الجامع لمسائل المدونةصفحات 1-40

[الباب الأول] في الحمالة بالوجه أو بالمال, وموت الغريم, وما يبرئُ الحميل.

[(1) فصل: في الأدلة على جواز الحمالة, وفي الحمالة المطلقة, وفي اختلاف الطالب على نوع الحمالة.
المسألة الأولى: في الأدلة على جواز الحمالة] الأصلُ في جواز الحمالة قوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:72] فهذه حمالةُ المال.
وقال تعالى في قصة يعقوب - عليه السلام -: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَاتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:66] فهذا ضمانٌ بعينه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الزعيم ُغارمٌ»,

والزعيم في اللغة والحميل والكفيل سواء.
ولا خلاف في جوازها؛ ولأنها وثيقةٌ بالحق كالرهن.
[المسألة الثانية: في الحمالة المبهمة] م: واختلف فقهاؤنا المتأخرون إذا قال: أنا حميلٌ لك, أو زعيمٌ,

أو كفيلٌ, ولم يزد على هذا, هل يُحمل على أنه حميل بالمال أو بالوجه إذا عَري الكلام من دليل؟ والصواب من ذلك أن يكون على المال؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الزعيم غارمٌ)), ولأن حميل الوجه إذا لم يأت به غرم المال, فالأصل في الحمالة المال, لأنه هو المطلوب حتى يشترط الوجه أو يقتضيه لفظها.
[المسألة الثالثة: في اختلاف الطالب والحميل في نوع الحمالة] وأما إن اختلف, فقال الطالب: شرطْتُ عليك الحمالةَ بالمالِ, وقال

الكفيلُ: بل بالوجه - وقد أحضر الغريمَ مُعْدَماً - فينبغي أن يكون القول قولَ الحميل؛ لأن الطالب يدعي انشغال ذمته فعليه البيان.
ولأن الحمالة من المعروف, والمعروف لا يلزم منه إلا ما أقر به معطيه.
[(2) فصل: في الحمالة بالوجه أو المال] ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن قال: أنا حميلٌ لك, أو زعيمٌ لك, أو كفيل, أو ضامنٌ, أو هو لك عندي, أو عليّ, أو إليّ, أو قِبَلي, فذلك كله حمالةٌ لازمة إن أراد الوجهَ أو المالَ لزِمه ما شرط,

(5) فإن شرط بالمال فأتى بالغريم عند الأجل مُعْدَماً لم يبرأ به, وغرم.
وأما إن تكفل برَجُلٍ, أو بنفسه, أو بوجهه, أو بعينه إلى أجلٍ ولم يذكر مالاً, فإنه أتى بالرجل عند الأجل مليئاً أو مُعْدَماً بريء.
[المسألة الأولى: في التلوم للحميل, ومدة التلوم] فإن لم يأت به حينئذ, والغريم حاضرٌ, تُلُوِّمَ له.
وإن كان غائباً قريب الغيبة مثل اليوم وشبهه تُلُوِّمَ لَهُ كما يُتَلومُ للحاضر.
وفي كتاب ابن المواز: إذا كان غائباً كاليوم واليومين.

(6) قال في العتبية: أو ثلاثة, وبقدر ما لا يُضر فيه بالطالب, وما يُجتهد به للحميل اسْتُؤنِيَ بقدر ذلك, فإن أتى به بعد التلوم, فلا شيء علية, وإلا غرم.
وقال ابن وهب: إذا غاب الغريم قضى على الحميل ولا يضرب له أجلا ليطلبه فيه.
وقال بعض الفقهاء: وما في المدونة أشبه؛ لأن التلوم في الحاضر ثلاثة أيام ونحوُها.
فإذا [2/أ] كانت غيبته يوماً تُلوم له ثلاثة أيامٍ: يوم خروجه وراءه, ويوم إقامته, ويوم مجيئه؛ 'إذ لا يأتي له يوم وصوله وجوده فليلتمسه في الغد.
وإذا كانت غيبته يومين صار التلوم له خمسة أيام: يومين سير, ويومين مجيء, ويوم إقامته في طلبه, فيكثر التلوم, وإذا كانت الغيبة ثلاثة أيام احتاج أن يتلوم له سبعة أيام فيكثر التلوم ويصير بخلاف الحاضر؛

فلذلك قلنا ما في المدونة أشبه والله أعلم.
[المسألة الثانية: في غرم حميل الوجه, وعلى من يرجع إذا عاد من غرم عنه؟] ومن المدونة: وإن بعُدت غَيبة المكفول به, غرِم الحميل مكانه, فإن غرِم الحميلُ المالَ, ثم وجد الغريمَ بعد ذلك وأتى به, لم يرجع الكفيلُ على الذي أخذ منه المال بشيءٍ, ولكن يرجع على الغريم بما أدى عنه بالحمالة.
[المسألة الثالثة: في الحميل بالوجه يشترط أنه يطلب الغريم, فإن لم يجده براء, وكيف إن فرط في إحضاره] قال مالك: ولو شرط حميل الوجه أني أطلبه فإن لم أجده برئتُ من المال ولكن عليَّ طلبه حتى لآتي به, لم يلزمه إلا ما شرط

  • ابن المواز: أو يقول لا أضمن إلا وجهه, فهذا لا يضمن إلا الوجه, غاب أو حضر, أو مات أو فلس - فلا يحبس إن لم يحضره, إلا أن يعلم بمكانه فليُحبس بقدر ما يرى السلطان مما يرجو به إحضاره.

ومن المدونة قال غيره: لا يلزمه من المال شيء, جاء بالرجل أو لم يأت به, إلا أن يُمْكِنَهُ بعد الأجل إحضاره ففرط فيه حتى أَعْوَزَه, فهذا قد غره.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وإن قال له الطالب هو بموضع كذا فأخرج إليه فليُنْظر فإن كان مثلُ الحميل يقوى على الخروج إليه, وأُمر بذلك, وإن ضَعُفَ عن ذلك لم يكن عليه أن يخرج, وإن خرج ثم قَدِمَ فقال: لم أجده فكَذّبه الطالب في الوصول, فإن كان من وقت خروجه مدةٌ يبلغ في مثلها صُدّق,

وإن أثبت الطالب أنه خرج وأقام بقريته, ولم يتماد فليعاقبه السلطان بالسجن بقدر ما يرى, أو أمره بإحضار صاحبه إن قَدر عليه, وأما أن يُضَمِّنه المال فلا, إلا أن يلقاه فيتركه, فيضمن إن ثبت ذلك عليه, وكذلك إن غَيّبه في بيته فلم يُظهره.
وفي كتاب ابن حبيب: إن جهِل مكانه فليس عليه طلبه, ولا الغرْمُ عنه, وإن عرف مكانه فعليه أن يخرج, قَرُبَ مكانه أو بَعُدَ, إلا في البعيد المتفاحش, وأما مَسِيرةُ الأيامِ التي تكون من أسفار الناس واختلاف البلدان غير النائية جداً فليخرج, أو يرسل, أو يغرم.

وقال أصْبَغُ: ليس عليه طلبه إلا في مسيرة يوم أو يومين وما لا ضرر فيه [(3) فصل: في الحميل بالوجه بعد موت الغريم.
المسألة الأولى: في براءة حميل الوجه بموت الغريم] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا ماتَ الغريمُ, بريء حميل الوجه؛ لأن النفس المكفولة قد ذهبت.
ولو غاب الغريمُ فقُضِيَ على الحميل بالمالِ, فأداه ثم أثبت ببيِّنة أن الغريم مات في غيبته قبل القضاء, رجع الحميل بما أدى على رب الدين؛ لأنه لو عُلم أنه ميتٌ حين أُخذ به الحميلُ لم يكن عليه شيء, وإنما تقع الحمالة بالنفس ما كان حيّاً.

[المسألة الثانية: موت الغريم قبل الحكم على الحميل] قال ابن المواز عن ابن القاسم: إذا لم يُحكم على الحميل بالوجه حتى مات الغريم بالبلد قبل الأجل أو بعده, قَرُبَ ذلك أو بَعُدَ, فلا شيء على الجميل.
ابن المواز: وهو المعروف من قول مالك وعليه جماعة أصحابه.
[المسألة الثالثة: وإن مات في غيبته وهي قريبةٌ أو بعيدةٌ لزم الحميلَ الغرمُ, إلا أن تكون الحمالةُ مؤجلةً, ويكون موت الغريم قبل الجل بأيام كثيرة لو كُلف الحميلُ المجيءَ به لخرج فيها ورجع قبل حلول الأجل, فحينئذ تسقط عنه الحمالةُ ولا يلزمه شيء.
قال ابن القاسم: وإن كنت قلت لكم في هذه المسالة غيرَ [2/ب] هذا فاطرحوه وخذوا بهذا.
ابن المواز قال أشهب: لا أبالي إذا هو مات فالحمالة تسقط بموته في غيبته أو بالبلد.

م وهو نحو ما في المدونة, قال بعض الفقهاء: وهو أشبهُ؛ لأنه إذا مات كشف الغيبُ أنه كان ممن لا يلزمه الإتيان به؛ إذ لا قدرة له على ذلك.
[المسألة الرابعة: إذا تحمل رجل بنفس رجل, وتحمل بنفس الحميل ولم يوجد إلا حميل الحميل] قال ابن المواز: وإن تحمل رجلٌ بنفس رجلٍ آخرُ بنفس الحميل, فلم يوجد إلا حميلُ الحميلِ, فإنه إن جاء بأحدهما براء وإلا لزمه المالُ, ثم يرجع هو على من شاء منهما.
قال: فإن لم يُحكم عليه حتى مات أحدهما؟ قال: إن مات الغريم برئا جميعاً, وإن مات الأوسط كانت الحمالة في تركته وبراء الثالث, وإن مات الثالث فالحمالة عليهما قائمة.
قال: وإن كانت حمالة الثالث على الثاني بالمال, قيل له: إن جئت بالغريم برئت؛ لأن صاحبكَ يبرأُ بذلك, وإن جئتَ بالحميل فإنه إن ثبت عليه المال إذا لم يأت بالغريم كنت للمال ضامناً, وإن مات الغريم برئتُما, وإن

مات الحميل الأول, فالأول على حمالته.
ابن المواز: والآخرُ يقومُ مقامهُ إن جاء بالغريمِ براء, وإلا غرِم.
وقال عبد الملك: إذا مات الحميلُ الأولُ سقطت الحمالة بموته عنه وعن حميله.
ولم يعجبنا هذا.
[المسألة الخامسة: اشتراط صاحب المال غرمه على حميل الوجه]

قال محمد: ومن تحمل بوجه رجل فشرط صاحبُ المالِ على الحميل إن لم تأت به عند وفاء الأجل فحقي عليك, فلم يأت به حتى مات, قال: إن مات قبل الأجل, فلا شيء على الحميل؛ لأنه حميلٌ بالوجه, فهي ساقطةٌ بموتِ الغريمِ, وإن مات في البلد بعد الأجل لم يبرأ الحميل.
ابن المواز: لأنه صار بمضي الجل حميلاً بالمال.
[(4) فصل فيما يُبراءُ الحميلَ المسألة الأولى: في إتيان حميل الوجه بالغريم بعد الجل وقبل القضاء عليه بالمال] ومن المدونة: ومَنْ تحمَّل بعْينِ رجلٍ إلى أجلٍ, فلم يأتِ به عند الأجلِ, فَرُفِعَ إلى الحاكمِ, فلم يَقْضِ عليه بالمالِ حتى أحضَرهُ, براء من المال ومن عين الرجل, ولو كان قد حُكِمَ عليه بالمالِ بعد التلَوّمِ لزمهُ المالُ, ومضَى الحكمُ.

يريد: ويَتْبَعُ أيّهُما شاء.
وقال سحنون: إنْ حَكَمَ عليه السلطانُ بالمالِ, فلم يَغْرَمْهُ حتى جاء بالغريم فلا غرم على الحميل.
[المسألة الثانية: إذا حبسَ المَحْمُولُ بعَيّنه فدَفَعَهُ الحميلُ إلى الطالبِ وهو في السجن] قال ابن القاسم: وإذا حُبِسَ المحموُلُ بعيّنِه فدفَعَهُ الحَميل إلى الطالبِ وهُوَ في السِّجنِ بريء الحميلُ؛ لأن الطالبَ يَقْدِرُ على أَخْذِهِ في السِّجْنِ, ويُحْبَسُ لَهُ بَعْدَ تمامِ ما سُجِنَ فيه, وكَذَلِكَ إنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ بمَوْضِعِ فيه حُكْم وسُلطَانٌ - وإنْ لم يكن ببلده - فَيَبْرَأُ.
وإن دَفَعَهُ إِلَيْهِ بِموْضِعِ لا سُلْطَانَ فيه, أو في حَالِ فتنَةٍ, أَو في مَفَازَة, أو بِمَكَانٍ يَقْدِرُ الغَرِيِمُ على الامْتنَاعِ منْهُ لَم يَبْرَأُ منه الحَمِيلُ حتى يدْفَعَه إليه بموضعٍ يَصلُ إليه وبه سلطانٌ فيبرأُ.

[المسألة الثالثة: في الحميل بالوجه يأتي بالغريم عند الأجل والطالب غائب, وكيف إن شرط على الطالب إن لقيت غريمك فتلك براءتي] قال ابن حبيب: ولو جاء به عند الأجلِ والطالبُ غائبٌ لم يَبرأُ حتى يَجمَعَ بينَه وبينَ صاحبهِ, إلا أن يكون شَرط في أصلِ الحَمالةِ, أنّك إنْ غِبتَ ولم تُوكَّلُ مَن يَقْبِضُ مِنّيِ فلا حمالةَ لك, فذلك له إذا أَشهَدَ بإحضارِه.
وإذا شَرَطَ: إنْ لم يأتِ به إلى أجلِ كذا, كان حميلاً بالمالِ, فإذا مضى الأمدُ ولم يأت به كان حميلاً بالمالِ, ولا يبرأُ إلا أنْ يَأتِي به مليئاً, ولا يُحتاجُ هاهنا إلى أنْ يُتَلَوّمَ له في حمالةِ الوجهِ؛ لأنه ضَرَبَ لها أجلاً متى لم يأتِ بالرجلِ عند الأجلِ كان حميلاً المال.
وفي العُتبية عن ابن القاسمِ: في الحميل يشترطُ على الطالبِ إن لقيتَ غريمَكَ فتلك بَرَاءَتِي فلقيَهُ بموضع [3/أ] يَقْدرُ عليه فهي براءةٌ, وإنْ كانَ بموضعٍ لا يقدرُ عليه, فليست براءة للحميلِ.
[المسألة الرابعة: إذا أمكَنَ الغريمُ الطالبَ من نفسه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو أن الغريمَ أمْكَنَ الطالبَ مِن نفسهِ وأشهدَ: أني دفعتُ نفسيِ إليْكَ بَراءةٌ للحميلِ, لم يبرإ الحميلُ بذلك - وإنْ كانَ في موضعٍ تُنَفَذُ فيه الأحكامُ - حتى يَدْفَعَهُ الحميلُ نفسهُ أو وكيلهُ إلى

الطالبِ, فإنْ لَمْ يقبلْ ذلك الطالبُ أشهد عليه, وكان له بذلكَ براءةٌ.
قال ابن الموَّازِ: ولو أَمَرهُ الحميلُ أن يُمكنَ نفسه من الطالبِ لَبَرِيء بذلك الحميلُ, فإن أنكر الطالبُ أن يكونَ الحميلُ أمَرهُ بدَفْعِ نفسِه إليهِ, فإنْ شَهِدَ بذلك أحدٌ بريءَ الحميلُ.

[الباب الثاني:] فيمن ادَّعى قِبَل رَجُلٍ حقاً فقال له رجلٌ: إن لم

آتِكَ به فأنا ضامِنٌ أو قال المدَّعى عليه إن لم آتِكَ غداً فالذي تَدَّعيه قِبَلي.
ومَن قضى حقاً عن صغير.

[(1) فصل: فيمن ادعى قِبَلَ رجل حقاً فأنكره فقال له رجل إن لم آتك به غداً فأنا ضامن.
المسألة الأولى: فيمن تكفل عن منكر حقاً لرجل] قال ابن القاسم: ومَن ادَّعى على رَجُلٍ حقاً فأنكره, فقال لَهُ رجُلٌ: أنا كفيلٌ به إلى غدٍ فإن لم أُوَفٍكَ به غداً فأنا ضامنٌ للمال, وسمِّي عَدَدَهُ, فإن لم يأتِ به في غدٍ فلا يلزمُ الحميلَ شيءٌ, حتى يَثْبُتَ الحقُّ ببينةٍ.
فيكون حميلاً بذلك, وسواءٌ أقر المدعَى عليه الآن بهذا المالِ أو أنكَرَ, إذا كَانَ اليومَ مُعْدَماً.

[المسألة الثانية: إن أنكر المدعى عليه ثم قال للطالب إن لم أوافك غداً فالذي تدعيه قبلي] قال ابن القاسم: وإن أنكر المدعَى عليه, ثم قال للطالبِ: أَجِّلنِي اليومَ فإن لَم أوفِكَ غداً فالذي تدّعيه قِبَلي.
فهذه مخاطرةٌ, ولا شيءَ عليه.
إن لم يأتِ به, إلا أن يقيم عليه بذلك بيِّنةً.
[المسألة الثالثة: فيمن تكفل بما ادعاه رجل على آخر فأنكر المدعى عليه الحق] قال: ومَن قال: لِي على فلانٍ ألفُ دِرهَمٍ, فقال له رجلٌ: أنا بها كفيلٌ.
فأتَي فُلانٌ فأنرها, ولم يلزم الكفيلَ شيءٌ حتى يُثبِتَ ببيّنةٍ.
ابنُ المواز: لا بإقرارِ المطلوبِ الآنَ.
ولو كان إقرارُه بذلكَ قِبَلَ الحمالةِ لزمَ الكفيلَ الغرمُ.

م ظاهرُ اعتلالِهِ في المدونةِ أنه لو أقرّ, لزمَ الحميلَ الغِرمُ.
وجْهُ ما في كتاب محمد أن معنى الكلام عنده: إنما تحمَّل بما ثبتَ لفلان على فلان.
ومعنى هذه المسألة على قول محمد: إن المطلوبَ مُعسرٌ فأما إن كان موسراً مُقراً, فلا تهمةَ في ذلك؛ لأنهُ إن أخذه الكفيلَ بالغُرم على أحد قولي مالك فالكفيلُ يرجع عليه لأنه مُقِرُّ بالدَّينِ, وأما في القول الآخرِ فالمطلوب المبدأُ بالغُرمِ وهذا بيّنٌ.

[(2) فصل [فيمن تكفل عن رجل بغير أمره, وفيمن قضى حقاً عن صغير المسألة الأولى: فيمن تكفل عن رجل بغير أمره] قال مالك: ومن أدى عن رجل حقاً لزمه فتكفل عنه رجل بغير أمره, فله أن يرجع بع عليه.
[المسألة الثانية: فيمن قضى حقاً عن صغير] قال ابن القاسم: وكذلك من تكفل عن صبي بحقٍ قضي به عليه فأداة عنه بغير أمر وليه, فله أن يرجع به في مال الصبي, وكذلك لو أدى عنه ما لزمه من متاع كسره, أو أفسده, أو اختلسه؛ لأن ما فعله الصبي من ذلك يلزمه.
وقال مالك.
أبن المواز قال ابن القاسم: وذلك إذا كان الصغير الجاني ابن سنةٍ فصاعداً محمد: وأما الصغير جداً مثلُ ابن ستة أشهرٍ, لا ينزجر, إذا زُجر, فلا شيء عليه.

[الباب الثالث] في التداعي في الحمالة

[(1) فصل: إذا ادعى الحميل أن ما أداه عن القرض, والطالب يقول بل عن الحمالة وكان عليه قدر متفق من قرض وحمالة المسألة الأولى: في اختلاف الطالب والحميل في حقين للطالب عن أيهما كان القضاء] قال مالك رحمه الله: ومن له على رجل ألف درهم من قرض, وألف درهمٍ من كفالة, فقضاه ألفاً, ثم ادعى أنها القرض وقال المقتضي, بل هي الكفالة.
يريد: وادعيا أنهما بينا [3/ب].
قال: فليقض بنصفها عن القرض, ونصفها عن الكفالة.
يريد: ويحلفان أنهما بينا.

وقال غيره: القول قول المقتضي مع يمينه؛ لأنه مؤتمن, مدعى عليه.
وقاله سحنون.
ابن المواز وهذا قول عبد الملك وحجته, وقال أشهب.
وخالفه في الحجة وحجة أشهب: أن الدافع مُدعٍ لقضاء الحق الذي بحمالة أو قرض, والآخر يُنكر فالمدعى عليه البيان.
ابن المواز: وحجة عبد الملك خير وهذا إذا كان الكفيل والغريم موسرين؛ لأن الذي له الدين يقول: إنما أخذتها من الكفالة كراهية منى في مطالبة من عليه الين الذي بالكفالة.
وحقه طلب الكفيل بما عليه من قرضٍ.
وأما إن كان معدمين أو أحدهما معدماً, فلا فائدة للقابض في دعواه - أنها من الكفالة -؛ لأنه في عُدمها إن كانت المقبوضة من القرض كان للقابض إتباع ذمتين بما له [من] الكفالة فهو خير له من إتباع ذمة واحدة,

وإن كان الكفيل وحده مُعدماً, فلا طلب له عليه بما له [من] الكفالة, ويطلب المديان بها الموسر, فإن كان المديان بها معدماً فهو قادر على أخذ الكفيل بما له [من] الكفالة؛ لعُدم الغريم, وأما إن لم يذكرا عند القضاء شيئاً فلم يُختلف أن ذلك مقسوم بين الحقين إذا كانا حالين أو مؤجلين؛ إذ لا مزية لأحدهما على الآخر.
قال في المدونة: وورثتهما في قوليهما مثلهما قال ابن المواز: أنما تصح المسألة في التهمة إذا لم يكن حل من ذلك شيء أو حلاً جميعاً, فأما إن كان حل بعض وبعض لم يحل, فالقول قولُ من ادعى أنه من الحق الحال - كان القابض أو الدافع - مع يمينه.,

فلا اختلاف من ابن القاسم وعبد الملك.
[المسألة الثانية: إذا قال أحدهما قضيتك وبينت أنها لكذا وقال الأخر قد شرطت عليك أنها كذا] قال ابن القاسم ومالك: وإذا قال أحدهما: قضيتك وبينت أنها لكذا, وقال الآخر قد شرطت عليك أنها لكذا, أن الحق يقسم بينهما.
ابن المواز: بعد أيمانهما.
ومن نكل منهما كان القول قول الحالف, فإن حلفا جميعاً, أو نكلا جميعاً, قُسم ذلك على الحقين, على قول ابن القاسم وروايته.
وذكر ابن القاسم عن مالك مثله في حقين أحدهما برهن والآخر بلا رهن, وقال أيضاً ذلك مالك في حقين احدهما بحمالة, والآخر بلا حمالة قال مالك: وكذلك حق يمين, والآخر بلا يمين.

[المسألة الثالثة: إن ادعى أحدهما أنه بين عند القضاء وأنكر الآخر] قال: فإن ادعى أحدهما أنه بين عند القضاء وقال الآخر: ما بين أحدنا شيئاً.
قال اصبغ في هذا: إن القول قول من ذكر أن ذلك كان مبهماً, إلا أن يكون لمن ادعى أنه قد كان بين عند القضاء بينة ابن المواز: وهذا خلاف قول ابن القاسم وهو مذهب أشهب وعبد الملك وينبغي على مذهب ابن القاسم أن يكون من ادعى الإبهام قد سلم القسمة, فيكون النصف قد ثبت لمدعى التعيين في القضاء, ثم يكون النصف الثاني مقسوماً بينهما لتساوي دعواهما فيه فيكون ثلاثة أرباع القضاء عن الحق الذي سماه أحدهما, والربع عن الآخر الذي ادعى الإبهام.
[المسألة الرابعة: أن أقرا جميعاً أنه كان منهما بلا شرط]

قلت: فإن أقرا جميعاً أنه منهما بلا شرط بينهما, ولكن ذلك بياتنا.
قال: هذا لم يختلف فيه قول ابن القاسم وأشهب: أن ما اقتضاه يقسم على الحقين جميعاً.
قال بعض فقهائنا القرويين: وغنما تصح القسمة على الحقين في مسألة المدونة إذا كان الغريم عند دفع الألف معسراً وهو الآن حين تنازعا موسر, ولو كان حين التنازع معسراً لم يكن لقسم ذلك على الحقين وجه؛ من أجل أن القابض يقول للكفيل الدافع: أليس لو صدقتك أن ما دفعت إلي من القرض لكان لي مطالبتك بالكفالة إذ الغريم معسر؛ فلما كان المر على هذا كان القول قول القابض, ولو كان الغريم يوم الدفع موسراً, والآن حين التنازع موسر لم تصح

القسمة, ويكون القول هاهنا قول الدافع؛ لأن من حجته أن يقول: أنا حين دفعت ممن لا يتعلق على الغرم؛ لكون الغريم موسراً.
فصار القابض مدعياً على الدافع معروفاً تبرع له به, [فكان كـ] من أدي ما لا يلزمه, فصح لهذا أن يكون القول قول الدافع.
وأما لو كان الغريم يوم الدفع موسراً والآن عند التنازع معسر لكان القول قول القابض؛ لأن من حجته أن يقول للكفيل: أليس لو صدقتك أن ما دفعت إلي هو القرض لكان لي مطالبتك بالكفالة؛ إذ الغريم معسر, فصح بهذا أن القول قول القابض.
فصار وجه تصح فيه القسمة, وهو أن يكون الغريم يوم الدفع معسراً والآن موسر ووجه يكون القول قول القابض, وهو أن يكون الغريم الآن معسراً.

ووجه يكون القول قول الدافع, وهو أن يكون الغريم في الوجهتين موسراً.
وجميع هذا التقسيم المذكور إنما يصح على قول مالك الذي أخذ به ابن القاسم: أن الكفيل لا يغرم إلا في عُدم الغريم, فأما على قوله: إن الطالب أن يأخذ أيهما شاء, فالقول قول القابض في جميع هذه الوجوه, وبالله التوفيق.
[(2) فصل [اختلاف الحميل والطالب في قدر الحمالة, وفي ملإ الغريم بعد حلول الأجل المسألة الأولى: في اختلاف الحميل والطالب في قدر الحمالة] ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم - فيمن تحمل وقال -: تحملت بألف درهم, وقال الطالب: بل بخمسمئة دينار, فصدق المطلوب - يريد ولا مال له - فليحلف الحميل ما تحملت إلا بألف درهم ويؤديها, ويشتري بها دنانير, فإن بيعت بثلاثمئة دينار رجع الطالب على المطلوب

بمئتين, ويرجع الحميل على الغريم بثلاثمائة دينار, فيشتري له بها دراهم, فإن وفت ألفاً فذلك, وإن ذادت فالزيادة للغريم, وإن نقصت, حلف المطلوب للحميل ما تحمل إلا خمسمائة دينار, فإن نكل حلف الحميل واخذ.
ومن كتاب ابن المواز: ولو قال الحميل: تحملت لك بألف درهم, وقال الطلب: بخمسين ديناراً, وقال المطلوب: بمئتي إردب قمح وهي التي له علي, قال: تُؤخذ منه المئتا إردب قمح؛ وتؤخر عنه اليمين لعل ثمن ما أقر به يبلغ ما ادعى به الطالب من الدنانير, فتسقط الأيمان ويبرأ الغريم والحميل.
قال: فإن لم يف ثمنها بخمسين ديناراً وكانت تسوى ألف درهم, أُخر

يمين الحميل, وحلف الغريم, فإن نكل عن اليمين حلف الطالب واستحق قبله الخمسين ديناراً إن كان موسرا, ويبرأ الحميل بلا غرم ولا يمين, وإن لم ينكل الغريم وحلف أن ليس له عليه إلا المئتا إردب, فإن غرم ذلك بريء, ويحلف الحميل ويبرأ إن كانت تسوى ألف درهم, وإن لم تسو ذلك حلف أيضاً وغرم ما عجز من ثمن القمح على ألف درهم, وهذا كله إذا لم يساوِ القمح خمسين ديناراً.
قال: فإن نكل الحميل عن اليمين غرم بقية ما دعاه الطالب من الخمسين ديناراً ولا يرجع الحميل بما غرم في ذلك - من فضلة ما حلف عليه, ولا من فضلة ما غرم بنكوله - لا على الطالب ولا على الغريم الذي غرم عنه.
وفي هذه المسألة زيادة في كتاب محمد تركتها لتوعرها.
[المسألة الثانية: في اختلاف الطالب والحميل في ملإ الغريم بعد حلول الأجل] ومن العتبية [4/ب] عن ابن قاسم من رواية أبي زيد

في الطالب يقوم على الحميل بعد الأجل, يزعم أن الغريم عديم, ويقول الحميل هو مليء, فإن لم يعرف له مال ظاهر فإن الحميل غارم, إلا أن ينكشف للطالب مال الغريم, فلا يكون له على الحميل شيء.

الباب الرابع] في إغرام الحميل وموته, أو موت الغريم [وكيف

إن تكفل لرجلين فغاب أحدهما وأخذ الآخر حصته

[(1) فصل في إغرام الحميل] والسنة أن الضمان لا يبرئ ذمة المضمون؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((نَفْسُ المُؤْمن مُرتهنة بدينهِ حتى يُقضى عنه))؛ ولأن الضمان مأخوذ من الضمن, وهو شغل ذمة أخرى بالحق, بخلاف الحوالة التي هي مأخوذة من تحول الحق؛ ولأنها وثيقة فلم يبرأ بها من عليه الحق, كالرهن.

[المسألة الأولى: في إغرام الحميل والغريم حاضر مليء] قال مالك: ومن تحمل برجل, أو بما عليه فليس للذي له الحق إذا كان الغريم حاضراً مليئاً أن يأخذ من الكفيل شيئاً إلا ما عجز عنه الغريم.
وكان مالك يقول: يتبع أيهما شاء في ملء الغريم, ثم رجع إلى هذا, وأخذ به ابن القاسم.
ورواه ابن وهب.
قال عبد الوهاب: وبالأول قال أبو حنيفة والشافعي.
ووجه ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (الزعيم غارم) ولم يفرق؛ ولأن الضامن أقام نفسه مقام الغريم في شغل ذمته بالحق على الوجه الذي كانت

ذمة الغريم به مشغولة, فكان كالغريم في المطالبة.
[و] وجه الثانية: أن الضمان في العادة إنما هو لحفظ الحق من الضياع, ولم يوضع لأن يكون الضامن كالغريم في أصل المطالبة, فإذا صح ذلك لم تكن له المطالبة إلا على الوجه الذي دخل عليه الضامن.
قال بعض أصحابها: وجه ذلك أن الحميل إنما أخذ ذلك توثيقة؛ فأشبه الرهن, فلما كان سبيل إلى الرهن إلا عند عُدم المطلوب, فكذلك لا سبيل على الكفيل إلا عند عُدم المطلوب [المسألة الثانية: في إغرام الحميل والغريم حاضر مليء لكنه ظالم أو غائب, أو حاضر مديان.] ومن المدونة قال غيره: وإن كان الغريم مُلداً ظالماً.

قال مالك: أو كان غائباً مليئاً في غيبته, أو مدياناً حاضراً يخاف الطالب - إن قام عليه - المحاصة, فله اتباع الحميل.
قال في كتاب محمد: مثل أن يكون رجلاً كثير الدين إن اقتضى منه شيئاً خاف أن يحاص فيما يأخذ بعد ذلك, فحينئذٍ يرجع على الحميل.
قال في المدونة: إلا أن يكون للغائب مال حاضر يُعدى فيه, فلا يتبع الحميل.
قال غيره: إلا أن يكون في تثبيت ذلك وفي النظر فيه بُعد, فيؤخذ من الحميل.
وقاله سحنون.

[(2)] فصل [في موت الكفيل] [المسألة الأولى: في موت الكفيل قبل الأجل] قال مالك: وإذا مات الكفيل قبل الأجل فللطالب تعجيل الدين من تركته, ثم لا رجوع لورثته على الغريم حتى يحل الأجل, وله محاصة غرمائه أيضاً.
وفي رواية ابن وهب من غير المدونة: أنه يؤخذ قدر الحق من تركة الحميل, ويوقف إلى الأجل, فإن كان الغريم يومئذ مليئاً رجع ذلك إلى ورثة الكفيل, وإن كان عديماً أخذه الغريم.
قال يحيى: هذه رواية سوء.
وقالها عبد الملك.

وقال أشهب مثل قول ابن القاسم وروايته.
قال عبد الوهاب: إن الرواية الأولى مخرجة على أنه يطالب أيهما شاء, والثانية مبنية على أن ليس له مطالبة الضمين إلا في تعذر الأخذ من الغريم.
وظاهر قولهم: أن له تعجيل الدين من تركته, على قول ابن القاسم: ليس له مطالبته إلا في غيبة الغريم وعُدمه؛ وذلك أن ابن القاسم وغيره [5/أ]- ممن أخذ بهذا القول, الذي رجع إليه مالك - قالوا: له تعجيل الدين من تركة الحميل, ووجه ذلك أن الحميل مشغول الذمة بهذا الدين حقيقة, وحكمة حكم المديان

في تصرفه في ماله, فإذا صح ذلك وجب حلول الدين بموته؛ لأنه بموته وجب قسم ميراثه, والدين مُبدأ على الميراث, فإذا حل دينه كان للطالب تعجيله؛ ولأن في إيقافه ضرر على الورثة؛ إذ قد يهلك فيكون منهم, وضرر على الغريم في منعه الانتفاع به من غير نفع للورثة في ذلك؛ وإذ لا يبخلو أن يكون المتحمل به عند حلول أجل الدين مليئاً أو معدماً, فإن كان معدماً فهذا المال الموقوف لا يرجع إليهم, والغريم أحق به فلا فائدة لهم في إيقافه عليه, وإن كان مليئاً فقبضهم هذا المال الموقوف كقبضهم مثله من المديان فلا ضرر عليهم في تعجيله, ولا فائدة لهم في إيقافه بل فيه الضرر بالجميع فوجب تعجيله, وبالله التوفيق.
[المسألة الثانية: في موت الكفيل عند محل الأجل أو بعده] قال ابن المواز: ولو مات الكفيل عند محل الأجل أو بعده فهاهنا يُبدأ بالغريم, فإن كان عديماً, أو مُلداً, أو غائباً, أُخذ من المال الحميل.
[(1) فرع] قال: ولو مات الحميل قبل الأجل, فحاص الطالب غرماء الحميل, فنابه من مئة خمسون, ثم حل الأجل على الغريم, فليرجع الطالب وغرماء الحميل بالمئة كلها,

فيرجع منها إلى غرماء الحميل ما كان أُخذ [عن] الغريم من مال الحميل, وذلك خمسون, فإن لم يوجد عند هذا الغريم إلا خمسون, فليأخذ الطالب منها خمسةً وعشرين, وغرماء الحميل خمسة وعشرين, ثم يحاصصهم الطالب بما بقي له من مئة - وذلك خمسة وعشرون - وغرماء الحميل بما بقي لهم, يتحاصون بذلك في الخمسة والعشرين التي أخذ غرماء الحميل؛ لأنه كمالٍ طرأ للحميل.
وهذا على تفسير يحيى في مسألة الزرع الرهن, وأما على تفسير قول ابن القاسم في المدونة, فإن لم يوجد عند الغريم إلا خمسون أو كان له غرماء فضرب هذا بالمئة كلها عنه وعن الحميل, فنابه في حصاصه خمسون أخذها, ورجع عليه غرماء الحميل فقالوا له: كان الواجب أن تضرب معنا بخمسين فقط وأنت قد ضربت بمئة, فيُنظر

جارٍ التحميل