون في حصته خمسة أوسق، وكذلك عبد غيره، وكما لو كان خليطه أو شريكه نصرانيًا.
وذكر ابن حبيب فيمن هو خليط لعبده أو لعبد غيره أو لذمي فليأخذ منه على حساب الخلطة في الماشية ويسقط عن العبد والذمي، وقاله ابن الماجشون، فإن لم يسقط عنه وأخذها من غنم المسلم فهى كلها منه، وإن أخذها من العبد أو الذمي رجعا بنصفها على الحر المسلم.
ومن المجموعة والعتبية قال ابن القاسم عن مالك فيمن وهب لابنه الصغير غنمًا ووسمها وحازها له فإن هو ضمها إلى غنمه كان فيها شاتان، وإن فرقها كان فيها شاة فلا يضمها إلى غنمه، فإن فعل فأعلم المصدق أنه إنما له فيها كذا وكذذا فليصدقه إن كان على صدقته بينة هكذا في رواية عيسى، قال سحنون: إذا كلفه البينة فلم يصدقه.
[الباب الثاني عشر]
في الغنم يحول عليها الحول فيذبح منها ربها أو تموت ثم يأتي المصدق
قال مالك رحمه الله: وما ذبحه الرجل بعد الحول أو مات من ماشيته قبل قدوم الساعي ثم قدم لم يحاسبه بشيء من ذلك، وإنما يزكي ما وجد بيده حاضرًا وقاله ابن شهاب.
قال سحنون: وقد قال المشيخة السبعة: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه لا ينظر إلى غير ذلك.
قال ابن المواز: قال مالك: وله أن يذبح ويبيع وإن حل الحول ولم يأت الساعي وإن نقص ذلك زكاتها إلا من فعل ذلك فرارًا من الزكاة فيلزمه ما فر منه.
قال ابن القاسم: وإن عزل منها ضحايا لعياله قبل مجيئه فإن أشهد عليها، يريد: أشهد أنها لعياله لفلان كذا ولفلان كذا فلا زكاة فيها وإن جاء وهي حية بعد إلا أن يكون لم يشهد فليزكها وإنما لا يزكى ما لو مات المعطي صحت لمن أعطاها له.
قال مالك: ومن مر به الساعي وغنمه أقل من أربعين فجاوزه ثم رجع في عامه إليه وقد صارت أربعين بولادة فلا يزكها ولا يمر به في عام واحد مرتين، ولو نزل الساعي به مع المساء فسأله عن غنمه فقال: مئتين، فقال: غدًا آخذ منك شاتين، ثم نتجت تلك الليلة واحدة أو كانت مئتي شاة وشاة فماتت واحدة فلا ينظر إلا إلى عدتها عند وقوفه
عليها لعددها والأخذ منها لا قبل ذلك، وقاله أصبغ.
م: ولو نزل به الساعي فعد غنمه فكان فيها ما تجب فيه الزكاة فهلكت كلها بأمر من الله عز وجل أو غصبت للوقت قبل أخذ المصدق ما وجب فيها فلا شيء على ربها لأنها ليست في ضمانه ولا هو أتلفها وقد هلك ماله ومال المساكين، ولو بقي منها مالا زكاة فيه لم يكن على ربها شيء كمال حل حوله فهلك قبل إخراج زكاته بغير تفريط أو بقي منه ما لا زكاة فيه فلا شيء على ربه فيه، وقاله أبو عمران، وقد قيل: ما عده المصدق فقد وجبت زكاته وإن هلك بأمر من الله عز وجل ويأخذها مما بقي وليس ذلك بشيء.
وقد قيل في العين يهلك بعضه ويبقى بعضه أن للمساكين ربع عشر ما بقي لأنهم كانوا شركاء معه فيها بتمام الحول فما ذهب فمنهم وما بقي فبينهم، ويدخل هذا القول في الماشية، وله وجه الأول أصوب، لأنهم ليسوا كالأشراك على الحقيقة لأن له أن يعطيهم من غير ذلك المال وليس له ذلك مع الشريك فدل أنه لم يتعين حق المساكين فيه.
والله أعلم.
[الباب الثالث عشر]
في زكاة من هرب بماشيته عن الساعي
قال مالك -رحمه الله-: ومن هرب بماشيته عن الساعي وهي ستون شاة فأقام ثلاث سنين وهي بحالها ثم أفاد بعد ذلك مئتي شاة قضمها إليها ثم أتى في السنة الخامسة تائبًا فليؤد عن كل عام زكاة ما كان عنده من الغنم ولا يؤدي عن ما أفاد في العامين الآخرين لماضي السنين.
قال ابن القاسم: وإنما قال ذلك مالك فيما رأيت لأن الذي هرب بماشيته كان ضامنًا لزكاتها ولو هلكت كلها بعد ثلاث سنين ولم يضع عنه الموت ما وجب عليه، والذي لم يهرب لو جاءه الساعي بعد هلاك ماشيته لم يكن عليه شيء فلما كان الهارب ضامنًا لما مات منها فما أفاد إليها فليس منها، ولما كان الذي لم يهرب لا يضمن ما مات منها فما ضم إليها فهو منها، وهذا أمر بين، وقد نزلت بالمدينة فاختلفنا فيها فقال مالك فيها هذا القول غير مرة وهو أحب ما فيها إلي.
قال ابن المواز: وقال أشهب: أما إذا زادت في هربه فهو كمن غاب عنه الساعي ولا يكون أحسن حالاً منه، قال: وهو في نقصانها ضامن يأخذه كل سنة بزكاة ما كانت عليه فيه لأنه ضمن ذلك بهربه.
قال ابن المواز: وهو قول عبد الملك، وهو القياس، وبه أقول لأنه أفاد الزيادة إلى نصاب.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم فيمن هرب بأربعين شاة ثلاث سنين فصارت في الرابعة ألفًا بفائدة ثم يأتيه الساعي فليأخذ منه شاة للسنة الأولى وتسع شياة لهذه السنة.
قلت: فلو هرب بثلاث مئة شاة ثلاث سنين ثم جاء في الرابعة وقد هلكت إلا أربعون.
قال: يأخذ تسع شياة للثلاث سنين، وشاة لهذه السنة.
قلت: فلم لا تكسر التسع شياة الأربعين كما كسرت الشاة المأخوذة من الألف المئة؟
قال: لأنه إنما يبدأ أبدًا بالأولى فالأولى فهو لو أخذ في المسألة الأولى من الأربعين شاة لأول سنة بقي عنده ما لا زكاة فيه في السنتين الباقيتين فلذلك أخذ منه شاة لأول سنة وتسع شياة عن هذه الرابعة، ولو أخذ في هذه المسألة الثانية من الثلاث مئة في كل سنة ثلاث شياه لم تنقص الغنم عن ما فيه الزكاة فلذلك أخذ تسع شياه عن الثلاث سنين وشاة عن الرابعة، فهذا فرق ما بينهما.
م: وإنما كان يصح هذا الفرق لو سأله لم لم يأخذ في مسألة الأربعين في الثلاث سنين ثلاث شياة كما أخذ في مسألة الثلاث مئة تسع شياة فيكون الفرق ما ذكر، وأما فيما سأله عنه فالصواب ألا فرق بينهما لأن الشاة التي وجبت في الأربعين شاة تخلدت في الذمة كالتسع شياة في الثلاث مئة، فلما كسرت الشاة الألف فكذلك التسع شياه تكسر الأربعين أو تكون الشاة لا تكسر ما وجب عليه في الألف لأنها كانت عليه دينًا، والدين لا يسقط زكاة الماشية ويكون الأمر فيها كما قال في التسع شياه إنها لم تسقط زكاة الأربعين فيكون الحكم فيهما واحدًا وهو الصواب ألا تسقط الشاة ولا التسع شياة زكاة شيء مما وجد بيده، وبالله التوفيق.
وكذلك لا تسقط الشاة المأخوذة عن الأربعين زكاة الأربعين في العام الثاني ولا في الثالث، وليأخذ عن كل سنة شاة شاة وعن الرابعة عشر شياة لا يبالي بدأ بالسنة الأولى أو بالآخرة؛ لأن ذلك متخلد في ذمته فلا يسقط زكاة ما بيده، والله عز وجل أعلم.
قال ابن المواز: قال بعض المدنيين، وابن القاسم: يبدأ بالسنة الأولى ثم يزكي ما بعدها، ولا يعجبنا هذا، وإنما يبدأ عند أصبغ بالسنة الآخرة، وهو الصواب؛ لأن ما قبل ذلك قد صار دينًا واجبًا في عنقه، ولا يسقط الدين زكاة الماشية، وبقول أشهب، وعبد الملك أقول أنه يزكيها في الزيادة لما مضى.
م: فعلى قول أصبغ إذا هرب بأربعين شاة ثلاث سنين فصارت في الرابعة ألفًا ثم تاب فجاءه المصدق فليأخذ لهذه السنة عشر شياه وعن الثلاث سنين ثلاث شياه.
وقال عبد الملك في المجموعة يأخذ منه لهذه السنة عشر شياه، ثم إن علم أنها
في الثلاث سنين أربعين أخذه بثلاث شياه لأنه ضامن فلا ينقصها الأداء، وإن لم يكن إلا قوله أخذه بعشر شياه عشر شياه للثلاث سنين، وفي السنة الأولى بشاة.
وقال سحنون في كتاب ابنه أرى أن يقبل منه ويأخذ منه شاة شاة لثلاث سنين، وفي السنة التي صارت فيها ألفًا عشر شياة.
قال عيسى عن ابن القاسم في الفأر بأربعين شاة فأقام ثلاث سنين وهي بحالها فليس عليه إلا شاة واحدة، وقاله سحنون، وسواء كان له مال أو لم يكن له مال، وقال في كتاب ابنه: إن عليه لكل سنة شاة؛ لأنه كان ضامنًا لها، والدين لا يسقط زكاة الغنم.
[الباب الرابع عشر]
جامع ما جاء في من تخلف عنه الساعي سنين
قال مالك في من تخلف عنه الساعي سنين ثم أتاه: فإنما ياخذ منه زكاة ما وجد بيده لماضي السنين، ما بينه وبين أن تنقص بأخذه عن عدد تجب فيه الزكاة؛ لأنها لو هلكت في غيبته لم يضمنها.
قال مالك: وإن غاب عنه الساعي خمس سنين وغنمه فيها ألف شاة، ثم نقصت في غيبته ببيع أو أكل أو غيره، فوجدها حين أتى ثلاثًا وأربعين شاة، أخذ منها أربع شياة لأربع سنين ويسقط عن ربها سنة؛ لأنها صارت يأخذه أقل مما تجب فيه الزكاة، وإن وجدها قد رجعت إلى ما لا زكاة فيه فلا شيء للمصدق، وكذلك الإبل والبقر إذا رجعت إلا ما لا زكاة فيه فلا شيء للمصدق.
قال مالك: وإن كانت غنمه في أول عام غاب عنه الساعي وفي الثاني والثالث والرابع أربعين شاة، ثم صارت في العام الخامس ألفًا فليزك هذه الألف للسنين الماضية كلها ولا يلتفت إلى يوم أفادها، وكذلك الإبل والبقر إذا كانت في أول سنة غاب عنها الساعي نصابًا عرف عددها في كل سنة أو لم يعرف.
قال مالك: لأن الفتنة حين نزلت أقام الناس ست سنين لا سعاة لهم فلما استقام
أمر الناس بعث الولاة السعاة فأخذوا مما وجدوا في أيدي الناس لماضي السنين ولم يسألوهم عن ما كان في أيديهم قبل ذلك مما مات ولا مما أفادوه.
ابن القاسم: فبهذا أخذ مالك، وهو الشأن.
قال ابن المواز وابن حبيب: إذا غاب الساعي عن أربعين شاة خمس سنين ثم صارت في العام الخامس ألف شاة فإنه يأخذه لأول سنة بعشر شياه، وعن الأربعة الباقية بتسع تسع.
م: وهو مذهب المدونة.
وقال عبد الملك: يزكي عن الأربع سنين بشاة واحدة، وعن السنة الخامسة بتسع شياه، ولو كانت أولاً مئة زكى عن الأربع سنين بأربع شياه، وفي هذه السنة بتسع شياه وهو مصدق في ذلك كله، قال: وإنما معنى قولهم يزكي ما وجد بأيديهم عن ماضي السنين إذا لم يدعوا أنها كانت فيها دون ذلك، وهذا قول عبد الملك.
م: وقال سحنون بقول ابن القاسم، وأشهب أنه يزكي الألف لأول سنة بعشر ويزكي عن الأربع سنين بتسع تسع.
قال سحنون: وإذا أتى الساعي بعد غيبة سنين فقال له رجل معه ألف شاة إنما أفدتها منذ سنة أو سنتين فهو مصدق بغير يمين ويزكيها لها.
وقال أشهب عن مالك: ولو غاب أربع سنين عن أربعين شاة فلم تزد فلا يأخذ منه إلا شاة، أخذها منها أو من غيرها.
قال سحنون: ولو أكل منها شاة قبل قدومه، أو باعها، أو وهبها فلا شيء عليه للسنين كلها.
قال محمد: ولو أفاد إليها ثلاثا بقرب قدومه أخذ منه أربع شياة.
ولو باعها بعد الفائدة قبل قدوم الساعي بأكثر من عشرين دينارًا زكى الثمن عن أربع سنين عن كل سنة ربع عشره، فإن كانت الغنم اثنين وأربعين زكى عن ثلاث سنين، وإن كانت إحدى وأربعين أدى عن سنتين هكذا ما لم ينقص الثمن عن ما فيه الزكاة.
قال: ولو تخلف عن أقل من أربعين شاة فتمت في السنة الرابعة أربعين بولادتها فلا يأخذ الساعي إلا شاة، وكذلك لو تناسلت أكثر من ذلك لم يأخذه إلا بزكاة عامه
هذا، حتى لو غاب عن نصاب ثم نقصت عن النصاب ثم تمت قبل مجيئه بولادتها أو ببدل قليل بكثير فصارت ألفًا وقد غاب خمس سنين لزكاها عما يجد لكل سنة غاب فيها، والقول في ذلك قول رب الغنم بلا يمين، ولو كانت زيادتها بفائدة فلا يزكي إلا من يوم أفاد تمامها بعد نقصها عن النصاب، وقاله إصبغ.
م: والفرق بين الولادة والفائدة: أن زيادتها بالولادة حولها حول الأصل وكأنه لم يزل مالكًا لها من يوم ملك الأصل، والفائدة تفترق، فإن أفادها إلى نصاب فحولها حول النصاب، عليه يبني في السنين كلها، وإن أفادها إلى أقل من نصاب فحولها حول الفائدة، عليه يبني في السنين كلها.
م: والقياس ألا فرق بين غيبته عن نصاب أو أقل منه إذا كان زيادتها بولادة أو بدل، وقاله أشهب.
والعلة في ذلك: أنهم جعلوا سنين تخلف الساعي كسنة واحدة، فإذا غاب عن نصاب فأكثر خمس سنين فصارت في الخمسة ألفًا بفائدة أو ولادة زكاها للسنين كلها، عن الآخرة بعشر، وعن الأربع سنين بتسع تسع.
وإن غاب عن أقل من نصاب فصارت ألفًا بفائدة زكاها على حول الفائدة وإن زادت بولادة فقال مالك وابن القاسم يزكيها من يوم تمت نصابًا إلى يوم يأتيه الساعي،
وقال أشهب يزكي ما وجد بيده للسنين كلها.
م: إذ لا فرق بين زيادتها بالولادة على نصاب أو أقل منه أن حول ذلك الأصل فيمن لم يتخلف عنه الساعي، فكذلك في الذي تخلف عنه الساعي إذ جعلوا سنين تخلفه كسنة واحدة في غيره، وبالله التوفيق.
ابن المواز: قال أشهب: قال مالك: وإن غاب عنه وغنمه عشرون، ثم صارت في العام الثاني ثلاثين فأتى في الثالث وهي أربعون فعليه شاة واحدة.
قال أشهب: والذي أرى إن كان نماؤها بولادة أو بدل حتى تمت أربعين أنه يزكي لكل سنة مضت حتى ترجع إلى مالا زكاة فيه، وإن كان نماؤها بفائدة أفادها إليها فلا زكاة فيها أصلاً.
قال ابن المواز: وإن كان نماؤها بولادة فإنما فيها الزكاة لسنة واحدة، وقاله مالك، وابن القاسم، ولم يعجبنا قول أشهب، ولو كان كما قال لكان من اكتسب عشر شياه فأقامت سنين تتوالد حتى تمت أكثر من أربعين أن يزكي لكل سنة مضت من يوم أفاد الأصل، ولكان أيضًا من اكتسب أقل من عشرين دينارًا وأقام ذلك عنده عشر سنين ثم ربح فيه فتم بربحه خمسة وعشرين دينارًا أن يخرج زكاة العشر سنين كلها إذا كان ذلك في يده إلى اليوم.
م: لا يلزم أشهب ما اعتل به عليه محمد لأنه اعتل عليه بسنين من لم يتخلف عنه الساعي، وبالعين وذلك مخالف للذي تخلف عنه الساعي، وإنما يشبه سنين تخلف الساعي عنه سنة واحدة من سنين من لم يتخلف عنه، فلما كان لا فرق بين زيادة الولادة على نصاب أو أقل منه في سنة من لم يتخلف عنه الساعي فكذلك لا فرق بين زيادة الولادة على النصاب أو أقل منه في سنين تخلف الساعي.
م: ووجه قول مالك: أن مالك أقل من نصاب غير مخاطب بالزكاة فتخلف الساعي عنه وغير تخلفه سواء فلذلك كان حكمه حكم من لم يتخلف عنه الساعي والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وإن غاب الساعي عن خمس من الإبل خمس سنين ثم أتى فليأخذ عنها خمس شياه لأن زكاة الإبل هاهنا من غيرها.
قال مالك: وإن غاب الساعي عن خمس وعشرين من الإبل خمس سنين ثم أتى فليأخذ عن السنة الأولى بنت مخاض ولباقي السنين ست عشرة شاة.
م: يريد وسواء أخذ بنت مخاض من غيرها أو منها فإنما عليه بنت مخاض وفي باقي السنين عن كل سنة أربع شياة.
وقال عبد الملك في المجموعة: إنما هذا إذا أخذها من عددها، وإن لم تكن منها فليأخذ في العام الثاني مثل ما أخذ في العام الأول.
وقد قال أشهب وابن نافع: إذا غاب الساعي عن أربعين جفرة سنين أو كانت غنما فلم يبق إلا أربعون من غذائها فليس عليه إلا شاة وإن كانت تشترى له.
سحنون: ولا حجة للساعي أنها من غيرها بخلاف الشنق من الإبل.
م: وهذا وفاق المدونة.
ومن المدونة قال مالك: ولو غاب عن مئة وعشرين من الإبل خمس سنين أخذ منه عشر حقاق، ولو كانت إحدى وتسعين أخذ حقتين وثمان بنات لبون.
قال أبو الزناد: كان من أدركت من فقهاء المدينة وهم سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن
زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل فضل وفقه ودين وربما اختلفوا في الشيء فيؤخذ بقول أكثرهم وأفضلهم رأيا فكانوا يقولون: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه لا ينظر إلى غير ذلك.
قال أبو الزناد: وهي السنة والأمر عندنا، وقاله عمر بن عبد العزيز ومن قبله من الفقهاء.
وقد تقدم القول في السعاة أنهم يبعثون قبل الصيف وحين تطلع الثريا ويصير الناس بمواشيهم إلى مياههم إذ فيه رفق بالناس وبالسعاة.
[الباب الخامس عشر]
في من غصبت ماشيته ثم ردت إليه بعد أعوام وأخذ المصدق فيها عينًا
قال ابن القاسم: ومن غصبت ماشيته فردت إليه بعد أعوام فليزكها لعام واحد.
م: كما لو غصبه عينًا فردها عليه بعد سنين أنه يزكيها لعام واحد، فكذلك هذا لعلة الضمان فيهما وأنه أحق بذلك إن وجده بعينه فاستويا.
وقال أيضًا ابن القاسم وأشهب إنه يزكيها لكل عام مضى إلا أن تكون السعاة قد زكتها كل عام فتجزئه لأنها لم تزل عن ملكه، كما لو غصبه نخلاً ثم ردها بعد سنين مع ثمرتها فإنه يزكي ما رد منها فكذلك هذا، وليس هذا بمنزلة العين؛ لأن العين إذا غصبه عاد ليس بمال له وصار الغاصب غارمًا له.
م: يريد: فلا يزكي العين ربه إذا رجع إليه بعد سنين إلا لعام واحد، وقاله
مالك في سماع ابن وهب.
قال ابن المواز: ولم يختلف أصحاب مالك في هذا وإنما اختلفوا في الماشية.
م: ولم يختلفوا في الثمرة ترد إليه أنه يزكيها كل عام، ولا في الماشية إذا كانت السعاة قد زكتها كل عام أنه لا يزكيها؛ لأنها غنم قد أخذ منها الزكاة عن ربها فتجزيه.
م: وقيل إن الخلاف يدخل وهو خطأ، والصواب أن الماشية كالثمرة يزكيها كل عام إلا أن يكون السعاة قد زكتها لأن رجوعها إليه بعينها كرجوع الثمرة بعينها وقد تقدم ذكر وجه القول الآخر من أنها كالعين، ولو كانت هذه الماشية تزيد وتنقص ولم يزكها السعاة فحكمه فيها كحكم من تخلف عنه الساعي لأنه غير فار، هذا على قولهم يجب عليه زكاتها كل عام، وبالله التوفيق.
وذكر ابن حبيب عن مالك في العين المغصوب يرجع إلى ربه بعد سنين أنه لا يزكيه حتى يأتنف به حولاً، كان ربه يرجوه أو يئس منه، رده الغاصب طوعًا أو بحكم، بخلاف الدين.
قال: وأما ما يسقط منه فإن قوي رجاؤه فيه حتى اتصل ذلك بوجوده فليزكه لعام واحد، وإن كان على إياس منه استقبل به حولاً.
وقال المغيرة، وسحنون: بل يزكيه لكل سنة كالمال المدفون يضل عنه مكانه.
ابن المواز: ومن سقط له مال أو ضاع أو غصبه ثم وجده بعد أعوام فليزكه لعام واحد، وقاله مالك وأصحابه، وأما لو دفنه أو رفعه فنسي موضعه ثم وجده بعد سنين فليزكه لكل سنة، قال محمد: إلا أن يدفنه في صحراء أو في موضع لا يحاط به فليزكه لعام واحد كالمال المغصوب.
وقال مالك في ملتقط اللقطة تقيم عند سنين لا يريد أكلها ولا صدقتها، أو حسبها ليتصدق بها عن ربها فلا زكاة عليه فيها، وإن حبسها ليأكلها فليزكها لحول من يوم نوى ذلك فيها إن كان له بها وفاء.
ابن سحنون: وقاله المغيرة، وسحنون: إذا نوى حبسها أو أكلها فقد ضمنها ووجب عليه زكاتها لحول من يوم نوى ذلك فيها حركها أو لم يحركها.
وقال ابن القاسم فيه: وفي المجموعة: إذا عرفها سنة ثم حبسها لنفسه
للحديث؛ فإن لم يحركها فلا زكاة علهي فيها وإن حركها فمن يومئذ دخلت في ضمانه ويزكي لحول من يومئذ، وأنكره سحنون.
م: وإختصار ذلك كله: أنه لم يختلف في المال يدفنه بموضع يحاط به ثم يجده به أنه يزكيه لسائر السنين، وقيل في المغصوب منه يرجع إليه: أنه يزكيه لعام واحد، وقيل: يستقبل به حولاً ثم يزكيه، وقيل في اللقطة ترجع إليه: أنه يزكيها لعام واحد، وقيل: بل لكل عام، وقيل: أنه يزكيها لحول من يوم نوى ذلك فيها، وقيل: بل لحول من يوم حركها.
فصل [في إخراج القيمة في الزكاة]
ومن المدونة قال مالك: ومن جبره المصدق على أن أدى في صدقته دراهم رجوت أن يجزيه إذا كان فيها وفاء بقيمة ما وجب عليه وكانت عند محلها.
قال سحنون: إنما أجزأ ذلك؛ لأن يحيى بن سعيد قال: من الناس من يكره اشتراء صدقة ماله، ومنهم من لا يرى به بأسًا فكيف بمن أكره.
وقال مالك: ولا يشتري الرجل صدقة حائطه ولا زرعه ولا ماشيته، وقد كره ذلك عمر بن الخطاب وابن عمر وجابر بن عبد الله.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا أخذ السعاة في صدقة الحب والماشية ثمناً طوعاً أو كرهاً أجزأ ذلك إذا كان السعاة والعمال يضعون ما يأخذون من الصدقة مواضعها، وأما الجائز يضعها غير مواضعها غير مواضعها فلا يجزي عن صاحبها أخذها منه طوعاً أو كرهاً قاطعة أو لم يقاطعه، اشتراها منه بعد وصولها إليه أو لم يشترها.
قال أصبع: وقد كان قبل ذلك يقول: إذا أخذت منه كرهاً في محلها أجزأت عنه، وسمعت ابن وهب يقول: تجزيه إذا أخذت منه كرهاً، وهو رأيي إذا حلت ووجبت في المكوس والسعاة.
قال أبو محمد: يعني بالمكوس من يجلس بالطريق لأخذ الزكاة.
م: والصواب أن يجزيه كما لو أخذ منه الماشية بعينها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أديتها برئت منها ولك أجرها وإثمها على من بدلها"
[الباب السادس عشر]
جامع ما جاء في زكاة الحبوب والثمار
قال الله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وقامت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما فيه الزكاة من الكيل ألا صدقة في حب ولا تمر حتى يبلغ خمسة أوسق.
م: وهذا حجتنا على أبي حنيفة في قوله: إن الزكاة واجبة في قليلة وكثيرة.
ولأنه مال تجب في عينه الزكاة فاعتبر بالنصاب كالعين والماشية، وجعل صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء أو العيون أو البعل العشر، وفيما يسقى بالنضح
نصف العشر.
وبعث صلى الله عليه وسلم معاذاً وكتب له أن خذ من الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
وأمر بخرص النخل والعنب ثم بأخذ والعنب ثم بأخذ زكاتها من التمر والزبيب.
وذكر في كتاب عمرو بن حزم الزكاة في السلت وفي حديث آخر الذرة، وكان العلس والدخن والأرز والقطاني حبوباً تقرب مما ذكرنا في الخلقة والاقتيات فألحقها العلماء بها في وجوب الزكاة.
والترمس من القطنية.
وروي عن عمر رضي الله عنه أن في الزيتون الزكاة وروي ذلك عن ابن عباس.
وقال الشافعي: لا زكاة في الزيتون.
ودليلنا: ما روي عن عمر، وابن عباس رضي الله عنهما، ولأنه حب يقتات زيته غالباً فأشبه السمسم؛ ولأن الزكاة في الحمص واللوبيا، والزيتون أعم نفعاً في باب الأقوات.
قال بعض العلماء: ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الزيتون أثر، لأنه لم يكن بالمدينة زيتون وإنما هو بالشام، والشام لم يفتح في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما/ فتحها عمر فأمرهم
بأخذ الزكاة من الزيتون، وذلك بحضرة الصحابة فلم يختلف عليه منهم أحد.
قال مالك: وما يجمع من الزيتون والتمر والعنب من الجبال فلا زكاة فيه وإن بلغ خرصه خمسة أوسق ولا يكون أهل قرية ذلك الجبل أحق به وهو لمن أخذه، والأرض كلها لله ولرسوله.
قال ابن المواز: إلا ما كان من ذلك في أرض العدو فإن في جميع ما سميت لك الخمس إن جعل في الغنائم.
ومن المدونة قال مالك: والجلجلان وماله زيت من حب الفجل- ابن المواز- أو حب القرطم مثل الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق لأن زيت ذلك كله إدام يقتات به.
واختلف عن مالك في حب القرطم وبرز الكتان فقال مرة: لا زكاة في ذلك وبه أخذ سحنون وقال مرة: فيهما الزكاة وبه أخذ أصبغ وروى عنه ابن القاسم في حب القرطم: الزكاة من زيته، ولا زكاة في برز الكتان ولا في زيته.
ولم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء أخذوا من الخضر زكاة واتصل العمل بذلك فكانت الفواكه مثلها إذ ليس ذلك من أصل المعايش المقتاتة.
وهذا قول مالك وأصحابه إلا ابن حبيب فقال: في الثمار التي لها أصول الزكاة، مدخرة كانت أو غير مدخرة، واحتج في ذلك بقوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وحقه: الزكاة المفروضة، فعم الثمار كلها، وقد سمي الرمان باسمه تلخيصاً وتصريحاً، فالزكاة فيه وفي
غيره من الثمار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مالك "ليس فيما دون خمسة أوسق من الثمار صدقة" فعم جميع الثمار، وقال: "ليس في الخضر زكاة" فدل أن الثمار بخلافها.
وقال أبو حنيفة: في جميع الخضر الزكاة، والحجة عليه ما تقدم.
قال ابن القصار: يرجح في التين قول مالك، قال: وإنما تكلم على بلده ولم يكن التين عندهم وإنما كان يجلب إليهم، فأما بالشام وغيره ففيه الزكاة لأنه مقتات عندهم غالباً كما يقتات السمسم والتمر بالعراق.
ومن المدونة قال مالك: فإذا بلغ كيل ما ذكرنا مما فيه الزكاة حبا خمسة أوسق كان فيما سقت السماء أو شرب سيحاً أو بعلا لا يسقى العشر وفيما سقت السواني بغرب أو دالية أو غيره نصف العشر.
قال ابن حبيب: البعل: ما يشرب بعروقه من غير سقي ولا غيرها، والسيح: ما يشرب بالعيون والعثري ما تسقيه السماء، والنضج: ما يسقى بالسواني والزرانيق وبالدلو باليد.
قال: والوسق: ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم فخمسة أوسق ثلاث مئة صاع وهي عشرة أرادب، قال سحنون: وهي ستة
أقفزة وربع بأفريقية.
م: وهي عندنا بصقلية عشرة أمداد وسبعة أثمان غير مدين وذلك أن الصاع ثلاثة أمداد وثلث مد بمدنا فثلاث مئة صاع هي ألف مد بمدنا وذلك عشرة أمداد بالكبير وسبعة أثمان غير مدين بالصغير.
م: والذي اتفق عليه أصحابنا أن تجب الزكاة من أوسط أعناب بلدنا من ثلاث مئة رطل بالكبير، وذلك أن ثلاث مئة رطل إذا زببت رجعت إلى الخمس وذلك ستون رطلاً والستون رطلا فيها ألف ومئتا رطل بالصغير، والرطل الصغير في كيله مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم فذلك ألف ومئتا مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ثلاث مئة صاع وهي خمسة أوسق.
ومن المجموعة قال ابن نافع وعلي عن مالك فيمن له النخل والعنب فيسقى نصف السنة بالعين فينقطع فيسقى باقيها بالنضح والسانية فليخرج زكاة ذلك نصفه على العشر، ونصفه على نصف العشر وقاله المغيرة، وابن القاسم، وعبد الملك.
وإن سقي أكثرها بأحد الصنفين كان القليل تبعاً للكثير، وقاله عبد الملك تقدم
الكثير أو تأخر.
قال ابن القاسم: وجل ذلك ثلثا سقيه أو ما يقارب ذلك، فأما ما زاد على النصف باليسير فليخرج نصفين.
قال عبد الوهاب: واختلف في ذلك فقيل: الأقل تبع للأكثر، وقيل: يؤخذ من كل واحد بحسابه وقيل: ينظر إلى الذي حيي به الزرع فيكون الحكم له.
فوجه الأول: فلأن غالب الأصول أن الأقل تبع للأكثر، كالضأن والمعز إذا اجتمعا في الزكاة والغنم المأخوذة في صدقة الإبل فكذلك مسألتنا.
ووجه الثاني: قوله: فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالسانية نصف العشر فعم ولأنه زرع سقي سقيا له تأثير في الزكاة فكان المأخوذ منه معتبراً بسقيه.
ووجه الثالث: أن الغرض بالسقي كمال الزرع وهذا لا يوجد إلا في الآخر، والأصول شاهدة كالرجل يداين قوماً في سقي زرعه، والنفقة عليه ثم يفلس أنه يبدأ بآخرهم نفقة، لأنه الذي حيي الزرع بنفقته وسقيه، فكذلك مسئلتنا، فما كمل به فالحكم له.
م: وكما يبدأ من ثمن الزرع في التفليس من تم الزرع بنفقته، فكذلك هذا.
قال ابن أبي زمنين: وما يسقى باليد بالدلو فهو بمنزلة ما سقي بالسواني وبالزرانيق، قال: ورأيت فيما نقله بعض شيوخنا أن ابن حبيب سئل عن الزرع يعجزه الماء فيشتري صاحبه ما يسقيه به كيف يزكيه؟ قال: يخرج عشرة، وسئل عنها عبد الملك
ابن الحسن فقال: يخرج نصف العشر.
م: قال بعض فقهائنا: وهذا أعدل؛ لأن الحديث إنما فرق بين النضح وغيره لمشقة السقي، وهذا فيه المشقة بإخراج الثمن وقد يحتاج في سقي النضح بالسواني إخراج الثمن للأجراء ومن يتولى له ذلك، فلا فرق.
م: وينبغي على هذا القياس في عمل الكروم ومشقتها أن يخرج فيها نصف العشر لأن ذلك أشد من السقي وأكثر تعباً ونفقة، ولو قاله قائل كان صواباً.
فصل [1 - في خرص العنب والتمر]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يخرص إلا العنب والتمر للحاجة إلى أكلهما رطبين ويخرص الكرم عنبا إذا طاب وحل بيعه والنخل إذا أزهت وطابت وحل بيعها لا قبل ذلك، يقال في هذا الكرم من العنب كذا وكذا ثم يقال ما ينقص هذا العنب إذا تزبب وما يبلغ أن يكون زبيبا، فإن بلغ خمسة أوسق أخذ منه وإلا فلا، وكذلك النخل ينظر كم مكيله الرطب ثم يقال ما ينقص إذا يبس وصار تمراً فيسقط ذلك، فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه.
ابن شهاب: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله رواحة فيخرص النخل حين يطيب أوله قبل أن يؤكل شيء منه ثم يخير اليهود أيأخذونها بذلك الخرص أو يدفعونها إليه، وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن يؤكل الثمر و: يفرق فكانوا على ذلك.
قال مالك: وإن كان رطب هذا النخل لا يكون تمراً، ولا هذا العنب زبيبا فليخرص أن لو كان ذلك فيه ممكنا، فإن صح في التقدير خمسة أوسق أخذ من ثمنه العشر إن كان مما تسقيه العيون والسماء، وإن كان يشرب بالسواني فتصف العشر، كان ثمن ذلك أقل من عشرين ديناراً أو أكثر، وكذلك النخل يكون بلحاً لا يزهي، كذلك يباع ويؤكل إذا بلغ خرصها خمسة أوسق أخذ من ثمنها لا من تمرها، وإن لم يبلغ خرص ذلك كله خمسة أوسق فلا شيء فيه وإن كثر ثمنه، وهو فائدة لا يزكيه صاحبه إلا بعد حول من يوم يقبضه.