الجامع لمسائل المدونةصفحات 381-420

كتاب القسم الثاني

صفحات 381-420

أو كثر، وكذلك الولد.
وحكم الإخوة والأخوات للأب إذا انفردوا حكم الإخوة والأخوات الشقائق سواء في جميع الوجوه، فإذا اجتمعوا كان حكمهم كحكم ولد الابن إذا انفرد مع ولد الصلب في جميع الأحوال إن كان في الأشقاء ذكر سقط الذي للأب أجمع.
وإن كانت الشقيقة أنثى أخذت النصف، ونظر في الذين للأب فإن كان فيهم ذكر كان لهم ما بقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كانوا ذكورا كان ما بقي بينهم بالسواء، وإن كانت أنثى أو إناثا كان لهن السدس تكملة الثلثين، وإن كان الأشقاء أختين كان لهما الثلثان ولا شيء للأخوات للأب إلا أن يكون معهن ذكر فيكون ما بقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، حكمهم كحكم ولد الابن مع ولد الصلب في جميع الوجوه.

[الباب الثالث]

ذكر من يرث بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبإجماع الأمة

[فصل 1 - في ميراث الجد] أجمعت الأمة على توريث الجد أب الأب فقام مقام الأب في عدم الأب إذا انفرد أو كان مع الولد أو الأم أو الزوجين.
واختلف في قدر ميراثه مع الإخوة، وقد أفردت له بابا فيه تفريع منازله مع العصبات وذوي السهام، واختلاف القول في ذلك مبينا مشروحا.
[فصل 2 - في ميراث بنت الابن مع البنت، والأخت مع البنت] وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراث بنت الابن، والأخت مع البنت، وتوريث الجدة، والعصبة، ومولاة النعمة.
وروى البخاري عن آدم ابن أبي إياس عن شعبة عن أبي قيس قال:

سمعت هزيل بن شرحبيل يقول: سئل أبو موسى الأشعري عن بنت وابنة ابن وأخت، فقال: للبنت النصف وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فإنه سيتابعني! فسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين! أقضي فيهما بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للبنت النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت.
ففي هذا الحديث أدلة:- أحدها: توريث بنت الابن مع البنت.
والثاني: توريث الأخت مع البنت، فدل بذلك أن الأخوات عصبة البنات.
والثالث: إثبات الثلثين للابنتين، حجة على من قال: لهما النصف؛ لأنه إذا كان للبنت وابنة الابن على بعدهما الثلثان كان للابنتين أحرى أن يكون لهم الثلثان، فإيجابه للبنتين أولى.

وقد فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنتي سعد بن الربيع من أبيهما الثلثين.
قال ابن سحنون: وهو أول ميراث قسم في الإسلام.
[فصل 3 - في ميراث الجدة] وأما ميراث الجدة، فروى مالك عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها؟ فقال لها أبو بكر: مالك في كتاب الله من شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فارجعي حتى اسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن

شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله من شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا غيرك، وما أنا بزائد في الفرائض شيئا، ولكن هو ذلك السدس، فغن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها.
قال شيخنا أبو بكر: وقد قيل: إنه أراد إسقاطها، فقام إليه رجل من الأنصار فقال يا أمير المؤمنين: إنك لتسقط التي لو تركت الدنيا وما عليها لكان ابن ابنها وارثها، وتورث التي لو تركت الدنيا وما عليها لم يرثها ابن ابنتها، فقال: حينئذ ما قال.
ورأيت في غيره أن مالكا روى عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال:

أتت الجدتان إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الأم، فقال له رجل من الأنصار: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي لكان يرثها، فجعل أبو بكر السدس بينهما.
ولا يرث عند مالك أكثر من جدتين: أم الأم وأم الأب، فإن عدمتا فأمهاتهما، فإن اجتمعتا وكانتا في درجة واحدة جعل السدس بينهما، وكذلك إن اختلفتا وكانت التي من قبل الأم أبعد، فإنه يجعل السدس بينهما، وإن كانت التي من قبل الأم أقرب كان السدس لها خاصة من أجل أن التي من قبل الأم هي التي ثبت توريثها من النبي عليه الصلاة والسلام.
وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه، وهو المشهور عن زيد بن ثابت.
وروى عن علي بن أبي طالب: أنه جعل السدس للقربى كانت من قبل الأم أو الأب، وإن استوتا فهو بينهما.

وبعد هذا أذكر اختلاف الناس في توريث الجدات مشروحا إن شاء الله.
[فصل 4 - في ميراث العصبة] وأما ميراث العصبة من السنة فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ألحفوا الفرائض بأهلها، فما أبقت السهام فلأولى رجل ذكر".
والعصبة الذين يرثون بالسنة والإجماع:- ذكور ولدك الذكور وإن سلفوا، وذكور ولد أبيك الذكور وإن سلفوا، وذكور ولد جدك الذكور وإن علوا.
وسيأتي ترتيب منازلهم بعد هذا إن شاء الله تعالى.
[فصل 5 - في ميراث الموالي] وأما الميراث بالولاء فقد روى سحنون عن ابن وهب عن عيسى بن يونس عن

إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن مولى لابنة حمزة بن عبد المطلب مات وله ابنة، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه بين ابنته وابنة حمزة نصفين.
قال ابن سحنون: وروى حسين بن علي الجعفي هن زائدة عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الله بن شداد عن ابنة حمزة قال محمد: وهي أخت ابن شداد لأمه، قالت: مات مولاي وترك ابنته، فقسم

رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله بيني وبين ابنته، فجعل لها النصف ولي النصف.
قال سحنون: فليس لأحد مع فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة.
قال أبو بكر: ففي هذا الحديث توريث المولى، وإبطال الرد على البنت معه.
وروى محمد بن سحنون عن علي بن أبي طالب في بنت ومولى، للبنت النصف، وللمولى النصف.
وروى إسماعيل القاضي: أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: أن أختا لي سافحت في الجاهلية، فولدت غلاما فسبي ففديته من العدو، ثم إن الغلام مات وترك إبلا، فقال عمر للخال: ما يصيبك منه إلا ما يصيب المسلمين، فقال ابن مسعود: يا أمير المؤمنين إن لم تعده لقرابته فأعطه؛ لأنه مولى نعمة، ففعل.
ففي هذا الخبر أن عمر لم يورث الخال لأنه من ذوي الأرحام، وإنما ورثه لأنه مولى نعمة.

[الباب الرابع]

باب ميراث العصبة وترتيب منازلهم

[1 - فصل 1 - أدلة ميراث العصبة] قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس: ليس أحد يرث من العصبة بصريح الكتاب إلا ولد الصلب، والأب، والإخوة.
وأما سواهم فيرث بدليل الكتاب وبالسنة وإجماع الأمة.
فالذين يرثون بدليل الكتاب: هم ولد الولد؛ لوقوعهم تحت اسم الولد، وكذلك الأجداد للأب لوقوعهم تحت اسم الأبوة وميراثهم وميراث بني الإخوة والعمومة وبنيهم بالسنة والإجماع.
فالسنة: قوله صلى الله عليه وسلم: «ألقوا الفرائض بأهلها فما أبقت السهام فلأولى رجل ذكر».

وقد أجمعت الأمة على توريثهم.
والعصبة: اسم واقع على كل من لم يكن له في الفريضة سهم معلوم، وإنما يرث المال أو ما فضل منه بعد فرض ذوي السهام، وليس في العصبة من له فرض معلوم إلا الأب فإنه يفرض له مع الولد، وكذلك الجد يقوم مع الولد مقام الأب إذا لم يكن له أب ولا أخوة.
[فصل 2 - في أقسام العصبة] وتوريث العصبة على ثلاثة أقسام:- فالأول: أن تعلم أن من قرب إليك من عصبة ولدك هو أولى بالميراث ممن هو أسفل منه، وكذلك من قرب إليك من عصبة أبيك أولى بالميراث ممن هو أعلى منه، وكذلك عصبة جدك لأبيك.
وبيان ذلك: أن يترك الموروث: ابنا، وابن ابن فالمال للابن سوى ابن الابن.
وكذلك لو ترك ابن ابن، وابن ابن ابن فالمال لابن الابن دون ابن ابن الابن، تجعل المال أبدا للأعلى؛ لأنه أقرب بطنا.

وكذلك إن ترك أخاه، وابن أخيه فالمال لأخيه.
وإن ترك ابن أخيه، وابن ابن أخيه فالمال لابن أخيه.
وكذلك إن ترك عمه، وابن عمه فالمال لعمه.
وإن ترك ابن عمه، وابن ابن عمه فالمال لابن عمه، تجعل المال أبدا للأعلى؛ لأنه أقرب نسبا.
وكذلك إن ترك أباه وجده فالمال لأبيه.
وإن ترك جده وجد أبيه فالمال لجده؛ لأنه أقرب، وبه يتقرب الأبعد فهو أولى.
والثاني: أن تعلم أن عصبة ولدك أولى من عصبة ولد أبيك؛ لأن ولدك أقرب إليك من أبيك فعصبته أولى من عصبة أبيك، وتعلم -أيضا- أن عصبة ولد أبيك أولى من عصبة ولد جدك؛ لأن أباك أقرب إليك من جدك فعصبته أولى.
مثال ذلك: لو ترك الموروث ابنه أو ابن ابنه وأخاه فالمال لابنه أو ابن ابنه وإن سفل دون أخيه؛ لأن ابنه من صلبه، وأخاه من صلب أبيه.
وإن ترك أخا أو ابن أخ وعما فالمال للأخ أو ابن الأخ وإن سفل دون العم؛ لأن أخاه اجتمع معه في صلب أبيه، وعمه في صلب جده، فالأقرب أولى.
والثالث: أن يترك الموروث وارثين متساويين في الطبقة إلا أن أحدهما يدلي بقرابة الأب والأم، والثاني يدلي بقرابة الأب خاصة، فاجعل الميراث للذي يدلي بالقرابتين.

وإن اختلفت منزلتهما فاجعل المال للأعلى.
مثاله: أن يترك الموروث أخا شقيقا وأخا للأب فالمال للشقيق.
وإن ترك ابن أخ شقيق وابن أخ لأب فالمال لابن الأخ الشقيق.
وإن كان للشقيق ابن ابن أخ فالمال لابن الأخ للأب، هكذا أبدا إذا استوت منزلتهما فالشقيق أولى، وإن اختلفت فالأعلى أولى.
وكذلك العمومة في هذا المعنى.
ومنه -أيضا- أن يترك الهالك: ابن ابن، وعشرة ابن ابن آخر فالمال بينهم بالسواء.
وكذلك ابن عم، وعشرة بني عم آخر فالمال بينهم بالسواء؛ لاستواء منزلتهم، ولا يرث كل فريق ما كان يرثه أباه؛ لأنهم إنما يرثون بأنفسهم لا بآبائهم.
ولا يرث ولد الإخوة للأم ولا بنات الإخوة للأب ولا بنات العمومة عند مالك وأصحابه؛ لأنهم من ذوي الأرحام.

[الباب الخامس]

باب ذكر ذوي الأرحام الذين ليسوا بذوي سهام ولا عصبة

[فصل 1 - عدة ذوي الأرحام وذكر الاختلاف في توريثهم] قال أبو بكر: اختلف في توريث ذوي الأرحام الذين ليسوا بذوي سهام ولا عصبة وهم ثلاثة عشر: ستة من الرجال، وسبعة من النساء.
فالذين من الرجال: الجد أبو الأم، وابن البنت، والخال، وابن الأخت من أي وجه كانت، وابن الأخ للأم، والعم أخو الأب لأمه.
ومن النساء: بنت البنت، وبنت الأخ، وبنت الأخت من أي وجه كان الأخ والأخت، وبنت العم من أي وجه كان، والجدة أم أبي الأم، والعمة من أي وجه كانت، والخالة من أي وجه كانت.
فذهب زيد بن ثابت، ونحوه عن ابن عمر: أنه لم يورث أحداً ممن ذكرنا ولا آباءهم ولا أبناءهم.
وبه قال: مالك، والشافعي، وأكثر أهل الحجاز.

وذهب عمر، وعلي، وابن مسعود، وجماعة من أهل العلم، وأهل العراق إلى توريثهم إذا لم يكن ثم ذو سهم من ذوي الأنساب، ولا عصبة، ولا موالي نعمة.
[فصل 2 - في ترتيب منازل ذوي الأرحام] واختلف من قال بتوريثهم: هل يورث الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات، أو يورث كل واحد نصيب الوارث الذي تمت به، وإن كان الذي تمت به يرث ممن يحوز جميع المال إذا انفرد دخل هذا مدخله، فإن كان ممن لا يحوز جميع المال إلا بالرد عليه حل هذا -أيضا- محله.
وإلى هذا ذهب عمر، وعلي، وابن مسعود فيما روي عنهم، وإليه ذهبت جماعة من العلماء.

وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنهم يرثون على ترتيب العصبات الأقرب فالأقرب.
وقد أفردنا لذوي الأرحام بابا بعد هذا فيه كيفية ميراثهم على منازلهم، ووجه كل قول والاحتجاج عليه.

[الباب السادس]

باب ذكر الاختلاف المشهور عن الصحابة والفقهاء في مسائل الصلب

[فصل 1 - في ذكر موافقة ومخالفة الصحابة بعضهم في مسائل الصليب] قال أبو الحسن ابن اللبان البغدادي: اتفق علي وزيد بن ثابت رضي الله عنهما في جميع الصلب إلا في المشتركة وهي: زوج وأم وإخوة لأم وإخوة شقائق فاختلف عنهم فيها وسيأتي شرح هذا.
وكل مسألة خالف فيها ابن عباس عليا وزيدا رضي اللع عنهما، وافقهما فيها ابن مسعود.
وكل مسألة خالف فيها ابن مسعود عليا وزيدا، وافقهما فيها ابن عباس.
وهذا في مسائل الصلب خاصة.
[فصل 2 - في ذكر مفردات ابن عباس] وانفرد ابن عباس عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بخمس مسائل:-

[الأولى] منها: زوج وأبوان، وزوجة وأبوان فأعطى للأم ثلث جميع المال في المسألتين، وكان عمر وعلي وزيد وابن مسعود يعدونها ثلث ما بقي بعد فرض الزوج والزوجة، وبه قال عامة الفقهاء.
[الثانية] ولم يعل المسائل.
[الثالثة] وأخل النقص على البنات وبنات الابن والأخوات الأشقاء أو لأب، ووافقه على ذلك جماعة من التابعين، وعليها سائر الصحابة والفقهاء.
[الرابعة] ولم يجعل الأخوات عصبة البنات، وجعلهن سائر الصحابة والفقهاء.
[الخامسة] ولم يحجب الأم بدون الثلاثة من الإخوة، وحجبها باثنين عامة الصحابة والفقهاء.
[فصل 3 - في ذكر مفردات ابن مسعود] وانفرد -أيضا- ابن مسعود بخمسة أصول:- [الأول] كان يحجب الزوج والزوجة والأم بالكفار دون العبيد والقاتلين.
وروي عنه -أيضاً- أنه اسقط الأخوات بالولد المشرك والولد المملوك.
وروي أنه لم يسقطهن.
وروي عنه أنه أسقط الجدة بالأم المشركة والمملوكة.
وروي أنه لم يسقطها.
وكان علي وزيد وفقهاء الأمصار لا يجبون إلا بالحر المسلم غير القاتل.
[الثاني] وكان ابن مسعود إذا استكمل البنات الثلثين جعل الباقي لبني البنين دون أخواتهن.

[الثالث] وإذا استكمل الأخوات الشقائق الثلثين جعل الباقي للإخوة للأب دون أخواتهن، وكان سائر الصحابة يجعلون الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
[الرابع] وكان يقول في بنت وبنات ابن وبني ابن للبنت النصف، ولبنات الابن للأحق بهن من المقاسمة أو السدس، ويجعل الباقي لبني الابن.
[الخامس] وكذلك في أخت شقيقة وأخوات وأخوة لأب، جعل للأخوات للأب للأحق بهن من المقاسمة أو السدس، وجعل الباقي للإخوة، وكذلك إن كان مع البنت أو الأخت ذو فرض.
وكان سائر الصحابة والفقهاء يجعلون الباقي من فرض ذوي السهام بين الإناث والذكور للذكر مثل حظ الأنثيين.
[فصل 4 - اختلاف الصحابة في ميراث ابني عم أحدهما لأم] واختلفوا في ابني عم أحدهما أخ لأم، فكان عمر وابن مسعود يجعلان المال كله للأخ للأم؛ كالأخ الشقيق مع الأخوة للأب، وبه قال أشهب.

وكان علي وزيد وابن عباس يعطون للأخ فرضه، ويقسمون الباقي بينهما.
وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة.
[فصل 5 - تفريع مسائل الصلب، وذكر احتجاج كل فريق] وذكر ابن شفاعة الاحتجاج لكل قول فقال: اختلف الصحابة في مسائل الصلب في أربع عشرة مسألة غير مسائل العول.
فمنها: أن يخلف الهالك بنتا وأختا شقيقة أو لأب.
فذهب علي وزيد وابن مسعود أن للابنة النصف وما بقي فللأخت، وجعلوا الأخوات عصبة البنات، وبه قال عامة الفقهاء.
وقال ابن عباس للبنت النصف وما بقي فللعصبة، ولاحظ للأخت مع البنت لقول الله تعالى: ﴿امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ وأنتم تجعلون لها مع الولد النصف.
ودليل الجماعة أن الله تعالى قال عقيب هذا: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ فيجب على هذا ألا يرث مع البنت؛ لأنها ولد.

وقد أجمعوا أن الأخ يرث مع البنت بأصل الميراث فدل إجماعهم أن ليس الولد المذكور ههنا هو البنت التي تأخذ نصف المال والأخ بقيته, بل الولد المذكور هو الولد الذي لا يبقي من المال للأخ ولا للأخت شيئا, فإذا كانت بنتا أخذ ما فضل عنها بالتعصيب.
وقد روى أن النبي عليه السلام ورث الأخت مع البنت وابنة الابن, وهو ما روي عن هزيل بن شرحبيل أنه قال: جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسليمان بن ربيعة الباهلي فسألهما عن بنت وابنة ابن وأخت شقيقة, فقالا: للبنت النصف وما بقي فللأخت, وائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا, فأتى الرجل ابن مسعود فأخبره بما قالا, فقال ابن مسعود: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ولكني سأقضي فيها بما قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: للبنت النصف ولابنة الابن السدس تمام الثلثين وما بقي فللأخت, فلا أقول لأحد مع النبي عليه السلام.
ومنها أن يخلف الموروث: أما وأخوين.

فذهب عمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود رضي الله عنهم إلى أن للأم السدس وما بقي فللأخوين, وحجبها الأخوان عن السدس الآخر, وبه قال عامة الفقهاء.
وذهب ابن عباس أن للأم الثلث وما بقي للأخوين, واحتج بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:11] قال: فالإخوة ثلاثة فصاعدا.
والدليل للجماعة أن أصل الجمع عند أهل العربية التثنية, والعرب قد يسمون الاثنين باسم الجماعة.
والدليل لذلك من الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال الله العظيم: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:78] ولم يقل لحكمهما.
وقال في الخصمين: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص:21 - 22] ولم يقل: تسورا المحراب, ولا دخلا, ولا قالا.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة».
وقد أجمعت الأمة: أن الموروث إذا ترك أخا وأختين لأبوين أو لأب فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين, فقد أقامهما مقام الإخوة لقوله تعالى: {وَإِنْ

كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء:176], فلما كان ميراث الاثنين من الإخوة كحكم الجمع كان حكمهما في الحجب كذلك.
ومنها: أن يخلف الموروث زوجة وأبوين, أو تخلف الموروثة زوجا وأبوين.
فقال عمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود: للزوجة الربع سهم من أربعة, وللأم ثلث ما بقي وهو الربع, وما بقي فللأب وهو النصف.
وكذلك قالوا: للزوج: النصف ثلاثة من ستة, وللأم ثلث ما بقي وهو السدس, وما بقي فللأب وهو الثلث, وبه قال عامة الفقهاء.
وقال ابن عباس وشريح وداود: للزوجة الربع ثلاثة من اثني عشر, وللأم الثلث أربعة, وللأب ما بقي خمسة.
وقال في الثانية: للزوج النصف ثلاثة من ستة, وللأم الثلث سهمان, وما بقي فللأب وهو سهم, فيفضل في هذه المسألة الأم على الأب, وقال: لا أجد في

كتاب الله تعالى ثلث ما بقي للأم.
وقد أرسل ابن عباس إلى زيد فقال له: أقال الله: للأم ثلث ما بقي, أو قال: للأم الثلث؟ فرد إليه زيد: إنما ذكر الله تعالى رجلا يرثه أبواه فأعطى للأم الثلث, وللأب الثلثين, فإذا دخلت معهما امرأة فلها الربع وما بقي فعلى ما قال الله.
فأرسل إليه ابن عباس: أرأيت من زعم أن للأم الثلث أكذب على الله؟ فقال زيد: لا أقول: كذب على الله, ولكن ليفرض ابن عباس برأيه, وأفرض أنا بالذي أرى.
والجليل للجماعة أن الله تعالى جعل المال للأبوين إذا انفردا, للأم الثلث, وللأب الثلثان, كما جعل للابن والبنت إذا انفردا, وللأخ والأختين للأبوين إذا انفردا.
فلما أجمعت الأمة إذا دخل مع الابن والبنت, أو مع الأخ والأخت زوج أو زوجة أخذ الزوج أو الزوجة فرضه, وكان ما بقي بين الابن والبنت, أو الأخ والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين كما كان إذا انفردا, فكذلك يكون حكم الأبوين مع أحد الزوجين.

ومنها أن يترك الموروث ثلاثة إخوة, وأبوين.
فقال على وزيد وابن مسعود: للأم السدس, وما بقي فللأب, وإن الإخوة يحجبون الأم عن السدس الآخر, ولا يرثون مع الأب شيئا.
وقال ابن عباس: للأم السدس, وللإخوة السدس الذي حجبوا الأم عنه, وما بقي فللأب.
قال: وكيف يحجب من لا يرث, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو قول ابن عباس.
قال ابن شفاعة: يحتمل إن صح هذا الخبر فإنما يكون السدس الذي صار للإخوة لوصية أوصى لهم به؛ لأن الإجماع أن لا يرث أحد من الإخوة مع الأب.
وقال غيره: المشهور عن ابن عباس مثل قول الجماعة.
ومنها أن يخلف الموروث: ابنتين, وابن ابن, وابنة ابن.
فقال على وزيد وابن عباس وعائشة أن للبنتين الثلثين, وما بقي بين ابن الابن, وبنت الابن للذكر مثل حظ الأنثيين, وبه قال مالك وسائر الفقهاء.
وقال ابن مسعود: ما بقي للابن دون أخته.

وكذلك إن خلف الموروث أختين لأبوين, وأخا وأختا لأب.
فقال الجماعة: للأختين الأشقاء الثلثان, وما بقي بين الأخ والأخت للأب للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقال ابن مسعود: ما بقي للأخ من الأب دون أخته.
ووافقه على ذلك الأسود وعلقمة والنخعي وأبو ثور.
واحتج من ذهب إلى قول ابن مسعود أن الله تعالى قد فرض للبنات والأخوات الثلثين فلا يزدن على ذلك, وما بقي يجب أن يكون للذكور العصبة دون إناثهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت السهام فلأول رجل ذكر».
وقد أجمعوا أن لو ترك الميت: بنتين, وبني إخوة, أو عمومة وعمات لكان ما بقي للذكور دون الإناث, فكذلك حكم بنات الابن أن يسقطن مع البنتين وإن كان معهن أخوة.

فالجواب عن قولهم: لا يزدن البنات على الثلثين شيئا أن يقال لهم: أرأيت لو ترك الميت عشر بنات وابنا فلا بد أن يقولوا المال بينهم على اثني عشر سهما, فقد جعلوا للبنات خمسة أسداس المال.
وأما تشبيههم ببنات الابن إذا [قارنهن] ذكر بني الإخوة وبنات الإخوة فغير مشبه؛ لأن الله تعالى لم يفرض لبنات الإخوة ولا للعصبات إذا انفردن, أو إذا قارنهن ذكر شيئا, كما فرض الله للأخوات إذا انفردن أو قارنهن ذكر.
وقد أجمعنا أن بنات الابن وبني الابن يرثون المال للذكر مثل حظ الأنثيين, بخلاف بني الإخوة وبنات الإخوة إذا اجتمعوا, فبان فساد تشبيههم, فيحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فما أبقت السهام فلأولى رجل ذكر» فيمن لا يرث من النساء بحال حسبما بينا.

دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم في بنت وابنة ابن وأخت, أن للابنة النصف, ولابنة الابن السدس, وما بقي فللأخت, فقد جعل ما بقي لغير الذكر.
وقد اتفقنا: أن لو كان مع الأخت أخ لكان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين, فكان يجب على قولهم: أن يكون الباقي للأخ دون أخته, فبان صحة ما قلناه وبالله التوفيق.
ومنها: أن يخلف الموروث بنتا, وبنتي ابن, وابن ابن.
فقال علي وزيد وابن عباس وعائش: للبنت النصف, وما بقي بين بنتي الابن وابن الابن للذكر مثل حظ الأنثيين, فيجب لبنتي الابن الربع على قولهم.
وبه قال مالك, عامة الفقهاء.
وقال ابن مسعود: للبنت النصف, ثم ينظر أي شيء أضر على بنات الابن: السدس أو المقاسمة, فيعطي الأضر فسمي لذلك باب الإضرار.
وكذلك لو ترك أختا شقيقة, وأخا وأختين لأب.

فقال علي وزيد وابن عباس وكافة الفقهاء: للشقيقة النصف, وما بقي للأخ والأختين للأب للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقال ابن مسعود للشقيقة النصف, وللأختين للأب السدس تكملة الثلثين, وما بقي لأخيهما, كقوله: في بنت وابن ابن, وبنتي ابن.
والحجة لقول الجماعة أنا اتفقنا لو لم تكن بنت لكان المال بين ابن الابن وأختيه للذكر مثل حظ الأنثيين, ولذلك لو لم تكن أخت شقيقة لكان المال بين الأخ والأختين للأب للذكر مثل حظ الأنثيين, فإذا كانت بنت أو أخت شقيقة أخذت فرضها وبقي باقي المال على أصل القسمة, فحكمهم في الفاضل كحكمهم في جميعه.
كما لو كان مكان البنت أو الأخت أم أو زوج أو زوجة لأخذت فرضها وكان ما بقي بين هؤلاء للذكر مثل حظ الأنثيين كحكمهم إذا انفردوا, كما قال في زوج وأبوين, أو زوجة وأبوين أنه جعل قسمة الأبوين في الاجتماع والانفراد

للذكر مثل حظ الأنثيين فكذلك هذا.
ومن عيب هذا القول أن يقال لمن ذهب إليه إن كان حكم بنات الابن مع البنت السدس تكملة الثلثين فلم قسمت لهن إذا أضر بهن المقاسمة, وإن كان حكمهن المقاسمة فلم أفردتهن بالسدس إذا كان ذلك أضر بهن وما ذنبهن حتى ألزمن الإضرار.
ومنها: أن يخلف الموروث الحر المسلم أبوين حرين مسلمين, وأخوين مشركين أو مملوكين أو قاتلين.
فقال عمر وعلي وزيد: للأم الثلث, وما بقي فللأب, وكانوا لا يحجبون بعبد أو كافر أو قاتل, وبه قال فقهاء الأمصار.
وقال ابن مسعود: للأم السدس, وما بقي فللأب, وكان يحجب بهؤلاء ولا يورثهم.
وكذلك عنده لو خلفت الحرة المسلمة زوجا حرا مسلما وابنا كافرا أو عبدا أو قاتلا أو خلف المسلم زوجة حرة مسلمة وابنا كافرا, أو عبدا أو قاتلا فإن للزوج الربع وللزوجة الثمن ويحجبهم بمن ذكرنا.

وذهب عمر وعلي وزيد أن للزوج النصف, وللزوجة الربع, ولم يحجبوا بمن لا يرث, وبه قال فقهاء الأمصار.
واحتج من ذهب إلى قول ابن مسعود بأن الله تعالى حجب بالولد ولم يسم مسلما ولا كافرا, فهو على عمومه.
فيقال له: ما تقول فيمن هلك وترك ولداً كافرا وأبوين مسلمين؟ فإن قال: للأم السدس, وما بقي فللأب, وهو قوله, قيل له فلم حجبت الأم دون الأب؟ والله تعالى حجبهما جميعا بالولد! فإن حملت الآية على العموم وجب أن تحجبهما, وإلا تناقضت.
وإن قلت: إنما ذلك بالولد المسلم الحر فوجب أن لا يحجب بالكافر.
-وأيضا- فإنا أجمعنا أن الجد الحر المسلم لا يرث مع الأب الحر المسلم, ويرث مع الأب العبد أو الكافر, وكذلك ابن الابن الحر المسلم لا يرث مع الأب الحر المسلم, ويرث مع الأب العبد أو الكافر, وكذلك ابن الابن الحر المسلم لا يرث مع الابن الحر المسلم, ويرث مع الابن العبد أو الكافر, فلما كانوا لا يحجبون ابن الابن ولا الجد, فكذلك لا يحجبون أما ولا زوجة ولا زوجا.
ومنها: أن يترك الموروث ابني عم, أحدهما أخ لأم.
فقال عمر وابن مسعود: المال للأخ للأم دون ابن العم؛ كالأخ الشقيق مع الأخ للأب.
وقال علي وزيد: للأخ للأم السدس, وما بقي بينهما نصفان.

وبه قال مالك والشافعي والحنفي.
واحتج من ذهب إلى قول عمر وابن مسعود بأن قالوا: أجمعت الأمة أن الموروث إذا خلف أخا شقيقا, وأخا لأب أن جميع المال للشقيق, وكذلك إن كانا ابني أخوين أو عمين أو ابني عمين أن المال لأقربهما بأم, فكذلك إذا خلف ابني عم أحدهما أخ لأم.
والحجة للقول الآخر أنا وجدنا الإخوة للأم إذا انفردوا مع سائر الإخوة أو بني الإخوة أو العمومة أو بينهم أوجبت لهم فرضا لا يشاركهم فيه أحد؛ فلما كان لا يدخل عليهم فيه أحد فكذلك لا يدخلون به على غيرهم, فإذا اجتمع مع ذلك بنو عم ورثوا به على جدته وبإخوة للأم على جدته.
ألا ترى أنهم اتفقوا إذا ترك الموروث أخوين لأم أحدهما ابن عم أن لهما جميع الثلث بأخوة الأم, وما بقي للذي هو ابن عم, ولم يكن هذا أولى بالجميع, فكذلك إذا كانا ابني عم أحدهما أخ لأم, أن للأخ للأم فرضه وما بقي بينهما, ولا يدخل أحدهما على صاحبه فيما يختص به, وهذا عدل وبالله التوفيق.

ومنها: فريضة المشتركة وهي: امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وإخوتها لأمها وإخوتها لأبيها وأمها.
فأصلها من ستة: للزوج النصف ثلاثة, وللأم السدس واحد, وللأخوين للأم الثلث اثنين, وفرغ المال, فيرجع الأخوة الأشقاء على الذين للأم فيشاركونهم في الثلث الذي أخذوا, فتصبح الفريضة من اثني عشر.
وإلى هذا رجع عمر بعد أن قضى أن لا شيء للأشقاء ثم نزلت به مرة أخرى فأراد أن لا يشرك بينهم, واحتج عليه الأشقاء, وقالوا: يا أمير المؤمنين هؤلاء إنما ورثوا الثلث بأمهم وهي أمنا, وهب أبونا كان حمارا! أليس الأم تجمعنا؟ فأشرك بينهم, فسمين بذلك الحمارية.
قال شيخنا أبو بكر الفقيه الفرضي: وما علمت أحدا من الصحابة ممن تكلم في الفرائض إلا وقد اختلف قوله في المشتركة, فمرة أشرك, ومرة لم يشرك, إلا أن المشهور عن علي أنه لم يشرك.
وبه قال أهل الكوفة, وأبو حنيفة, وقاله ابن اللبان.

قال عتيق: والمشهور عن زيد أنه أشرك.
وقال ابن اللبان: وبه قال مالك والشافعي وأهل البصرة.
فوجه قول من أشرك: أن الأم قد جمعت الأشقاء والذين للأم فوجب اشتراكهم في الميراث كاشتراكهم في الأمومة, ولأن الأشقاء يدلون بالأبوة والأمومة فلا يكونون أسوأ حالا ممن لا يدلي إلا بالأمومة؛ لأن من يدلي بقرابتين آكد ممن يدلي بقرابة واحدة.
ووجه قول من لم يشرك: أن الله تعالى خص كل فريق بفرض معلوم, فجعل الذين للأم لأحدهم السدس, وللاثنين فصاعدا الثلث, وساوى فيه بين الذكر والأنثى, وجعل فرض الأشقاء للذكر مثل حظ الأنثيين, وللذكر إذا انفرد جميع المال, وللأنثى إذا انفردت نصفه, فهذان فرضان مختلفان, فوجب أن لا يدخل أهل فرض على أهل فرض كما لا يدخلون على زوجة أو زوج.
ومما احتج به علي رضي الله عنه قال: أرأيتم لو كان الأخوة للأم مائة! أكنتم تزيدونهم على الثلث شيئا؟ فقالوا: لا, قال: فكذلك لا تنقصوهم منه.
قال غيره: ويؤيد ذلك لو لم يكن في الفريضة أم للزم من أشرك أن يقول:

للزوج النصف, ويشرك بين الأشقاء والذين للأم؛ فإن الأم تجمعهم, وهذا لا يقوله أحد.
ألا ترى لو تركت زوجا وأما وأخا لأم وعشرة أخوة لأب وأم, لكان للزوج النصف, وللأم السدس, وللأخ للأم السدس, وما بقي وهو السدس للعشرة الشقائق, وهذا إجماع.
ويلزم من شرك أن يساوي بينهم؛ لأن الأم تجمعهم, فدل بذلك أن للإخوة للأم فرضا لا يشاركهم فيه غيرهم, وبالله التوفيق.
قال أبو بكر: إنما تكون المشتركة إذا كان الإخوة الأشقاء ذكوراً أو ذكورا وإناثا.
فأما إن كن إناثا خاصة فليست بمشتركة؛ لأن الإناث يربأ لهن بالثلثين فتصح من عشرة, وهذه تسمى: البلجاء, وسيأتي شرح ذلك في باب العول إن شاء الله.
ولو كان هؤلاء الأخوة لأب لم تكن مشتركة؛ لسقوط حجتهم من طريق الأم الذي احتج بها الأشقاء, وهذا مما لا اختلاف فيه.
قال أبو بكر: فصح مما قدمنا أنما تكون مشتركة باجتماع ثلاثة شرائط:- وهي بأن يستكمل بفرض الإخوة للأم المال, وبأن يكون الأشقاء ذكورا, أو ذكوراً وإناثاً.

وتسقط أن تكون مشتركة بثلاثة أوجه -أيضا-:- وهي بأن يبقى من المال بقية, أو بأن يكون الأشقاء إناثا, أو بأن يكون الإخوة لأب ما كانوا ذكورا وإناثا.
قل أبو النجا الفارض: وإذا كان في المشتركة جد سقط جميع الإخوة, وكان ما بقي بعد فرض الزوج والأم للجد خاصة دون جميع الإخوة.
فالحجة في ذلك: أن الإخوة للأم لا يرثون مع الجد, والإخوة الأشقاء إنما يرثون في هذه المسألة بسبب الأم, والجد يحجب كل أخ يرث بسبب الأم, وأما الذين للأب, فيقول لهم الجد: أرأيت لو لم أكن معكم أكان يكون لكم شيئا؟ فيقولون: لا, فيقول لهم: فليس حضوري بالذي يوجب لكم شيئا لم يكن لكم.
قال أبو بكر: وهذا القول عندي إنما يجري على قول ابن مسعود في بنتين وبنت ابن وابن ابن, والصواب أن يرثوا مع الجد كانوا أشقاء أو لأب.
والحجة لهم في ذلك بأن يقولوا له: أنت لا تستحق من الميراث إلا شاركناك فيه, فلا تحاسبنا بأنك لو لم تكن؛ لأنك كائن بعد, ولو لزم ما قلته للزم في

ابنتين وبنت ابن وابن ابن أن لا ترث بنت الابن مع ابن الابن شيئا.
وتحتج بمثل احتجاجك أن تقول: أرأيت لو لم أكن أكان يكون لك شيئا؟ فليس كوني يوجب لك شيئا لم يكن.
ولكن الحجة لهما أن تقول: أنت لا تستحق من الميراث شيئا إلا كان لي مثل نصف ما لك؛ لأن منزلتنا واحدة, فلا تحاسبني أنك لو لم تكن وأنت كائن.
وهذا قول الجماعة إلا ابن مسعود, وبالله التوفيق.

[الباب السابع]

باب الحجب وتفسيره

قال أبو بكر: اعلم أن أصل الفرائض معرفة الحجب وحفظه, فيجب إيعابه وحفظه.
[الفصل 1 - أنواع الحجب] والحجب على وجهين: حجب إسقاط, وحجب نقص.
فأما حجب النقص فإن الولد وولد الابن واحدهم وجماعتهم ذكورهم وإناثهم يحجبون الزوج عن النصف فيردونه إلى الربع, والزوجة عن الربع فيردونها إلى الثمن, والأب والجد عن جميع المال فيردونهما إلى السدس إلا أن الأب والجد يرث كل واحد منهما إذا انفرد مع البنات أو بنات الابن ما فضل وإن كان أكثر من السدس, ويحجبون الأم عن الثلث إلى السدس.
وكذلك الأخوة والأخوات من أي وجه كانت الأخوة إذا كانوا اثنين فصاعدا يحجبونها من الثلث إلى السدس, وإن لم يكن لها ولد في قول الجماعة إلا ابن عباس فإنه لا يحجبها بدون الثلاثة, ولا يحجبها بنو الأخوة إجماعا.
والبنت تحجب بنت الابن إذا لم يكن معها ابن ابن فتردها من النصف إلى

والسدس تكملة الثلثين, وكذلك تحجب بنات الابن عن الثلثين إلى السدس.
وكذلك الأخت الشقيقة مع الأخت والأخوات للأب فهذا حجب النقص.
[فصل 2 - أقسام حجب الإسقاط] وأما حجب الإسقاط فعل قسمين:- أحدهما: أن المسلمين الأحرار يحجب الأقرب الأبعد.
وبيانه: أن تعلم أن الابن والبنت والأبوين والزوجين لا يسقطان جملة, ويسقط الجد للأب مع الأب؛ لأنه به يتقرب فكان من يقرب به أولى, وكذلك كل جد لأب علا فإنه يحجب من هو أقرب منه.
وتسقط الجدة أم الأم مع الأم, وتسقط الجدة أم الأب مع الأب ومع الأم؛ لأن الأم تحجب الجدتين جميعا؛ لأنها أم أقرب إلى الموروث, وإنما ورثتا الجدتان السدس لأنها أم أبعد من الأم فأعطيت أدنى منازل الأم وهو السدس.
ويسقط ابن الابن مع الابن, وكذلك كل ابن ابن وإن سفل يسقط مع من هو فوقه من بني الابن.
وتسقط بنت الابن أو بنات الابن مع الابن ومع البنتين فصاعدا, وكذلك كل بنت ابن أو بنات ابن إذا سفلن يسقطن مع ابن ابن أو بني ابن فوقهن.
ويسقط الأخ أو الأخت الشقيقة في ثلاث مواضع: مع الابن, وابن الابن وإن سفل, ومع الأب.

ويسقط الأخ لأب في أربع مواضع: مع الابن وابن الابن والأب والأخ الشقيق.
وتسقط الأخت للأب في هذا الأربع مواضع, ومع الأختين الشقيقتين إذا لم يكن معهما أخ لأب.
ويسقط الأخوة للأم ذكرهم وأنثاهم في ستة مواضع: مع الابن, وابن الابن, والبنت, وبنت الابن, ومع الأب, والجد أب الأب وإن علا.
وقد بينا في باب توريث العصبات أن ولد الولد وإن سفل أولى من ولد الأب وإن علا, وأن ولد الأب أولى من ولد الجد, هكذا الأقرب أولى, وإن استوت منزلة الرجلين فالذي يدلي بقرابتين أولى كالأخ الشقيق والأخ للأب والعم الشقيق والعم للأب, فالشقيق أولى, وقد تقدم هذا وما أشبهه.
والقسم الثاني: وهو أن كل من لا يرث بحال لعلة فيه كالكافر والمرتد والعبد والقاتل عمدا والمولود إذا لم يستهل صارخا فإنه لا يحجب, ومن هو أبعد منه أولى بالميراث منه, وهو كمن لم يكن.

جارٍ التحميل