الجامع لمسائل المدونةصفحات 526-567

[الباب الأول]

في ديات الأعضاء، وشبه العمد، والدية المغلظة، ودية العمد إذا قبلت، ودية الخطأ، وأسنان الإبل في ذلك كله.

[1 - فصل: في ديات الأعضاء، وكتاب عمرو بن حزم] قال سحنون: أجمع العلماء على ما في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى نجران.
قال مالك: وعليه الأمر عندنا: (أن في النفس مئة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعاً مئة من الإبل، وفي العين خمسون من

الإبل، وفي الأذن خمسون من الإبل، وفي اليد خمسون من الإبل، وفي الرجل خمسون من الإبل، وفي كل إصبعٍ مما هنالك عشر من الإبل، وفي المأمومة ثلث النفس، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المنقلة خمسة عشر فريضة، وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي السن خمس

من الإبل).
محمد: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن في اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي الأنثيين الدية كاملة، وفي العقل الدية، وفي الصلب الدية، وفي الشفتين الدية).

قال مالك: ولم أزل أسمع أن في الصوت إن انقطع الدية، وما نقص منه فبحسابه.
وقضى عمر، وعثمان، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة من التابعين في عين الأعور بالدية.
م: وسيأتي ذلك كله في موضعه مشروحاً إن شاء الله.
[2 - فصل: في شبه العمد، وتغليظ الدية، ومن يحملها] قال مالك في المدونة: شبه العمد باطل لا أعرفه، وإنما هو عمد

أو خطأ.
قال أشهب في المجموعة: شبه العمد هو فعل المدلجي بابنه، وفيه الدية المغلظة، وهي ثلاثة أسنان، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة وهي التي في بطونها أولادها، وهي: ما بين الثنية إلى بازل عامها.

وروي مثله عن عمر، وأبي موسى الأشعري، وزيد بن ثابت.
وذكر ابن شهاب أنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن في شبه العمد دية مغلظة) على هذه الأسنان.

قال مالك في المدونة: ولا تغلظ الدية إلا في مثل ما فعل المدلجي بابنه رماه بسيف فقتله، فإن الأب إذا قتل ابنه بحديدة حذفه بها، أو بغيرها مما يقاد من غير الوالد فيه؛ فإن الأب يدرأ عنه الحد، وتغلظ عليه الدية، وهي: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، لا تبالي من أي الأسنان كانت، وكذلك حكم عمر رضي الله عنه في المدلجي.
قال مالك وابن القاسم: وتكون في مال الأب حالة؛ لأنه من العمد، والعاقلة لا تحمل العمد، ولا يرث الأب من ماله ولا من ديته شيئا؛

لأنه من العمد.
وقال أشهب وعبد الملك: بل هي على العاقلة حالة.
قال عبد الملك: ألا ترى أن عمر رضي الله عنه أمر سراقة أن يجمع له إبل تلك الدية، من أجل أن سراقة كان سيد ذلك الحي، ثم دفعها عمر إلى أخي المقتول؛ لأنه هو الذي انفرد بميراثه، ولم يحجبه أبوه عن الميراث؛ لأن

من لا يرث لعلةٍ فيه لا يحجب.
قال أشهب: ولأن من العمد ما لا قود فيه يبلغ ثلث الدية فتحمله العاقلة.
قال ابن القاسم: إنما أمره عمر رضي الله عنه أن يعدد له عشرين ومئة ليختار منها مئة.
[3 - فصل: مقدار دية العمد إذا قبلت، ومن يحملها] قال مالك: ودية العمد إذا قبلت مبهمة فهي على أربعة أسنان، وهي إناث كلها، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، بذلك مضت السنة، وقاله الليث، وعبد العزيز.

وإذا قبلت دية العمد في النفس، وفيما فيه القصاص من الجراح؛ فلا شيء على العاقلة من ذلك، وذلك في مال الجاني حالا، فإن كان عديما ففي ذمته إلا عقل الجائفة، والمأمومة عمداً؛ فإن ذلك على العاقلة، كان للجاني مال أو لم يكن، وعليه ثبت مالك، وبه أقول، وكان يقول: أنها في ماله إلا أن يكون عديما فهي على العاقلة ثم رجع.
والفرق بينهما وبين اليد؛ أن الجائفة والمأمومة موضعها قائم، ولا يستطاع القود منه لأنها متلفة، واليد يقاد منها.
[4 - فصل: في صفة دية الخطأ] قال مالك: ودية الخطأ مخمسة وهي: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكراً، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.

محمد: وذكره ابن وهب عن ابن مسعود وعدد من التابعين رضي الله عنهم.
قال سليمان بن يسار: وما أصيب به من الجراح خطأ فبحساب المخمسة.
وقالوا: في دية العمد إذا قبلت؛ أنها مربعة نحو ما قدمنا، إلا أن يصطلحوا على شيء بعينه فهو على ما تراضوا به.
م: وكذلك إذا عفا أحد الأولياء فجاز ذلك على من بقي قضي لمن بقي من حساب الدية المربعة أيضاً.

[5 - فصل: في الذين تغلظ عليهم الدية في القتل والجراح] قال مالك في المدونة: وتغلظ الدية على الأم إذا قتلت ولدها كالأب، وكذلك تغلظ على أبي الأب كالأب.

قال: وكذلك الجدود والجدات.
قال مالك: ولا تغلظ الدية في أخ، ولا زوج، ولا زوجة، ولا في أحد من القرابات، ولا تغلظ الدية في الشهر الحرام، ولا على من قتل خطأ في الحرم.
قال مالك: وإذا جرح الأب ولده، أو قطع له شيئا من أعضائه بحال ما صنع المدلجي، فإن دية ذلك تغلظ عليه بحساب المثلثة، ويكون في مال الأب حالا كان أقل من ثلث الدية أو أكثر، ولا تحمله العاقلة.
[6 - فصل: متى يقاد أحد الأبوين بالابن؟] قال مالك: ولو أضجع رجل ابنه فذبحه ذبحا، أو شق بطنه، مما يعلم أنه تعمد القتل، أو صنعت ذلك والدة بولدها؛ ففيه القود، إلا أن يعفو من له العفو والقيام وقد قال غيرنا: أنه لا يقاد منه في هذا أيضاً.

وسئل مالك: عن امرأة فجرت، فقال لها ابنها: لأخبرن أبي بذلك فقتلته؟.
قال: تقتل به.
قال: وإذا وضعت الفاجرة، فألقت ولدها في بئر فمات، فإن ألقته في مهلك كالبحر، أو بئر كبير، فما أحقها بالقتل، وإن كان مثل بئر الماشية، وما يرة أنه يؤخذ منه فلا تقتل.
[7 - فصل: في مقدار الدية من النقدين، وصفة تغليظها، ومالا يودى به] ومن المدونة قال مالك: وتغليظ الدية على أهل الذهب والورق، ينظر كم قيمة أسنان دية المغلظة، وكم قيمة أسنان دية الخطأ، وهي عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة،

وعشرون جذعة، فينظر كم زادت قيمة المغلظة على قيمة أسنان دية الخطأ؛ فإن كان قدر ربعها كان له من الذهب والورق دية وربع دية وكذلك فيما قل أو كثر من الأجزاء ولم يمض في هذا توقيت، ولكن ينظر في كل زمان فيزاد في الدية بقدر ما بين القيمتين.
قال مالك: "وقوم عمر رضي الله عنه دية الخطأ على أهل الذهب الف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر الف درهم"، فلا تتغير هذه القيمة، ولا يؤخذ في الدية غنم، ولا بقر، ولا خيل، ولا يؤخذ فيها إلا هذه الثلاثة أشياء، الإبل أو الذهب أو الورق، وعلى هذا عمل الناس ببلدنا، ولا يؤخذ من أهل صنف صنف غيره.
م: وحكى بعض أصحابنا عن شيوخه القرويين في صفة هذا التقويم: أن تقوم أسنان دية الخطأ، وأسنان المغلظة، أن لو كانت حالة، ولا تقوم أسنان الخطأ على التأجيل.
قال: ولو روعي هذا فيها لروعي في

المغلظة إن كانت على فقير أو مليء، فربما أدى ذلك إلى أن تكون قيمة أسنان دية الخطأ لأمنها أكثر من أسنان المغلظة على الفقير.
م: وليس الأمر على ما ذكر، بل تقوم أسنان دية الخطأ على تأجيلها حسب ما جعلت على العاقلة، وتقوم الدية المغلظة حالة حاضرة حسب ما جعلت على القاتل، لا يراعى في ذلك ملأه من عدمه؛ لأنه إن كان مليئا أدى القيمة الآن، وإن كان عديما اتبع بها دينا كما كان يؤدي الإبل إن كان من أهلها، إن كان مليئا أداها حالة، وإن كان عديماً أتبع بها ديناً، وكذلك يكون حكمه في قيمتها، وإنما نقلناه من إبل إلى عين فلا يعتبر في ذلك حال ذمته؛ لأن حكمها في الإبل حكمها في العين، وهذا بين.
والله عز وجل أعلم.

[8 - فصل: في العمد الذي يقاد منه والذي لا يقاد منه] قال مالك: ومن تعمد ضرب رجل، بلطمة، أو بلكزة، أو ببندقة، أو بحجر، أو بقضيب، أو بعصا، أو بغير ذلك، ففي هذا كله القود إن مات من ذلك.
قال مالك: ومن العمد ما لا قود فيه، كالمتصارعين، أو يتراميا بشيء على وجه اللعب فيموت من ذلك، ففي هذا كله دية الخطأ على العاقلة أخماسا، ولو تعمد هذا على وجه القتال فصرعه فمات، أو أخذ برجله فسقط فمات؛ كان في ذلك القصاص.

الباب [الثاني]

تفسير ما فيه دية مؤقتة أو حكومة، وأسماء الجراح، وصفاتها

[9 - فصل: ذكر ما فيه دية مقدرة] وقد تقدم في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له النبي صلى الله عليه وسلم: (أن في الأنف الدية مئة من الإبل إذا أوعب جدعا).
قال سحنون: والإجماع على ما فيه.
قال مالك: واجتمع الناس أن في اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي كل فرد مثل هذا الدية كاملة، وفي الأنثيين الدية كاملة.

قال في المدونة: وفي الأنف الدية كاملة، قطع من المارن أو من أصله، كالحشفة فيها الدية، كما في استئصال الذكر، وإذا قطع بعض الحشفة فمن الحشفة يقاس، لا من أصل الذكر، فما نقص منها ففيه بحسابه من الدية، وكذلك ما قطع من الأنف إنما يقاس من المارن لا من أصله، ألا ترى أن اليد إذا قطعت من المنكب تم عقلها، وإن قطع منها أنملة فإنما فيها بحساب الإصبع.
قال محمد: وقد (قضى النبي صلى الله عليه وسلم في أنف استؤصل بالقطع بالدية كاملة، وقضى في أنف قطع مارنه- وهي الأرنبة- بالدية أيضاً كاملة)، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعمر بن

عبد العزيز والمشيخة السبعة التابعين رضي الله عنهم أجمعين.
[10 - فصل: في الأنف إذا خرم] ومن المدونة قال مالك: ومن خرم أنف رجل أو كسره خطأ؛ فبرأ على غير عثم فلا شيء فيه، وإن برأ على عثم ففيه الاجتهاد.
قال سحنون: ليس في هذا اجتهاد؛ لأن الأنف قد جاء فيه فرض مسمى؛ فإذا برأ على عثم كان فيه بحساب ما نقص من ديته؛ لأن العثم نقص.

[11 - فصل: في كل نافذة في عضو، وعقل الموضحة] قال مالك: وكل نافذة في عضو من الأعضاء إذا برأ ذلك وعاد لهيئته على غير عثم فلا شيء فيه، وإن برأ على عثم ففيه الاجتهاد، وليس العمل عند مالك على ما قيل: أن في كل نافذة في كل عضو ثلث دية ذلك العضو، وليس كالموضحة تبرأ على غير عثم، وينبت الشعر في موضع الشجة فيكون فيها ديتها، وذلك نصف عشر الدية؛ لأن الموضحة فيها دية مسماة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في خرم الأنف عقل مسمى.
قال مالك: وفي الموضحة الخد عقل الموضحة، وليس الأنف واللحي الاسفل من الرأس في جراحهما؛ لأنهما عظمان منفردان، وإنما في موضحة ذلك الاجتهاد، وليس فيما سوى الرأس من الجسد إذا أوضح عن العظم عقل الموضحة، وموضحة الرأس والوجه إذا برئت على شين زيد في عقلها بقدر الشين، ولم يأخذ مالك بقول سليمان بن يسار في موضحة الوجه أنه يزاد لشينها ما بينها وبين نصف عقلها.

قال مالك: وما سمعت أن غيره قاله.
وعظم الرأس من حيث ما أصابه فأوضحه فهو موضحة، وكل ناحية منه سواء، وحد ذلك منتهى الجمجمة، فإن أصاب أسفل من الجمجمة فذلك من العنق؛ لا موضحة فيه.
[12 - فصل: في تحديد الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة، ومقدار دية كل منها] والموضحة، والمنقلة، لا تكون إلا في الوجه أو الرأس.
وحد الموضحة: ما أفضى إلى العظم ولو بقدر إبرة فأكثر.
وحد المنقلة: ما أطار فراش العظم وإن صغر.
ولا تكون المأمومة إلا في الرأس، وهي ما أفضى إلى الدماغ ولو بمدخل إبرة.
وحد الجائفة: ما أفضى إلى الجوف ولو بمدخل إبرة.
وإذا نفذت الجائفة فقد اختلف فيها قول مالك، وأحب إلي أن يكون فيها ثلثا

الدية.
محمد: وبه أخذ أشهب, وابن عبد الحكم, وأصبغ.
وقد جاء هذا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه من غير جهة؛ وإنما كان قوم يرمون فمرَّ رجل فأصابه سهم في جوفه فخرج من الجانب الآخر, فقضى في ذلك أبو بكر بدية جائفتين ثلثي [166/أ] الدية, وقال: هما جائفتان.
أشهب: وهو قول مالك في العمد والخطأ, وإن كان قد روي عنه غير هذا.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنَّ في المَامُومَةِ ثُلُث الدَّيةِ, وفي الْجَائِفَةِ ثُلُثَ الدَّيةِ, وفي المُنْقَّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً, وَفي الْمُوضِحَةِ خَمْساً مِنَ الإبِلِ».
كذلك في كتاب عمرو بن حزم.
قال سحنون: وأجمع الناس عليه.
قال محمد: وأخبرنا عبد الملك, وابن عبد الحكم, وابن بكير

عن مالك أنه قال: الأمر المجتمع عليه عندنا: أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج عقل, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما انتهى في كتاب عمرو بن حزم إلى الموضحة, ولم تقض الأئمة عندنا في القديم ولا في الحديث فيما دون الموضحة بعقل.
قالوا: وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن المأمومة, والمنقلة, والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه, فأما ما كان في الجسد من ذلك وكان خطأً فبرأ وعاد لهيئته بلا نقص فلا شيء فيه, وإن برأ على ففيه الاجتهاد, إلا المأمومة, والجائفة, والمنقلة, والموضحة, فإن في ذلك ديته وإن برأ على غير شَيْن.
فإن برأ على شين فاختلف فيه قول مالك: فروى ابن القاسم عنه: أنَّه يُزاد على عقلها بقدر ما شَانت من قليل أو كثير.

وروى عنه أشهب: أنه ليس فيها إلا خمس من الإبل.
قال أشهب: وقد (قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بذلك) ولم يذكر: بِشَين ولا بغير شَين, ومما يدل على ذلك: أن الموضحة تكون بقدر إبرة وتكون شِبْراً, وديتها سواء, فكذلك إذا شانه لا يزاد فيها.
13 - فصل [في الجناية على اللسان خطأ, وكيف إن قطع ما يمنع الكلام كله أو بعضه أو لم يمنع شيئاً] ومن المدونة قال مالك: وإذا قُطع اللَّسان من أصله ففيه الدَّية كاملة, وكذلك إذا قُطع منه ما منع الكلام وإن لم يمنع من الكلام شيئاً ففيه الاجتهاد بقدر شَيْنه إن شَانه, وإن منع من بعض الكلام فبحساب ذلك إذا كان يتكلم بالحروف كلها قبل ذلك وإنما الدَّية في الكلام لا في اللسان,

بمنزلة الأذنين إنما الدَّية في السمع لا في الأذنين.
محمد: وقد روى أشهب أن الرسول صلى الله عليه وسلم [166/ب] قال: «في اللَّسَانِ الدَّيَةُ إذَا مُنِعَ الْكَلَامُ», وقضى أبو بكر رضي الله عنه فيه إذا أوعب قطعه من أصله: بالدَّية, وقضى عمر رضي الله عنه فيمن ضُرب بحجر في رأسه فذهب لسانه: بالدَّية, وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يجعل في اللسان إذا انقطع كله أو انقطع كلامه: الدَّية كاملة, وما كان دون ذلك فبحسابه, وكتب بذلك إلى عامله بالمدينة.
ومن المدونة قال مالك: وإن قُطع من لسانه ما ينقص من حروفه؛ فعليه بقدر ذلك, ولا يعمل في نقص كلامه على عدد الحروف, فرُّب حرف أثقل من حرف في المنطق, ولكن بالاجتهاد في قدر ما نقص من كلامه.

قال ابن القاسم في العتبية: وذلك على قدر ما يتوهم الناظر في ذلك عند الاختبار, ويقع في نفسه أنه ذهب نصف كلامه, أو ثلثه, فيعطي نصف الدية, أو ثلثها, وإن شكوا فقالوا: هو الربع أو الثلث, أعطى الثلث حملاً على الظالم.
وقال بعض الناس: على الباء والتاء, يريد على عدد الحروف.

والأول أحب إلينا.
قال أبو محمد: وذلك أن بعض الحروف لا حظَّ للسان فيها مثل الباء والميم والحاء ونحوها, فمراعاة الكلام أشبه.
قال ابن حبيب: قال مجاهد: تجزأ الدَّية على عدد حروف المعجم, وهي ثمانية وعشرون حرفاً, فما نقص من هذه الحروف فبحسابه.
ابن حبيب: وقال لي مثله جماعة ممن سألته من أهل العلم.
وقاله أصبغ.

ابن حبيب: والحرف الثقيل والخفيف سواء.
[14 - فصل: شروط القود في اللسان البرء والتماثل] ومن المدونة قال مالك: وفي اللسان القود إذا كان يستطاع القود منه ولم يكن مُتْلِفا, مثل الفخذ, والمنقلة, والمأمومة, وشبه ذلك فإن كان مُتْلِفاً لم يُقَدْ منه.
ابن القاسم: ولا يقاد من ذلك أو يعقل حتى يبرأ, وقد سمعت أهل الأندلس سألوا مالكاً عن اللسان إذا قطع, وزعموا أنه ينبت, فرأيت مالكاً يصغي إلى أنه لا يعجل به حتى ينظر إلى ما يصير إذا كان القطع قد منعه الكلام, قلت: في الدَّية أو في القود؟ قال: في الدِّية, وفي لسان الأخرس الاجتهاد.

15 - فصل [في الانتظار بالقود أو الدية برء المجني عليه] قال: ومن قُطعت حشفته فأخذ الدية, ثم قُطع عسيبه, ففيه الاجتهاد, ويُنتظر بالمقطوع حشفته حتى يبرأ؛ لأن مالكاً قال: لا يقاد من جراحه العمد, ولا يعقل من الخطأ إلا بعد البرء, وقال: ذلك الأمر المجتمع عليه عندنا.
قال ابن القاسم: فإن أراد المقطوع الحشفة تعجيل فرض الدِّية إذ لا بد منها مات أو عاش؛ لم يكن له ذلك, ولعل [167/أ] أُنثييه أو غيرها يذهب من ذلك, وكذلك إن أوضحه رجل فأراد تعجيل دية الموضحة, فلا يعجل له شيء إذ لعله يموت فتكون القسامة فيه, وكذلك إن ضربه مأمومة خطأ فالعاقلة تحملها مات أو عاش, ولكن لا يعجل له شيء حتى يبرأ؛ لأنه لو مات منها لم تجب الدية إلا بقسامة, فإن أبى ورثته أن يقسموا, كان على العاقلة ثلث الدية لمأمومته, وإنما في هذا الاتباع والتسليم للعلماء.

وقال أشهب: ما بلغ ثلث الدية من الخطأ مما لو برأ على غير شين, لم يكن بد من عقله كالجائفة, والمأمومة, أو مواضح, أو مناقل, تبلغ ثلث الدية, فقد وجبت ساعة جرح على العاقلة, لا محيص لهم منها, عادت بفساد, أو برئت.
م: وهذا أقيس.
16 - فصل [في دية الصلب] قال مالك: وفي الصُّلْب الدِّية.
قال ابن القاسم: وذلك إذا أقعده عن القيام, مثل اليد إذا شلّت, وإن مشي على عثل, أو حدب, ففيه الاجتهاد يعني بقدر ذلك من الدية من ما ذهب من قيامه.

قال أشهب: ما نقص من قيامه فله بحسابه.
محمد: وقد قال ابن المسيب: «قضى رَسُولُ اللهِ صلَّى الله علَيهِ وسلَّم في الصُّلْبِ بِالدِّيَةِ كَامِلَةً, مِئَةً مِنَ الإبِلِ», وَيِذَلِكَ مَضَتِ السُّنَّةُ, وقاله مالك وأصحابه, وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة, قال عبد العزيز: وما جناه بعد كسر فبحساب ما نقص من ذلك, وهذا قول أشهب.
ومن المدونة: والصُّلب إذا كُسِر خطأً فبرأ وعاد لهيئته فلا شيء فيه.
محمد: وكذلك لو كُسر عمداً فبرأ وعاد إلى هيئته فلا شيء فيه لأنه لا قصاص في عمده؛ لأنه متلف, وكل جرح لا قصاص في عمده فهو بمنزلة الخطأ.
قال فيه وفي المدونة: وكذلك كل كسر يبرأ ويعود لهيئته فلا شيء فيه إلا أربع جراحات؛ الجائفة والمأمومة والمنقلة والموضحة فإنهن وإن برئن ففيهن ديتهن إلاّ أن يكون عمداً يستطاع منه القصاص فإنه يقتص منه وإن كان عظيماً, وأما المأمومة, والجائفة, والمنقلة, فليس في عمد ذلك إلا الدية مع الأدب, وكذلك ما لا يستطاع أن يقتص منه.

[17 - فصل: فيما يجري فيه القصاص وما لا يجري من جراحات الجسد] قال مالك: وفي عظامك الجسد القود من الهَاشِمة وغيرها إلا ما كان مخوفا مثل الفخذ وشبهه فلا قود فيه.
قال ابن القاسم: وإن كانت الهاشمة في الرس فلا قود فيها؛ لأني لا أجد هَاشمة تكون في الرأس إلا كانت مَنَقَّلة.
ولا قصاص في الصلب, ولا في الفخذ, وعظام [167/ب] العنق؛ لأنه مخوف.
وفي كسر أحد الزندين -وهما قصبتا اليد- القصاص, وإن كان خطأ فلا شيء فيه, لا أن يبرأ على عشم فيكون فيه الاجتهاد.
وفي كسر الذراعين, والعضدين, والساقين, القدمين, والإصبَع, عمداً القصاص.
وإذا كسر الضلع خطأ فيبرأ على عثم؛ ففيه الاجتهاد, وإن برأ على غير عثم؛ فلا شيء فيه, وإن كسر عمدا, فهو كعظام الصدر إن كان مخوفاً كالفخذ فلا قود فيه, وإن كان مثل اليد والساق ففيه القصاص.

وفي التَرقُوة إذا كسرت عمداً القصاص؛ لأن أمرها يسير لا يخاف منه, وإن كسرت خطأً وبرئت على عثم الاجتهاد, وإن برئت على غير عثم فلا شيء فيها.
وإن قطعت اليد من أصل الأصابع, أو من المنكب خطأ؛ فقد تَمّ عقلها, وذلك على العاقلة, وإن كان عمداً ففي ذلك القصاص, ويقتص منه من المنكب أو من الأصابع, كما قطع هو.
والأنف إذا كسر عمداً اقتص منه, فإن برأ الجاني على مثل حال المجني عليه أو أكثر فقد مضى, وإن كن في الأول عثل وبرأ المقتص منه على غير عثل, أو على عثل دون عثل الأول؛ اجتهد للأول من الحكومة على قدر ما زاد شينه, وهذا مثل اليد.

18 - فصل [في الحكومة فيما دون الموضحة, ومعنى الحكومة] وقد تقدم أن مالكاً قال: الأمر المجتمع عليه عندنا: أنه ليس فيما دون الموضحة من شجاج الخطأ عَقْلٌ مُسَمَّى وإنما انتهى النَّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم إلى المْوُضحة فيما سمى له عقل, وليس أجر الطبيب بأمر معمول به.
وقد سُئل عمن كُسرت فخذه ثم انجبرت مستوية, أَلَهُ ما أنفق في العلاج؟ قال: ما علمته من أمر الناس, أرأيت إن برأ على شَيْنٍ أيأخذ ما شَأنه وما أنفق, لا يكون قضاءان في شيء واحد, وإنما فيه ما شأنه.
قال ابن القاسم, وأشهب: وليس في الدَّامية, والبَاضعة, والسمحاق, والملطاء إذا كانت خطأ شيء إذا برأ, إلا أن يبرأ على شين ففيه

حكومة يقوّم ذلك أهل المعرفة بقدر شينه وضرره.
وروى عن مالك في تفسير الحكومة: أن يقوِّم المجروح على أنه عبد صحيح ويقوَّم وبه ذلك الشين فما نقصه نقص مثله من ديته, وكذلك في كتاب الأبهري.
م: يريد فيغرم الجارح ما نقص.
[19 - فصل: في أسماء الجراح وصفاتها] قال ابن حبيب: أسماء الجراح في الوجه والرأس عشر: أولها الدَّامية: تدمي الجلد, بخدش أو بغير خدش.

ثم الحارِصَة: تحرص الجلد, أي تشقه.
ثم السَّمْحاق: التي [168/أ] تسلخ الجلد, كأنها تكشطه عن اللحم.
ثم الباضعِة: تبضع اللحم بعد الجلد, أي تشقه.
ثم الملْطا: بينها وبين العظم صفاق رقيق.
ثم الْمُتَلاحِمة: التي أخذت في اللحم فقطعته في غير موضع.
ثم الْمُوضِحة: التي توضح عن العظم.
ثم الهاشِمة: التي تهشم العظيم.
ثم المنقَّلة: التي تطير فراش العظم مع الدواء.

ثم المأمومة: وهي ما أفضت إلى الدماغ.
قال ابن المواز: والْمَلْطا هي السَّمحاق, وهي التي لا تقطع الجلد ولكن تهشيم اللحم ونتنف الشعر وتدمي ولا تقطع من الجلد شيئاً, والدامية: تدمي ولا تقطع الجلد, والباضعة: هي تبضع في الرأس ولا تبلغ العظم.
20 - فصل [في دية العقل] قال مالك: وفي العقل الدية.
محمد: قال ذلك مالك وأصحابه, وجاءت به السُّنَةُ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم, وقاله عُمر وغيرُه.
قال أشهب: وقضى عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه في رَجُلٍ أُصيبَ بِحَجَرٍ في رَأسِهِ فَذَهَبَ سَمْعُهُ, وَلِسَانُهُ, وَعَقْلُهُ, وَذَكَرُهُ فَلَمْ يُصِبِ

النَّسَاءَ, فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بِأَرْبَعِ وَهُوَ حَيَّ.
وقاله ربيعة.
21 - فصل [في دية الأذنين] قال مالك: وفي الأذنين الدية إذا ذهب السمع, أصْطُلِمَتَا أو بقيتا.
وذكر بعض البغداديين: أن مالكاً رأى مرة في أشراف الأذنين الدية كاملة, ثم قال: بل حكومة.
ومن كتاب ابن المواز: وقد رأى عمر بن عبد العزيز, وأبو الزِّناد في أشراف الأذنين الدية, ذكره أبو الزِّناد عن غير واحد من العلماء

جارٍ التحميل