كتاب الإباق
[الباب الأول] في حبس الآبق والجعل عليه، وكيف إن أطلقه من أخذه أو أبق منه، واعتراف سيده به وهو في السجن أو بعد بيع السلطان له، ومسائل مختلفة منه.
[(1) فصل: في حبس الآبق]
قال مالك: لم أزل أسمع أن الآبق يحبس على ربه سنة، ثم يباع.
ومن أخذ آبقاً رفعه إلى الإمام، يوقفه سنةً وينفق عليه ويكون فيما أنفق عليه كالأجنبي، فإن جاء صاحبه، وإلا باعه وأخذ من ثمنه ما أنفق، وحبس بقية الثمن لربه في بيت المال.
قال سحنون في غير المدونة: لا أرى أن يوقف سنةً، ولكن بقدر ما يتبين أمره ثم يباع، ويكتب الحاكم صفته عنده حتى يأتي له طالب.
م: وهو الصواب؛ لأن النفقة عليه سنة ربما أذهبت ثمنه، ولكن الحكام يجتهد في تعريفه، ثم يبيعه، ويوقف بقية الثمن لربه، وذلك أنفع له.
وقال أشهب: إطلاقه أنفع لربه؛ لأن ربه قد يجده، وإذا حبسه وأنفق عليه، فقد تستغرق نفقته ثمنه.
ومن كتاب الآبق: وأمر مالك ببيع الأباق بعد السنة، ولم يأمر بإطلاقهم يعملون ويأكلون، ولم يجعلهم كضوال الإبل؛ لأنهم يأبقون ثانية.
قال مالك في سماع أشهب في الآبق: إذا عرف به، فلم يعرفه أحدٌ، فليخله خيرٌ من أن يبيعه، فيهلك ثمنه ويؤكل، أو يحبس فلا يجد من يطعمه.
الجزء: 18 - الصفحة: 212
م: قال في ضالة الخيل والدواب: يعرفها، فإن جاء ربها أخذها، وإن لم يأت تصدق بها، يريد: أو بثمنها، وقال في الآبق: يحبسه سنةً، فإن جاء صاحبه، وإلا باعه، وأخذ من ثمنه ما أنفق عليه وحبس بقية الثمن لربه، والفرق: أن الآبق إنما باعه الإمام، والحكم فيما باعه الإمام: أن يوقف ثمنه لربه في بيت المال، والخيل وغيرها من الدواب، الملتقط هو الذي أوقفهم عنده، فلذلك قال: يتصدق بهم أو بأثمانهم، ولو رفعهم إلى الإمام فباعهم الإمام بعد الاستيناء لأوقف بقية أثمانهم كالآبق.
قاله بعض أصحابنا.
[(2) فصل: في الجعل على الآبق وكيف إن أطلقه من أخذه أو أبق منه]
ومن كتاب الآبق: قيل: هل لمن وجد آبقاً خارج المصر جعل إن طلبه؟ قال: قال مالك: فيه:- ولم يذكر خارج المصر أو داخله- إن كان ذلك شأنه يطلب الضوال كذلك ويردها، فله الجعل بقدر بعد الموضع الذي وجده فيه أو قربه، وإن لم يكن ذلك شأنه، وإنما وجده فأخذه فلا جعل له، وله نفقته.
قال مالك: ومن أخذ آبقاً، فأبق منه فلا شيء عليه، وإن أرسله بعد أن أخذه ضمنه.
قال عبد الله بن عبد الحكم: ولو خلاه بعد أن أخذه لعذر خاف أن يقتله أو يضر به، فلا شيء عليه، وإن أرسله لشدة النفقة، فهو ضامنٌ.
الجزء: 18 - الصفحة: 213
قال أشهب في كتبه: وإن أرسله في حاجة فأبق؛ والحاجة يوبق في مثلها، فهو ضامنٌ، وأما حاجة خفيفة في قربه، فلا شيء عليه.
قال ابن نافع: من أخذ آبقاً فقال: أبق مني، فليكشف أمره، فإن كان من أهل التهم، فإن ظهر أنه أطلقه ضمن، وإلا لم يضمن، وجعل له على طلبه جعل أم لم يجعل.
قال ابن الماجشون: إذا قال: انفلت مني، لم يكلف بينة على ذلك، وليحلف لقد انفلت منه من غير تفريط ولا إضاعة.
[(3) فصل: في اعتراف السيد بالآبق]
ومن كتاب الآبق قال مالك: ومن اعترف آبقاً عند السلطان وأتى بشاهد، حلف معه، وأخذ العبد.
قال مالك: ولا يستحلف طالب الحق مع شاهدين- يعني: في المال- وإن ادعى أن هذا الآبق عبده، ولم تقم بينة، فإن صدقه العبد دفع إليه.
يريد: بعد التلوم ويضمنه إياه.
قال أشهب في كتبه: بعد أن يحلف مدعيه، ثم إن جاء له طالب لم
الجزء: 18 - الصفحة: 214
يأخذه إلا ببينةٍ عادلةٍ، وإن أقر له العبد بمثل ما أقر به للأول من الرق.
قال سحنون في كتاب ابنه: وإن أقر له العبد بمعرفته، فليدفعه إليه، ولا يكلفه بينةً؛ إذ لا خصم له فيه إلا أن يأتي بحدثان ما صار إلى الحاكم، فيتلوم له قليلاً خوفاً أن يأتي له طالبٌ غيره، فأما إن مكث أياماً في الحبس فهذا تلومٌ، وإن طال مقامه في الحبس فهو أبين أن يدفعه إليه، ولا يتلوم له؛ لأن طول سجنه تلوم، ثم رجع سحنون، فقال: لا يدفع إليه إلا ببينةٍ عادلةٍ، طال مكثه أو لم يطل.
ومن كتاب الآبق: وقال مالك في متاع وجد مع اللصوص يدعيه قومٌ لا يعرف ذلك لهم إلا بقولهم إن الإمام يتلوم فيه، فإن لم يأت سواهم دفعه إليهم، فكذلك الآبق.
قال أشهب: لأن هذا أكثر ما يقدر عليه فيه.
قال مالك: وإذا جاء رب الآبق بعد أن باعه الإمام بعد السنة، والعبد قائمٌ، فليس له إلا الثمن، ولا يرد البيع؛ لأن الإمام باعه، وبيع الإمام جائزٌ، ولو قال ربه: كنت أعتقته، أو دبرته بعد أن أبق، قبل أن يأبق، لم يقبل قوله على نقض البيع إلا ببينةٍ؛ لأنه لو باعه هو بنفسه ثم قال: كنت أعتقته، أو دبرته لم يقبل قوله، وكذلك إن كانت أمةً فباعها الإمام بعد السنة ثم جاء ربها، فقال: قد
الجزء: 18 - الصفحة: 215
كانت ولدت مني، وولدها قائمٌ، فإنها ترد إليه إن كان ممن لا يتهم فيها- بصبابة- لأن مالكاً قال: فمن باع جاريةً وولدها ثم استلحق الولد أنه إن كان ممن لا يتهم على مثلها ردت عليه، ولو قال: كنت أعتقتها، لم يصدق ولم ترد إليه إلا ببينة.
قيل: فإن لم يكن معها ولدٌ فقال بعدما باعها: كانت ولدت مني، قال: أرى أن ترد عليه إن لم يتهم فيها، كذلك بلغني عن مالك، ووقع في رواية الدباغ قال: أرى ألا ترد إليه.
قال: ويجوز لسيد الآبق عتقه وتدبيره وهبته لغير الثواب، ولا يجوز له بيعه، ولا هبته لثواب، وإذا زنى الآبق أو سرق أو قذف أقيم عليه الحد في ذلك كله.
الجزء: 18 - الصفحة: 216
[الباب الثاني] في كتب القضاة إلى القضاة في الإباق والدواب، والشهادة في ذلك، وعدالة البينة
.
[(2) فصل: في كتب القضاة إلى القضاة في الإباق والضوال من الدواب]
قال ابن القاسم: وإذا أتى رجل إلى قاضٍ بكتابٍ من قاضٍ يذكر فيه: أنه قد شهد عندي قومٌ: أن فلاناً صاحب كتابي إليك قد هرب منه عبد صفته كذا، فجلاه ووصفه في الكتاب، وعند هذا القاضي عبدٌ آبقٌ محبوسٌ على هذه الصفة، فليقبل كتاب القاضي، والبينة التي شهدت فيه على الصفة، ويدفع إليه العبد، قيل: وترى للقاضي الأول أن يقبل منه البينة على الصفة ويكتب بها إلى قاضٍ آخر؟ قال: نعم: لأن مالكاً قال في المتاع الذي سرق بمكة إذا اعترفه رجلٌ ووصفه ولا بينة له: استأني الإمام فيه، فإن جاء من يطلبه وإلا دفعه إليه، فالعبد الذي أقام البينة على صفته أحرى أن يدفع إليه.
فإن ادعى العبد ووصفه، ولم يقم البينة عليه، فأرى أنه مثل المتاع ينتظر به الإمام ويتلوم له، فإن جاء أحدٌ يطلبه، وإلا دفعه إليه وضمنه إياه.
قيل: ولا يلتفت هاهنا إلى العبد إن أنكر أن هذا مولاه، إلا أن يقر أنه عبدٌ لفلانٍ ببلد آخر قال: فإن السلطان يكتب إلى ذلك الموضع، وينظر إلى قول العبد، فإن كان كما قال، وإلا ضمنه هذا وأسلمه إليه كالأمتعة.
قال مالك: ومن اعترفت من يده دابةٌ، وقضي عليه، فادعى أنه اشتراها من بعض البلدان، وأراد أن لا يذهب حقه، فله وضع قيمتها بيد عدل، ويمكنه القاضي من الدابة ليخرج بها إلى بلد البائع منه؛ لتشهد البينة على عينها، فإن قال مستحقها: أنا أريد سفراً وإنما أراد هذا أن يعوقني عنه،
الجزء: 18 - الصفحة: 217
قيل له: فاستخلف من يقوم بأمرك، ويمكن المطلوب من الخروج بها، ويطبع في عنقها، ويكتب له كتابٌ إلى قاضي ذلك البلد: أني قد حكمت بهذه الدابة لفلان، فاستخرج لهذا ماله من بائعه، إلا أن تكون للبائع حجةٌ، فإن تلفت الدابة في ذهابه أو رجوعه أو عورت أو انكسرت أو نقصها في ذهابه أو مجيئه، فهي من الذاهب بها، والقيمة للذي اعترفها، إلا أن يرد الدابة بحالها، وكذلك الرقيق إلا أن تكون جاريةٌ، فإنه إن كان أميناً، دفعت إليه، ولا فعليه أن يستأجر أميناً يذهب بها معه، وإلا لم تدفع ليه.
قيل: فإذا وصل كتاب القاضي إلى القاضي وثبت عنده بشاهدين، هل يكلف الذي جاء بالبغل أن يقيم بينةً أن هذا البغل هو الذي حكم به عليه؟ قال: إن كان البغل موافقاً لما في كتاب القاضي من صفته، وصفة خاتم القاضي في عنقه، لم يكلف ذلك.
[(1) فصل: في الشهادة في الإباق وعدالة البينة]
وإن شهد عنده قومٌ غرباء في بلد لا يعرفون لم يقبلوا؛ لأن البينة لا تقبل إلا بعدالة، وإن شهد قومٌ على حق، فعدلهم قومٌ غير معروفين، وعدل المعدلين آخرون، فإن كان الشهود غرباء جاز ذلك، وإن كانوا من أهل البلد لم يجز ذلك؛ لأن القاضي لا يقبل عدالة على عدالةٍ إذا كانوا من أهل البلد حتى تكون العدالة على الشهود أنفسهم.
الجزء: 18 - الصفحة: 218
[الباب الثالث] جامع بقية مسائل الآبق
[المسألة الأولى: إذا وجد آبق يعرف مكان سيده]
قال مالك: ومن وجد آبقاً فلا يأخذه إلا أن يكون لقريبه أو لجاره أو لمن يعرفه، فأحب إلي أن يأخذه، قال ابن القاسم: فإن لم يأخذه أيضاً فهو في سعة.
قال أشهب في كتبه: إن كان مكان سيده بعيداً فتركه أحب إلي، وإن أخذه فهو في سعةٍ، وإن كان سيده قريب المطلب فليأخذه أحب إلي من تركه فيتلف، وإن تركه فهو في سعةٍ.
[المسألة الثانية: الآبق إذا عرفه سيده ولم يعرف السيد من بيده العبد]
قال مالك: والآبق إذا اعترفه ربه من يديك ولم تعرفه، فأرى أن ترفعه إلى الإمام إن لم تخف ظلمه.
قال أشهب: وإن أقر له العبد بالملك، فأنت في سعة من دفعه إليه، ودفعك إليه بأمر الإمام أحب إلي، وإن جحد العبد أن يكون سيده فلا يدفعه إليه، فإن فعلت ضمنته قال: وكذلك إن اعترفه ربه بيد الحاكم، ولم تقم بينةٌ لم يدفع إليه إلا أن يقر له العبد بالملك؛ لأنه لو اعترف بالرق لغيره لكان له، ولم تقم بينةٌ لم يدفع إليه إلا أن يقر له العبد بالملك؛ لأنه لو اعترف بالرق لغيره لكان له، ولم ينفع هذا ما عرف من تحليته وصفته.
الجزء: 18 - الصفحة: 219
[المسألة الثالثة: في استئجار الآبق ولمن تكون أجرته؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن استأجر آبقاً فعطب في عمله ولم يعلم أنه آبقٌ، ضمنه لربه، وقاله مالك فيمن واجر عبداً على تبليغ كتابٍ إلى بلد ولم يعلم أنه عبد فعطب في الطريق: أنه يضمنه لربه؛ لأن من ابتاع سلعة من السوق فأتلفها هو نفسه، أنه يضمنها.
وقال أشهب في كتبه: لا ضمان عليه إذا علم أنه لم يعلم أنه مملوكٌ، وإنما يضمن من استعمل عبداً، أو مولى عليه- وهو يعلم بذلك- عملاً مخوفاً فتلف فيه.
قال ابن القاسم: وإن واجرت الآبق، فالإجارة لربه، وإن استعمله لزمك قيمة عمله لربه؛ لأن ضمانه منه ونفقته عليه، وإنما يضمن الآبق إذا استعمله في عمل يعطب في مثله فهلك فيه، وإن استعمله في شيء، فسلم، فلربه الأجر فيما له بالٌ من الأعمال، وكذلك من استعمل عبداً لرجل.
[المسألة الرابعة: في إباق المكاتب]
وإذا أبق المكاتب لم يكن ذلك فسخاً لكتابته إلا بعد حلول النجم، وبعد تلوم الإمام له
[المسألة الخامسة: في عتق الآبق في واجب]
ومن أعتق عبداً له آبقاً عن ظهاره لم يجزئه؛ إذ لا يدري أهو حيٌّ أو ميتٌ أو معيبٌ أو سليمٌ إلا أن يعرف في الوقت موضعه وسلامته من العيوب فيجزئه، أو يعلم ذلك بعد العتق فيجزئه، وإن جهله أولاً.
[المسألة السادسة: في بيع الآبق]
وإذا علم أن الآبق عند رجلٍ، جاز أن يباع منه أو من غيره ممن يوصف له، إذا
الجزء: 18 - الصفحة: 220
وصف أيضاً للسيد حاله الآن وصفته، ولا يجوز النقد فيه إذا كان بعيداً، وهو كعبدٍ غائبٍ لرجلٍ باعه.
وقال أشهب في كتبه: لا يجوز النقد فيه، وإن كان على مسيرة ليلةٍ.
قال أبو محمد: وليس هذا قول مالك في شراء الغائب.
قال سحنون: وإن وقع الآبق عند حاكم عدلٍ فحبسه ينتظر به مولاه، فباعه وهو في السجن، فلا يجوز بيعه إياه؛ لأن فيه خصومة؛ لأن مولاه لا يأخذه بدعواه إلا ببينةٍ، فباعه قبل أن يستحقه.
[المسألة السابعة: في إباق العبد الرهن]
ومن كتاب الآبق: وإذا أبق العبد الرهن لم يضمنه المرتهن، وصدق في إباقه، ولا يحلف وكان على حقه- وفي رواية الدباغ ويحلف- فإن وجده سيده، وقامت الغرماء عليه، فالمرتهن أولى به إذا كان قد حازه المرتهن قبل الإباق، إلا أن يعلم المرتهن بكونه بيد الراهن فتركه حتى فلس، فهو إسوة الغرماء.
الجزء: 18 - الصفحة: 221
[المسألة الثامنة: إذا أبق عبد مسلم إلى دار الحرب] وقال مالك: وإذا أبق عبدٌ مسلمٌ إلى دار الحرب، فدخل إليهم مسلمٌ بأمان، فاشتراه لم يأخذه منه سيده إلا بالثمن الذي أداه، اشتراه بأمره أو بغير أمره، وكذلك عبيد أهل الذمة، وإذا أسر العدو ذمياً، فظفرنا به رد إلى جزيته، وقع في المقاسم أو لم يقع؛ لأنه لم ينقض عهداً ولم يحارب، فإن فات العبد بعتقٍ عند الذي اشتراه ببلد الحرب أو كانت أمة فأولدها مشتريها مضى ذلك ولم يرد، بخلاف من ابتاع عبداً في سوق المسلمين ولا يعلم أن له سيداً غير الذي باعه، ثم استحقه سيده أنه يأخذه؛ لأن هذا يأخذه بغير ثمنٍ، والأول لا يأخذه إن شاء إلا بالثمن، ما لم يفت بعتقٍ كما ذكرنا.
الجزء: 18 - الصفحة: 222
جامع مسائل من التعدي
وهي متقدمة في اللقطة فأخرتها إذ ليس ذلك موضعها.
[المسألة الأولى: في ضمان من حل دواباً من مرابطها فذهبت]
قال ابن القاسم: ومن حل دواباً من مرابطها، فذهبت ضمنها؛ لأن مالكاً قال فيمن فتح حانوتاً مغلقاً لا يسكن فيه أحدٌ، فسرق منه ثم تركه مفتوحاً، وليس فيه ربه فذهب ما في الحانوت إن السارق ضامنٌ لما ذهب من الحانوت.
[المسألة الثانية: فيمن فتح داراً فيها دواب فذهبت]
ومن فتح داراً فيها دواب فذهبت فإن كانت الدار مسكونة- فيها أهلها- لم يضمن، وإن لم يكن فيها أربابها ضمن، فكذلك السارق يدع الباب مفتوحاً، وأهل الدار نيامٌ، أو غير نيام فلا يضمن ما ذهب بعد ذلك، وإنما يضمن إذا ترك الباب مفتوحاً وليس أرباب البيت فيه.
وقال أشهب: إذا كانت الدواب التي في الدار مسرحةً، ضمن وإن كان أربابها فيها.
م: والقياس أنه إذا ترك الباب مفتوحاً أنه يضمن، وإن كان أهلها فيها؛ لأنه سبب تلفه إذا لم يعلم ربها بفتحه، ولكن أراه إنما لم يضمنه خوفاً أن يكون ربها علم بفتحه فتركه أن يغلقه فلم يضمنه بالشك، والله أعلم.
[المسألة الثالثة: في السارق يسرق من بيت ثم يترك الباب مفتوحاً فيسرق باقي المتاع، وفيمن فتح قفصاً فيه طير أو حل قيد عبدٍ]
قال ابن القاسم: ولو خرجت امرأةٌ من بيتها إلى جارتها، وأغلقت على متاعها الباب فسرق منه سارقٌ وتركه مفتوحاً فسرق ما بقي في البيت بعده ضمنه، وكذلك الحوانيت
الجزء: 18 - الصفحة: 223
يتركها مفتوحةً وليست مسكونةً، ومن فتح قفصاً فيه طيرٌ فذهب الطير ضمن، ومن حل عبداً من قيدٍ بيديه فذهب العبد، ضمن.
[مسائل في ضمان من أمرته بأمر فلم يفعله، وفيمن أمرته أن يصب زيتاً في خابية مكسورة فصبه، وفيمن أمرته أن يدخل طائراً قفصاً فأدخله ونسي أن يغلق الباب والفرق بينهما]
وفي كتاب محمد: لو قلت له: قيد عبدي ودفعته إليه، فتركه لم يقيده لضمن، وكذلك لو قلت له: صب لي هذا الزيت في هذه الخابية إن كانت صحيحة فصب فيها وهي مكسورةٌ لضمن، ولو قال: نسيت أن أنظر إليها فصببت فيها، قال: يضمن؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواءٌ.
وقال في الذي أمره أن يجعل هذا الطير في القفص ويغلقه، فجعله وترك بابه مفتوحاً، وقال: نسيت أن أغلقه، قال: لا ضمان عليه.
م: وهذا والأول سواءٌ، وذلك اختلاف قولٍ منه.
م وهذا كالاختلاف فيمن أذن له أن يمشي في موضع فمشى على آنية فكسرها، قيل يضمن، وقيل لا يضمن، فكذلك مسألة الطير والصب في الجرة، وقد يفرق بينهما: أن هذا إنما أذن له أن يصب في جرة صحيحة، فمتى صب في مكسورة صار غير مأذون له في ذلك، ومسألة الطير أذن له في أن يجعله في القفص، فجعله فقد فعل ما أذن له فيه، وإنما نسي غلقه، فهو كمن أمره أن يغلق قفص طير فنسي غلقه فوجب ألا يضمن، والفرق بين هذا وبين الذي دفع إليه عبده، وقال له قيده فتركه فذهب: أن العبد دفع إليه، والطير لم يدفعه إليه، وإنما قال له أغلق عليه، والله أعلم.
تم كتاب اللقطة والآبق من الجامع لابن يونس بحمد الله وعونه.
الجزء: 18 - الصفحة: 224
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه