[الباب السادس]
في زكاة ماشية المِدْيان وحبه وزكاة الفطر عن عبده
[فصل 1 - لا يُسْقِط الدين زكاة حب ولا ماشية ولو ماثله وإنما يُسقِط زكاة العين فقط]
قال مالك رحمه الله: ولا يسقط الدين زكاة الماشية وإن كان يغترقها ولا مال له غيرها، أو كان الدين مثل صفتها، ولا يمنع الغرماء المصدق من أخذ الزكاة منها، وكذلك لو رفع من أرضه حباً أو ثمراً، وعليه من الدين صفة ما رفع، لم تسقط عنه الزكاة، وإنما يسقط الدين زكاة العين خاصة.
قال ابن القاسم: والفرق بينهما: أن السنة إنما جاءت في الضمار وهو المال المحبوس.
وفيه كان عثمان يصيح في الناس: "هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه حتى تخلص أموالكم فتؤدون منها الزكاة" فكان الرجل يحصي دينه ثم يؤدي مما بقى في يديه إن كان تجب فيه الزكاة، وأما الماشية والثمار فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده يبعثون السُّعاة والخرّاص لزكاة مواشيهم وثمارهم ولا يأمرونهم بقضاء ما عليهم من الديون، والعين مصروف إلى أمانتهم، مقبول قولهم فيه.
وقد تقدم هذا في الكتاب الأول.
[فصل 3 - فيمن له عبد، وعليه عبد دين هل يزكي عن عبده زكاة الفطر]
قال ابن القاسم: وأما من له عبد، وعليه عبد مثله في صفته، فلا يزكي للفطر عنه إن لم يكن له مال، وفي كتاب محمد: وعنده ما يخرج منه زكاة الفطر.
وقال سحنون: يزكي وقد قيل: إنه بمنزلة الحب والثمر وعليه الزكاة وهو أحسن، وروي ذلك عن مالك وهو قول ابن القاسم.
م: ووجه ذلك أن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ فكان الواجب ألا يسقط الدين زكاة لعموم الآية فخصت السنة العين من ذلك وبقي ما سواه على أصله مع ما أبانت السنة في المواشي والثمار، والعبد مثل ذلك.
ووجه قوله: لا يزكي الفطرة عنه: أن الفطرة لما كانت موكولة في إخراجها إلى أمانته ولا ساعي فيها أشبهت العين، والعين يُسقِطُه الدين، فكذلك هذا.
[الباب السابع]
في الماشية تباع أو تستهلك، أو يبادل بها
قال مالك: ومن أشترى غنماً للتجارة ثم باعها قبل الحول أو بعده قبل مجيء الساعي، فليزك الثمن؛ لأن حوله من يوم أفاده أو زكاه، ولا زكاة فيها للمصدق.
وقد تقدم هذا.
[فصل 1 - فيمن استهلكت ماشيته فأخذ فيها دراهماً، أو جنساً غيرها]
قال ابن القاسم: ومن استهلكت غنمه بعد الحول قبل مجيء الساعي، وهي أربعون شاة فأخذ في قيمتها دراهم زكاها مكانه؛ لأن حولها قد تم.
م: يريد إذا كانت الدراهم التي أخذ فيها نصاباً، وكانت الغنم للتجارة، وإن كانت للقنية دخل في القيمة اختلاف قول مالك، هل يستقبل بها حولاً أم لا؟.
قال ابن القاسم: وإن أخذ بالقيمة إبلاً أو بقراً فلا شيء عليه، ويستقبل بها حولاً من ذي قبل.
قال سحنون: وقال عبد الملك: عليه الزكاة في الإبل والبقر، وقاله مالك في العتبية.
م: وجه ذلك: فلأنه أخذ جنساً فيه الزكاة عن جنس فيه الزكاة كأخذه عن
الذهب ورقاً أو عن غنم عنماً أن الثانية على حول الأولى، وذكرهم للقيمة لغو.
ووجه قول ابن القاسم/ فلأنه إنما وجب له عنده قيمة، فأخذ فيها إبلاً، فهو كاشترائه بالعين إبلاً أن حولها مؤتنف، وكمن أخذ إبلاً عن غنم أن الحول موتنف عند ابن القاسم.
[فصل 2 - من استهلكت غنمه فأخذ بالقيمة غنماً في مثلها الزكاة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخذ بالقيمة غنماً في مثلها، فلا زكاة عليه أيضاً، ولابن القاسم قول ثان، أنه يزكيها كالمبادلة بها، والقيمة لغو إلا أن تكون أقل من أربعين، فلا شيء عليه فيها.
قال سحنون: والقول الأول أحسن
قال أشهب: كما لو باع الأولى بدنانير ثم أخذ بالدنانير غنماً.
قال حمد يس: إنما يختلف قوله إذا دخلها عيب يوجب له قيمتها، فكان مخيراً بين أخذ قيمتها أو عينها، فتارة يعد أخذه للغنم عوضاً عن العين، وتارة عوضاً عن القيمة، وأما لو ذهبت العين أصلاً حتى لا يكون له إلا القيمة، فأخذ فيها غنماً فلا يختلف قوله ألا زكاة عليه فيها.
والله أعلم.
فصل [3 - فيمن باع ماشيته قبل أن يزكيها قبل الحول أو بعده وهي ميراث أو مشتراة لقنية]
ومن المدونة: قال مالك: ومن ورث نصاب غنم، أو اشتراها للقنية ثم باعها بعد الحول قبل مجيء الساعي بما فيه الزكاة لم يزك الثمن ويستقبل به حولاً بعد قبضه إلا أن
يبيعها فراراً فتلزمه زكاة السائمة، ثم قال مالك: أرى أن يزكي الثمن الآن، وكذلك إن باعها بعد ستة أشهر من يوم ابتاعها أو ورثها فإنه يزكى الثمن لستة أشهر أخرى، وعلى هذا ثبت وهو أحب إلي.
م: يريد: لأن القنية لا تقدح في الماشية فلا تمنع المصدق من زكاتها؛ لأن الزكاة في أعيانها كالدنانير والدراهم فخالفت غيرها مما يقتنى.
قال ابن القاسم: ولو باعها بعد أن زكى رقابها زكى الثمن لتمام حول من يوم زكى الرقاب.
قال ابن المواز: ولم يختلف مالك وأصحابه أنه يزكي الثمن لحول من يوم زكى الرقاب كانت لقنية أو ميراث أو من تجارة، وإنما اختلف قوله فيمن باعها قبل أن يزكيها قبل الحول أو بعده وهي ميراث أو مشتراة لقنية فقال: يأتنف بالثمن حولاً، ثم قال: يزكي لحول من يوم ملكها ولا ترجع إلى أصل حول ثمنها؛ لأن القنية أبطلت زكاة الذهب، وهذا إنما باع بما فيه الزكاة ولم يبع فراراً، وعلى هذا جل أصحابه إلا أشهب فثبت على قوله الأول.
ولم يختلفوا أنها لو كانت للتجارة لرجعت إلى حول أصل ثمنها ويزول حول الغنم، وهو قول مالك ما لم يزك الرقاب قبل البيع، وكذلك لو كانت الموروثة أقل من أربعين وبيعت بعد الحول بما تجب فيه الزكاة أم لا أو بيعت التي زكيت بما لا زكاة فيه فلا زكاة في ثمنها ويستقبل به حولاً عند مالك وأصحابه.
[فصل 4 - فيمن أشترى غنماً للتجارة أو للقنية بعين له بيده شهوراً، وفي الغنم المقتناة تباع بعد أن زكاها]
قال ابن حبيب: لم يختلف مالك وأصحابه أن من ابتاع غنماً للتجارة أو للقنية
بعين له بيده شهوراً أنه يأتنف بالغنم حولاً ثم إن باع المشتراة للتجارة بعد ما زكاها بشهور أنه يزكى الثمن لحول من يوم زكى الرقاب.
م: وهذا كله وفاق لما ذكر محمد.
قال: واختلف قوله في المقتناة تباع بعد أن زكاها، فقال: يأتنف بالثمن حولاً من يوم البيع.
م: هذا خلاف لما تقدم لابن المواز.
قال: ثم قال مالك: يزكيه لحول من يوم زكى الرقاب.
وأخذ بالأول: مطرف، وأشهب، وأخذ بالآخر: ابن كنانة، وابن القاسم، وابن الماجشون وأصبغ، وبه أقول.
وكذلك اختلف قوله في المقتناة، والموروثة يبيعها قبل الحول، وأما التي للتجارة فترجع إلى أصلها لم يختلف فيها قوله، قال: وهذا كله إذا كان ببلد تأتي فيه السعاة، وأما إن كان ببلد لا تأتي فيه السعاة، وباعها بعد الحول فإنه يزكي زكاة السائمة.
[فصل 5 -]
م: فإن قيل: ما الفرق بين من زكى ماله العين ثم اشترى به بعد أشهر نصاب ماشية للقنية أنه يأتنف بالماشية حولاً وبين من زكى ماشيته ثم باعها بعد أشهر بعين فيه الزكاة أنه يبنى على حول الأولى.
قيل: الفرق أن الأصل عندنا في كل من اشترى بالعين شيئاً نواه للقنية فقد أبطل/ حول العين، سواء كان ما اشترى غنماً، أو غيرها، فلذلك استقبل بالماشية حولاً ولم يبن على حول العين؛ لأنه قد بطل، وقاله مالك وأصحابه؛ ولأن الأصل أيضاً فيمن باع شيئاً مقتنى أن يستقبل به حولاً، فلما كانت الماشية لا تقدح فيها نية القنية وأن للساعي أخذ الزكاة منها إذا حل حولها من يوم اشتراها أو ورثها فارقت غيرها من الحيوان والعروض وغير ذلك وخرجت عن حد ما يقتنى فبطل أن يستقبل بها حولاً فلم يكن بد من البناء على حولها، وأشبهت ما لا يباح اتخاذه من أواني الذهب والفضة التي لا تقدح فيها نية القنية، أو كالعين المضروب، مع إجماع مالك وأصحابه على ما ذكره ابن المواز في هذا.
م: ولأن الدنانير لما كانت أثمان الأشياء وبها تقوم المتلفات فإذا أخذها عوضاً من الماشية فهي كالماشية لأنها التي يقضى له بها لو أتلفها كما لو أتلف ما يكال أو يوزن إنما عليه مثله فالقيمة أيضاً كالمثل، فصار إذا أخذ عيناً كأنه بادل غنماً بغنم.
والله أعلم.
م: وقد رأيت لأشهب أنه إذا ابتاع بالعين بعد أشهر من يوم زكاة ماشية في مثلها الزكاة أنه يبني على حول الذهب، فلم يحتج أشهب إلى فرق، وهو قياس واحد.
[مسألة: من باع ماشية دون النصاب لم يزك ثمنها وإن مضى عليها حول إذا كان أصها قنية أو ميراثاً]
ومن المدونة: قال مالك: ومن كانت له أربعة من الإبل فباعها بعد حول لم يزك الثمن ويستقبل به حولاً.
م: يري إذا كان أصلها قنية أو ميراثاً، وهي مخالفة للتي تُزكى.
[فصل 6 - فيمن باع ماشية بجنسها أو باعها بغير جنسها]
قال مالك: ومن باع غنماً بإبل، أو بقراً بغنم بعد أشهر من يوم زكى رقابها فليأتنف بالذي أخذ حولاً من يوم ابتاعها وقد انتقض الحول الأول، لأنهما صنفان لا يُجْمعان في الزكاة، فهو بمنزلة من كان له عين فاشترى به بعد أشهر نصاب ماشية أنه يستقبل بالماشية حولاً من يوم الشراء.
قال: وإن باع جنساً بمثله كغنم بغنم أو بمعز فالثانية على حول الأولى؛ لأن ذلك صنف واحد يضم بعضه إلى بعض في الصدقة والفوائد إلا أن تنقص الثانية عما فيه الزكاة مثل أن يبيع أربعين شاة لها عنده أشهراً بثلاثين شاة فلا زكاة عليه فيها لتمام الحول، وإن باعها بأربعين فأكثر زكاها.
قال ابن المواز: ولم يختلف مالك وأصحابه فيمن باع صنفاً بصنفه من الأنعام أنها على حول الأولى، وكذلك ضأن بمعز، أو معزاً بضأن، أو بقراً بجواميس، أو جواميس ببقر.
م: لأن ذلك مما يجمع بعضه إلى بعض في الزكاة، فأشبه بيع الذهب بالفضة.
قال ابن المواز: فأما إن باع جنساً من ذلك بخلافه فاختلف فيه قول مالك وأصحابه:
فقال ابن القاسم، وأشهب: يأتنف بالثانية حولاً، وهي رواية ابن القاسم عن مالك.
وروى أشهب، وابن وهب، وعبد الملك عن مالك: أنها على حول الأولى.
قال: لأن المواشي كلها واحد فكلما أخذت بماشيتك مما تكون فيه الزكاة قائمة فه على وقت الأولى كما لو أخذت بماشيتك ذهباً، وبه قال ابن وهب وعبد الملك.
وقد تقدم نحوه.
[فصل 7 - فيمن باع غنماً بمال ثم اشترى به غنماً غيرها]
قال ابن المواز: ومن باع ماشية بذهب وسط الحول ثم اشترى به مثلها، فقال ابن القاسم وأشهب عن مالك أنه يأتنف بالثانية حولاً، قال ابن القاسم: وكذلك لو باع غنمه بإبل أو بقر أو عرض فلم يقبض ذلك حتى أخذ به غنماً مثل عدد غنمه التي باع؛ فإنه يستأنف بالغنم الآخرة حولاً؛ لأن حول الأولى سقط حين باعها بما ذكرنا، وصارت الثانية كأنها اشتريت بذلك.
قال: وكذلك لو باع غنمه بذهب ثم استقال منها فرد ثمنها، فإنه يستأنف بها حولاً، وسواء قبض ثمنها أو لم يقبضه، والإقالة بيع حادث، ولم يره مالك في الشفعة بيعاً حادثاً، لتهمتهما عنده أن يكونا أرادا نقض البيع الأول فراراً من الشفعة فيه.
قال ابن المواز: وذهب عبد الملك فيمن باع غنمه بذهب ثم اشترى به مثلها إلى أن يزكى الثانية لحول الأولى، وكذلك لو أخذ بذلك الثمن إبلاً أو بقراً؛ لأنه لم
يخرجها إلا إلى ما فيه الزكاة ثانية ما لم تكن الأولى ذهباً أو ورقاً اشترى/ بها ماشية لقنية أو لتجارة فإنه يستأنف بالماشية حولاً؛ لأن النقود هي أموال الناس.
وذكر عنه سحنون في كتاب ابنه فيمن رفع حباً فزكاه، ثم ابتاع به غنماً بعد اشهر، ثم تم حول من يوم حصاده قال: فليزك الغنم، وخالفه سحنون.
قال: وأما إن قبض عينا في غنم فلا يزكيها إلا لحول، قال سحنون: وقوله في العين صحيح.
م: واختصار هذا الانتقال في العين والمواشى أنه لم يختلف إذا باع جنساً بمثله أو بما يجمع معه في الزكاة أن الثاني على حول الأول، واختلف إن باعه بخلافه مما فيه الزكاة فقيل: يبني على حول الأول، وقيل: يأتنف بها حولاً.
[فصل 8 - فيمن باع غنماً ثم رُدت عليه بعيب بعد حوْل أو أخذها في تقْليس المشتري]
ومن كتاب ابن سحنون: من ابتاع غنماً فأقامت عنده حولاً ثم ردها بعيب قبل مجئ الساعي فزكاتها عى البائع.
م: هذا على قولهم أن الرد بالعيب نقض بيع، وعلى قولهم إنه بيع مبتدأ: يجب أن يستقبل بها حولاً.
قال: ولو ردها بعد أن أدى عنها شاة فليردها ولا شئ عليه في الشاة التي
أخذها المصدق، ولو فلس المشترى فقام الغرماء وجاء الساعي فالزكاة مُبَدأة، وما بقي للغرماء، وكذلك الحائط يُشتْرى بثمره فيأتي المصدق وقد طابت الثمرة فالمصدِّق مبدأ، ولو طلب بائع الغنم أخْذَ الغنم في التقليس فليأخذ المصدِّق شاة، ثم للبائع أخْذُ الغنم ناقصة بجميع الثمن إن شاء، ويكون ما أخذ المصدق منه.
ولو هرب المشتري بالغنم عن السّاعي وهي أربعون، ثم جاء في السنة الثانية وقد فلس فليأخذ الساعي منها شاة، وتكون من البائع إن استرجع الغنم، ولا شئ له عليه في السنة الثانية ولا على المبتاع، وإن لم يأخذها البائع كان على المشتري فيها شاتان، يريد: على مذهب سحنون؛ لأنه ضامن لها فصارت الشاة الأولى في ذِمته.
[فصل 9 - فيمن باع ماشيته بعد الحول قبل مجئ الساعي فراراً من الزكاة]
ومن المدونة: قال مالك: ومن باع بعد الحول نصاب إبل بنصاب غنم هرباً من الزكاة أخذ منه المصدق زكاة ما أعطى، وإن كان زكاة الذي أخذ أفضل؛ لأن ما أخذ لم يجب فيها بعد زكاة.
قال: ولو باعها غير فار فلا شئ عليه إذْ حوْلها مجئ الساعي، ويستقبل بالتي أخذ حولاً، ولو باعها بعد الحول بدنانير زكي الثمن الآن إن لم يبع فراراً.
قال ابن القاسم: والدنانير مخالفة لما سواها مما بيعت به هذه الإبل.
قال: وإن قبض الثمن بعد أعوام زكاه لعام واحد، وإن أخذ الثمن ثم أقرضه زكاه لعامين.
م: ذكر عن أبي القاسم بن الكاتب القروي في مسألة من باع غنماً هرباً من الزكاة قال: إنما يعد هارباً متى باع بعد الحول، فأما إن باع قبل الحول لم يراع فراره من غيره؛ لأنه لم يجب عليه شئ حين بيعه، وليس كمسألة الخليطين إذا اختلطا عند الحول أو قربه أن ذلك لا ينفعهما؛ لأن هؤلاء قد بقيت مواشيهم في أيديهم حتى حال الحول
عليها، والذي باع قبل الحول ليس في يده شئ بعد الحول، فلذلك افترقا.
والله أعلم.
م: وليس ذلك بصواب لأن بيعها بعد الحول قبل مجئ الساعي مثل بيعها قبل حولها إذْ حولها مجئ الساعي فلا فرق؛ ولأن المتخالطين إنما ألزما حكم الافتراق لأنهما أرادا بذلك إسقاط شئ من الزكاة، والفارّ إنما أراد إسقاط الزكاة، كلها، فهذه هي العلة الجامعة بينهما؛ ولأنه أراد أخذ ما وجب للمساكين فمنعه كمنع القاتل الميراث الذي لم يجب له بعد وأراد تعجيله.
[الباب الثامن]
في زكاة فائدة الماشية، وذكر شيء من فائدة العين
[فصل 1 - من أفاد ماشية بشراء أو ميراث أو غيره فلا يزكي إلا بعد الحول ومجيء الساعي].
والسنة أن لا زكاة على من عنده ماشية في مثلها الزكاة إلا بعد حول من يوم ملكها، ملكها بشراء، أو ميراث، أو غيره، مع مجيء الساعي، وحول نسلها حول الأمهات.
قال مالك: ومن مات عن ماشية بعد الحول قبل مجيء الساعي لم يلزمه ولا وارثه شيء حتى يأتي حول من يوم ورثها الوارث فيزكيها الساعي حينئذ، وإن كانا وارثين في الماشية فهما كالخليطين لا زكاة على من لا زكاة في حظه، ولو كانا قد اقتسماها فعلى كل واحد ما يلزمه.
قال: ولو مر به الساعي قبل حول من يوم ورثها فلا شيء عليه لتمام حوله حتى يمر به من عام قابل فيأخذ منه/ لعام واحد، وهذا كله إذا لم يكن للوارث نصاب ماشية.
قال في غير «المدونة»: ومن مر به الساعي فزكى غنمه ثم مات فورثه وارث فضمها إلى نصاب له عنده حول فمر به الساعي فليزك ما ورث مع ماشيته
لأنهما ملكان مختلفان.
[فصل 2 - فائدة الماشية تزكي على حول الأولى إن كانت الأولى نصاباً]
ومن المدونة: قال مالك: ومن أفاد غنما إلى غنم، أو بقراً إلى بقر، أو إبلا إلى إبل بإرث، أو هبة، أو شراء، زكى الجميع لحول الأولى إذا كانت الأولى نصاباً تجب فيها الزكاة، وسواء ملك لثانية قبل تمام حول الأولى بيوم أو بعد محلها قبل قدوم الساعي، وإن كانت الأولى أقل من نصاب أستقبل بالجميع حولاً من يوم أفاد الآخرة إلا أن تكون الفائدة من ولادتها فيزكي الجميع لحول الأولى نصاباً كانت الأولى أم لا.
وقال الشافعي: إذا لم تكن الفائدة نتاجاً استقبل بها حولاً كفائدة العين، وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم.
[فصل 3 -]
م: والفرق بين فوائد المواشي وفوائد العين الضرورة التي تلحق الساعي في تردده، فكان العدل في ذلك أنه إذا أضاف الفائدة إلى نصاب زكي لحول الأولى، وإن اضافها إلى أقل من نصاب زكى الجميع لحول الثانية فخفف عنه تارة وثقل أخرى للضرورة في
تردد الساعي كما فعلوا في تخلف الساعي سنين أنه يزكي ما وجد بيده لسائر السنين وقد تكون في سائر السنين كثيرة واليوم هي قليلة فخفف عنه أو كانت في سائرها قليلة واليوم كثيرة فثقل عليه ها هنا؛ لأن الزكاة موكولة إلى النظر إلى أرباب الأموال والفقراء، فإذا لحق أحد الفريقين رفق أو تثقيل نظر للفريق الآخر بمثله، فلما كان إذا كان عنده أقل من نصاب لم يضم ما أفاد إليها، وفي ذلك رفق لربها وضرر على المساكين، فكذلك إذا كان عنده نصاب ضم ما أفاد إليها فكان فيه رفقاً بالمساكين وضرراً بربها فأشبه ذلك الخُلْطة وتخلف الساعي في أنها تارة تخفف، تارة تُثقَّل.
[فصل 4 - من لا يأتيه السعاة لِبُعْدِه يزكي كل فائدة لحولها]
ولو كان ممن لا يأتيه السعاة لبعده ولا يستطيع جلبها إليهم لزكى كل فائدة لحولها كزكاة العين؛ لأنه ساعي نفسه، ولا ضرورة تلحق أحداً في ذلك، وقاله أبو محمد بن أبي زيد.
وفي كتاب ابن سحنون ما يؤيد ذلك قال- فيمن ورث إنما فمضى له حول، ومر الساعي بالناس وهو لا يمر به- فليزكها حينئذ، ويكون ذلك حوله؛ لأنه ساعي نفسه، وتصير كزكاة العين.
م: وقال بعض أصحابنا عن بعض شيوخ القرويين أنه يضيف الفائدة الآخرة إلى الأولى ويزكيَ على حول الأولى مثل بلد فيه السعاة.
وفي المستخرجة ما يدل أنه يضيف الفائدة الآخرة إلى الأولى ويزكي لحول الأولى مثل بلد فيه السعاة.
والذي في المستخرجة: قال أصبغ عن بعض المصريين فيمن له نصاب ماشية فأفاد إليها غنماً كثيرة فنقص النصاب قبل حوله عما فيه الزكاة فلا يزكيه إلا مع حول الفائدة الآخرة إلا أن تزيد الأولى بولادة فيتم عدد الزكاه فليزكها مع الثانية لحول الأولى، وكذلك لو أفاد الثانية إلى غير نصاب ثم تناسلت الأولى قبل حولها فتمت نصاباً فليزكها لحولها مع الفائدة الآخرة.
وأصل هذا أن ينظر إلى الغنم الأولى فإن كانت الزكاة تجب فيها فليزك معها الفائدة، وإن كانت لا تجب فيها سقطت الزكاة عن الفائدة، ويزكي الجميع لحول الفائدة، إلا أن تكون ممن يأتيك الساعي، فتؤخر زكاتك إلى مجيئه.
ونحوه في المجموعة وكتاب محمد في زيادة النصاب ونقصه خاصة.
[فصل 5 - ما هلك من المال بعد الحول وقبل الأخذ منه من غير تفريط سقطت زكاته]
ومن المدونة: قال مالك: ومن كانت له مئتا شاة وشاة فهلكت منها واحدة بعد نزول الساعي قبل العدد لم يأخذ غير شاتين، ولو كانت له أربعون شاة فنقصت واحدة قبل الحول بيوم ثم أفادها من يومه إئتنف بالجميع حولاً إلا أن تكون من ولادتها فليزك الجميع لحول الأولى.
[فصل 6 -]
قال: ومن أفاد جنساً إلى غيره كإبل إلى غنم، والأولى نصاب أم لا، فكل صنف على حوله بخلاف الجنس الواحد.
[فصل 7 - في زكاة الفائدة إذا كانت دية أو صداقاً]
قال مالك: ومن وجبت له إبل في دية فقبضها بعد أعوام فليأتنف بها حولاً من يوم يقبضها، وكذلك المرأة تنكح على إبل مضمونة، فإن تزوجت على إبل أو غنم بأعيانها أو على نخل فأثمرت فالزكاة في ذلك عليها وإن لم تقبضها، ولو قبضتها بعد حول زكت ذلك مكانها ولم تؤخره لأنها قد ملكتها من يوم عقد النكاح، وضمانها منها، والتى بغير أعيانها ضمانها من الزوج حتى تقبضها فلذلك استقبلت بها حولاً.
فصل/ [8 - في زكاة المال المستفاد إذا كان إرثاً بيد الوصي]
قال مالك: وإذا هلك رجل وترك بنين كباراً كلهم أو كباراً وصغاراً وأوصى إلى رجل فباع الوصي تركته، وأقام المال بيده ما شاء الله فلا زكاة على أحد منهم حتى يقتسموا، فيستقبل الكبار بحظهم حولاً بعد قبضه، ويستقبل الوصي للصغار بحظهم حولاً من يوم القسم، وإن كانوا صغاراً كلهم كان الوصي قابضاً لهم، ويستقبل لهم حولاً من يوم نض الثمن في يديه.
[فصل 9 - الماشية إذا ورثها وحال عليها الحول وجبت زكاتها وإن لم يقبضها، بخلاف الدنانير]
قال: ومن ورث مالاً نصاباً غائباً عنه فقبضه بعد أعوام فليستقبل به حولا بعد
قبضه وكذلك لو وكل من يقبضه فليستقبل به حولاً بعد قبض الوكيل وإن لم يصل إليه بعد.
قيل: فلو ورث ماشية تجب فيها الزكاة فحال عليها الحول قبل أن يقبضها وهى في يد وصي أو غيره؟ قال: عليه زكاتها وإن لم يقبضها بخلاف الدنانير.
والفرق بينهما أن الغنم لا يسقطها الدين، والعين يسقطه الدين فلا ينبغي أن يزكي عليه وهو غائب خوفاً أن يكون مدياناً أو يرهقه دين قبل مجئ السنة.
وقال سحنون: الدنانير في ضمانه من يوم ورثها كالماشية ولكن لا تزكى خوفا أن يكن مدياناً فإذا قبضها ولا دين عليه زكاها لماضي السنين.
وقد تقدم قي الزكاة الأول إيعاب هذا.
[الباب التاسع]
في من أوصى بزكاة ماله من ماشية أو عين، وذكر شئ من التبدية في الوصايا.
[فصل 1 - فيمن له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها قبل مجئ الساعي وأوصى بزكاتها]
قال مالك: ومن له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها قبل مجئ الساعي وأوصى بزكاتها فهي من الثلث غير مبدأة، وعلى الورثة أن يفرقوها في المساكين الذين تحل لهم الصدقة وذكرهم الله في كتابه، فلهم أوصى الميت، وليس للساعي قبضها؛ لأنها لم تجب على الميت، وكأنه مات قبل حولها إذ حولها مجئ الساعي مع مضي عام.
م: وذهب ابن حبيب إلى أن من مات وقد حال الحول على ماشيته ولم يأته الساعي أن زكاتها واجبة على ورثته كزكاة الحبوب والثمار.
والفرق عند مالك وأصحابه في ذلك قوله عز وجل: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) فقد أوجب الله عز وجل زكاته بطيابه، فإذا مات بعد الطياب فقد مات بعد وجوب الزكاة عليه، وأوجبت السنة أن لا زكاة في الماشية إلا بعد الحول، وبعد قدوم الساعى، فإذا مات قبل قدوم الساعي فقد مات قبل حولها، وكما لو ماتت الماشية بعد الحول قبل قدوم الساعي أنه لا يجب عليه زكاتها، فكذلك موته حينئذ لأنه مات قبل حولها.
ومن المدونة: وإنما يبدأ في الثلث ما كان فرط فيه من زكاة العين وأوصى به فإنه يُبدأ على ما سواه من الوصايا من العتق والتدبير في المرض وغيره إلا المُدَبر في الصحة،
وإن لم يوص بإخراج زكاة العين لم يلزم لورثة إخراجها إلا أن يشاءوا.
قال: ولو حل عليه في مرضه زكاة العين أو أتاه مال غائب فأمر بزكاته فذلك في رأس ماله لأنه لم يفرط، قال ابن القاسم: وإن لم يوص بها، أمر بذلك الورثة ولم يجبروا.
وأشهب يقول: هى من رأس ماله أوصى بها أو لم يوص.
م: وإنما كان ما فرط فيه من الثلث وما حل عليه في مرضه من رأس المال؛ لأن ما فرط فيه لا يعلم صدقه فيه، وممكن أن يكون أخرجه وأراد الضرر بالورثة بالصدقة من رأس ماله وهو لا سبيل له إلى رأس ماله في مرضه فمنع من ذلك، وجعلت في الثلث مُبَدأه، وقوي أمرها على سائر الوصايا؛ إذ يمكن أن يكون صدق وهو لو علم صدقه يقيناً لكانت من رأس ماله، وأما ما حل عليه في مرضه فقد بان صدقه فيه فكان من رأس ماله؛ لأن الزكاة فريضة وجبت عليه.
قال مالك: وإن أوصى بزكاة وجبت عليه، وبعتقٍ من ظهار، وقتل نفس فضاق الثلث، بدي بالزكاة ثم/ العتق الواجب من الظهار وقتل النفس، ولا يُبدأ أحدهما على صاحبه.
م: وقيل: يبدأ بقتل النفس.
م: وإنما قدمت الزكاة عليهما؛ لأن العتق في ذلك منه عوض عند العدم وهو الصيام ثُم الإطعام في الظهار، ولا عوض في الزكاة فقدمت لهذا.
واختلف في معنى قوله في العتقين: ولا يبدأ أحدهما على صاحبه فقيل: يقرع بينهما فأيهما خرج له السهم اشتريت له الرقبة، وقيل: بل يتحاصان فما ناب الظهار أطعم به وما ناب القتل شورك به في رقبة، ووجه قول من قال يبدأ بقتل النفس لأنه لا عوض منه في المال، وعتق الظهار منه عوض الإطعام.
قال: والعتق في الظهار وقتل النفس يبدأن على عتق التطوع لوجوبهما، والعتق التطوع يبدأ على ما سواه من الوصايا.
وقد روى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتبدية العتق على الوصايا، وقد تقدم في الصوم ترتيب ما يبدأ، وفي الوصايا إيعابه.
م: وبلغني عن بعض شيوخنا فيمن كان ببلد لا سعاة فيه، فيحل حوله ثم يموت، فيوصي بإخراج زكاته أنها من رأس ماله، لأنه ساعي نفسه، وإن لم يوص لم يلزم ورثته إخراجها كزكاة العين تحل في مرضه، وهي بخلاف زكاة الثمار تطيب ثم يموت ولا يوصي بإخراج زكاتها تلك في رأس المال وأوصى بها أو لم يوص إذ قد يكون في الماشية والعين أنه أخرج الزكاة عنهما من غير علم الورثة فلا يلزم الورثة أداؤها حتى يوصي، والثمار إنما تؤدى زكاتها عند جذاذها فقد بان أنه لم يخرجها فذلك مفترق.
: وأشهب يري في زكاة العين تحل في مرضه، وفي زكاة الفطر أن ذلك من رأس ماله أوصى بذلك او لم يوص كزكاة الثمار تطيب ثم يموت ولا يوصي بإخراج زكاتها.
م: وذلك قياس واحد.
وقال ابن حبيب: من حلت عليه في مرضه زكاة ثمر أو حب فمات ولم يوص بإخراجهما، فإن جذ ذلك وحصده ولم يضم ذلك إلى بيته أخرج ذلك من رأس ماله وإن لم يوص بها، وأما إن ضمها إلى بيته فهي كزكاة ناضة إن كان ببلد لا ياتيه السعاة لزكاة الثمر والحب وكان صاحبه يلي تفرقته، فإن لم يوص بها أمر الورثة بإخراجها ولم يجبروا، وإن أوصى بها فهي من رأس ماله، وإن كان ببلد تأتيه السعاة فهي مأخوذة بكل حال؛ لأن وقتها لم يفت، ثم يورث ما بعدها، وإن حل عليه في مرضه زكاة ماشية فهي مأخوذة من رأس ماله أوصي بها أو لم يوص؛ لأن الفريضة التي وجبت فيها قائمة، وليس تركه إخراجها، أو الوصية بها كتركة ذلك في زكاة الناض وفي زكاة الحب.
والثمر إذا ضمه إلى بيته؛ لأن ذلك مضمون بالغيبة عليه، والماشية حيوان لا يغاب عليه.
م: يريد ابن حبيب فى الماشية إذا كان ببلد لا يأتيه السعاة فهو ساعي نفسه، وأما لو كان ببلد يأتيه السعاة فالزكاة لا تجب عليه إلا بمجئ الساعي فإذا كان الأمر كذلك فهو خلاف لما ذكره بعض شيوخنا فاعلم لك.
م: وتحصيل اختلاف ذلك أنه لا خلاف في زكاة الحب والثمار يموت ربها وقد طاب ولم تجذ أو جذ ولم يدخله بيته ويغيب عليه أن زكاة ذلك في رأس ماله وإن لم يوص به، واختلف في زكاته إذا أدخله بيته، وفي زكاة العين وزكاة الفطر وزكاة الماشية وهو ساعي نفسه يَحُل ذلك كله في مرضه ثم يموت فقيل: عليه زكاته أوصى به أو لم يوص به، وقيل: لا شئ عليه إلا أن يوصي ويؤمر الورثة بإخراجها ولا يجبروا.
قال ابن حبيب: وكل ما فرط فيه من زكاة ماشية أو حب أو عين فإن ذلك في ثلثه إن أوصي به مُبِدة عند ابن القاسم على كل شئ إلا المدبر في الصحة، وقال ابن
الماجشون: لا يُبدا على مالا يقدر الموصي أن يرجع عنه من/ عتق قتل أو تدبير في مرض أو صحة، وبه أقول.
والصواب عندنا قول ابن القاسم لما قدمتا، والله الموفق للصواب.
[الباب العاشر]
في وقت خروج السعاة وتصديقهم للناس
[فصل:- السنة أن يبعث الإمام من يقبض زكاة الحرث والماشية]
وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء يبعثون سعاة تقبض زكاة الحرث والماشية، وقال رجل: يا رسول الله: إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم إذا أديتها إلى رسولي برئت منها ولك أجرها، وإثمها على من بدلها)).
[فصل:2 - في وقت بعث السعاة]
ومن المدونة: قال مالك: وسنه السعاة أن يبعثوا قُبلَ الصيف وحين تطلع الثريا ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم؛ لأن في ذلك رفقاً للناس في اجتماعهم على الماء وعلى السعاة، لاجتماع الناس.
قال مالك: ولا أحب لصاحب الماشية أن تنزل السعاة عنده ولا يعيرهم دوابه يريد: خيفة التهمة أن يخففوا عنه، قال: وشرب السعاة الماء من منازل أرباب الماشية
خفيف.
[فصل: 3 - في خروج السعاة في سنة الجدب]
وقال عنه أشهب- في المجموعة وكتاب محمد-: يبعث السعاة في كل سنة إلا في سنة شديدة الجدب فلا يبعثوا؛ لأنه يأخذ مالا يجلب وإن بيع فلا ثمن له، وقال عنه ابن وهب: لا تؤخر الصدقة وإن عجفت الغنم.
قال ابن شهاب: وقد بعث الخلفاء السعاة في الخصب والجدب.
قال ابن المواز: روى أصبغ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لاثنيا في الصدقة))
وتفسيره: لا تؤخر الصدقة عن عامها عند أهلها لجدوبة ولا عجوفة حتى تثنى، ولو كانت ذوات عوار، أو تيوس كلها، كان عليه أن يأتي بما يجزى عنه، إلا أن يرى المصدق أخذ ذلك.
قال ابن المواز: والعجاف مثل ذلك، يأتيه بصدقتها من غيرها مما يجوز في الصدقة.
وقد تقدم هذا.
ومن المدونة: قال مالك: ومن مر به الساعي وفي ماشيته ما تجب فيه الزكاة فقال: إنا أفدت غنمى منذ شهر ونحوه صدق مالم يظهر كذبه.
أبو محمد: زاد أبو زيد: ويحلف.
وقال مالك: لا يحلف، وقد أخطأ من يحلف الناس من السعاة.
قال مالك: وإذا كان الإمام عدلاً مثل عمر بن عبد العزيز فلا يخرج أحد زكاته حتى يأتيه المصدق فإن أتاه فقال: قد أديتها لم يقبل قوله ولياخذه بها.
وقال أشهب: لا شئ عليه إلا أن يتهم بمنع الزكاة.
قال مالك: وإن كان الإمام غير عدل فليضعها مواضعها إن خفي له ذلك وأحب إلى أن يهرب بها عنهم إن قدر، فإن خاف أن يأتوه ولم يقدر ان يخفيها عنهم فليؤخر ذلك حتى يأتوه، فإن أخذوها منه أجزأه.
ابن مهدي: وإن أبا سعيد الخدري وسعد بن مالك وأبا هريرة وعبد الله بن عمر قالوا: يجزيك ما أخذوا.
قال الحسن وأنس: ما أعطيت في الطرق والجسور فهو صدقة.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عيه وسلم قال: ((أما والله لولا أن الله قال: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بها) ما تركتها جزية عليكم تؤخذون بها بعدي، ولكن أدوها إليهم فلكم برها وعليهم إثمها)) ثلاث مرات.
قال ابن وهب: وأمر بدفعها إلى السلطان الصحابة والتابعون.
قال ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: وإن أخذها منه الساعي قبل محلها
لم تجزه.
وقال ابن القاسم: إن أخذه بزكاة زرعه بعدما يبس أو بزكاة غنمه أو ماله قبل محله فإن كان بقرب محلها أجزأه، والزرع أبينه.
وبعد هذا باب فيه من معاني هذا الباب.
[الباب الحادي عشر]
جامع القول في زكاة ماشية الخلطاء
[فصل 1 - الخلطة في الماشية مؤثرة ومشروعة]
وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية/، ولا يجمع بين مفترقين ولا يفرق بين مجتمعين خشية الصدقة)).
أشهب: وكذلك قال عمر بن الخطاب: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)).
قال بعض العلماء من أصحابنا: الخليط في الغنم: الذي لا يشاركه صاحبه في الرقاب.
ويخالطه في الاجتماع والتعاون، قال مالك: وغنمه معروفة من غنم صاحبه.
والشريك: المشارك في الرقاب ولا يعرف غنمه من غنم صاحبه، وله حكم
الخليط، فكل شريك خليط، وليس كل خليط شريكاً.
[فصل 2 - في أوجه الخلطة، وهل من شرطها اجتماع جميع صفاتها؟]
ومن المدونة: قال مالك: ومما يوجب الخلطة أن يكون الراعي والفحل والدلو والمراح والمبيت واحداً، فهذه أوجه الخلطة.
قال ابن القاسم: وأوجه الخلطة إذا لم تكن كلها وانخرم بعضها لم يخرجهم ذلك من الخلطة، ولو جمعها الراعي والدلو والمراح والفحل وافترقت في المبيت والحلاب في دور أو قرى مفترقة ويجمعها راعِ واحد أو رعاة فهم خلطاء، وقد ضعف مالك المبيت، ولو فرقها الدلو واجتمعت فيما سواه فهم خلطاء، وهذا أهون من تفرقة المبيت، وكذلك لو كان راعي هؤلاء أجرته عليهم خاصة، وراعي الآخرين أجرته عليهم خاصة، وهم يتعاونون فيها فهم بمنزلة الراعي الواحد إن كان أربابها جمعوها أو أمروا الرعاة بجمعها فجمعوها حتى كان المراح والدلو والمسرح واحداً فهم خلطاء.
قال ابن القاسم في العتبية: ولا يكونوا خلطاء حتى يجتمعوا في جل ذلك.
قال الأبهري: لا يجزي عندي اقل من وجهين من أوجه الخلطة.
وقال ابن حبيب: أصل الخلطة الراعي فإذا جمعها الراعي اجتمعت في أكثر ذلك، وإن فرقها الراعي فليسوا بخلطاء وإن جمعها المرعى.
ومعنى الفحل واحد: أن يضرب فحل كل واحدة الأخرى.
ومن المدونة: قال مالك: وإن فرقها الدلو وسط السنة وجمعها في طرفيها فهم خلطاء، وكذلك الفحل إذا كان الدلو والمراح واحداً.
قال مالك: وإن لم يختلطوا إلا في شهرين من آخر السنة فهم خلطاء، وإنما يُنظر إلى آخر السنة لا إلى أولها.
قال ابن القاسم: وإن اجتمعت في آخر السنة أقل من شهرين فهم خلطاء مالم يقرب الحول جداً فيصير إلى الحديث الذي نهي فيه ألا يجمع بين مفترق لا يفرق بين مجتمع.
قال ابن المواز: وكذلك أقل من شهر مالم يقرب الحول جداً.
وقال ابن حبيب: لا يجوز بأقل من شهر.
ومن المدونة: قال ابن وهب: قال مالك: وتفسير لا يجمع بين مفترق: أن يكون ثلاثة لكل واحد أربعون شاة فإذا أظلهم الساعي جمعوها ليؤدوا شاة واحدة.
والتفريق بين مجتمع: أن يكونا خليطين لكل واحد منهما مئة شاة وشاة، ففيها ثلاث شياه فإذا أظلهما الساعي إفترقا ليؤديا شاتين فنهوا عن ذلك.
قال عبد الوهاب: فإذا ثبت المنع فمتى فعل لم يؤثر ذلك في حكم الزكاة وأخذوا بما كانوا عليه قبل ذلك؛ لأن في ذلك ذريعة إلى نقص الزكاة وضرراً بالفقراء، ولذلك قلنا إن من أبدل عينة بعين مثلها، أو ماشية بماشية من صنفها أن ذلك لا يسقط عنه الزكاة ولا تعد الثانية الآن مشتراه وليبنِ على حول الأولى، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن ذلك ذريعة إلى إسقاط الزكاة، ولذلك قلنا: إذا بادل صنفاً بخلافه فراراً من الزكاة فليأخذه المصدق بزكاة ما كان عنده.
ومن المدونة: قال مالك: والخليطان في الإبل والبقر والغنم سواء، قال ابن القاسم: فإذا بلغت إبلهما عشرين ومائة أخذ منها حقتين، فإن كان لأحدهما خمس من الإبل، وللآخر خمس عشرة ومئة فأخذ الساعي منهما حقتين فليترادا قيمتهما على أربعة وعشرين جزء، على صاحب الخمس جزء منها وهو ربع السدس، وما بقي فهو على الآخر.
قال مالك: وإذا كان لأحدهما تسع/ من الإبل وللآخر خمس فعلى كل واحد شاة، ثم رجع مالك فقال: يترادان في الشاتين للخلطة.
م: وهو الصواب للحديث، وإنما اختلف قول مالك؛ لأنه رأى أن الإفتراق
عليهما والإجتماع سواء، وأما لو كان لأحدهما ست وللآخر تسع فلا يختلف قوله في ذلك أنهما يترادان؛ لأن اجتماعهما أوجب عليهما ثلاث شياة، وفي الافتراق شاتين، فمتى تغير الحكم باختلاطهما فلا يختلف فيه قول مالك أنهما يترادان.
وبلغني ذلك عن بعض شيوخنا.
[فصل 3 - الخلطة تصح في الماشيتين إن كانتا مما يضم إحدهما إلى الأخرى في الزكاة]
ومن كتاب ابن سحنون: ولا بأس أن يختلطا لهذا ضأن ولهذا معز ثم يأخذ المصدق منهما كما ياخذ من الرجل الواحد، فإن كان فيها شاة أخذها من الأكثر عدداً، ثم يترادان فيما أخذ، ولا يقال: إن صاحب ضان زكى بمعز ولا صاحب معز زكى بضأن؛ لأنهما كرجل واحد.
وقال في غيره: وكذلك في البقر والجواميس، والبخت مع الإبل العراب.
[فصل 4 - يعتبر النصاب في حصة كل واحد من الخلطاء]
ومن المدونة: قال مالك: وإن كانوا ثلاثة: لواحد خمسون شاة، ولآخر أربعون، ولآخر واحدة وهم خلطاء، فأخذ الساعي منهم شاة فهي على صاحبي التسعين على
تسعة أجزاء ولا شيء على صاحب الواحدة إذ لم يضرهما فإن أخذها الساعي غرماها له على تسعة أجزاء: خمسة على صاحب الخمسين، وأربعة على صاحب الأربعين.
م: فإن كانت هذه الشاة شاة لحم رجع عليهما بشاة وسط؛ لأن الساعي ظلمه وأخذ زيادة على حقه، قاله بعض شيوخنا، قال: ولو كانت هذه الشاة معيبة لا تؤخذ في الزكاة لم يرجع على صاحبيه بشيء، لأن الزكاة باقية عليهما، وهما مأموران بإخراجها.
م: وهذا إذا كانت لا تجزي بحال؛ لأنها عجفاء أو سخلة، وأما إن كانت من ذوات العوار ورأى الساعي أخذها نظرًا فهي تجزيهما ويغرمان له قيمتها، والله أعلم.
ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: وإن كان لأحدهما ألف شاة أو أقل، وللآخر أربعون شاة أو أكثر فهما خليطان يترادان بالسوية، وقاله ابن أبي سلمة.
قال ابن القاسم: ولو كان لواحد أربعون وللآخر ثلاثون فأخذ الساعي شاة فهي على رب الأربعين وحده، ولا شيء على صاحبه؛ لأنه لم يدخل عليه مضرة.
قال مالك: ولا يكونا خليطين حتى يكون لكل واحد من الماشية ما تجب فيه الزكاة، ومن لم يبلغ حظه ذلك فلا زكاة عليه، والزكاة على من بلغ حظه ذلك خاصة ولا تحسب عليه غنم خليطه، فإن لم يبلغ حظ واحد منهما منفردًا ما تجب فيه الزكاة وفي اجتماعهما عدد الزكاة فلا زكاة عليهما فإن تعدى الساعي فأخذ منهما شاة من غنم أحدهما فليترادا فيها على عدد غنمهم يعني كقضاء قاض بقول قائل، وهو قول ربيعة.
ومن العتبية قال ابن القاسم في خلطاء أربعة لكل واحد عشر شياة فيأخذ الساعي منهم شاة فليترادوها على عدد غنمهم، ولو أخذ شاتين من غنم أحدهم فالواحدة مظلمة وقعت عليه ويترادون الواحدة.
قال سحنون: فإن تفاضلت الشاتان تحاصوا في الدنية، وقال قبل ذلك: في نصف قيمة كل واحدة.
م: وهذا أعدل إلا أن تكون الدنية لا تجزي فليتحاصوا في الأفضل إلا أن تكون الأفضل شاة لحم فليتحاصوا في شاة وسطة.
قال ابن القاسم: وإن أخذ الشاتين من غنم رجلين كانت نصف شاة من كل