الجامع لمسائل المدونةصفحات 369-408

كتاب الحج الأول من الجامع

صفحات 369-408

[الباب الأول]

في فرض الحج، وعلى من يجب، ومن أخره، واستئذان الأبوين فيه، ومن أول من أقام الحج، ويوم الحج الأكبر، وأشهر الحج، وذكر البدن، والشعائر، والرفث، والفسوق، والجدال، والعمرة.

[فصل 1 - دليل فرضيته] فالحج فرض على مستطيعه من الأحرار المكلفين مرة واحدة في العمر، لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) قيل: معناه: من لم ير الحج واجباً.

وقال ابن حبيب: هو من ترك الحج.
وقوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، وقوله صلى الله عليه وسلم ((بني الإسلام على خمس)) فذكر الحج، وقوله- للذي سأله عن الإسلام-: ((وحج البيت)) وقوله: ((حُجوا قبل أن لا تحجوا)) ولإجماع الأمة عليه.

ولما نزلت: " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ "، قيل: يا رسول الله: كل عام؟ فقال: " الحج مرة واحدة، ولو قلت نعم لوجبت".
[فصل 2 - شروط الواجب] وشروط وجوبه خمسة، وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والاستطاعة.
فأما العقل والبلوغ: فلقوله صلى الله عليه وسلم: رُفع القلم عن ثلاثة فذكر: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستقيظ"؛ ولأنه من عبادات الأبدان كالصلاة والصيام.
وأما الحرية: فلقوله صلى الله عليه وسلم: " أيما عبد حج فعتق فعليه الحج "، وحج صلى الله عليه وسلم بأزواجه ولم يحج بأم ولده، وقد قال تعالى: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾،

وقال في الحج: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، ومن لا يقدر على شيء فهو غير مستطيع، فالعبد لا يملك نفسه، فكيف يملك ما بيده؟.
وأما الإسلام: فإن الكفار مخاطبون بالإسلام فإذا أسلموا خوطبوا بشرائعه، ومحال أن يخاطبوا بشرائعه وهم جاحدون له.
وأما الإستطاعة: فلقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
واختلف في تفسير الإستطاعة، وسئل مالك عنها فقيل له: أذلك الزاد والراحلة؟ فقال: لا والله: واحد قد يجد زاداً وراحلة، ولا يقدر/ على السير، وآخر يقدر أن [167/ب] يمشي راجلاً، وربّ صغير أجلد من كبير، ولا صفة في هذا أبين مما قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
قال ابن حبيب: وروى أن الاستطاعة: مركب وزاد قال: وقاله عدد من

الصحابة والتابعين، وقاله ابن أبي سلمة.
قال: وذلك يرجع الى البلاغ الى مكة، ويدخل في البلاغ: الصحة، والزاد، والحمولة بشراء أو كراء لبعيد الدار الذي لا يبلغ راجلاً إلا بتعب ومشقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾، وإن وجد زاداً وهو قريب الدار ليس عليه في المشي كبير مشقة فعليه الحج، وإذا كان في داره وخادمه وسلاحه وكل ما يباع عليه في دينه ما يبلغه الحج فعليه الحج.

وقال سحنون: الاستطاعة الزاد والراحلة لبعيد الدار والطريق المسلوكة.
وقال بعض البغداديين: لم يثبت في الراحلة حديث، وظاهر القرآن يوجب الحج على مستطيعه ماشياً أو راكباً، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾.
وقال غيره: الاستطاعة: القدرة على الوصول الي البيت وفعل المناسك، فكل من أمكنه ذلك من غير تعذر أمر فهو مستطيع، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس، فإذا كانت الطريق سابلة: فمن كان عادته المشي من غير حاجة الى الركوب لزمه الحج إذا وجد الزاد، وإن كان عادته المسألة واستماحة الناس لزمه الحج وإن عُدم الزاد في الحال وجرى على عادته.
وكل ذلك خلاف لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إن الاستطاعة: الزاد والراحلة.
ودليلنا: أن الله تعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فكل مستطيع من غير خروج عن عادته كالواجد للراحلة.

والمعضوب: الذي لا يستمسك على الراحلة غير مستطيع ولا يلزمه أن يحج غيره من ماله، خلافاً لهما لأن كل عبادة تعلق فرضها بالبدن مع القدرة لم تنتقل الى غيره مع العجز كالصلاة، والصيام.
قال ابن وهب: سئل مالك عن الرجل يؤاجر نفسه وهو حاج أيجزي عنه حجه؟ قال: نعم.
فقيل له: فمن يسأل ذاهباً وراجعاً ولا نفقة عنده؟ قال: لا بأس بذلك، وإن مات في الطريق فحسابه على الله.
وقال عنه ابن القاسم: لا أدري للذين لا يجدون ما يُنفقون أن يخرجوا الى الحج والغزو ويسألون الناس وهم لا يقوون إلا بما يسألون وإني لأكره ذلك لقول الله تعالى

﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [فصل 3 - من لا يمكنه الوصول الى الحج إلا بإخراج المال إلى السلطان الجائر، هل يسقط عنه الحج؟] قال ابن القصار: واختلف أصحابنا فيمن لا يمكنه الوصول الى الحج إلا بإخراج المال الى السلطان الجائر، فقال بعضهم: لا يجب عليه الحج، وقال شيخنا أبو بكر الأبهري: إن لم يُمكنه إلا بإخراج المال الكثير الذي يشق ويخرج عن العادة لم يلزمه، كالثمن في ماء الطهارة والثمن في رقبة الكفارة، وإن كان شيئاً قريباً، فالحج واجب عليه.
فوجه القول الأول: إن رضاه بقطع الطريق عليهم ومنعهم من المرور إلا بثمن لا يؤمن منه متى بذلوا له شيئاً أن يحفز بهم ويقتلهم ويأخذ اموالهم فيصيرون قد غروا بأموالهم.
ووجه القول الثاني: أنه يغلب عليه وإن رضي بالظلم ما جرى من غالب عاداته أنه لا يخفر ما عاهدهم عليه.
قال أبو إسحاق: وهذا أشبه؛ لأن مثل هذا لا يكاد يخفي من عادته.

[فصل 4 - المرأة لا يجب عليها الحج من المكان البعيد ماشية لخوف عجزها] وفي كتاب ابن المواز: وليس النساء في المشي كالرجال وإن قوين؛ لأنهن عورة في مشيهن، إلا المكان القريب مثل أهل مكة وما حولها أو قرب منها إذا هن أطقن المشي.
ومن لا يملك إلا قرية، وله ولد، قال: يبيعها ويحج ويترك ولده للصدقة.
وقال فيه وفي العتبية: وكره مالك حج المرأة في البحر؛ لأنها تتكشف ولتخرج في البر وإن لم تجد ولياً، قال عنه ابن المواز: وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾، ما أسمع للبحر ذكراً.
وقال في المجموعة: أكره أن يحج أحد في البحر إلا مثل أهل الأندلس الذين لايجدون منه بُداً.

[فصل 5 - الرجل يكون عنده ما يتزوج به، أيتزوج، أو يحج؟] ومن العتبية: قال ابن القاسم: سئل مالك عن الرجل العزب يكون عنده ما يتزوج به أيتزوج أم يحج به؟ قال: بل يحج، قيل: وإن كان على أبيه دين وهو صرورة أيقضي دين أبيه أم يحج؟ قال: بل يحج.
قال ابن المواز: وإن كان عليه هو دين وله به وفاء، أو كان يرجوا قضاؤه فلا بأس أن يحج، قال ابن المواز: يريد وإن لم يكن معه غير مقدار دينه فليس له أن يحج.
يريد محمد: إلا أن يقضيه أو يتسع وجده.
[فصل 6 - هل الحج واجب على الفور او على التراخي؟] قال ابن حبيب: روى أن عمر قال: من اتصل وفره ثلاث سنين، ثم مات ولم يحج لم أصل عليه.
وقال سحنون في الكثير المال القوي على الحج إذا طال زمانه واتصل وفره وليس له سقم ولم يحج: فهي جرحة.
قيل: فهو كذلك/ من بلغ عشرين سنة الى أن بلغ ستين [168/أ] سنة؟ قال: لا شهادة له.
قيل: وإن كان بالأندلس؟ قال: نعم، لا عذر له.
[فصل 6 - استئذان الأبوين في الحج] ابن المواز: قال مالك: ولا يحج بغير إذن الأبوين إلا حجة الفريضة، وإن قدر أن يرتاضاهما حتى يأذنا له فعل، وإن كانا إنما نذر حجة فلا يكابرهما ولينتظر إذنهما عاماً

بعد عام ولا يعجل، فإن أبيا فليحج.
ومن توجه حاجاً بغير إذن أبويه فإن أبعد وبلغ مثل المدينة فليتمادا.
وقال عنه ابن نافع في المجموعة: إنه يستأذنهما في الفريضة العام والعامين فإن أبيا فليخرج.
[فصل 7 - متى فرض الحج؟] ومن العتبية، وكتاب ابن المواز: قال ابن القاسم قال مالك: وأول من أقام الحج بالناس أبو بكر سنة تسع.
وقال غير واحد من البغداديين ومثله لاسماعيل القاضي: إنه لم يأت صريحاً أن حج أبي بكر حينئذ كان عن فرض، والظاهر أنه حج لينذر المشركين بسورة براءة أن لا يحج بعد العام مشرك، ويبعد أن يُفرض الحج فيحج أبو بكر الفرض قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

وأن حجه وقع في ذي القعدة، والنسيء قائم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العام الثاني: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض"،

فأخبر أنه لم يكن قبل مستديرا، وأن ذلك لو كان فرضاً لم يؤخره النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أنه لو أخره النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كغيره؛ لأن الله تعالى أخبره أنه يفتح عليه ويدخل مكة آمناً، فكان على ثقة من أنه سيعيش الى ذلك، ونحن لا نعلم من يموت فكيف يتأخر الإنسان بعد وجوب الفرض عليه وإمكان موته.
[فصل 8 - يوم الحج الأكبر] قال مالك: ويوم الحج الأكبر هو يوم النحر.
قال غيره: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤذن المشركين بسورة براءة يوم الحج الأكبر

وهو يوم النحر بالمشعر؛ لأنه أكبر جمعهم وموقف قريش، وكان غيرهم يقف بعرفه ثم يأتون المشعر فيجتمع فيه جمعهم كلهم.
[فصل 9 - الميقات الزماني للحج] قال مالك: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة.
م: لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ وأقلها ثلاثة كاملة؛ ولأن كل شهر كان أوله من شهور الحج فكذلك آخره، أصله شوال.
وفائدة ذلك: تتعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة بخروجه.
وقال ابن حبيب عن مالك: إن شهور الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة؛ لأن بانفصالها فوات الحج.

وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس.
م: وهذه الرواية أصوب؛ لأن بانفصالها فوات الحج.
فصل [10] وسئل مالك عن قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ سورة الحج آية 29 قال: هو رمي الجمار وعن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ قال: هي: عرفات، والمزدلفة، والصفا، والمروة، فمحمل الشعائر: البيت العتيق.

فصل [11] قال ابن حبيب في قوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، فالرفث: ما يلتذ به من أمر النساء من ذكر أو مراجعة أو غيره.
وأما قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فهو الجماع.
قال: والفسوق: الذبح لغير الله.
وقال ابن عباس، وابن عمر: إنها المعاصي كلها.
والجدال: المراء حتى يغاضب صاحبه.

قال مالك: هو ما كان من تفاخر الجاهلية بآبائها.
فصل] 13 - حكم العمرة [ قال ابن القاسم، وغيره: قال مالك: العمرة سنَة واجبة كالوتر لا ينبغي تركها.
م: قال بعض البغداديين: لأنه صلى الله عليه وسلم اعتمر هو وأصحابه وأزواجه، وقال: هي مرة واحدة في العمر.
وليست بفريضة، خلافاً للشافعي.

ودليلنا: أنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن الحج أفريضة هو؟ قال: نعم، قيل: فالعمرة؟ قال: لا، ولأن تعتمر خير لك.
وقال: العمرة تطوع.
وقال: من مشى إلى مكتوبة فهي كحجة، ومن مشى إلى تطوع فهي كعمرة؛ ولأنه نسك ليس له وقت معين فلم يكن فرضاً أصْلُه طواف القدوم؛ ولأن فرائض الأبدان المتعلقة بمكان مخصوص تتعلق بزمان معين كالحج، فلما لم يكن للعمرة زمان معين انتفى بذلك كونها فرضاً.
قال أبو محمد: وقيل: إن قوله تعالى: "والعمرة لله" بعد قوله

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾:كلام مؤتنف، وقد قرئت الرفع، وقيل: إنما أمر بتمامها من دخل فيها.
وذهب ابن حبيب إلى أنها واجبة كوجوب الحج، وذهب إليه ابن الجهم، وخالفا مالكاً وأصحابه.

[الباب الثاني]

في فرائض الحج، والغسل لها، ودخول المدينة، وصفة الإحرام، والتلبية

] فصل 1 - فرائض الحج [ وفرائض الحج أربعة: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة.
فأما الإحرام: فالأصل فيه: فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره به؛ ولأن كل عبادة لها إحلال لم يصح الدخول فيها إلا بإحرام، كالصلاة، وذلك إجماع.
وأما الوقوف بعرفه: فلقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة"، وقوله: "من وقف بعرفة فقدتمٌ حجه، ومن فاته الوقوف بها فقد فاته الحج"، ولا خلاف في ذلك أيضاً.

وأما الطواف: فالأصل فيه قوله تعالى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وفَعَلَهُ الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، ولا خلاف فيه.
وأما السعي: فهو فرض عندنا خلافاً لأبي حنيفة.
ودليلنا: أنه صلى الله عليه وسلم سعى، وقال: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي))، ففيه أدلة ثلاثة: أحدهما: أنه فعله، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، والآخر: أمره به، وقال: ((اسعوا))، والثالث: إخباره أنه مكتوب علينا.

وليس من فرائضه رمي جمرة العقبة، خلافاً لعبد الملك؛ لأنه نسك يُفعلُ بمنى فلم يكن وجوبه كوجوب الفرائض، فهو كالمبيت والحلاق، ولأنه رمي كسائر الجمار.
فصل] 3 - في دخول المدينة والصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم والسلام عليه [ قال ابن المواز: قال مالك: وأحبَ لمن دخل المدينة إذا دخل المسجد أن يبدأ بركعتين قبل الوقوف بالقبر ومن دخل المسجد الحرام فليبدأ بالطواف قبل الركوع.
قال ابن حبيب: تقول إذا دخلت مسجد النبي صلى الله عليه وسلم: ((بسم الله وسلام علي رسول الله، السلام علينا من ربنا، صل الله وملائكته على محمد، اللهم أغفر لي ذنوبي وافتح لي أبوب رحمتك وجنتك واحفظني من الشيطان، ثم اقصد إلى الروضة وهي مابين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله تعالى فيها وتسأله تمام ما خرجت إليه والعون عليه، فإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك، وفي الروضة أفضل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري علي ترعة من ترع الجنة)).

قال ابن حبيب: ثم اقصد إذا قضيت ركعتيك إلى القبر من وجاه القبلة فادن منه ثم سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصل واثن عليه، وعليك السكينة والوقار، فإنه الله صلى الله عليه وسلم يسمع تسليمك ويعلم وقوفك بين يديه، وتسليم على أبي بكر وعمر، وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.
فصل] 3 - يستجيب الاغتسال لأركان الحج كلها [ ويُستحب الغسل لأركان الحج كلها، وسواء كان الرجل طاهراً، والمرأة حائضاً؛ لأنه أريد بذلك التنظيف كغسل الجمعة، وقد اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة للإحرام، واغتسل أيضاً لوقوف عرفة، وكذلك الطواف والسعي إلا أنه يكفيه لهما غسل واحد؛ لأن أحدهما مرتبط بالآخر وتابع له، ويستحب الغسل لدخول مكة؛ لأن الصحابة فعلت ذلك، وروى مالك في الموطأ: أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخوله مكة ولوقوفه عشية عرفة.

وقال مالك - في كتاب محمد -: يغتسل المحرم لإحرامه، ولدخوله مكة، ولرواحه إلى الصلاة بعرفة، وغسل الإحرام أوجبها ويتدلك فيه ويغسل رأسه بما شاء، فأما غسل مكة وعرفة فلا يتدلك فيه، ولا يغسل رأسه إلا بالماء وحده يصبه صباً ولا يغيب رأسه في الماء.
فصل] 4 - من سنن الإحرام: الغسل حتى للحائض والنفساء [ ومن المدونة: قال مالك: ومن أراد الإحرام من رجل أو امرأة فليغتسل كانت المرأة حائضاً أو نفساء أو لا، وهي السنة، ولم يوسع لهم مالك في ترك الغسل إلا من ضرورة، وكان يستحب الغسل ولا يستحب أن يتوضأ من يريد الإحرام ويدع الغسل.
قال في الموطأ: وأن أسماء بنت عميس ولدت

محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((مرها فلتغتسل ثم لتهل)).
قال مالك: وليس علي النفساء والحائض غسل لدخول مكة، قال أشهب: وذلك عليهما لوقوف عرفة.
قال سحنون: ومن ترك الغسل وتوضأ فقد أساء ولا شئ عليه، وكذلك إن ترك الغسل والوضوء.
ابن المواز: قال مال / وليس عليه في ترك الغسل عمداً أو نسياناً دم ولا فديه.
سحنون: وقد أساء.
م: وإنما لم يكن عليه شئ؛ لأنه شئ يفعل قبل انعقاد الحج.
أبو محمد: قال ابن الماجشون: ومن ركع للإحرام فسار ميلاً قبل أن يهل وقد نسي الغسل فليغتسل ثم يركع ثم يهل، وإن ذكره بعد أن أهل تمادى ولا غسل عليه.
وقال أبو القاسم بن الكاتب القروي: اختلف علماؤنا إذا أحرم بغير اغتسال: هل يغتسل بعد إحرامه أم لا يغتسل؛ لأن الإحرام الذي يغتسل له قد كان قبله.

ومن المدونة: قال مالك: ومن اغتسل بالمدينة وهو يريد الإحرام، ثم مضى من فوره إلى ذي الحليفة فأحرم أجزأه غسله، وإن اغتسل بها غدوة، ثم أقام إلى العشاء، ثم راح إلى ذي الحليفة فأحرم لم يجزئه الغسل أعاده.
وإنما يجوز الغسل بالمدينة لرجل يغتسل ثم يركب في فوره، أو رجل يأتي ذا الحليفة فيغتسل إذا أراد الإحرام.
م: كغسل الجمعة الذي هو متصل بالرواح.
قال في كتاب ابن المواز: وإن اغتسل بكرة وتأخر خروجه إلي الظهر كرهته، وهذا طويل.
قال مالك: والغسل بالمدينة عند خروجه، أو بذي الحليفة واسع.
قال ابن حبيب: واستحب عبد الملك: أن يغتسل بالمدينة، ثم يخرج مكانه فيحرم بذي الحليفة، وذلك أفضل، وبالمدينة أغتسل النبي صلى الله عليه وسلم وتجرد ولبس ثوبي إحرامه.
قال أبو محمد: والذي روي من الأحاديث الصحاح من غير رواية ابن حبيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلي الظهر بالمدينة وصلى العصر بذي الحليفة، وبها بات، وبها أمر النبي صل الله عليه وسلم أسماء أن تغتسل حين نفست.

قال سحنون: إذا أردت الخروج من المدينة خروج انطلاق فأت القبر فسلم كما صنعت أول دخولك، ثم اغتسل والبس ثوبي إحرامك، ثم تأتي مسجد ذي الحليفة فتركع به وتهل.
قال مالك: ولا بأس لمن اغتسل بالمدينة أن اغتسل بالمدينة أن يلبس ثيابه إلى ذي الحليفة فينزعها إذا أحرم.
فصل] 5 - من سنن الإحرام: أن يكون عقب صلاة [ ومن المدونة: قال مالك: ويحرم من أتى الميقات أي وقت شاء يجوز فيه التنفل من ليلٍ أو نهار، ولا يُحرِم إلا بأثر صلاة نافلة، أو بأثر فريضة، كان بعدها نافلة أم لا، وأحب إلىٌ أن يُحرم بأثر صلاة نافلة، أو بأثر فريضة، كان بعدها نافلة أم لا، وأحب إلىٌ أن يُحرم بأثر نافلة، وليس لهذه النافلة حَدٌ قال بعض البغداديين: فإن أحرم بغير الصلاة فلا شئ عليه، ويكره له ذلك.
قال: وإنما اخترنا له الإحرام بأثر صلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك فعل، واخترنا له التنفل؛ لأنه زيادة مقصودة لأجل الإحرام، وإنما قلنا إنه إن أحرم عقيب مكتوبة جاز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم عقيب صلاة، فقيل: نافلة، وقيل: فريضة؛ ولأن الإحرام بعد المكتوبة لم يُعرى من صلاة فكان أفضل من الإخلال بها، وإنما قلنا: إن أحرم بغير صلاة

فلا شيء عليه؛ فلأن ذلك مستحب غير واجب.
ومن المدونة: وإن أتى في وقت لا يتنقل فيه بعد الصبح أو العصر وقد صلاهما فلا يبرح حتى يحين وقت صلاة فيصلي ويحرم إلا أن يكون خائفاً أو مراهقاً يخشى فوات الحج وشبه ذلك من العذر فيجوز له أن يحرم وأن يصل.
قال: ولا يحرم في دبر الصلاة في المسجد، ولكن إذا خرج منه ركب راحلته، فإن استوت به في فناء المسجد لبى ولم ينتظر أن تسير به، وإن كان ماشياً فحين يخرج من المسجد متوجهاً للذهاب يحرم ولا ينتظر أن يظهر بالبيداء.
قال بعض البغداديين: أول ما يبدأ فيغتسل، ثم يتجرد الرجل دون المرأة من مخيط الثياب، ثم يدخل المسجد فيصلى، فإذا فرغ من صلاته خرج فركب راحلته وأهل بالتلبية ولم ينتظر أن تنبعث به، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهي حجتنا على الشافعي، وابن حبيب: انه يحرم إذا انبعث، وعلى

أبي حنيفة: أنه يحرم عقب الركوع.

قال بعض البغداديين: ولفظ التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وذلك منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ.
ويكفي منها مرة واحدة؛ لأنه أقل ما يتناوله الإسم، وما زاد على ذلك فمستحب، فإن أخل بها جملة فعلية الدم، لأنها من شرائع الحج وواجبات نسكه، وفعلها، وقال/ "خذوا عني مناسككم "، وقال: " من ترك من نسكه شيئاً فعليه الدم ". ويستحب رفع الأصوات بها للرجال لقوله صلى الله عليه وسلم: " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال " ورواه مالك في الموطأ، ويكره ذلك للنساء

خيفة الفتنة؛ ولأن إخفاءه أستر لهن.
قال أشهب في المجموعة: من اقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروفة اقتصر على حظ وافر، ولا بأس عليه إن زاد على ذلك، فقد زاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك، وزاد ابن عمر: لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل.
قال ابن حبيب: الإهلال بالحج الاستفتاح بالتلبية، وهي إحرام الحج، كما أن التكبيرة الأولى التي بها ترفع اليدان إحرام الصلاة.
تقول رافعاً صوتك خاشعاً لربك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
فهذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى ذلك مالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أصواتهم بالتلبية، وقال: " إن الله يغفر للملبي مدى صوته ويشهد له

ما سمعه من شيء " ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن توجه ناسياً للتلبية من فناء المسجد كان بنيته محرماً، فإن ذكر من قريب لبى، ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك، او نسيه حتى فرغ من حجة فليهريق دماً.
فصل [6 - النية تكفي في الإحرام، ولا يُسمى] قال مالك: ويجزي من أراد الإحرام التلبية، وينوي بها ما أراد من حج أو عمرة، وتكفيه النية في الإحرام، ولا يسمى عمرة ولا حجة، وذلك أحب إلى مالك من تسمية ذلك، وإن كان قارناً فوجه الصواب فيه أن يقول: لبيك بعمرة وحجة، يبدأ بالعمرة في نيته قبل الحج، وتجزئه النية أيضاً.
قال في كتاب ابن المواز: وكانت عائشة رضي الله عنها تسمى في الإحرام بالحج والعمرة، وكان ابن عمر يحرم فينوي.
قال عنه ابن وهب: والتسمية أحب إلي.

قال بعض البغداديين: لأن الإحرام هو الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج والعمرة، فلا يفتقر إلى تلبية بذلك غي انعقادها، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا ينعقد ذلك إلا بنطق.
ودليلنا: أنها عبادة لا يجب الذكر في آخرها فلم يجب في أولها كالصيام عكسه الصلاة، وللاتفاق على أنه إذا قلد الهدى وأشعره ينوى به الإحرام ولم يلب أن إحرامه يصح.
ومن المدونة: قال مالك: ولا ينبغي للرجل أن يلبي فلا يسكت وقد جعل الله لكل شيء قدراً.
قال غيره: ولأن ذلك سرف وخروج عما يتعلق بالندب.
قال: وتستحب التلبية عند إدبار الصلوات؛ لأنها أوقات يستحب فيها، وعند كل شرف؛ لأن ذلك مروي عن الصحابة.

ومن المدونة: قال مالك: ولا ترفع الأصوات بالتلبية في شيء من المساجد إلا في المسجد الحرام ومسجد مني؛ لأنها مواضع الحج، بخلاف غيرها.
قال في كتاب ابن المواز: ويسمع نفسه ومن يليه في جميع المساجد غير المسجد الحرام ومسجد منى فليرتفع صوته فيهما.
قال أشهب في المجموعة: لأن ذلك يكثر فيهما ولا يشتهر بذلك الملبي؛ لأنهما موضع ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: ويلبي الحاج والقارن في المسجد الحرام، وأهل مكة في التلبية كغيرهم من الناس، وحد ما ترفع به المرأة صوتها عند مالك قدر ما تسمع نفسها.
وكره مالك أن يلبي من لا يريد الحج ورآه خرقاً لمن فعله.
فصل [7 - الإحرام بحج أو عمرة ينعقد بالنية، وافقها لفظه أو خالفها] ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: ومن أراد أن يهل بالحج مفردا فأخطأ فقرن، أو تكلم بالعمرة فليس ذلك بشيء، وهو على حجه.
قال مالك: وما كان لله على نيته.
قال في العتيبة: ثم رجع مالك فقال: عليه دم، وقاله ابن القاسم.

قال ابن المواز: ومن لبى يريد الإحرام ولم ينو شيئاً فالاستحسان: أن يفرد، والقياس: أن يقرن، ولو نوى شيئاً فنسيه فهذا قارن لابد، وقال أشهب في المجموعة.
م: لأن القرآن يجمع الحج والعمرة، فما كان نواه لا يخرج عنه.
قال ابن المواز: وإن لبى بحجتين أو عمرتين فليس إلا حجة واحدة ولا يقضي الأخرى، قال أبو محمد: يريد: وإن نوى عمرتين لم يقض الأخرى.

[الباب الثالث]

جاء ما جاء في تقليد الهدى وإشعاره في الإحرام ومن السنة: تقليد الهدى، في جانبه الأيسر عرضاً، ويسمي.

الله عند الإشعار، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك.
قال أبو حنيفة: الإشعار بدعة.

وفائدة الإشعار والتقليد: أن يعلم ما رآه إذا ضل أنه هدى قد وجب، فلا يقدم عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فمن أراد الإحرام ومعه هدي فليقلده، ثم يشعره، ثم يجلله، وكل ذلك واسع، ثم يدخل المسجد فيركع ويحرم كما وصفنا.
قيل: فإن أراد أن يقلد ويشعر بذي الحليفة ويؤخر إحرامه إلى الجحفة؟.
قال: لا يفعل ولا ينبغي له أن يقلد ويشعر إلا عندما يريد أن يحرم، ثم يحرم عقيب تقليده وإشعاره، إلا أن يكون لا يريد الحج فجائز أن يقلد بذي الحليفة.
قال: وإن لم يكن معه هدي وأراد أن يهدي فيما يستقبل فله أن يحرم ويؤخر الهدي.
قال: ومن قلد هديه وهو يريد الذهاب معه إلى مكة بالتقليد أو بالإشعار أو بالتجليل محرماً حيث يحرم.
قال إسماعيل القاضي في كتاب الأحكام: لا خلاف أنه إذا قلد هديه أو أشعره يريد بذلك الإحرام أنه محرم، وهو مذهب مالك، وإنما الخلاف إذا لم يرد الإحرام.

ومن المدونة: قال مالك: ويقلد هدي جزاء الصيد، وما كان من هدي عن جماع، وهدي ما نقص من حجه، والهدي كله يقلد ويشعر خلا الغنم فإنها لا تقلد ولا تشعر.
وقال ابن حبيب: تقلد الغنم ولا تشعر، وروى ذلك عن عائشة، وعطاء.
ولم ير مالك أن تقلد.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا دخل الهدي في الحج فلا ينحره إلا يوم النحر بمنى، فإن لم يفعل نحره بمكة بعد ذلك، ويسوقه إلى الحل إن كان اشتراه من الحرم، وإن أدخله معه من الحل إلى مكة فنحره بها أجزاء عنه.
ومن جهل أن يقلد بدنته أو يشعرها من حيث ساقها حتى نحرها، وقد كان أوقفها أجرأته.
قال: وتقلد البقر ولا تشعر إلا أن يكون لها أسنمة فتشعر.
ابن حبيب: وروي عن ابن عمر، وابن شهاب: أنها تشعر، كانت لها أسنمة أو لم تكن.
وبه أقول.

ومن المدونة: قال مالك: ولا تقلد فدية الأذى ولا تشعر، لأنها نسك، ومن شاء قلدها وجعلها هدياً.
قال: والإشعار في الجانب الأيسر من أسنمتها عرضاً.
قال ابن حبيب، ورواه عن ابن عمر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا تقلد بالأوتار، تقول عائشة رضي الله عنها: "وكنت أفتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلائد هديه".
ومن كتاب ابن المواز: قال ملك: تقلد البدن عند الإحرام بنعلين في رقبتها، ثثم تشعر في شقها الأيسر عرضاً، ووجوهها إلى القبلة، ثم تجلل إن أحب، وليس الجلال بواجب، ويقول إذا أشعرها: بسم الله، والله أكبر، ثم يركع، ثم يحرم.
قال مالك: وكان ابن عمر يشعر بدنته من الشقين جميعا إن كانت صعابا، وإن كانت ذللا أشعرها من الشق الأيسر، قال في العتبية: ولم يشعرها من الشقين جميعاً؛ لأنه سنة، ولكن ليذللها، وإنما السنة في الشق الأيسر في الصعاب وغيرها.
وقال ابن المواز - في قوله: يشعرها من الشقين - أي: من أي الشقين /

جارٍ التحميل