الجامع لمسائل المدونةصفحات 623-632

كتاب الهبة والهبات

صفحات 623-632

وقال ابن القاسم: لا عصرة بعد الوطء، ويصدق الابن في دعواه الوطءز قال يحيى بن عمر- رحمه الله-: وذلك إذا غاب عليها الولد.
قال مالك في المدونة: إذا نحل ابنه الكبير أمة فوطئها الابن لم يكن للأب اعتصارها.
قال أصبغ في العتبية: إذا وهبه والابن متزوج أو مديان أو مريض فله أن يعتصر في تلك الحال حتى يحول إلى غيره، وكذلك عنه في كتاب ابن حبيب.
قال ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: ليس له أن يعتصر كما لو تقدمت العطية هذه الحوادث.
وفي المدونة: وقضى عمر بن عبد العزيز نحل ابنه بعد أن نكح أن للأب أن يعتصر ذلك.
قال عيسى عن ابن القاسم: في الابن البائن التاجر وهو ذو مال ولا يُولى عليه يهبه أبوه ثم يتزوج ويعلم الناس أنه لم يتزوج لتلك الهبة، قال: فليعتصر منه إلا أن يأتي من ذلك من زيادة اليسر بها ما يُعلم أنه نكح لذلك، فأما أن ينحله عبدًا ثمن عشرين دينارًا وهو رب ألف دينار فليعتصر من

هذا إذا تزوج، وكذلك ما يشبه هذا مما يُعلم أنه لم ينكح لذلك.
ابن حبيب: إذا كانت قليلة لا يرى أن من أجلها ادان أو زوج لقلتها فله أن يعتصر.
ورواه مطرف عن مالك، وقال به وقاله أصبغ، وبه أقول.
وقال ابن الماجشون عن مالك: ذلم يمنع الاعتصار وهو قد قوي بها.
قال سحنون: فيمن نحل ابنه الصغير دنانير جعلها له بيد رجل ثم صاغها له حليًا فليس له اعتصار؛ لأنه قد غيره عن حاله، كما لو اشترى له بها جارية ثم أراد اعتصارها، وكذلك روى ابن وهب عن مالك.
قال سحنون: ومن وهب لابنه هبة يريد بها الصلة فلا يجوز أن يعتصرها منه كان الابن صغيرًا أو كبيرًا؛ لأنها كالصدقة، وذلك مثل أن يكون ابنه أو ابنته محتاجين، وإنما يعتصر منه إذا كان الابن في حجره أو بائنًا عنه وله أموال كثيرة.
قال ابن الماجشون: وإذا وهب لولده لله عز وجل أو لوجه الله تعالى أو لطلب الآخرة أو لصلة رحم فلا يعتصرها، وإنما يعتصر إذا وهب أو نحل نحلة مرسلة ولم يقل صلة رحم ولا لوجه الله تعالى ولا لطلب الثواب من الله سبحانه فهذا يعتصر، وقاله أصبغ.

[(4) في اعتصار الوالد صدقته على ابنه وهبته له] [المسألة الأولى: في اعتصار الأب صدقته على ابنه وفي اعتصار الولد من الوالد] ومن المدونة قال ربيعة ومالك: ولا يعتصر الأب صدقته على ابنه وإن عقه، قال ربيعة: ولا يعتصر الولد من الوالد.
[المسالة الثانية: في اعتصار غير الأبوين] قلت: فهل يجوز لغير الأبوين من جد أو جدة أو عم أو عمة أو خال أو خالة أو غيرهم اعتصار هبتهم؟ قال: لا يجوز الاعتصار في قول مالك إلا للوالد والوالدة ولا يجوز لأحد غيرهم.
محمد: قال مالك: وللأم من الاعتصار ما للأب، واختلف قوله في الجد والجدة: فروى عنه ابن وهب أنه لا يعتصر وهو لا تلزمه النفقة، ويرث معه الإخوة، ولا يكون بيده بضع بنات الابن.
وروى عنه أشهب: أن الجد والجدة يعتصران كالأبوين.
وقاله ابن عبد الحكم.
قال: وقد قيل أن ليس لأحد أن يعتصر إلا الأبوان.
[المسالة الثالثة: هل للأبوين طلب الثواب فيما ليس لهما اعتصاره؟] قال: ولا ثواب للأبوين فيما ليس لهما أن يعتصرا، وما كان له اعتصاره

فأثابه الابن منه فليس فيه اعتصار، وهو كالبيع، وكذلك إن أثابه عنه غيره.
[المسالة الرابعة: في اعتصار الهبة إذا نمت في بدنها قال: وإذا نمت الهبة في بدنها فلا اعتصار للأب، وإذا نقصت في هبة الأجنبي: فقال أشهب: للأجنبي الواهب أخذها بنقصها كما للموهوب له ردها بزيادتها.
وقال ابن القاسم: قد وجبت القيمة ولا ترد إلا باجتماعها.
[المسألة الخامسة: في اعتصار الأب في حوالة السوق، وهل له إذا ادان دينًا أن يعتصر؟ وفي اعتصار الأب في مرض الابن] وللأب أن يعتصر في حوالة الأسواق، وذلك في الأجنبي فوت يوجب القيمة، وليس للأب إذا ادان دينًا أن يعتصر، ولا لغرمائه أخذ ذلك منه، وإن مرض الأب فلا اعتصار له، وإن مرض الابن فلا أدري.

[الباب السابع] في هبة الثواب وقبضها بغير أمر الواهب وهي

لثواب أو غيره، وما لا ثواب فيه من الهبات

[(1) فصل: في هبة الثواب] وفي حديث عمر رضي الله عنه: (ومن وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها) وقد جرى في غير وجه من الأحكام أن المتعارف كالمشترط والهبة للثواب كالبيع في أكثر الحالات، وإن لم يسم العوض عند الهبة أجازه العلماء على ما روي عن عمر وغيره، وخالفت البيع في هذا كخلاف نكاح التفويض لنكح التسمية وكلاهما نكاح فيه عوض، ولا بأس باشتراط الثوب عند الهبة وإن لم يوصف، وأبى ذلك عبد الملك إذا اشترط الثواب، وبعد ذلك تأتي الحجة فيه.
[(2) فصل: في قبض الهبة بغير أمر الواهب] قال مالك: ومن وهب لرجل هبة لغير الثواب فقبضها الموهوب بغير أمر الواهب جاز قبضه، إذ يُقضى على الواهب بذلك إذا منعه إياها، فأما هبة الثواب فللواهب منعها حتى يقبض العوض كالبيع، ولو قبضها الموهوب قبل الثواب وقف، فإما أثابه أو ردها، ويتلوم لها تلومًا لا يضر بهما فيه، وإن مات الواهب للثواب والهبة بيده فهي نافذة كالبيع، وللموهوب قبضها إن دفع

العوض للورثة، وإن مات الموهوب قبل أن يثيب الواهب فلورثته في الهبة ما كان له وعليهم من الثواب ما كان عليه.
[(3) فصل فيما لا ثواب فيه من الهبات التي تكون بين الناس] قال مالك: ولا ثواب في هبة الدنانير والدراهم وإن وهبها فقير لغني، وما علمته من عمل الناس.
قال ابن القاسم: إلا أن يشترط الثواب فيثاب عرضًا أو طعامًا.
قال في كتاب ابن المواز: فإن اشترط في ذلك الثواب فهي هبة مردودة.
وقاله أشهب.
قال محمد: إنما لم يكن في العين ثواب؛ لأن العين هي الأثمان المرجوع بالقيمة إليها، فكأنها بيعت بما لا يُعرف من أصناف العروض.
قال فيه وفي العتبية: ولا ثواب في ذهب ولا فضة غير مسكوك ولا في التبر والسبائك والنقار والحلي المكسور.
قال فيه وفي المدونة: وأجاز مالك هبة الحلي المصوغ للثواب، والعوض عليه يعاوض عروضًا.

قال في كتاب محمد: أو يعاض عن الذهب ورقًا، وعن الورق ذهبًا.
قال محمد: لا يجوز هذا بحال، وكذلك في المدونة لا يُعاوض من ذلك عينًا ولا ذهبًا أو فضة.
[المسألة الثانية: في هبة الفواكه والرطب وشبهه] قال مالك: وإذا قدم غني من سفره فأهدى له جاره الفقير الفواكه والرطب وشبهه ثم قام يطلب الثواب، وقال إنما أهديت إليه رجاء أن يكسوني أو يصنع بي خيرًا فلا شيء فيه لغني أو فقير.
قال ابن القاسم: ولا له أخذ هديته وإن كانت قائمة بعينها.
محمد: وقاله كله أشهب أيضًا.
قال أبو محمد: وذكر أبو بكر بن محمد أن بعض أصحابنا يرى له أخذها ما لم تفت.
محمد: وأما القمح والشعير يوهب للثواب ففيه الثواب.
[(4) فصل فيما لا ثواب فيه من الهبات بين الزوجين والولد والوالد والأقارب، وهبة السلطان للثواب] [المسالة الأولى: في هبة الزوجين والولد والوالد] ومن المدونة: ولا يُقضى بين زوجين بالثواب في الهبة ولا بين ولد ووالده

إلا أن يظهر ابتغاء الثواب بينهم، مثل أن تكون للمرأة جارية فارهة يطلبها منها زوجها، وهو موسر فأعطته إياها تريد بذلك استغزارًا لصلته وعطيته، والرجل كذلك يهب لامرأته، والابن لأبيه مما يُرى أنه أراد بذلك استغزار ما عند أبيه، فإذا كان مثل منهما في هبته، فإن لم يكن وجه ما ذكرنا فلا ثواب بينهما.
وقال ربيعة: ما أعطى أحد الزوجين لصاحبه من عطية أو صدقة بت فلا ثواب بينهما، ولا لأحدهما أن يرجع فيما أعطى صاحبه إلا أن يشترطا ثوابًا فيلزمهما، وقاله مالك.
[المسالة الثانية: في هبة الأقارب وذوي الرحم] قال ابن القاسم: وما وهبت لقرابتك وذوي رحمك وعلم أنك أردت ثوابًا فذلك لك إن أثابوك، وإلا رجعت فيها، وما عُلم أنه ليس لثواب كصلتك لفقيرهم وأنت غني فلا ثواب لك، ولا تُصدق أنك أردته، ولا رجعة لك في هبتك، وكذلك هبة غني لأجنبي فقير أو فقير لفقير ثم يدعي أنه أراد الثواب فلا يُصدق إذا لم يشترط ولا رجعة له في هبته، وأما إن وهب فقير لغني أو غني لغني، فهو مصدق أنه أراد الثواب، فإن أثابوه وإلا رجع في هبته.
[المسالة الثالثة: في هبة السلطان للثواب] محمد: قال أشهب: إلا ما وهب ذو سلطان لغني فلا ثواب له، إذ لا يُعلم ذلك من السلاطين.

[الباب الثامن] فيما له أن يرجع فيه من هبة الثواب وما لا رجوع له فيه

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من وهب هبة يرى أنه أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها، وإن هلكت فله شراؤها بعد أن يحلف بالله تعالى ما وهبها إلا رجاء أن يثيبه عليها) قال ابن حبيب قال مطرف: في هبة الثواب إذا أثابه قبل فوتها القيمة أو أكثر فالواهب مخير في قبول ذلك أو ردها على ظاهر حديث عمر رضي الله عنه- فهو على هبته إن لم يرض منها- إلا أن تفوت بموت أو وطء- وإن لم تحمل- وشبه ذلك، ولا يفيتها زيادة سوق ولا نقصه، ولا زيادة بدن ولا نقصه.
وقال ابن الماجشون: إذا أثابه القيمة فلا حجة له وإن لم تفت وهو معنى حديث عمر لقوله: ما لم يرض منها، فجعل رضاه بيد الموهوب، فإذا أثابه القيمة فلا حجة له، وكذلك قال ابن القاسم ورأى أن النماء والنقص فوت.
[المسألة الأولى: فيمن وهب عبدًا لرجلين فعوضه أحدهما] ومن المدونة: ومن وهب عبدًا لرجلين فعوضه أحدهما من حصته فله الرجوع في حصة الآخر إن لم يعوضه، كقول مالك: فيمن باع عبدًا من رجلين في صفقة، فنقده أحدهما حصته من الثمن وفلس الآخر أن بائعه أحق بنصيب الآخر من الغرماء إلا أن يدفعوا إليه حصته من الثمن.
[المسألة الثانية: إذا عوض الواهب أجنبي عن الموهوب بغير أمره] وإذا عوض الواهب أجنبي عن الموهوب بغير أمره، ثم أراد أن يرجع على

الواهب في عوضه لم يكن له ذلك، ولكن إن رأى أنه أراد ثوابًا من الموهوب رجع بقيمة العوض- يريد: يرجع عليه بالأقل من قيمة الهبة أو قيمة العوض- إلا أن يكون العوض دنانير أو دراهم فلا يرجع عليه بشيء إلا أن يريد به سلفًا فله اتباعه بذلك، وإن لم يُرد ثوابًا ولا سلفًا فلا شيء له.
قال محمد: وإن أثاب عنه قبل تغير الهبة خير الموهوب، فإن شاء رد الهبة على الواهب، ورجع المثيب بما أثاب على من أعطاه، وإن شاء حبس الهبة ودفع إلى المثيب الأقل من قيمة الهبة أو العوض.

جارٍ التحميل