الباب الرابع]
في رمي الجمار أيام منى، ومن نسي شيئًا منها، أو تعجل في يومين
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
قال مالك: هي أيام الرمي الثلاثة التي بعد يوم النحر، يرمي في كل يوم منها الثلاث جمرات ماشيًا بعد الزوال، وقبل الصلاة، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله عمر ابن الخطاب، وأمر بذلك.
قال مالك: فيرمي كل جمرة بسبع حصيات، ولو رمى قبل الزوال أعاده بعد الزوال.
قال ابن المواز: وإن رمى بعد أن صلى الظهر أجزأه.
قال في الواضحة: وقد أساء.
قال ابن القاسم في العتبية: الرمي أيام منى من حين تزول الشمس إلى أن تصفر، فإذا اصفرت فقد فات الرمي إلا لمريض أو ناسي.
وأما يوم النحر فمن طلوع الشمس إلى الزوال، فإذا زالت فات الرمي إلا لعليل أو ناسي، ولو رمى بعد الزوال فلا شيء عليه، ولكن في صدر النهار أصوب.
ومن المدونة: قال مالك: ويرمي الجمرتين جميعًا من فوقهما، والعقبة من أسفلها.
قال ابن المواز: ومن لم يصل لزحام الناس فلا بأس أن يرميها من فوقها، فقد فعله عمر لزحام الناس، ثم رجع مالك فقال: لا يرميها إلا من أسفلها، وإن فعل فليستغفر الله عز وجل.
ومن المدونة: قال مالك: ويقف عند الجمرتين للدعاء، ولا يرفع يديه، فإن لم يقف فلا شيء عليه، ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف.
قال ابن المواز: يبدأ بالأولى التي تلي مسجد منى، فإذا رماها تقدم أمامها فوقف وأطال الوقوف للدعاء، ثم يرمي الوسطى وينصرف منها ذات الشمال في بطن المسيل،
فيقف أمامها مما يلي يسارها، ووجهه إلى البيت فيفعل كما يفعل في الأولى، ثم يرمي جمرة العقبة وينصرف لا يقف عندها، وكان القاسم، وسالم يقفان عند الجمرتين قدر ما يقرأ الرجل السريع سورة البقرة، وكذلك روى ابن حبيب عن ابن عمر.
وقال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل عند الأولى القيام، ويقوم عند الوسطى دون ذلك، ولا يقوم عند العقبة، وكان ابن مسعود يقف في الأولى للدعاء قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعند الثانية قدر قراءتها مرة، وكان كلما رمى أو فعل شيئًا من أمر الحج قال: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا.
وأيام منى أيام ذكر كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، وليعلن الحاج التكبير والتهليل والذكر لله تعالى فيها.
قال: وأفضل ذلك أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، ومن قال غير هذا من الذكر فحسن، وكان عمر بن الخطاب يكبر أول النهار في قبته أو حيث ما كان من منى رافعًا صوته، ويكبر الناس بتكبيره، ثم
يكبر إذا ارتفع النهار كذلك، ثم إذا زالت الشمس كذلك حتى ترتج منى بالتكبير حتى يبلغ ذلك مكة وبينهما ستة أميال، ثم يكبر بالعشي هكذا أيام منى كلها.
قال عبد الوهاب: وإنما قال: يرمي الجمار أيام منى بعد الزوال: لما روى جابر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى/ يوم النحر ضحى، فأما بعد ذلك فبعد الزوال»، ورواه ابن عباس، وعائشة.
وإنما قال يرميها ماشيًا: لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وإنما قال: يقف عند الجمرتين للدعاء، ولا يقف عند العقبة، فكذلك في حديث عائشة، وعبد الله بن عمر، وروي عن عمر، وابنه: أنهما فعلا ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: وإن رمى بسبع حصيات في مرة لم تجزه، وتكون كواحدة، ويرمي بعدها بست حصيات، ويوالي بين الرمي.
قال عبد الوهاب: وإنما قال ذلك: لأنه صلى الله عليه وسلم رماها بسبع رميات.
وقال أبو حنيفة: يجوز رميها في مرة.
ومن المدونة قال مالك: ويكبر مع كل حصاة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القاسم: فإن لم يكبر أجزأه.
قلت: فإن سبح وهلل مع كل حصاة؟ قال: السنة التكبير.
قال ابن القاسم: وإن وضع الحصاة وضعًا، أو طرحها لم يجزه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها رميًا.
قال: وإن رمى حصاة فوقعت قرب الجمرة، فإن وقعت موضع حصى الجمرة وإن لم تبلغ الرأس أجزأه، وإن سقطت في محمل رجل فنفضها صاحب المحمل فسقطت في الجمرة لم يجزه، ولو أصابت المحمل ثم مضت بقوة الرمية الأولى حتى وقعت في
الجمرة أجزأه، وقد تقدم أنه لا يرمي بحصى الجمار؛ لأنه قد رُمي به.
قال ابن القاسم: ومن نفد حصاه فأخذ ما بقي عليه من حصى الجمار فرمى به أجزأه.
قال ابن القاسم: سقطت مني حصاة فلم أعرفها، فرميت بحصاة من حصى الجمار، فقال لي مالك: إنه لمكروه، وما أرى عليك شيئًا.
محمد: وقال أشهب: لا يجزئه.
فصل [1 - فيمن ترك رمي الجمار حتى غابت الشمس، أو تركها حتى مضت أيام منى]
قال ابن القاسم: ومن ترك رمي جمرة من هذه الجمار.
م: يريد: أو الجمار كلها حتى غابت الشمس رماها ليلاً، واختلف قول مالك في وجوب الدم عليه، وأحب إلي أن يلزمه الدم، وإن ترك رمي جمرة، أو الجمار كلها حتى مضت أيام منى فحجه تام، وعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام، وأما في حصاة فعليه دم.
ابن المواز: قال مالك: من ذكر بعد أيام منى حصاة ذبح شاة، وإن كانت جمرة ذبح بقرة.
ابن المواز: وإن كانت الجمار كلها فبدنة.
وقال عبد الملك: من ترك جمرة العقبة أول يوم ورماها من الليل، أو من الغد بغير نية لقضاء ما نسي فإنه يجزئه.
قال: وإن لم يرم العقبة في شيء من أيام الرمي بطل حجه، وخالف في ذلك أصحابه.
وقال عنه ابن حبيب: إن لم يرمها يوم النحر حتى أمسى فعليه دم، ويرميها في ليلته، وإن ذكرها في اليوم الثاني، أو قبل انقضاء أيام منى رماها، وعليه بدنة، فإن لم يذكرها حتى زالت أيام منى بطل حجه.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا مضت أيام التشريق فلا رمي لمن لم يكن رمى.
قال: ومن رمى يوم ثاني النحر الجمار الثلاث بخمس، خمس، ثم ذكر من يومه رمى الأولى التي تلي مسجد منى بحصاتين، ثم الوسطى بسبع، ثم العقبة بسبع، ولا دم عليه، ومن ذكرها من الغد رمى هكذا، وعليه دم على أحد قولي مالك، ولو ذكرها بعد رميه لغده رمى هكذا، ثم يعيد رمي يومه؛ لأنه في بقية من وقته، وعليه دم للأمس، وإن ذكر ذلك بعد مغيب الشمس من اليوم الثاني رمى عن أمس بما ذكرنا، وعليه دم، ولا يعيد رمي يومه، وإن لم يذكر إلا بعد رمي يومين وذكر قبل مغيب الشمس من آخر أيام التشريف رمى الأولى بحصاتين، والاثنتين بسبع، سبع عن أول يوم، وأعاد رمي يومه هذا فقط إذ عليه بقية من وقته، ولا يعيد رمي اليوم الذي بينهما؛ لأن وقت رمي يومه ذلك قد مضى.
قال مالك: وإن ذكر أنه نسى حصاة من أول يوم لا يدري من أي جمرة هي فليرم الأولى بحصاة، ثم يرمي الوسطى والعقبة بسبع، سبع، ثم قال مالك: يرمي كل جمرة
بسبع، سبع، وبقوله الأول أخذ ابن القاسم.
وكذلك قال الأبهري فيمن بقيت بيده حصاة فلم يدر من أي جمرة هي.
قال: فوجه قوله الأول: فلجواز أن تكون الحصاة من الأولى، ولا يجوز رمي ما بعدها إلا بتمامها فاحتاط وجعلها منها ليكون على يقين.
ووجه قوله: إنه يستأنفهن: فلأنه قد انقطع بين رمي الأولى للحصاة التي بقيت عليه فوجب أن يبتدي رميهن حتى يوالي الرمي.
والأول أحب إلينا.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن رمى الآخرة، ثم الوسطى، ثم الأولى أعاد الوسطى، ثم الآخرة، ولو رمى الأولى، ثم الآخرة، ثم الوسطى أعاد الآخرة.
ابن المواز: وإن رمى الجمار كلها بحصاة، حصاة كل جمرة حتى أنمها بسبع، سبع، فليرم الثانية بست، ثم الثالثة بسبع.
م: وحُكي عن ابن القابسي فيمن رمى عن نفسه حصاة، وعن صبي معه حصاة حتى أتم الرمي فليعد عن نفسه ولا يعتد من ذلك إلا بحصاة واحدة، ولو رمى جمرة عن نفسه، ثم رماها عن الصبي حتى أتم فذلك يجزئه.
م: وقوله في الأولى غير صحيح؛ لأنه تفريق يسير، وليست كمسألة محمد في الذي رمى الجمار كلها بحصاة، حصاة حتى أتم؛ لأن رمي الثانية لا يصح إلا بعد استيعاب
رمي الأولى، وكذلك رمي الثالثة لا يصح إلا بعد استيعاب رمي الأولى والثانية، ويدل على صحة رميه عن نفسه في مسألة رميه عن نفسه وعن الصبي: قوله في مسألة ابن المواز: أنه يعتد بالرمية الأولى ولا يضره تأخير الثانية عنها، وقوله في الكتاب: إذا رمى الجمار بخمس، خمس أنه يعتد بالخمس الأولى، ولا يضره ذلك التفريق، وهو أطول من تفريق رميه عنه وعن الصبي، وهذا أبين.
فصل [2 - رمي الجمار ليس من شرطه الطهارة]
ابن المواز: قال ابن وهب: وليس على من رمى الجمار على غير وضوء إعادة، ولكن لا يتعمد ذلك، ولم ير عطاء، والشعبي به بأسًا، وكان ابن عمر يغتسل لرمي الجمار، وقال ابن شهاب: لا يرمي إلا وهو طاهر.
قال عطاء، ومجاهد: وتتوضأ الحائض إذا توجهت إلى شيء من ذلك.
فصل [3 - العاجز يستنيب في الرمي إذا كان الظاهر من حاله أنه لا يزول عجزه في وقت الرمي]
ومن المدونة: قال مالك: والمريض إذا كان يستطاع حمله ويطيق الرمي ويجد من يحمله فليحمل حتى يرمي الجمرة، وإن كان ممن لا يستطاع حمله، أو لا يقدر على من يحمله، أو لا يستطيع الرمي رمى عنه غيره.
قال في كتاب محمد: ممن قد رمى عن نفسه.
قال في المدونة: ثم يتحرى المريض ذلك الرمي فيكبر لكل حصاة تكبيرة وعليه الدم؛ لأنه لم يرم وإنما رمى عنه غيره.
قال ابن القاسم: ولا يرمي المريض الحصاة في كف غيره ليرميها ذلك عنه.
قال: وليقف الرامي عنه عند الجمرتين للدعاء وحسن أن يتحرى المريض ذلك الوقوف فيدعو.
واختلف قول ابن القاسم في كتاب محمد في وقوف الرامي عن المريض للدعاء، وقال أشهب يقف عنه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن صح المريض ما بينه وبين غروب الشمس من آخر أيام الرمي أعاد ما رمي عنه كله في الأيام الثلاثة، وعليه الدم.
ابن المواز: وقال أشهب: لا دم عليه إذا أعاد ما رمى عنه، وقاله عطاء.
قال في المدونة: وإنما وقت مالك لهذا المريض إذا صح أن يعيد الرمي إلى مغيب الشمس من آخر أيام التشريق.
قال ابن القاسم: ولو رمى عنه العقبة يوم النحر، ثم صح آخر ذلك اليوم أعاد الرمي، ولا دم عليه، وإن صح ليلاً فليرم ما رُمي عنه، وعليه الدم.
قال مالك: وأحب إلي للمريض إن طمع بصحة أن ينتظر بالرمي آخر أيام الرمي، فإن لم يرج ذلك فلا يُؤخر وليرم عنه ويهدي.
قال: والمغمى عليه في رمي الجمار كالمريض.
ويرمي عن الصغير من رمى عن نفسه، كالطواف، وإن كان الصبي كبيرًا قد
عرف الرمي فليرم عن نفسه، وإن ترك الرمي أو لم يرموا عن الذي لا يقدر على الرمي، فالدم على من من أحجهما.
فصل [4 - السنة لإمام الحاج أن لا يتعجل]
ومن كتاب ابن المواز: قال أصبغ: والسنة للإمام أن يرمي الجمرة الآخرة عند الزوال ويتوجه فاصلاً وقد أعد رواحله قبل ذلك، أو يأمر من يلي ذلك له، ولا يرجع إليه ثانية.
قال مالك: فإذا تم الرمي في اليوم الثالث فلا يقيم مع أحد بعد رميه ولينفر ويُصل في طريقه، ولا يصلي ذلك اليوم بمسجد منى غير صلاة الصبح.
قال: وإذا كان له ثقل وعيال فله أن يؤخر ما لم تصفر الشمس.
[فصل 5 - يشترط في التعجيل أن يخرج من منى قبل الغروب من اليوم الثاني من أيام التشريق]
قال مالك: وللحاج التعجل في يومين بعد أن يرمي لليوم الثاني من أيام التشريق، وهو ثالث يوم النحر.
محمد: يرمي بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع حصيات، فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، ويسقط رمي اليوم الثالث، وذلك ما لم تغرب الشمس من اليوم الثاني، فإن غربت وهو بمنى أقام حتى يرمي من الغد، فإن جهل فتعجل في ليلته أساء، وعليه الهدي.
قال ابن المواز: وكره مالك لإمام الحاج التعجيل.
قال ابن القاسم: ولو تعجل قبل الغروب فخلف العقبة، ثم غربت الشمس لجاز ذلك، ويطوف من الليل إن شاء وينصرف، وقاله أصبغ.
[فصل 6 - من تعجل في يومين هل له أن يقيم بمكة؟]
قال: ومن تعجل في يومين فلا يضره أن يقيم بمكة حتى يمشي ما بدى له.
وقال عبد الملك: إن بات بمكة فعليه دم، يريد: ويرجع إلى منى، ويرمي من الغد، وليس كذلك أهل مكة؛ لأن المكي قد تعجل إلى بيته، ولو أفاض في يومين وليس شأنه التعجيل فبدى له من مكة أن ينفر فذلك له ما لم تغب عليه الشمس بمكة، فإذا غابت لم يبرح حتى يرمي من الغد.
قال: وإن أفاض وليس شأنه التعجيل فطاف ورجع إلى منى ثم بدى له بمنى قبل الغروب أن يتعجل كان ذلك له، وهي السنة.
وذهب ابن حبيب إلى أن للمتعجل في يومين رمي جمار يومه ذلك، ثم يرمي في فوره جمار اليوم الثالث مكانه.
قال أبو محمد: وليس هذا قول مالك، ولا أصحابه.
قال ابن حبيب: فإذا أتم رميه نفر لوجهه حتى يأتي مكة، ولا ينزل بالمُحصب، فيصلي بمكة الظهر، فإن كان قد أفاض يوم النحر طاف للوداع وركع ركعتيه، ثم مضى
إلى بلده، وإن لم يكن أفاض طاف للإفاضة وللوداع، وإن أحب جمعهما في طواف واحد، وأجزأه من الأمرين، وإن أحب طاف لكل واحد وركع لكل طواف ركعتين، ثم مضى صادرًا إلى بلده، وقد قضى حجه وتم أمره.
ويستحب أن يكون آخر عهده عند خروجه استلام الركن ثم يمضي.
قال: ولا يجوز لمن تعجل في يومين أن يقيم بمكة في يومه ذلك ويبيت، فإن فعل فقد خرج من سُنّة التعجيل، ووجب عليه إذا أصبح بمكة أن يرجع إلى منى حتى يرمي مع الناس وينفر معهم، ولا يعتد بالرمي الذي كان قدمه؛ لأنه حين أصبح بمكة صار غير متعجل؛ لأن المتعجل إنما أرخص له ليتعجل إلى بلده وأهله، وإن هو حين أصبح بمكة جهل أن يرجع إلى منى ويرمي ومضى إلى بلده وجب عليه الهدي الذي يجب على من لم يرم، وأما من تعجل من أهل مكة فلا شيء عليه؛ لأنه إنما أقام في أهله وبيته ولم يبق عليه سفر يتعجل إلى الخروج له.
م: وهذا قول عبد الملك ابن الماجشون.
قال مالك: ولا أرى لأهل مكة أن يتعجلوا في يومين إلا أن يكون لهم عذر من مرض، أو تجارة يرجع إليها، قيل له: فالرجل منهم تكون له المرأة الواحدة يريد أن يتعجل إليها؟ قال: لا أرى ذلك ما جُلّ الناس إلا له المرأه الواحدة.
قال ابن القاسم: وقد قال لي مالك قبل ذلك: لا بأس لأهل مكة أن يتعجلوا، وهم كغيرهم، وهو أحب قوله إلي؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، فهذه الآية لأهل مكة وغيرهم.
قال مالك: وأرخص لرعاة الإبل أن يرموا يوم النحر العقبة ثم يخرجون فإذا كان اليوم الثاني من أيام منى يوم نفر المتعجل أتوا فرموا الجمار لليوم الماضي ولليوم، ثم لهم أن يتعجلوا، فإن أقاموا رموا للغد مع الناس.
ابن المواز: قال فإن رعوا النهار ورموا الليل أجزأهم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لهم في ذلك.
الباب الخامس]
في الاشتراك في الهدي، وصفة النحر ومن ذبح هدي غيره وأحكام الهدايا، وجامع القول فيها
قال الله سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم﴾ فكان للقارن حكمه في السنة، ودخل في ذلك: كل من انثلم من حجه شيء، ثم ليس في شيء من ذلك إطعام، وإنما ذكر الله الإطعام في جزاء الصيد وفدية الأذى، وسمي الجزاء هديًا، والفدية نسكًا، وجعل محل الهدي الذي وقف به بعرفة منى بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، والحلق بمنى، لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، وما لم يوقف به بعرفة فمحله مكة، لقوله في الجزاء: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، ولم يذكر للفدية محلاً، ولا سماها هديًا، فأينما ذبحت أجزأت.
قال مالك: ولا يشترك في هدي واجب، أو تطوع، أو نذر، أو جزاء صيد، أو فدية، ولا في شيء من الهدي.
ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: لا بأس أن يشترك في هدي العمرة التي يتطوع بها الناس، وأما الواجب فلا.
قال ابن المواز: لا يشترك في تطوع، ولا غيره، وقاله مالك، ومن فعله في التطوع
فهو خفيف، قال: ومعنى حديث جابر: «نحرنا البدنة عن سبعة» إن ذلك في التطوع، وكانوا معتمرين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن يلزمه الهدي هو أهل بيته، فلزم كل واحد منهم شاة فاشتركوا في بعير لم يجزئهم، وأهل البيت والأجنبيون في هذا سواء، ولو ابتاع هو هديًا تطوعًا لم ينبغ أن يشرك فيه أهل بيته.
قال مالك في موطأه: أحسن ما سمعت: أن الرجل ينحر عنه وعن أهل بيته بدنة، أو يذبح بقرة أو شاة هو يملكها ويشركهم فيها، فأما أن يشترك فيها ناس في نسك أو أضحية ويخرج كل واحد منهم حصته من ثمنها فإن ذلك يكره.
فصل [1 - في صفة نحر البدن]
ومن المدونة: قال مالك: الشأن أن تُنْحر البدن قيامًا، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القاسم: فإن امتنعت فلا بأن أن تعقل ليتمكن من نحرها.
قال ابن حبيب في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾:
وذلك أن تصف أيديها بالقيود عند نحرها، وقرأ ابن عباس: "صوافن"، وهي المعقولة من كل بدنة يد واحدة، فتقف على ثلاثة قوائم، وقرأ الحسن: "صوافي" أي صافية لله.
قال: والإبل تنحر ولا تذبح بعد النحر، والبقر تذبح ولا تنحر بعد الذبح.
وفي كتاب الضحايا إيعاب هذا.
قال مالك: والهدايا كلها إذا نحرها قبل الفجر من يوم النحر لم يجزه، قال: ومن قلد نسك الأذى وأوقفه بعرفة فلا ينحره إلا يوم النحر بمنى بعد طلوع الفجر، قال: ولا تُذبح الهدايا والضحايا إلا في أيام النحر نهارًا، ولا تذبح ليلاً، فإن ذبحت ليلاً لم تجزه، وأعادها؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، فإنما ذكر الأيام ولم يذكر الليالي.
وكره مالك للرجل أن ينحر هديه أو أضحيته غيره، وليل ذلك بنفسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل، فإن نحر له غيره أجزأه.
م: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليًا بنحر الهدايا.
قال مالك: وإن نحر له غير مسلم لم يجزه، وعليه البدل.
وقال أشهب: يجزئه إذا كان ذميًا، وقيل: إنه رواه عن مالك.
م: فوجه قول مالك أنه لا يجزئه: فلأنه مشرك كالمجوسي؛ ولأنها قربة متعلقة بالبدن فلا يجوز نيابة المشرك فيها، كالحج.
ووجه قول أشهب: فلأنه من أهل الذبح كالمسلم، واعتبارًا بتوليته العتق وتفرقة الزكاة ولحم الأضحية.
قال مالك: ومن ذبح فقال: بسم الله والله أكبر، اللهم تقبل من فلان، فذلك حسن، وإن لم يقله وسمى الله أجزأه.
فصل [3 - في الهدي يدخله عيب بعد التقليد والإشعار]
وكل هدي واجب، أو تطوع، أو جزاء صيد دخله عيب بعد أن قلده وأشعره وهو صحيح مما يجوز في الهدي فحمله صاحبه، أو ساقه حتى أوقفه بعرفة فنحره بمنى أجزأه، وإن فاته أن يقف به بعرفة فساقه إلى منى فلا ينحره بها ولكن بمكة، ولا يخرجه إلى الحل ثانية إن كان قد أدخله من الحل، فإن هلك هذا الهدي في سيره به إلى مكة لم يجزه؛ لأنه لم يبلغ محله، وكل هدي فاته الوقوف بعرفة فمحله مكة لا منى.
قال في كتاب محمد: ولا يُنحر حتى تذهب أيام منى وتحل العمرة زاد ابن الكاتب القروي في مناسكه: فإن نحره بمكة في أيام منى أجزأه.
قال ابن القاسم: ومن أوقف هدي جزاء صيد، أو مُتْعة، أو غيره بعرفة ثم قدم به مكة فتحره بها جاهلاً وترك منى متعمدًا أجزأه.
وقال أشهب: لا يجزئه.
م: فوجه قول ابن القاسم: أنه يجزئه: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ولأنه إنما ترك الاختيار، وقد نحره في موضع منحر له، وكما لو تعمد ترك وقوفه به بعرفة.
ووجه قول أشهب: إن ما وقف به بعرفة إنما محله منى، وبها نحر النبي صلى الله عليه وسلم، فمن نحره في غيرها فقد نحره في غير محله، وقد قال مالك في كتاب ابن المواز: إن ما وقف به يعرفة إن نحر بغير منى في أيام منى لم يجزه.
قال: وكل ما محله من الهدي مكة فلم يقدر أن يبلغ به داخل بيوت مكة، ونحره في الحرم لم يجزه، وإنما محله مكة، أو ما يلي بيوتها من منازل الناس.
قال في العتبية: ولا يجزئه أن ينحره عند ثنية المدنيين، وقد نحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه بالحديبية، والحديبية في الحرم، فأخبر الله تعالى أن ذلك الهدي لم يبلغ مَحِله.
ابن المواز: قال مالك: ومنى كلها منحر إلا ما خلف العقبة، وأفضل ذلك عند الجمرة الأولى، وكل ما كان من هدي فلا ينحر إلا بمكة بعد أيام منى.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ضل هديه الواجب بعدما أوقفه بعرفة، فوجده بعد أيام منى فلينحره بمكة، قال لي مالك مرة: لا يجزئه، وعليه الهدي الذي كان عليه، وقد قال مالك قديمًا فيما بلغني: أنه يجزئه، وبه أقول.
م: وهذه مثل التي قبلها، فوجه قوله: أنه لا يجزئه: لأن هذا هدي قد وقف به بعرفة فلا يجوز أن ينحر إلا بمنى، ومن نحره بغيرها فقد نحره في غير محله، ووجه قوله: أنه يجزئه: فلأن مكة أيضًا محل للهدايا؛ ولأنه لو تعمد ترك إيقافه بعرفة لكانت مكة محلاً له، واختلاف قول ابن القاسم وأشهب في الأولى على اختلاف قول مالك في هذه.
وفي كتاب محمد: إذا ساق هديًا فضل قبل أن يقف به بعرفة، ثم وجده بمنى، قال: اختلف فيه قول مالك، فقال: لا يجزئه وينحره ويهدي سواه، وقال: يجزئه وينحره بمكة.
م: وهذا أبين، ووجه الأول: أنه لما ضل قبل بلوغه محله وجب عليه بدله، فلا يسقط ذلك وجوده.
ومن المدونة: ومن قلد هديه وأشعره، ثم ضل فأصابه رجل فأوقفه بعرفة، ثم وجده ربه يوم النحر، أو بعده أجزأه ذلك التوقيف؛ لأنه قد وجب هديًا، ولا يرجع في ماله.
م: معناه: وإن أوقفه الأجنبي عن نفسه.
قال: ولا يجزيء ما أوقفه التجار؟ لأن توقيفهم لا يوجبها هديًا؛ لأنهم إنما أوقفوها للبيع، ولهم ردها وبيعها.
ولو اشترى رجل منهم هديًا بعرفة وسأل بائعه أن يوقفه له أجزأه ذلك التوقيف، ومن أوقف هديه بعرفة ثم ضل منه فوجده رجل فنحره بمنى؛ لأنه رآه هديًا فوجده ربه منحورًا أجزأه.
قال يحيى: هذا إذا أوقفه بعرفة ثم ضل منه بعد غروب الشمس، فأما إن ضل منه قبل الغروب ثم وجده بمنى فنحره بها لم يجزه.
قال ابن القاسم: وإذا أخطأ الرفقاء يوم النحر فنحر كل واحد منهم هدي صاحبه أجزأهم، ولو كانت ضحايا لم تجزئهم، وعليهم بدلها، ويضمن كل واحد منهم لصاحبه أضحيته التي ذبحها بغير أمره.
والفرق بينهما: أن الهدي إذا قُلد وأُشعر لم يرجع في مال صاحبه، ومن نحره بعد أن بلغ محله أجزأ صاحبه؛ لأنه قد وجب هديًا، والضحايا لا تجب إلا بالذبح، ولربها بدلها بخير منها.
فصل [3 - المرأة إذا خافت فوات الحج بسبب الحيض فأردفت الحج على العمرة أجزأها هدي التطوع لقرانها]
قال مالك في امرأة دخلت مكة بعمرة ومعها هدي فحاضت بعد دخولها مكة قبل أن تطوف فإنها لا تنحر هديها حتى تطهر ثم تطوف وتسعى وتنحر وتقصر، فإن كانت ممن تريد الحج وخافت الفوات ولم تستطع الطواف لحيضتها أهلت بالحج وساقت
هديها وأوقفته بعرفة ولا تنحره إلا بمنى وأجزأها لقرانها، وسبيلها سبيل من قرن.
قال عبد الوهاب: ثم يُستحب لها أن تستأنف عمرة بعد الإحلال، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
ومن المدونة: قال مالك: ومن اعتمر في أشهر الحج، وساق معه هديًا فطاف لعمرته، وسعى فلينحره إذا تم سعيه، ثم يحلق أو يقصر ويحل، ولا يؤخره إلى يوم النحر، فإن أخره فلا يثبت حرامًا ويحل من عمرته، فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج، واستحب له مالك أن يحرم في أول العشر.
قال مالك: وإن كان لما حل من عمرته أخر هديه إلى يوم النحر فنحره لم يجزه عن متعته؛ لأنه قد لزمه أن ينحره أولاً، ثم قال: أرجو أن يجزئه، وقد فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأحب إلي أن ينحره ولا يؤخره.
ابن المواز: قال أشهب عن مالك: ما ساقه الرجل من الهدي لعمرته فنحره بمنى فلا يجزئه وإن وأقفه بعرفة.
قال: وجزاء الصيد إذا ساقه معه في عمرته فلا ينحره إلا بمكة لا بمنى.
قال أشهب: وإن ساقه في حج لم ينحره إلا بمنى بعد وقوفه به بعرفة، فإن نحره بمكة في أيام منى لم يجزه إلا أن ينحره بها بعد أيام منى.
فصل [4 - فيمن اعتمر وساق هديًا تطوعًا فهلك قبل بلوغ محله]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن اعتمر وساق هديًا تطوعًا فهلك قبل بلوغ محله فليتصدق به ولا يأكل منه؛ لأنه ليس بمضمون، وليس عليه بدله، وإن أكل منه فعليه بدله.
قال بعض البغداديين: وإنما لم يجز له أن يأكل منه؛ لأنه يُتهم أن يكون أعطبه ليأكل منه فإن أكل منه أبدله لقوة التهمة.
قال ابن القاسم: وإن استحق هذا الهدي التطوع فعليه بدله، ويجعل ما يرجع به من ثمنه في هدي كما يفعل فيما يرجع به من عيب هدي التطوع.
قال مالك: ومن هلك هديه التطوع ألقى قلائدها في دمها، ورمى عندها جُلها وخطامها وخلى بين الناس وبينها، ولا يأمر من يأكل منها فقيرًا ولا غنيًا، فإن أكل، أو أمر من يأكل، أو يأخذ شيئًا من لحمها فعليه البدل، وسبيل الجل والخطام سبيل اللحم.
قال ابن القاسم: وإن بعث بها مع رجل فعطبت فسبيل الرسول سبيل صاحبها، هو الذي ينحرها، أو يأمر من ينحرها، ويفعل فيها كفعل ربها لو كان معها، ولا يأكل منها الرسول، فإن أكل لم يضمن، ولا يأمر ربها الرسول إن عطبت أن يأكل منها، فإن فعل ضمن، ألا ترى أن صاحب الهدي حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما أصنع بما عطب من الهدي؟ قال: «انحرها، وألق قلائدها عندها وخل بين الناس وبينها».
قال ابن القاسم: وإن أمر ربها الرسول إن عطبت أن يخلي بين الناس وبينها فعطبت فتصدق بها الرسول لم يضمن وأجزأت صاحبها، كمن عطب هديه التطوع فخلى بين الناس وبينها، فأتى أجنبي فقسمها بين الناس فلا شيء عليه، ولا على ربها.
قال مالك: له أن يأكل من الهدي كله واجبه وتطوعه إذا بلغ محله ونُحِرَ إلا ثلاثة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذره للمساكين.
قال ابن المواز: وله أن يأكل من الهدي النذر، والبدنة النذر إلا أن ينذر ذلك للمساكين.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أكل من جزاء الصيد، وفدية الأذى ما قل أو كثر بعد محله فعليه البدل.
قال ابن القاسم: وإن أكل مما نذره للمساكين فلا أدري ما قول مالك فيه، وأرى
أن يطعم للمساكين قدر ما أكل لحمًا، ولا يكون عليه البدل؛ لأن هدي نذر المساكين لم يكن عند مالك في ترك الأكل منه بمنزلة جزاء الصيد، وفدية الأذى، وإنما استحب مالك ترك الأكل منه.
م: يعني ها هنا: إن نذر المساكين بعينه ولو كان مضمونًا لكان عليه بدله كله إن أكل منه.
م: وإنما قال: يؤكل من الهدي كله: لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾.
وإنما قال: لا يؤكل من جزاء الصيد: لأن الله تعالى جعله للمساكين بقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، وكذلك نُسك الأذى، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أو إطعام ستة مساكين»، وما سماه هو للمساكين فقد نذره لهم، فلا يجوز له الرجوع فيه.
ابن المواز: وقال ابن الماجشون: إذا ضل جزاء الصيد فأبدله، ثم وجد الأول فلينحرهما إن كان قلد الآخر أيضًا، ولا يأكل من الأول، ويأكل من الثاني إن شاء.
محمد: ولو أكل من الثاني بعد أن بلغ محله قبل أن يجد الأول فليبدله إلا أن يجد الأول فيجزئه، ويصير الثاني كهدي تطوع أكل منه بعد أن بلغ محله.
وذكر ابن حبيب المسألة من أولها عن ابن الماجشون، وقال في سؤاله: إن ضل هديه الواجب فأبدله؟.
والذي ذكر محمد من جزاء الصيد أصح.
قال ابن حبيب- عن ابن الماجشون-: ومن معه هدي تطوع، وهدي واجب.
م: يريد: جزاء صيد، ونذر المساكين فاختلطا فلا يأكل من واحد منهما، وإن ضل أحدهما، ولا يدري أيهما هو، فلا يأكل من الباقي، ولا يجزئه الباقي إذ لعله التطوع، وليبدل الواجب، ولا يأكل من البدل، إذ لا يدري أيهما التطوع.
ابن المواز: وإن ضل هدي تمتعه وهو مُقلَد بعد أن بلغ فأبدله فعطب البدل قبل أن يبلغ محله فله أن يأكل منه، وعليه بدله لتمتعه، فإن وجد الأول نحره عن تمتعه، ولابد له من بدل الثاني؛ لأنه صار تطوعًا أكل منه قبل محله.
قال ابن المواز: وكان الحسن يقول: يؤكل من الهدي كله، وقال سعيد بن جبير: لا يؤكل من الهدي، ولا من الجزاء، والفدية، وقال طاوس: لا يؤكل من الجزاء، والفدية.
ومن المدونة: قال مالك: وكل هدي مضمون هلك قبل محله فلصاحبه أن يأكل منه ويطعم من شاء من غني أو فقير؛ لأن عليه بدله، فلا فائدة في منعه أكله.
قال مالك: ولا يبيع من ذلك لحمًا ولا جِلْدًا ولا جُلاً، ولا خِطامًا ولا قلائد،
ولا يستعين بذلك في ثمن البدل.
م: لأنه قد أخرج ذلك كله لله، فلا يرجع فيه.
قال مالك: ومن الهدي الذي هو مضمون ما إن عطب قبل محله جاز أن يأكل منه؛ لأن عليه بدله، وإن بلغ محله لم يجز له أن يأكل منه، وإن أكل منه لم يجزه، وعليه البدل وهو جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين.
يعني: إن نذر المساكين ها هنا مضمون غير معين، فلذلك كان عليه بدل جميعه.
قال مالك: والهدي المضمون: هو الذي إذا هلك قبل محله، أو استحق كان عليه بدله، والهدي الذي ليس بمضمون: هو هدي التطوع وحده، وكل هدي ساقه رجل لا لشيء وجب عليه من أمر الحج، أو يجب عليه في المستقبل فهذا تطوع، ومن قلد بدنه، أو أهدى هديًا تطوعًا، ثم مات الرجل قبل أن يبلغ الهدي محله، فلا يرجع ميراثًا؛ لأنه قد أوجبه على نفسه.
والمبعوث معه بالهدي يأكل منه إلا من الجزاء، والفدية، ونذر المساكين فلا يأكل منه شيئًا، إلا أن يكون الرسول مسكينًا فجائز له الأكل منه.
ومن أطعم الأغنياء من الجزاء والفدية فعليه البدل، جهلهم أو علم بهم، كالزكاة ولا يطعم منها ولا من جميع الهدي غير مسلم، فإن فعل أبدل الجزاء والفدية، ولا يُبْدل غيرها، وهو خفيف وقد أساء، وروي عن ابن القاسم أنه قال: أرجو أن يجزئه الجزاء والفدية إن لم يتعمد.
م: وإنما قال: يُبدل الجزاء والفدية دون غيرهما من الهدي؛ لأن الجزاء
والفدية إنما هي للمساكين، كالزكاة، فلم يجب أن يعطى منها إلا من يُعطي من الزكاة.
ومن المدونة: وإن هو أطعم ذميًا كفارة عليه لم يجزه، ولا يتصدق بشيء من الهدي على فقراء أهل الذمة ولا يُطعم من جزاء الصيد أبويه، وزوجته، أو ولده، أو مدبره، أو مكاتبه، أو أم ولده، كما لا يُعطيهم من زكاته.
فصل [5 - فيمن بعث بهدي، ثم خرج بعده حاجًا او معتمرًا]
ومن بعث بهدي مع رجل حرام ثم خرج بعده حاجًا أو معتمرًا، فإن أدرك هديه لم يُنحر فليؤخر نحره إلى أن يحل، وإن لم يُدركه فلا شيء عليه، ومن وجب عليه هدي في حج أو عمرة فله أن يبعثه مع غيره.
فصل [6 - من ضل هديه التطوع أو أضحيته فوجدهما بعد أيام النحر]
وإذا ضل هدي التطوع، ثم وجده بعد أيام النحر نحره بمكة، ولو ضلت منه أضحيته فوجدها بعد أيام النحر فلا يذبحها وليصنع بها ما شاء، وإن أصابها في أيام النحر نحرها إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فلا شيء عليه، ولو ضل منه هدي واجب، أو جزاء صيد فنحر غيره يوم النحر ثم وجده بعد أيام النحر نحره أيضًا؛ لأنه أوجبه هديًا، فلا يرده في ماله، وكل هدي واجب ضل من صاحبه أو مات قبل أن ينحره فلا يجزئه، وعليه بدله، وكل هدي تطوع مات، أو سُرق، أو ضل فلا بدل على صاحبه فيه، ومن سُرق هديه الواجب بعدما ذبحه أجزأه.
فصل [7 - الوقت المعتبر في سلامة الهدي هو حين تقليده وإشعاره]
ومن قلد هديًا وأشعره وهو لا يجزئه لعيب به فلم يبلغ محله حتى زال ذلك العيب لم يجزه، وعليه بدله إن كان مضمونًا، ولو قلده سليمًا، ثم حدث به ذلك قبل محله أجزأه.
قال أبو بكر الأبهري: القياس: أن لا يجزئ؛ لأن وجوبه لم يتناهى عند مالك، وهو مراعى، ألا ترى أنه لو عطب قبل أن ينحره لم يجزه، وعليه بدله، فكذلك يجب إذا حدث به عيب لا يجوز في الهدي إلا يجزئه.
قال ابن حبيب: وإذا قلد هديًا سمينًا، ثم نحره فوجده أعجفًا، فإن كان العجف يحدث في مثل مسافته أجزأه، وإن كان لا يعجف في مثلها لم يجزه في الواجب، ولو أشعره أعجفًا، ونحره سمينًا، فإن كان لا يسمن في مثل مسافته أجزأه، وإن كان يسمن في مثلها فأحب إلينا أن يبدله لما يخشى أن يكون حدث سمنه، قاله ابن الماجشون.
ومن المدونة: وما أصاب الضحايا من عيب بعد شرائها فعلى صاحبها بدلها؛ لأن له أن يبدل أضحيته بخير منها، وليس لمن قلد هديًا بدله بخير منه، ولا له بيعه.
قال ابن القاسم: فإن باعه رُد إن وجد، فإن لم يعرف مكانه فعليه البدل بثمنه ولا ينقص منه وإن وجده بدونه، وإن لم يجد بالثمن فليزد عليه؛ لأنه قد ضمن الهدي.
وجلود الهدايا في الحج والعمرة، وجلود الضحايا يُصنع بها ما يصنع بلحومها، ولا يعطى الجازر على جزره الهدي والأضحية والنسك شيئًا من لحومها ولا جلودها، وكذلك خِطامها وجلالها.
فصل [8 - السن المجزئ في الضحايا والهدايا والنذر والفدية]
قال مالك: والذي يجزئ من الأسنان في الضحايا والهدايا والنذر والفدية: الجذع من الضأن، والثني من سائر الأنعام، وكان ابن عمر يقول: لا يجزئ إلا الثني من كل شيء.
قال مالك: إلا أنه صلى الله عليه وسلم قد أرخص في الجذع من الضأن.
والبُدْن عند مالك من الإبل وحدها، والذكور والإناث بُدْنٌ كلها، لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾، ولم يقل: ذكرًا ولا أنثى، وتعجب مالك ممن قال: لا تكون إلا في الإناث.
قال ابن القاسم: وتجوز الإناث والذكور من الغنم، وغيرها في الهدايا والضحايا.
فصل [9 - العيوب المانعة من الإجزاء في الضحايا والهدايا والنذر والجزاء والفدية]
قال مالك: ولا يجوز في الضحايا والهدايا والنذر والجزاء والفدية شيء من ذوات العوار، ولا يجوز في الفدية إلا ما يجوز في الضحايا والنذر.
قال مالك: وتجزئ المكسورة القرن في الهدايا والضحايا إذا كان قد بريء، وإن كان يُدمي فلا يصلح، ولا بأس في الهدايا والضحايا باليسير من قطع أو شق في الأذن كالسمة، ونحوها، ويجوز الخصي في الهدايا والضحايا، ووسع مالك في الكوكب يكون في العين إذا كان يُبْصر بها ولم يكن على الناظر، ولا تجوز العرجاء البين عرجها ولا المريضة البين مرضها، وكذلك جاء في الحديث ولا يجوز الدبر من الإبل في الهدايا، ولا المجروح، وذلك في الدبرة الكبيرة والجرح الكبير.
م: ولأن ذلك مرض.
وفي الضحايا إيعاب هذا.
فصل [10 - من نذر بدنة فهي من الإبل، ومن نذر هديًا وأطلق فالشاة تجزئه]
قال ابن القاسم: ومن نذر بدنة فهي من الإبل، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبعًا من الغنم، الذكور والإناث في ذلك سواء.
قال ابن المواز: وقاله سالم، وخارجة، وعبيد الله، ومحمد بن علي.
قال ابن المسيب: إن لم يجد بقرة فعشر من الغنم.
ومن المدونة: قال: وإن نذر هديًا، ولا نية له فالشاة تجزئه، لأنها هدي، وقال في كتاب النذور فيمن حلف إن لم يفعل كذا فعليه هدي فليهد بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة تجزئه.
م: حُكي عن أبي الحسن: أن الفرق بين المسألتين: إنه إذا نذر هديًا فهو متطوع به فخفف عنه، والحالف به في يمين، ذلك يلزمه، وهو غير متطوع به، فغلظ عليه فيه، فهما مسألتان مفترقتان، وليس باختلاف قول.
والله أعلم.
ونحى أبو محمد في مختصره إلى أنه اختلاف.
م: وهو أبين؛ لأن ما أوجبه على نفسه بغير يمين آكد مما أوجبه بيمين؛ لأن من قال: داري صدقة على فلان، جبره السلطان على ذلك، ولو قال: إن فعلت كذا فداري
صدقة على فلان فحنث لم يجبره السلطان على ذلك، فبان أن ما كان بغير يمين آكد مما كان بيمين على مذهب المدونة، وإن كان قد قيل: إنهما سواء كالعتق، وهو أقيس.
والله أعلم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أهدى ثوبًا فليبعه ويشتري بثمنه هديًا ما حمل من بدنة، أو بقرة، أو شاة، ويشتري ذلك من الحل فيسوقه إلى الحرم، ولا يشتري إلا ما يجوز في الهدي.
فصل [11 - فيمن قلد هديًا تطوعًا أو واجبًا ثم اطلع فيه على عيب]
ومن اشترى هديًا تطوعًا فلما قلده وأشعره أصاب به عيبًا يجزيء به الهدي، أو لا يجزيء فليمض به هديًا ولا بدل عليه، ويرجع على البائع بما بين الصحة والداء فيجعله في هدي آخر إن بلغ، فإن لم يبلغ تصدق به.
قال ابن المواز: إذ لا يشترك فيه ملك.
وإن كان واجبًا فأصاب به عيبًا لا يجزي به الهدي فعليه بدله، ويلزمه سوق هذا المعيب أيضًا؛ لأنه كعبد عتق في واجب وبه عيب لا يجزي، وما رجع به من قيمة عيب هذا الهدي فليستعن به في البدل إن شاء، والرقبة الواجبة مثله، ولو كان عيب الرقبة يجزي بمثله أعان بقيمة العيب في رقبة أو قطاعة مكاتب، وإن كانت الرقبة تطوعًا صنع بالقيمة ما شاء.
ابن المواز: قال ابن القاسم يصنع بقيمة عيب رقبة التطوع ما شاء كان عيب يجزي به الرقاب الواجبة أم لا يجزي بخلاف هدي التطوع.
وروى أشهب عن مالك أنه يصنع بقيمة عيب هدي التطوع ما شاء، وقاله ابن
القاسم في المجالس وهو خلاف قوله في الأسدية.
م: يريد- والله أعلم-: إن بلغ قيمة العيب ثمن بدنة وليس عليه أن يزيد من عنده.
قال أصبغ: هذا إن كان عيبًا يجوز في الهدي وإلا أبدله كله وإن كان تطوعًا.
قال ابن المواز: قوال أصبغ صواب إلا أنه يعتق الأعمى والمعيب طوعًا مما لا يجزي في واجب، ولا يهدي في التطوع إلا ما يهدي في الواجب، قال مالك: وذلك أنه لو استحق هدي التطوع بعد التقليد فأخذه ربه لأمرت هذا أن يرجع بثمنه فيجعله في هدي آخر، ولا آمره بذلك في عتق التطوع.
م: والفرق في هذا عندي: لأنه في العتق إنما أعتق ذلك العبد بعينه، فلما بطل العتق فيه لم ينتقل العتق إلى غيره؛ لأنه لم يرده، وفي الهدي التطوع ليس المقصود به عين الهدي، إنما قصد ثوابه وصدقته على المساكين، فلا يرجع إليه شيء من ثمنه؛ لأن المساكين المقصود لهم الهدي قيام.
م: ويحسن هذا الفرق على مذهب ابن القاسم فيما يرجع به من قيمة العيب أيضًا؛ لأنه إنما أخرج ثمنًا ليهدي به هديًا يكون للمساكين، فلا ينبغي أن يرجع إليه من ذلك الثمن شيء والمساكين قيام، وفي عيب العبد المقصود بالعتق قد عتق وهو لم يرد غيره، فلا شيء عليه فيما يرجع إليه من قيمة عيبه، ولو كان إنما أخرج دنانير ليعتق بها فاشترى بها عبدًا وأعتقه، ثم أصاب به عيبًا، فإنه يجعل ما يرجع إليه من قيمة العيب في رقبة إن بلغ، أو قطاعة مكاتب يتم بها عتقه؛ لأنه أخرج ذلك الثمن للعتق فلا
يعود إليه منه شيء، ويستوي العتق والهدي في هذا.
والله أعلم.
وحكى نحوه بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا من القرويين، قال: إنما فرق بين الهدي المعيب وبين الرقبة المعيبة إذا كان ذلك تطوعًا لأن محمل مسألة الرقبة المتطوع بعتقها أنها لم تكن في الأصل مشتراة للعتق، فلذلك ساغ له قيمة العيب، وأما لو أخرج ثمنًا فاشتراها به للعتق كانت كهدي التطوع سواء لا يسوغ له قيمة العيب، ولو كان أيضًا الهدي لم يشتره وإنما أهدى شيئًا تقدم له ملكه أو اشتراه لغير الهدي، كان كالرقبة إذا لم تكن في الأصل مشتراة للعتق إن قيمة العيب تسوغ له، وإنما افترقت المسألتان لافتراق السؤال.
قال: وهكذا كان يقول أبو موسى بن مناس، ونحوه في المستخرجة، وهذا أحسن من تفرقة ابن المواز: أنه يتطوع بعتق المعيب، ولا يهدي المعيب.
قال أبو محمد: إنما يُبْدل الهدي الواجب إذا وجد به عيبًا قديمًا لم يحدث به بعد الإشعار، والهدي الواجب: ما لزم من مُتعة، أو قران، أو لنقص من أمر الحج، أو جزاء أو فدية أهداها، أو نذر هديًا للمساكين ليس بعينه، فأما لو نذر أن يهدي هذا البعير بعينه فقلده وأشعره ثم ظهر له به عيب قديم فلا بدل عليه؛ لأن نذره لم يتعد إلى غيره.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما جُني على الهدي التطوع فأخذ له صاحبه
أرشًا فليصنع به ما يصنع من رجع بعيب أصابه في الهدي المقلد.
قال ابن المواز: وأحب إلي في الجناية أن يتصدق به في التطوع والواجب.
قال أبو محمد: يريد محمد: إن لم يكن فيه ثمن هدي، وكلام محمد هذا لم أروه.
م: يريد: ولا يلزمه بدله في الواجب إذا كانت الجناية لا يجزي بها الهدي، لأنها إنما طرأت عليه بعد الإشعار فهي كالعيب يطرأ بعد الإشعار وإن كان القياس فيهما ألا يجزيان؛ لأن الهدي الواجب لو هلك بعد الإشعار قبل أن يبلغ محله لم يجزه، فكذلك كان ينبغي إذا هلك بعضه يحكم للبعض بحكم الجميع، وكذلك قال الأبهري: أن القياس ألا يجزيء.
م: ولكن قد قاله مالك وأصحابه فلا معدل عنهم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن وجد بالضحايا عيبًا ردها وأخذ ثمنها واشترى به بدلها، بخلاف الهدي المقلد، ولو جنا على الضحايا أحد أخذ منه صاحبها عقل ما جنا عليها واشترى بدلها ولم يذبح المعيبة.
فصل [12 - في حكم ولد الهدية]
وإذا نتجت الناقة، أو البقرة، أو الشاة وهي هدي فليحمل ولدها معها إلى مكة إن وجد محملاً على غيرها، فإن لم يجد حمله عليها، فإن لم يكن في أمه ما يحمله عليها
تكلف حمله.
م: يريد: من ماله، قال أشهب: ولا محل له دون البيت، وإن باعه، يريد: أو نحره في الطريق فعليه بدله هديًا كبيرًا تامًا، وقاله ربيعة وابن القاسم.
قال ابن القاسم: وكذلك من أضر بولد بدنته في لبنها حتى مات فعليه بدله مما يجوز في الهدي، وذكر عن أبي عمران أنه إذا لم يستطع أن يتكلف حمله على حال نحره في ذلك الموضع ويصير كهدي التطوع إذا عطب قبل محله إذا كان في فلاة أو في حضر ولا يجد من يوكل عليه ولا يرتجي حياته.
قال: ولا يشرب من لبن الهدي شيئًا ولا ما فضل عن ولدها، قال ابن القاسم: فإن فعل فلا شيء عليه؛ لأن بعض من مضى أرخص فيه بعد ري فصيلها.
قال: ومن احتاج إلى ظهر هديه فليركبه وليس عليه أن ينزل بعد راحته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اركبها ويحك» في الثانية، أو الثالثة، وإنما استحسن الناس أن لا يركبها حتى يحتاج إليها.
فصل [13 - في الهدي إذا ضل بعد التقليد والإشعار ثم وجد أيام منى، أو بعدها]
قال: وإذا ضل الهدي بعد التقليد والإشعار فوجد بعد أيام منى نحره بمكة، وإن وجد خارجًا من مكة بعد أيام منى سيق إلى مكة فنحر بها، وإن لم يوقف به بعرفة فوجد أيام منى سيق إلى مكة فنحر بها، وإن وقف به بعرفة، ثم وجد في أيام منى نحر بمنى.
ومن كان عليه هدي من جزاء صيد فلم ينحره حتى مضت أيام التشريق فاشتراه في الحرم ثم خرج به إلى الحل فليدخل حلالاً ولا بأس أن يبعث بهديه مع حلال من الحرم ثم يقفه في الحل ثم يدخله مكة فينحره عنه.
ولا يجزي ذبح جزاء الصيد أو كان كان هديًا إلا بمكة أو بمنى، وإن أطعم لحمه المساكين، وذلك يبلغ سُبعُ عدد قيمة الصيد من الأمداد أن لو أطعم الأمداد، فإنه لا يجزئه.
وما كان من هدي في عمرة وجب بشيء نقصه منها، أو هدي نذر، أو تطوع، أو جزاء صيد فذلك سواء ينحره إذا حل من عمرته، فإن لم يفعل لم ينحر إلا بمكة أو بمنى إلا ما كان من هدي الجماع في العمرة فإنه لا ينحره إلا في قضائها أو بعد قضائها بمكة.
ومن اشترى يوم النحر شاة، أو بقرة، أو بعيرًا ولم يوقفه بعرفة ولم يخرجه إلى الحل فيدخله الحرم وينوي به الهدي، وإنما أراد أن يضحي بذلك فليذبحها ضحوة وليست بضحية؛ لأن أهل منى ليس عليهم أضاحي، وكل شيء في الحج فهو هدي؛ وما ليس في
الحج فهو أضاحي.
م: يريد: ولا هو هدي؛ لأنه لم ينو به الهدي ولا جمع له حل وحرم كالهدايا.
فصل [14 - من وجب عليه الهدي فعجر عنه انتقل إلى الصوم]
ومن وجب عليه الدم في حج أو عمرة فلم يجده فالصوم يجزئه منه، ولا إطعام فيه، وليس الطعام في الحج والعمرة مكان الهدي إلا في جزاء الصيد، وفدية الأذى.
وكل هدي وجب على من تعدى ميقاته، أو تمتع، أو قرن، أو أفسد حجه، أو فاته الحج، أو ترك الرمي، أو النزول بالمزدلفة، أو نذر مشيًا فعجز عنه، أو ترك شيئًا من الحج فجبره بالدم فله إذا لم يجد هديًا صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وله أن يصوم الأيام الثلاثة ما بينه وبين يوم النحر، فإن لم يصمها قبل النحر أفطر يوم النحر وصام الثلاثة التي بعده وهي أيام التشريق ويصل السبعة بها إن شاء، وقول الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يقول: من منى، وسواء أقام بمكة أم لا، وإن كان قد صام قبل يوم النحر يومًا أو يومين فليصم ما بقي عليه في أيام التشريق، فإن لم يصم الثلاثة الأيام حتى مضت أيام التشريق صام بعد ذلك إن شاء وصل الثلاثة بسبعة أو لم يصل، وإنما يصوم ثلاثة أيام في الحج كما ذكرناك المتمتع، والقارن، ومن تعدى ميقاته، أو أفسد حجه، أو فاته الحج.
م: لأن هذا الدم إنما لزم قبل الحج، فإذا لم يجده صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة بعد ذلك.
قال ابن القاسم: وأما من لزمه ذلك لترك جمرة، أو النزول بالمزدلفة فليصم متى
شاء، وكذلك الذي يطأ أهله بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة؛ لأنه إنما يصوم إذا اعتمر بعد أيام منى، أو من مشى في نذر إلى مكة فعجز فليصم متى شاء؛ لأنه يقضي في غير حج، فكيف لا يصوم في غير حج.
قال: وما صنع في عمرته من ترك ميقات أو وطء، أو ما يلزمه به هدي فلم يجده فليصم ثلاثة أيام، وسبعة بعد ذلك.
يريد: بصوم ثلاثة أيام في إحرامه، وسبعة بعد ذلك.
ابن المواز: قال مالك: ومن لزمه هديان، مثل أن يقرن، ويفوته الحج، فإن وجد واحدًا صام ثلاثة أيام في إحرامه، وسبعة بعد ذلك، وإن لم يجد صام ستة أيام في إحرامه، وأربعة عشر إذا رجع.
ومن المدونة: وكل من لم يصم ممن ذكرنا حتى رجع إلى بلده وله بها مال فليبعث بهدي، ولا يجزئه الصوم، وكذلك من أيسر قبل صيامه، ومن وجد من يسلفه فلا يصوم وليستلف إن كان موسرًا ببلده.
ابن المواز: فإن لم يجد من يسلفه فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ولا يؤخر الصيام ليهدي ببلده، فإذا صام أجزأه.