الجامع لمسائل المدونةصفحات 334-373

كتاب الضحايا من الجامع

صفحات 334-373

في اليمين الغموس واللغو وأوجه الاستثناء ونية الحالف قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ ثم ذكر الله تعالى الكفارة فدل أن غير اللغو فيما فيه الكفارة وهي اليمين بالله، وأن اللغو يمين غير منعقدة، ولا كفارة فيها، وإنما الكفارة في اليمين المنعقدة واتفق أن اليمين بالله داخلة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ وهو اليمين التي أمر أن يحلف بها.
قال الرسول -عليه السلام-: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت».
ومن المدونة قال مالك: والأيمان بالله أربعة أيمان: يمين غموس، ولغو يمين، فلا كفارة في هذا، ويمين الرجل: والله لا أفعلن، والله لا فعلت ففي هذين القولين الكفارة، فإن رأى الحنث أفضل له أحنث نفسه، والغموس: الحلف على تعمد الكذب، أو على غير يقين، وهو أعظم من أن تكفره الكفارة؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ

بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إلى آخر الآية، ولقوله -عليه السلام-: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار).
قال أبو محمد عبد الوهاب: وإنما قلنا لا كفارة في اليمين الغموس خلافاً للشافعي لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ وهذه يمين غير منعقدة؛ لأن المنعقد ما أمكن حله إذا انعقد، ولأنها يمين لا يتأتى فيها البر ولا الحنث كاللغو، ولأن الكفارة معنى يرفع حكم اليمين في الفعل المستقبل فلم يتعلق بالحلف على الماضي أصله الاستثناء.
[قال في الذي حلف: لقد لقي فلاناً أمس وهو شاك حين يمينه ثم تحقق أنه لقيه؟ قال: قد يرو إن لم يتحقق مع ذلك أو علم أنه لم يلقه فقد اتهم وفيه نظر؛ لأن أصل يمينه على الشك لا يجوز له وهو معصية، فإذا كشف الغيب أن الأمر كان كما حلف لم يسلم من إثم الجرأة على اليمين في أمر لا يتحققه وقت يمينه].
ابن حبيب: وقال عمر بن الخطاب: اليمين الغموس تدع الديار بلاقع.
ابن حبيب: وهي اليمين الكاذبة متعمداً، وهي من الكبائر، وليتب الحالف بها إلى الله سبحانه ويتقرب إلى الله بما قدر عليه من عتق أو صدقة أو صيام.

ومن المدونة قال مالك: ومن قال: والله ما لقيت فلاناً أمس هو لا يدري ألقيه أم لا ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف؛ بر، وقد خاطر وسلم، وإن كان خلاف ذلك أثم وكان كتعمد الكذب وهي أعظم من أن تكفر، وتلا ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ وقال هي اليمين الكاذبة.
قال ابن القاسم: ولغو اليمين ليس كقول الرجل: لا والله، وبلى والله، وإنما اللغو عند مالك أن يحلف على أمر يوقنه ثم يتبين أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه كقوله: والله لقد لقيت فلاناً أمس، وذلك يقينه وإنما لقيه قبل ذلك أو بعده، فهذا اللغو ولا شيء عليه.
وقالته عائشة وابن عباس وكثير من التابعين.
ابن المواز قال ابن عباس ومجاهد: واللغو أن يحلف الرجل على أمر يرى أنه فيه صادق ولا يكون صادقاً.

قال بعض البغداديين: وقالت عائشة: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو في مثل معنى هذا؛ لأنه لا يعني تعمد الكذب ولكن على ما يظنه.
م: يريد بالظن هاهنا اليقين وهذا يرجع إلى قول مالك وأما قولهم في الغموس هو أنه يحلف على أمر يظنه، يريد: وهو لا يوقنه، وقاله أبو محمد.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في قول الرجل لا والله، وبلى والله: فقال ابن القاسم عن مالك: ليس بلغو.
وقال إسماعيل ابن إسحاق وشيخنا أبو بكر وغيرهما: أنه من خير اللغو؛ لأنه لا يتأتى فيه البر ولا الحنث ولا يمكن الاحتراز منه.
ومن المدونة قال مالك: ولا لغو في طلاق ولا عتاق ولا مشي ولا صدقة ولا غيره، وإنما يكون اللغو والاستثناء والكفارة في اليمين بالله أو بشيء من أسمائه أو صفاته أو نذر لا مخرج له، وكذلك العهد والميثاق.

قال ابن المواز: وقد يكون من النذر والعهد ما لا يكفر مثل ما خرج مخرج العقد والعهد، وكيمين البيعة ونحوه، يريد: فيلزم من غير تقية ولا إكراه.
ابن المواز: وأما من حلف لبعض أهله يتهددهم بذلك وهو مجمع على أن يكفر ولا يريد الوفاء بيمينه؛ فلا يأثم بذلك إن شاء الله وتلزمه الكفارة.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بطلاق أو عتق أو غيره من الأيمان سوى اليمين بالله على شيء يوقنه ثم تبين له أنه خلاف ذلك فقد حنث وكذلك إن استثنى من شيء في هذا فحنث لزمه ما حلف عليه.
فصل قال مالك: ولا استثناء إلا في اليمين بالله تعالى.
قال ابن المواز: وقد روي عن مالك أن ابن عمر قال: من قال: والله لا فعلت كذا، ثم قال: إن شاء الله، ثم فعل ما حلف عليه؛ لم يحنث، وروى مثله ابن وهب عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين.
قال عبد الوهاب: والأصل في الاستثناء قوله -صلى الله عليه وسله-: «من حلف واستثنى رجع غير حانث» ولا خلاف في ذلك.

ومن المدونة قال مالك: وكذلك من حلف بنذر لا مخرج له إلا فعل كذا، أو حلف بعهد الله أو ميثاقه أو بشيء من أسمائه أو صفاته، فقال: إن شاء الله فلا شيء عليه إن نوى به الاستثناء، وإن أراد به معنى قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ غير مريد الاستثناء فليس يثنيا.
ابن المواز: وكذلك إن قال: إن شاء الله سهواً أو استهتاراً، وقاله أشهب عن مالك.
قال أشهب عن مالك في العتبية: وكذلك إن قالها لهجاً فلا ينفعه حتى ينوي بها الاستثناء.
قال ابن المواز: ولا يكون الاستثناء إلا فيما فيه الكفارة فإذا استثنى سقطت عنه الكفارة.

قيل له: فكيف يسقط الاستثناء عنه الكفارة وإنما استثنى مشيئة من لا ينتهي إلينا علم مشيئته جل وعز؟ قال: هذا في اليمين بالله خاصة لما سبق فيه من الأثر، وأما غير ذلك من المشي والصدقة والعتق فقد ألزمه الرسول -عليه السلام- وجوب الفعل فيما نذر من الطاعة بقوله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وألزم الله تعالى الطلاق لموجبه على نفسه لقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فإذا ألزم ذلك نفسه واستثنى مشيئة الله فقد أظهر ما حلف عليه، وغاب عنا علم المشيئة إلا أن الظن ظناً، ولا يحل العمل في الدين بظن ونحن إذا ألزمناه ما حلف عليه علمنا أن الله شاء ذلك، وليس ما جعل من المشيئة إلى أحد من العباد مثل مشيئة الله؛ لأنه إذا قال: أنت طالق إن شاء فلان؛ فذلك تمليك وليس يملكه العباد دون الله الطلاق والعتاق ويعد ذلك ندماً حين استثنى مشيئة من لا يدري كيف مشيئته فلا يقبل استثناؤه.

م: واختصار ذلك أن الأصل فيمن أوجب على نفسه فعل شيء بيمين من الأيمان فلم يفعله أو حلف ألا يفعله ففعله؛ أن يلزمه ما حلف به ولا ينفعه الاستثناء بمشيئة الله فيه إذ لا علم لنا بمشيئته فخرج الاستثناء في اليمين بالله من ذلك بالسنة وبقي ما عداه على أصله.
ومن المدونة قال مالك: ولا استثناء إلا واصل بيمينه محركاً به لسانه، فإما في نفسه أو تلفظ به بعد صمات فلا.
قال مالك: وإن حدثت له نية الاستثناء قبل تمام لفظه باليمين أو بعد إلا أنه لم يصمت حتى وصل بها الاستثناء أجزأه.
قال في كتاب ابن المواز: وهو مثل الذي يريد أن يحلف بالبتة فيقول: امرأتي طالق البتة ثم يبدو له فسكت عن تمام اليمين.
م: يريد أن ذلك لا يلزمه؛ لأن الحكم لآخر اليمين، وقد أجمعوا أو من نسق الطلاق بفعل؛ أن الحكم لآخر الكلام فكذلك يكون الاستثناء.

وقال ابن المواز من رأيه: إن نوى الاستثناء بعد لفظه بآخر حرف من حروف يمينه لم ينفعه وإن وصله حتى يبدو له في الاستثناء قبل انقضاء آخر حرف من حروف يمينه؛ فيكون ذلك له إذا لم يكن بين ذلك صمات إلا النفس، كقوله: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة فإذا لم يلفظ بالهاء من الشهادة حتى أجمع على الاستثناء نفعه وإذا لم يجمع على ذلك حتى لفظ بالهاء لم ينفعه.
قال ابو محمد وذكر ابن القاسم في المدونة خلاف ما ذكر محمد في هذا وقال: إن ذلك ينفعه إذا نسقه يمينه.
قال ابن حبيب: إذا بدأ في يمينه لا يريد الاستثناء ثم عرض له في قلبه فأتبعه يمينه نسقاً قبل أن يقطع كلامه فذلك له، قاله مالك وأصحابه.
ابن حبيب: ولا ينفع الاستثناء بالقلب دون اللسان وإن حرك به شفتيه أجزأه، وإن لم يجهر به وإن كان مستحلفاً لم يجزه إلا الجهر.
قال ابن المواز: وأوجه الاستثناء التي لا تجزئ النية بها دون تحريكم اللسان ثلاثة: أن يستثني "بأن" و "بإلا إن" و "بإلا"؛ فأما "إن" فكقوله: إن شاء الله أو إن شاء فلان

إن فعل فلان ونحوه، وكذلك "إلا أن" مثل قوله: إلا أن يكون كذا، إلا أن يفعل فلان، إلا أن أرى غير ذلك ونحوه، وأما "إلا" فمثل يمينه إن صحبت اليوم قرشياً إلا فلاناً وما أكلت اليوم طعاماً إلا لحماً، ولو حرك "بإلا" لسانه ونوى في نفسه وفلاناً أجزأه؛ لأن الواو بخلاف ما ذكرنا من أحرف الاستثناء.
وقد اختلف في "إلا" خاصة: فقيل: تجزئه بها النية كما تجزئه في محاشاة امرأته إذا قال: الحلال على حرام ونوى: إلا امرأتي، وقد قاله ابن أبي حازم.

م: وفي النوادر وقد قال ابن أبي سلمة: لا تنفعه المحاشاة في الحرام؛ لأنها نية في القلب.
يريد: والنية لا تنفع في "إلا".
واختلف فيها قول أشهب في العتبية.
وقال في المجمعة: إذا قال الحلال عليه حرام وحاشى امرأته؛ فلا شيء عليه، ولو قال: الحلال كله علي حرام ونوى في نفسه إلا امرأته؛ لم ينفعه وهو مدع حتى يستثنيه متكلماً به.
قال أبو محمد: كأنه يقول: إذا قال: الحلال علي حرام وحاشى امرأته، فمخرجه أنه جعل في نيته الحلال من الأشياء التي لم يدخل فيها امرأته ولم يستثنها، وإذا قال: الحلال كله عليه حرام ثم أخرج امرأته؛ فهذا استثناء، ولا ينفعه الاستثناء إلا باللفظ.
قال ابن المواز: وما كان من الاستثناء في يمين بوثيقة حق، أو شرط في نكاح، أو عقد بيع، أو فيما استحلفه آخر عليه؛ فلا يجزيه حركة اللسان به حتى يظهر ليسمع منه.

ومنه ومن العتبية قال مالك فيمن استحلف رجلاً أن لا يخبر أحداً بما يخبر به فحلف لا أخبرت أحداً واستثنى في نفسه إلا فلاناً فلا ينفعه حتى يحرك به لسانه.
قال ابن القاسم: فينفعه وإن لم يسمعه المحلوف له في هذا.
وقال سحنون: لا ينفعه حتى يسمع الذي حلفه؛ لأن اليمين له، وتأول سحنون أنه لم يتطوع أن يخبره حتى حلفه فإنه حق له.
قال ابن المواز: ولو [استحلفه أن لا يخبر إلا فلاناً فحلف له ونوى في نفسه: وفلاناً؛ فلا يحنث إن أخبر به من] نواه إلا أن يكون على يمينه بالطلاق بينة.
قال: ومن أعطي في سلعته عشرة فحلف أنها قامت عليها بعشرة وقد قامت عليه بدون عشرة؛ فهو حانث إلا أن ينوي بالكراء والمؤونة، فذلك مخرج له وإن لم يسمعه.
فصل وإذا عطف الاستثناء بالمشيئة على الفعل ويمينه بطلاق أو عتق؛ فقيل: ينفعه.
وقيل: لا ينفعه.
وذلك كقوله: إن فعلت كذا، أو إن أفعل كذا فامرأتي طالق أو عبده حر إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله: فقال ابن القاسم: لا ينفعه.

وقال ابن الماجشون وأصبغ: ينفعه إن نوى به الفعل وإن نوى به ما ذكر من طلاق أو عتق لم ينفعه.
قال أصبغ: ولا شك في هذا.
وكذلك هذا في جميع الأيمان سوى اليمين بالله وما جرى مجراه، ولا خلاف إذا رد إلى مشيئة نفسه؛ أنه ينفعه، كقوله: إن فعلت كذا، وإن لم أفعل كذا؛ فامرأته طالق، وعبده حر، إلا أن يبدو لي، وإلا إن أراد غير ذلك، يريد: يبدو لي في الفعل أو يرى غيره.
قال ابن القاسم: وكذلك قوله: أو يريني الله غير ذلك، وأما إن قال: إلا أن يقضي الله، أو يريد الله؛ فهو كقوله: إن شاء الله، وإن لم يضمن يمينه بفعل لم ينفعه قوله إلا أن يبدو لي كقوله: علي المشي إلى مكة، أو امرأتي طالق إلا أن يبدو لي؛ فهو حانث بلا خلاف.

فصل قال ابن المواز: وهو مأخوذ من قول مالك: والنية مفترقة على ثلاثة أوجه: 1 - فمنها لا يقبل فيه نية في قضاء ولا فتيا.
2 - ومنها ما يقبل في الفتيا والقضاء.
3 - [ومنها ما يقبل في الفتيا دون القضاء].
فمها لا يقبل في قضاء ولا فتيا: كل يمين على وثيقة حق أو شرط أو لتأخير أجل دين مما كان يقضي فيه السلطان من طلاق أو عتق فلا تقبل فيه نية، وما كان لا يقضي به كيمين بصدقة أو مشي ونحوه فلا يلزمه، ويدين في نيته؛ مثل أن يقول: نويت المشي إلى المسجد نحوه، وقاله أشهب.
قال أصبغ: وهذا إن لم يحكم عليه فيه، فيلزمه بينه وبين الله ولا ينفعه النية حلف أو استحلف وكذلك في العتبية.
ابن المواز قال مالك: وإذا حلف بالحلال عليه حرام على حق لم ينفعه محاشاته زوجته.
قال ابن القاسم: سواء استحلفه الطالب أو شيق عليه حتى بدر باليمين، أو خاف أن لا يتخلص منه إلا باليمين، فأما إن ابتدأه باليمين من غير أن يستحلفه أو يحرجه؛ فله

نيته، وإن [كان عن يمينه وقد قال مالك: إن ذلك سواء؛ لأنها وثيقة على كل حال فلا ينوي، وإنما النية والمحاشاة فيما حلف عليه من أمور يقينه] كان على يمينه بينة أو لم تكن.
قال أشهب: وقد قيل في يمينه بالحرام: ليقضينه حقه إلى أجل كذا.
فقال: حاشيت امرأتي، إن ذلك له، وإن كان على يمينه بينة، وكذلك روى ابن حبيب للاختلاف في هذه اليمين.
م: فصار في ذلك ثلاثة أقوال: قول: أنه لا تنفعه المحاشاة بوجه.
وقول: أنه تنفعه.
وقول: فرق بين أن يكون فيه مستحلفاً أو متبرعاً فحنث؛ فيحنث المستحلف دون المتبرع.
ومنه: ومن حلف للأمير طوعاً بطلاق امرأته في أمر كذب فيه وقال: أردت بذلك امرأتي الميتة أو المطلقة فلا ينوي في قضاء ولا فتيا؛ لأنه قال: امرأتي.
م: وهذا في كتاب التخيير والتمليك من المدونة.

قال ابن المواز: وأما ما يقبل منه في الفتيا دون القضاء؛ فهو كل من حلف ألا يفعل شيئاً ولم يذكر تأبيداً ثم قال: نويت شهراً، أو حتى يقدم فلان، وذلك أنه أظهر يميناً تدل على التأبيد فادعاء، ما يقطع التأبيد؛ فيصدق في الفتيا ولا يصدق في القضاء، وكذلك لو حلف ألا يأكل سمناً وقال: نويت سمن ضأن، أو حلف لزوجته في جارية له إن كان وطأها وهو يريد بقدميه فله نيته في هذا وشبهه في الفتيا دون القضاء، وكذلك من قال لامرأته: أنت طالق وأنت طالق البتة إن راجعتك فأراد أن يرتجعها بنكاح جديد وقد خرجت من العدة وقال: إنما نويت ما كانت في عدتها، فإن كانت على يمينه بينة لم أدينه وإن لم تكن عليه بينة دينته، وقيل: إنما معنى هذا إذا جاء مستفتياً بلا مخاصمة ولا مرافعة، وأما إذا جاءت المرافعة فسواء كانت على أصل يمينه بينة أو لم يكن فإقراره بها كالبينة؛ لأنه ظاهر الإقرار مدع فيما يطرحه، فتطلق عليه، ولا يقبل قوله، وكذلك من قال: حكمة طالق، وله جارية وزوجة تسميان كذلك وقال: نويت جاريتي فله نيته في الفتيا وأما في القضاء إن قامت عليه بذلك بينة أو حلف به على وثيقة حق؛ فلا تنفعه بينته، وأكثر هذا في المدونة.
قال ابن المواز: وأما ما يقبل فيه نيته في القضاء والفتيا مثل: أن يحلف لزوجته بطلاق من يتزوج في حياتها أو يكون ذلك شرط في أصل نكاحها فتبين منه، ثم يتزوج ويقول نويت ما كانت تحتي فيصدق.
ومثل الذي يعاتب زوجته في دخول بعض قرابتها إليها

فتحلف بالحرية لا دخل علي من أهلي أحد، فلما مات قالت: نويت ما كانت حياً؛ فذلك لها في القضاء وإن قامت عليها بينة.
م: وكذلك مسألة العاشر والذي تعجب من عمل عبده، فيقول: ما أنت إلا حر، وذلك في العتق مذكور.
م: واختصار هذه الوجوه: إن كل من حلف بطلاق أو عتاق على توثقه حق، أو تأخير به، أو يحلف بذلك طوعاً في أمر كذب فيقول: نويت امرأتي أو جاريتي الميتة؛ فهذا لا ينفعه نيته في قضاء ولا فتيا.
واختلف هل تنفعه المحاشاة في يمينه على ذلك بالحلال عليه حرام: فقيل: إن ذلك لا ينفعه حلف متبرعاً أو استحلف.
وقيل: ينفعه.
وقيل: ينفع المتبرع دون المستحلف.
والثاني: أن يحلف بالطراق والعتاق لا يفعل كذا وقال: نويت شهراً، أو لا يأكل سمناً، فيقول: نويت سمناً ضأن، أو لا يلبس ثوباً وقال: نويت وشياً؛ فهذا ينفعه في الفتيا لا في القضاء.
والثالث: أن يحلف لزوجته بطلاق من يتزوج عليها في حياتها فيفارقها ثم يتزوج فيقول: نويت ما كانت تحتي، أو يعاتب زوجته في دخول بعض قرابتها إليها فتحلف

بالحرية ألا دخل عليها منهم أحد فلما مات قالت: نويت ما كان حياً فذلك لها في القضاء والفتيا.
جامع الأيمان وما يكره منها فيما يلزم من الحلف بها أم لا قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
ابن حبيب قال زيد بن أسلم: نهاهم أن يكثروا الحلف به وإن كانوا بررة مصلحين بين الناس.
وفي كتاب ابن المواز قال: قال: هو أن يحلف على ما لا يصلح من أن لا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين فقال الله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فهو خير مما يمضي على ما لا يصلح فينبغي أن يكفر ويأتي ما هو خير.
ابن حبيب: وروي أن النبي -عليه السلام- قال: [«شر الفجار من كثرت أيمانه وإن كان صادقاً».
ومن العتبية: روي أن موسى -عليه السلام- قال]: (لا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون).

قال عيسى -عليه السلام-: (وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله لا صادقين ولا كاذبين قولوا: لا ونعم).
وروى محمد وابن حبيب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تحلفوا بذمة الله ولا بعهوده ولا بالكعبة ولا بآبائكم ولا بحدود الله ولا بالطواغيت، ومن كان حالفاً فليحلف بالله ومن حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس منا».
[قال في كتاب محمد: ومن حلف بغير الله فليس منا].
ابن حبيب وقال -عليه السلام-: «لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق فإنها من أيمان الفساق».
وقال ابن عباس: لأن أحلف بالله فآثم أحب إلي من أن أضاهي، فقيل: معناه الحلف بغير الله، وقيل: يعني الإلغاز والخديعة بربه أنه حلف ولم يحلف.
والأول أولى؛

لأنه عظم غير الله تعالى بالحلف به، كقوله عز وجل: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي ما يشبه قوله وقد بينه ابن عباس فقال: لأن أحلف بالله تعالى مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره مرة فأبر.
ونحوه عن ابن مسعود.
ومن المدونة قال ابن القاسم: والحلف بجميع أسماء الله تعالى وصفاته أنه لازم كقوله: والعزيز والسميع والعليم والخبير واللطيف فهي كلها أيمان.
قال ابن المواز: غير أن كفارة واحدة تجزيه مثل قوله: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة لا فعلت كذا فحنث؛ فإنما عليه كفارة واحدة.

قال م: وكتكرير اليمين بالله مثل: والله والله والله لا فعلت كذا؛ فحنث فإنما عليه كفارة واحدة؛ لأنها كلها أسماء الله فذكرها كتكرير واحد منها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قال: وعزة الله وكبريائه وقدرته وعظمته وأمانته فهي كلها أيمان.
قال ابن حبيب: وكفارة واحدة تجمعها كمن حلف بالله مراراً؛ لأن ذلك لله ومن نعت الله.
م: وذهب بعض المتأخرين من أصحابنا: أن الحلف بصفات كثيرة يجمعها في يمينه فحنث؛ أن عليه لكل صفة كفارة بخلاف اليمين بأسماء الله كثيرة وهو قول حسن.
م: قال بعض فقهائنا: وذلك يجري على قولين: فقول: أن من حلف بصفات جمعها في يمينه إنما يكفر كفارة واحدة كيمينه بأسماء الله عز وجل وهو ما تقدم لابن حبيب وغيره.
وقول آخر: أنه إذا أطلق ذلك ولا نية له فعليه لكل صفة كفارة بخلاف إذا كرر اسم الله.
ووجه هذا: أنه لما كان الاسم هو المسمى والمسميات عبارة عنه، فإنما هو حالف بشيء واحد وإن كرر التسمية، فكانت عليه كفارة واحدة، وأما الصفات إذا حلف بها

فهي أشياء فعليه لكل صفة كفارة واحدة، وليست الصفة هي الموصوف ولا هي غيره في الباري تعالى ولا كل صفة هي غير الصفة الأخرى على مذاهب أهل الحق.
وقد اختلف أهل الحق في الصفات: هل يطلق فيها القول بأنها مختلفة؟ وإن كان فيها معنى الاختلاف عندهم ولم يختلفوا أنه لا يقال في الصفات أنها أغيار ولا أنها متماثلة ولا أنها متضادة؛ فبان بهذا الذي وصفناه أن الحالف بصفات جمعها في يمينه لا يكون كمن حلف بأسماء الله وجمعها في يمينه، والصفات يطلق عليها أنها أشياء، وإن كان لا يطلق فيها أنها متغايرة ولا متضادة ولا متماثلة على ما ذكرنا.
قال: وينبغي عندي أن يكون الحالف بالعزة والجلال والعظمة إنما يكفر إذا حنث كفارة واحدة؛ لأن ذلك يرجع إلى صفة واحدة وهي القدرة، وكذلك الحالف بالعهد والميثاق إنما عليه كفارة واحدة؛ لأن ذلك يرجع إلى الكلام، وكذلك من حلف بغضب الله ورضاه وسخطه ورحمته؛ لأن هذا ونحوه إنما يرجع إلى الإرادة وليس هذا كمن حلف بالعلم والكلام والقدرة ونحو ذلك؛ لأن هذا لا يرجع إلا صفة واحدة فينبغي

أن يميز هذا.
فهذا أصل إذا ركب كان قولاً حسناً وإن كان لا يقتضيه ما في بعض الروايات ولكن هو النظر والله أعلم.
وهذا الذي ذكرنا إنما هو في صفات الذات لا في صفات الأفعال؛ لأن الصفات على ضربين: صفات ذات، وصفات أفعال.
فصفات ذاته: فعلى نحو ما قدمنا ذكره في العلم والقدرة والكلام.
وصفات أفعاله: نحو الخلق والرزق والإحياء والأمانة فلا كفارة على من حلف بشيء من صفات أفعاله.
وأما لو قال: والخالق والرازق والمحيي والمميت؛ فهذا حالف بالله فعليه الكفارة وإن كانت تسمية تقتضي صفات الفعل؛ لأن الأسماء على مذاهب أهل الحق على ضروب: فمنها: ما يقتضي صفات الذات.
ومنها: ما يقتضي صفات الفعل.
ومنها: ما يقتضي إثبات وجود الباري وحقيقته.
وهذا مبسوط في كتب أصحاب الأصول، وفيما ذكرنا منه كفاية وبالله التوفيق.

قال ابن المواز: وقد استعظم بعض الناس اليمين بأمانة الله وذكر لنا أن النبي -عليه السلام- نهى عن ذلك ونحن نكره اليمين بها فإن حلف بها ففيها الكفارة مثل العهد والذمة.
قال أشهب: إن حلف بأمانة الله التي هي صفة من صفاته فهي يمين، وإن حلف بأمانة الله التي هي بين العباد فلا شيء عليه، وكذلك قال: في عزة الله التي هي صفة اذته، وأما بالعزة التي جعلها الله في خلقه فلا شيء عليه، وكذلك تكلم ابن سحنون في معنى قول الله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون﴾ إنها العزة التي هي غير صفاته التي جعلها في خلقه.
قال ابن المواز: ويمينه بالمصحف أو بالكتاب أو بالقرآن أو بما أنزل الله تعالى يمين؛ وفيها كفارة اليمين.
قال هو وابن حبيب: كفارة وحدة تجمعها.
ابن المواز: ولم ير عطاء [على من حلف بكتاب الله كفارة.
قال أبو إسحاق: لعل عطاء أراد أنه حلف باللوحين اللذين فيهما الكتابة ولم يحلف بكلام الله القائم بذاته الذي هو صفة ذاته.

قال غيره: إن الناقل عن عطاء] شك فقال: سئل عن اليمين بالكتاب أو بالكعبة وهذا أشبه أن يجعل الوهم على الناقل.
وذكر علي بن زياد عن مالك في العتبية: أن الحالف لا والقرآن لا والمصحف لا يكفر.
أو محمد: وهي رواية منكرة والمعروفة عند غيرها.
قال سحنون: ومن حلف بالتوراة والإنجيل في كلمة واحدة فإنما عليه كفارة واحدة.
م: وكذلك لو حلف بالقرآن والتوراة والإنجيل في كلمة واحدة فإنما عليه كفارة واحدة؛ لأن ذلك كله كلام الله سبحانه وهو صفة من صفات ذاته فكأنه حلف بصفة واحدة فعليه كفارة واحدة واتفاق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: لعمر الله لأفعلن كذا؛ فهي يمين.
قال عنه ابن المواز: وذلك بمنزلة: وحق الله، ولا يعجبني أن يحلف بذلك أحد.
قال فيه وفي المدونة: وقوله: لعمري ليس بيمين.

ابن المواز: وهي تشبه: وحياتي؟: وقيل: إن ذلك في لغة النساء واليمين بذلك مكروهة.
ومن المدونة قال مالك: وإن قال: علي عهد الله، أو كفالته، أو ميثاقه، وقال علي عشر كفالات، أو عشر مواثيق، أو عشر نذور، أو أقل أو أكثر؛ لزمه عدد ما ذكر من كفارة.
قال مالك: وقوله علي نذر، أو لله علي نذر؛ سواء، وعليه إن حلف بذلك فحنث كفارة يمين إلا أن ينوي بنذره ذلك: صوماً أو صلاة أو حجاً أو شيئاً من أعمال البر فيلزمه ما نوى، وإن لم يكن له نية فكفارته كفارة يمين.
[ابن وهب وقال الرسول -عليه السلام-: «ومن نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين»] وقال جماعة من الصحابة والتابعين.
وإن قال: علي يمين إن فعلت ولا نية له؛ فعليه كفارة يمين كقوله علي نذر أو عهد.
ابن وهب: وقال ابن عباس وجماعة من الصحابة التابعين: من قال علي عهد الله؛ فعليه كفارة يمين.
ابن المواز وإن قال: علي نذر لا يكفره صيام ولا صدقة، أو قال: علي نذر لا كفارة له؛ فليستغفر الله ويكفر كفارة اليمين، وقاله الليث.

ابن المواز ولو قال: علي نذر إن فعلت كذا فحنث؛ فعليه ثلاث كفارات، وكذلك إن قال: علي عهود، ولو قال: علي عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته [وأشد ما أخذ أحد على أحد فعليه في قوله عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته] ثلاث كفارات، وأما قوله: أشد ما أخذ أحد على أحد فإن لم تكن نية فليطلق نساءه ويعتق رقبة ويمشي إلى بيت الله ويتصدق بثلث ماله.
[ولابن وهب في العتبية: في قوله: وأشد ما أخذ أحد على أحد، قال في ذلك: كفارة يمين].
وفي العتبية: وإن لم يرد الطلاق ولا العتاق وعزله عن ذلك فإنما عليه كفارة يمين.
م: وهذا خلاف ما في كتاب محمد.
ومن المدونة ومن قال: أقسم أو أشهد أو حلف أو لا أفعل كذا؛ فإن أراد بالله فهي يمين وإلا فلا شيء عليه.
وإن قال: أعزم ألا أفعل كذا؛ لم يكن هذا يمين، إلا أن يقول: أعزم بالله، فهذه يمين.
وإن قال الرجل: أعزم عليك بالله إلا ما فعلت كذا، فيأبى؛ فهو كقوله: أسألك بالله لتفعلن كذا، فامتنع؛ فلا شيء على واحد منهما.

ابن حبيب: وينبغي له أن يجيبه ما لم يكن معصية وهو من قول الله سبحانه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ يريد: أن يسأل الله وبالرحم فإن لم يفعل فلا كفارة على واحد منهما.
وأما قوله: أقسمت عليك بالله لتفعلن كذا فهذا يحنث الذي أقسم إن لم يجبه الآخر، وهذا كقوله: حلفت عليك بالله.
قال سحنون: ومن قال: علم الله إن فعلت كذا، فإن أراد العلم فهي يمين كالحالف بصفة من صفات الله، وإن لم يرد العلم فليس فيه شيء.
قال أشهب في العتبية: ومن قال لغريمه: الله يعلم إذ لا أضع لك من حقيق شيئاً فوضع له.
قال: لو كفر بإطعام عشرة مساكين.
قال أبو محمد: قال بعض أصحابنا: في معاذ الله؛ ليست يمين إلا أن يريد بها اليمين.
وقيل في معاذ الله وحاشا لله: ليست يمين بحال.

ومن المدونة قال ابن القاسم: فيمن قال: علي حرام إن فعلت كذا، قال: قال مالك: لا يكون الحرام في شيء؛ لا في طعام ولا في شراب ولا في أم ولد إن حرمها على نفسه ولا في خادم ولا عبد ولا في غيره إلا أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق.
ابن وهب: وذكر زيد بن أسلم أن النبي -عليه السلام- قال لأم ولده: «أنت علي حرام والله لا أمسك» فكر عن يمينه ولا يكفر لتحريمه.
قال مسروق: عاتبه الله في التحريم وأمره بالكفارة في اليمين.
فصل قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو كافر بالله أو بريء من الإسلام؛ فليست هذه أيمان، وليستغفر الله مما قال، ولا يكون كافراً حتى يكون قلبه مضمراً على الكفر وبئس ما قال.
قال في العتبية: قال ابن مسعود: ما أحب أن أحلف: ألا أعبد هذا، إن البلاء موكل بالقول.

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: والصلاة والصيام والزكاة والحج لا أفعل كذا ففعله، لم يكن شيء من هذا يميناً.
وإن قال: إن فعلت كذا فهو زانٍ أو سارق أو يأكل لحم الخنزير أو الميتة أو يشرب الخمر أو الدم أو يترك الصلاة وعليه لعنة الله أو غضبه أو أحرمه الله دخول الجنة أو أدخله النار وكل ما دعا به على نفسه لم يكن شيئاً من هذا يميناً.
وكذلك قوله: وأبي وأبيك وحياتي وحياتك وعيشي وعيشك، قال مالك: هذا من كلام النساء وضعفاء الرجال.
قال: وأكره اليمين بهذا أو بغير الله تعالى.
ابن وهب: وسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- من يقول: لا وأبي، فقال النبي -عليه السلام-: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت».
قال مالك وبلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: رغم أنفي لله، الحمد لله الذي لم يمتني حتى قطع مدة الحجاج.
قال مالك: وما يجعبني أن يقول أحد: رغم أنفي لله، ومن كان حالفاً فليحلف بالله.

ابن حبيب: كره ذلك مالك، ولا بأس أن يتأسى بعمر بن عبد العزيز في مثل هذا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ذمي بالله فحنث بها بعد إسلامه فلا كفارة عليه عند مالك.
وقد تقدم أن الاستثناء واللغو جائز في النذر والعهد والميثاق كاليمين بالله.
فيمن نذر طاعة أو معصية، أو حلف: لا فعلت كذا، أو ليفعله قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه».
ابن وهب: ورأى النبي -عليه السلام- وهو يخطب أبا إسرائيل رجلاً من بني عامر قائماً في الشمس فقال: «ما شأنه؟» قالوا: نذر ألا يتكلم ولا يستظل ولا يجلس وأن يصوم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليتم صومه».

قال مالك: فأمره أن يتكلم، ويتم ما كان لله فيه طاعة، وأن يترك ما كان فيه معصية، ولم يأمره بكفارة.
وقال النبي -عليه السلام-: «من نذر نذراً ولم يسمه فكفارته كفارة اليمين».
وقال ابن عمر وابن عباس فيمن نذر ألا يدخل على أخيه: لا نذر في معصية؛ كفر عن يمينك وادخل على أخيك.
م: يريد أنه قال: علي نذر إن دخلت على أخي فلذلك أمره بالكفارة، وأما لو نذر أن لا يدخل عليه فهذا يدخل ولا يكفر والله أعلم.
قال ابن المواز: ومن قال: إن شفاني الله من مرضي فعلي أن لا أقرب امرأتي حتى أحج أو أغزوا أو أصوم؛ فإنه يطأ امرأته ويحج أو يغزو أو يصوم وليس في تركه وطء امرأته طاعة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فيمن نذر أن يطيع الله في صلاة أو صوم أو حج أو غزو أو رباط أو عتق أو صدقة شيء يسميه أو فعل شيئاً من الخير تطوع بذلك الخير أو حلف به فحنث؛ فلا يجزيه إلا الوفاء به.

وإن قال: علي نذر إن لم أعتق رقبة أو لم أفعل كذا من البر، فإن شاء فعله فبر، وإن شاء تركه وكفر كفارة يمين.
وإن ضرب لفعله أجلاً فجاوزه ولم يفعل ما حلف عليه؛ فعليه كفارة يمين إلا أن جعل لنذره مخرجاً من البر؛ مثل قوله: علي نذر صدقة دينار أو عتق رقبة أو صيام شهر إن لم أحج العام أو أغزو العام أو نوى ذلك وما أشبهه فيفوت الأجل ولم يفعل ذلك؛ فيجب عليه ما نذر وسمى.
ابن المواز وإن قال: علي نذر أن أصوم العام رمضان بالمدينة فإن لم يفعل لشغل أو نسيان؛ لزمه ذلك من قابل، وإن حبسه عن ذلك مرض فلا شيء عليه، وكذلك إن قال: علي نذر أن أحج العام، فهو مثل الذي يقول: علي صيام شهر كذا،

فإن ترك صومه لمرض أو إغماء أو حيض فلا شيء عليه، وإن تركه لشغل أو تعمد فعليه قضاء ذلك.
قيل: فإن تركه حتى كبر وأيس من الصوم؟ قال: يطعم عن كل يوم مسكيناً لأنه مفرط.
ومن المدونة: وإن قال علي نذر إن لم أشرب الخمر أو أقتل فلاناً ونحوه من المعاصي؛ فلا يفعل ذلك ويكفر كفارة يمين إلا أن يجعل لنذره مخرجاً من البر فيؤمر أن يفعل ما سمى من البرد ولا يركب معاصي الله، فإن اجترأ وفعل ما قال من المعصية؛ فقد أثم وسقط عنه النذر كان له مخرج أو لم يكن.
وإن قال: علي نذر شرب الخمر أو أن أشرب الخمر أو أن لا أشربها؛ فلا يشربها ولا كفارة عليه شربها أو لم يشربها.
وإن قال: علي نذر إن شربت الخمر فلا يشربها ولا كفارة عليه، وهو على بر، فإن شربها فعليه كفارة يمين إلا أن يجعل لنذره مخرجاً من البر فيلزمه.
م: فهذه خمسة أوجه ترجع إلى أربعة معان: الأول: جعل على نفسه نذراً إن لم يشربها.
والثاني: جعل عليه نذراً إن شربها.
والثالث: نذر شربها.
والرابع: نذر أن لا يشربها.

قال ابن القاسم: ومن نذر ما ليس فعله بطاعة ولا تركة معصية مثل: المشي إلى السوق ونحوه فإن شاء فعل وإن شاء ترك.
فصل ومن قال: والله لأضربن فلاناً أو لأقتلنه؛ فليكفر عن يمينه ولا يفعل، وإن فعل ما حلف عليه فلا كفارة عليه.
وإن قال: امرأته طالق، أو عبده حر، أو عليه المشي إلى بيت الله إن لم أقتل فلاناً أو إن لم أضربه؛ فليمش إلى بيت الله ولا يضربه ولا يقتله، وأما العتق والطلاق: فينبغي للإمام أن يطلق عليه ويعتق إن دفع إليه ذلك بالقضاء ولا ينتظر به فيئته، فإن اجترأ ففعل ذلك قبل النظر فيه زالت عنه أيمانه ولا حنث عليه، وإن ضرب لفعله بالطلاق والعتق والمشي أجلاً فهو على بر، وإنما يحنث إذا حل الأجل ولم يفعل ذلك.
م: ولا يطلق عليه الإمام يعتق عبد بغير عينه؛ لأنه لا ينفع تعجيل الحنث فيما هو فيه على بر إذ ذاك غير معين؛ وقد قال

فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أتزوج عيك إلى شهر: أنه على بر وله وطأها وليس له أن يحنث نفسه قبل الأجل؛ لأنه إنما يحنث إذا حل الأجل ولم يفعل ما حلف عليه ولو كانت يمينه في المسألة الأولى بالثلاث أو ببقية الثلاث أو يعتق عبداً بعينه لعجل الحنث عليه؛ لأن ذلك معين يصح تعجيل الحنث فيه وأن لا يترك للبر بقتل المحلوف عليه، ألا ترى أن من حلف بطلاق امرأته ألا يطأ امرأة له أخرى؛ فأراد تعجيل الحنث لزوال الإيلاء إنما ينفعه ذلك إذا كانت يمينه بالثلاث أو ببقية الثلاث قاله محمد فكذلك هذا.
وإذا لم يضرب أجلاً ي هذه المسألة نفع تعجيل الواحدة؛ لأنه على حنث، كمن حلف بطلاق امرأته واحدة ليتزوجن عليها؛ فله أن يحنث نفسه ويطلقها واحدة ولا يتزوج عليها؛ لأنه في يمينه على حنث وهذا الصحيح من المذهب، وإن كان قد وقع لمالك في كتاب الظهار: فيمن حلف بعتق رقبة أن لا يطأ امرأته فأخبر أن الإيلاء وقع عليه فأعتق رقبة إرادة إسقاط الإيلاء قال مالك: أحب إلي أن يعتق بعد الحنث وإن أعتق قبله أجزأه ولا إيلاء عليه.

م: قال ابن المواز: وقد قال أيضاً مالك: لا يجزيه ذلك إلا في رقبة معينة، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
وفي أول باب الكفارة إيعاب هذا.
وفي كتاب الأيمان بالطلاق مسألة: الذي حلف لو كنت حاضر الشرك مع أخي لفقأت عينك؛ أنه حانث وهناك تمامها.
ابن حبيب: ومن زم ثوب رجل فقال: له أرسله، فامرأته طالق لو شققته لشققت جوفك، قال مالك: فليحلف بالله إن فعل لفعل ثم لا شيء عليه.
وقال ابن القاسم: لا يعجبني، وهو حانث كالذي حلف لو كنت حاضر الشرك مع أخي لفقأت عينك.
ومن المدونة: قال مالك: ومن قال لامرأته: والله لأطلقنك؛ فليس بمولي ولا يمنع من الوطء فإن شاء طلق فبر في يمينه وإن لم يطلق لم يحنث إلا بموته أو موتها ولا يجبر على الكفارة.

وإن قال لها: أنت طالق إن لم أفعل كذا حيل بينه وبينها حتى يفعل ذلك وإلا دخل عليه الإيلاء، وإن كانت يمينه: لا فعلت؛ لم يحل بينه وبينها حتى يفعل ذلك؛ لأنه على بر حتى يفعل ذلك فيحنث.
وكذلك إن قال: والله لا أضرب فلاناً فلا يحنث حتى يضربه.
وأصل هذا: أن كل من حلف على شيء ليفعلنه فهو على حنث حتى يفعله لأنا لا ندري أيفعله أم لا، وإن من حلف على شيء أن لا يفعله فهو على بر حتى يفعله.
قال بعض البغداديين: وإنما كان ذلك لأن الأيمان مترددة بين البر والحنث؛ فالبر بالموافقة، والحنث بالمخالفة؛ لأنه إذا حلف لا فعلت كذا فهو وقت حلفه غير فاعل فهو على بر؛ لأنه موافق لما حلف عليه، وإنما الحنث مترقب، فإذا فعل حنث؛ لأنه المخالفة حينئذ وجدت وكذلك قوله: إن فعلت، وأما قوله: إن لم أفعل أو لأفعلن فالمخالفة موجودة وقت الحلف لأنه إن قال: إن لم أضرب عبدي فهو في الحال غير ضارب فهو على حنث؛ لأنه مخالف لحلفه والبر مترقب فإذا فعل بر.

في اليمين على أشياء متفقة أو مختلفة ففعل بعضها فالكفارة في ذلك في تكرير اليمين، ومن حلف لأقضينك حقك إلى حين أو زمان أو دهر قال ابن القاسم: ومن قال لنسائه الأربع والله لا أجامعكن فجامع واحدة منهن حنث وله أن يطأ البواقي قبل أن يكفر كما كان له وأن يطأهن كلهن قبل أن يكفر.
قال مالك: وإنما يلزمه إذا وطئ إحداهن أو كلهن كفارة واحدة، وكذلك لو قال: [والله لا أكلم فلاناً ولا أدخل دار فلان ولا أضرب فلاناً ففعل ذلك كله أو بعضه فإنما عليه كفارة واحدة وكأنه قال: والله لا أقرب شيئاً من هذه الأشياء و] لو قال: والله لا أكلم فلاناً والله لا أدخل دار فلان والله لا أضرب فلاناً فعليه هاهنا لكل صنف فعله كفارة؛ لأن هذه ثلاثة أيمان بالله على أشياء مختلفة ولو كانت يمينه على شيء واحد لكانت عليه كفارة واحدة كمن قال: لامرأته والله لا أجامعك والله لا أجامعك، والله لا أجامعكم فحنث؛ فإنما عليه كفارة واحدة.
[قال ابن القاسم: فكل من حلف بالله ألا يفعل كذا ثم رد فحنث فإنما عليه كفارة واحدة].

قال ابن القاسم: فكل من حلف بالله ألا يفعل كذا ثم ردد اليمين في ذلك مراراً في مجلس واحد أو في مجالس ثم فحنث فكفارة واحدة تجزئه عن ذلك نوى باليمين الثانية غير الأولى والثالثة غير الأولى والثانية أو لم ينو شيئاً، فهي يمين واحدة إلا أن ينوي أن عليه ثلاثة أيمان كالنذور فتلزمه ثلاث كفارات سواء قال في يمينه: لله علي أم لا.
قال ابن المواز: وذلك أن ينوي ثلاث كفارات فيلزمه ذلك، وأما من قال: لله علي ثلاث نذور فحنث فعليه ثلاث كفارات، وكذلك إن قال: علي نذر إن فعلت كذا، ثم قال: علي نذر إن فعلت كذا، ففعل؛ فعليه كفارتان إلا أن يريد بقوله الآخر النذر الأول فتلزمه كفارة واحدة.
م: وهذا كاليمين بالطلاق لو قال: إن كلمت فلاناً فامرأته طالق ثم قال: إن كلمته فامرأته طالق ثم كلنه؛ لزمه طلقتان إلا أن يريد واحدة، وذلك أن الطلقة الأولى غير الثانية وكذلك النذر الأول غير الثاني، فلذلك لزماه جميعاً وفي اليمين بالله تعالى المحلوف به أولاً هو المحلول به آخراً فهذا فرق ما بينهما.

جارٍ التحميل