الجامع لمسائل المدونةصفحات 367-390

كتاب المحاربين والمرتدين

صفحات 367-390

[48 - فصل: في زنى زوجة الغائب وهي حامل، وكيف ينفى الولد؟] قال في المدونة: وإذا شهدت بينة على امرأة بالزنى أنها زنت منذ أربعة أشهر، والزوج غائب منذ أربعة أشهر، وادعت هي الحمل، وصدقها النساء، فأُخرت حتى وضعت، ثم رجمت، ثم قدم الزوج فنفى الولد، وادعى الاستبراء؛ فإن كانت المرأة قالت قبل أن ترجم: ليس الولد منه، وقد استبرأني، نفى الولد بلا لعان أن مالكا قال فيمن ظهر بامرأته حمل قبل البناء فنفاه، وصدقته هي أنه من زنى، وأنه لم يطأها: فإنه ينفى بلا لعان وتحد هي.
قال ابن القاسم: وإن كانت بكراً جلدت، وبقيت له زوجة، وإن شاء أمسك، وإن شاء طلق، وغن لم تذكر المرأة قبل موتها الاستبراء في المسألة الأولى، وادعى الزوج الاستبراء، أو نفى الولد فلا ينفيه هاهنا إلا بلعان، وكذلك لو نفاه ولم يدع استبراء فإنه يلتعن وينفي الولد.
قيل: أليس من قول مالك: أن من لم يدع استبراء ونفى الولد ضرب الحد والحق به الولد؟ وقاله المخزومي.
وابن دينار قال: ليس ذلك قول مالك، ولكن قال مالك: إذا

رأى رجل امرأته تزني وقد كان يطأها قبل الرؤية؛ لاعن ونفى الولد، إلا أن يطأها بعد الرؤية فيلحق به الولد ويحد، وإن لم يطأها بعد الرؤية إلا أنها كانت حاملا يوم قال: رأيتها تزني، فإنه يلاعن، ويلحق به الولد، إذا كان حملها يومئذ بينا مشهودا عليه، أو مقرا به قبل ذلك؛ لأنه لم ينتف من الحمل، فإن لم يلتعن صار قاذفا وحد، ولحق به الولد.
وفي كتاب اللعان إيعاب هذا.

الباب [الحادي عشر]

في حد العبد والذمي

قال مالك: وحد العبد في الزنى خمسون جلدة، وفي الخمر والفرية أربعون جلدة.
قال ابن المواز: وأن عمر ابن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم "جلدوا عبيدهم نصف حد الحر في الخمر أربعين".
م لقوله عز وجل" في المملوكات: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ وليس على العبيد في الزنى رجم، لأن الله تعالى جعل عليهن نصف حد المحصنات، ولا نصف للرجم، ومعنى الإحصان هاهنا إحصان الفرية، لا إحصان النكاح؛ لأن الإحصان في اللغة ينصرف على وجوه: فمنه إحصان الفرية، وإحصان عفاف، وهو قوله عز وجل:

﴿والَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾، وإحصان بنكاح.
[49 - فصل: في العبد إذا ارتكب حداً أو جناية أو طلق ثم بان أنه عتق قبل ذلك فكا الحر] ومن المدونة قال مالك: وإذا زنى العبد أو قذف، أو شرب خمراً، ثم قامت بينة أنه عتق قبل ذلك؛ فإنه يكون له وعليه حكم الحر في ذلك كله، وفي القصاص بينه وبين الحر، وإن كان قد طلق زوجته تطليقتين بعد العتق جعلت له عليها الثالثة، علم العبد بعتقه في ذلك كله أو لم يعلم، كان السيد مقراً بالعتق أو منكراً، والقول في غلته وخدمته في كتاب العتق.
قال ابن المواز: ولو أقيم عليه حد العبد، ثم علق أنه كان حينئذ حراً؛ فليرجع عليه بحكم الحر.
يريد: يتم عليه حد الحر.
قال: ولو زنى وهو مملوك ثم عتق قبل الحد فليس عليه إلا حد

العبد وكذلك كل أمر جناه في رقه، وقاله مالك وأصحابه.
وكل من كان فيه بقية رق، من كتابة، أو تدبير، أو أم ولد، أو من بعضه حر، فحدهم حد العبيد، في جميع الحدود.
[50 - فصل في بعض أحكام أهل الذمة في الحدود والجنايات] قال مالك: وما تظالم به أهل الذمة بينهم من قطع جارحة، أخذ ذلك من بعضهم لبعض، وإن قتل ذمي ذميا؛ قتل به، وإن سرق ذمي من مسلم أو من ذمي؛ قطع؛ لأن هذا من الحرابة، ولا يقبل في شيء من ذلك إلا شهادة المسلمين، وإذا زنى الكافران لم يحدا، ويردا إلى أهل دينهما، وإن أعلنوا بالزنى، وشرب الخمر؛ فلينكلوا، فأما إن وجدوا على ذلك ولم يعلنوه فلا.
الأبهري إنما قال ذلك: لأن اظهارهم الزنى، وشرب الخمر بين

المسلمين، مما قد منعوا من إظهاره، فإن أظهروه عوقبوا، ولم يجب عليهم في ذلك حد؛ لأن الحد يطهر، والكافر لا يطهر.
ولأن ذلك من حقوق الله عز وجل فلا يقام عليهم كما لا يقام عليهم حد الكفر، فأما القتل، والسرقة، والقذف، فهو حذ لآدمي، فإن أتوا شيئا من ذلك وجب عليهم إقامة الحد.
[51 - فصل: إذا ارتكب النصراني ما يوجب الحد ثم أسلم] قال: وإن أسلم النصراني قبل أن يقام عليه حد القتل، والفرية، والسرقة؛ فإنه يقام عليه؛ لأنه حق لآدمي فهي لازمة له كالدين، ألا ترى أنها تقام على المسلم إذا أتاها، فكذلك إذا ارتكبها الكافر ثم أسلم، فأما حقوق الله عز وجل فلا يقام عليه، كحد الزنى، والخمر؛ لقوله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
[52 - فصل: في الذمي يزني بمسلمة، أو يستكره أمة، ووجه الفرق بينهما في الحكم] وإن زنى ذمي بمسلمة حدت وعوقب هو أشد العقوبة، ولا يقتل إلا أن

يكرهها.
الأبهري: ولو استكره أمة مسلمة، فعليه لسيدها ما نقصها، بكراً كانت أو ثيباً، ولا يقتل، وقاله الليث بن سعد.
وإنما قال ذلك: لأنه لا يجوز للنصراني أن يملك الأمة المسلمة بوجه؛ لأنه لو اشتراها أو ورثها لبيعت عليه، وكذلك لو اسلمت وهي في ملكه لبيعت عليه، فقد صح ملكه على هذه المسلمة بوجه ما، فلهذا لم يقتل.
وأما إذا استكره الحرة المسلمة؛ فإنه يقتل؛ لأنه لا يجوز أن يملكها بوجه، فما لا يصح له نكاحها ولا ملكها، فلا شبهة له فيها، فيقتل بنقضه العهد؛ لأنه إذا زال عهده صار حربيا، فوجب قتله إلا أن يسلم.

الباب [الثاني عشر]

فيمن أفض زوجته أو أمته أو غيرها، أو وطئ امرأة في دبرها، أو قذف صبيا، أو صبية

[53 - فصل: فيمن أفض زوجته البكر، وأفض امرأة بالزنى] قال مالك: ومن دخل بزوجته البكر فأفضها ومثلها يوطأ، فماتت من جماعه؛ فإن علم أنها ماتت من جماعه، فديتها على عاقلته، وإن لم تمت فعليه ما شانها بالاجتهاد في ماله، وتبقى له زوجة إن شاء طلق أو أمسك، فإن بلغ الاجتهاد في ذلك ثلث الدية فأكثر؛ كان على العاقلة، وقد جعل في هذا بعض الفقهاء ثلث الدية على عاقلته، وجعلوا ذلك بمنزلة الجائفة.
وأن وطأ أمته فأفضها، فلا شيء لها، ولا تعتق عليه؛ لأنه لم يقصد إلى المثلة وهذا كالأدب يؤول إلى المثلة.

وإن زنى بامرأة فأفضها، فلا شيء عليه لها، إن أمكنته من نفسها، وإن اغتصبها فلها الصداق مع ما أشانها جميعاً، كمن أوضح رجلاً موضحة، فسقطت عينه من ذلك؛ فعليه دية الموضحة، ودية العين جميعاً، ولا يدخل بعض ذلك في بعض.
م: والفرق بين الزوجة إذا أفضاها، وبين الأجنبية إذا أطاعت: أن الزوجة واجب عليها تركه يطأها، ولا تستطيع الامتناع من ذلك؛ فلذلك كان عليه ما شانها.
والأجنبية الواجب عليها منعه، فلما طاعت له لم يكن لها عليه شيء، كما لو أذنت له أن يوضحها.
[54 - فصل في الوطء في الدبر] ومن وطأ امرأة في دبرها زنى؛ فعليه الحد، وهو وطء يغتسل منه، وقد جعله الله عز وجل وطأ، فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾.

ومن آلى من امرأته فجامعها في دبرها فقد حنث، ويسقط عنه الإيلاء، ولزمته الكفارة.
قيل: أيسقط الإيلاء وهو لم يكفر؟ قال: نعم؛ لأن هذا عند مالك جماع لا شك فيه إلا أن يكون نوى الفرج بعينه حين حلف؛ فلا تلزمه كفارة في الدبر، وهو مولي بحاله.
وإن وطأها المولي فيما دون الفرج، ولا نية له؛ فعليه الكفارة، ويسقط عنه الإيلاء إذا كفر؛ لأنه لو كفر قبل أن يطأ لسقط عنه الإيلاء، فكيف إذا كفر للإيلاء.
وقال في كتاب الإيلاء: لا يفيء بالوطء دون الفرج، إلا أن الكفارة تلزمه بذلك الوطء، إلا أن يكون نوى الفرج فلا تلزمه الكفارة.

[55 - فصل: من قذف امرأة زنت في صغرها أو صبياً] ومن زنى بصغيرة لم تحض طائعة، ومثلها يوطأ فحد ثم قذفها رجل بعد أن بلغت؛ فإنه يحد؛ لأن ما فعلته في الصبا لم يكن زنى، وكذلك لو قذفها بالزنى وهي لم تبلغ المحيض، ومثلها يوطأ، فعليه الحد لما يلحقها من العار.
ولا يحد من قذف صبيا لم يحتلم وإن كان مثله يطأ، إذ لا عار يلحقه في ذلك.

الباب [الثالث عشر]

في البينة تتعمد النظر للزاني، وكيف إن قال الزاني: هم عبيد، أو القاذف للمقذوف: إنه عبد، وتعمد القاضي للجور

[56 - فصل: في البينة تتعمد النظر للزاني، واتهامه لهم بالرق] قيل لابن القاسم: وإن شهد أربعة على رجل بالزنى، فقالوا: تعمدنا النظر إليهما لنثبت الشهادة؟ فقال: وكيف يشهد الشهود إلا هكذا.
قلت: فإن قال المشهود عليه: هم عبيد، وقال الشهود: نحن أحرار، فهم على قولهم أنهم أحرار، والبينة عليه أنهم عبيد، وأصل الناس عند مالك على الحرية حتى يثبت رقهم.
أبو محمد: وقال أشهب: إن لم يعرفوا فعليهم البينة أنهم أحرار، كالتزكية يقيم الطالب أنهم عدول.

وقول ابن القاسم أبين؛ لأن تكليف التزكية إنما احدثت لكثرة ما أحدث الناس من الفساد.
[57 - فصل: قول القاذف للمقذوف إنه عبد] ومن المدونة: ومن قذف رجلا لا يعرف برقٍ وهو يدعي الحرية، وقال القاذف: بل هو عبد، فهو على الحرية، ومن يعرف البصري والشامي والأفريقي بالمدينة، فأرى أن يحد له إلا أن يأتي ببينة على رقه، فإن ادعى بذلك بينة قريبة لم يعجل عليه، وأن كانت بعيدة جلد الحد، ولم يلتفت إلى قوله، ثم أن أقام تلك البينة بعد الضرب زالت عنه جرحة الحد، وجازت شهادته، ولا يكون له من أرش الضرب شيء.
[58 - فصل: في تعمد القاضي للجور] وإن أقر القاضي أنه رجم، أو قطع الأيدي، أو جلد تعمدا للجور، أقيد منه.
وقد (أقاد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه فيما لم يظلم فيه أحدا)، "أقاد الخلفاء من أنفسهم فيما لم يتعمدوا فيه ظلما"، وذلك على التحرج منهم، والله عز وجل أعلم.

الباب [الرابع عشر]

في السيد يقيم الحد على عبده، أو يقتص منه

قال ابن القاسم: ولا بأس أن يقيم السيد على عبده حد الزنى، وحد الخمر، وحد القذف.
محمد: قال ابن القاسم: وهو قول مالك وأصحابه أجمع، والمدنيون كلهم.
قال ويحضر لجلده في الخمر والفرية رجلين، ويحضر في الزنى أربعة نفر عدول.

قال مالك: لأن العبد عسى أن يعتق يوما، ثم يشهد بين الناس فيجد من شهد عليه ما يرد به شهادته.
قال فيه وفي المدونة: وأما السرقة فلا، وإن شهد بها عليه غير السيد عدلان سواه؛ فلا يقيمها على العبد إلا الوالي.
قال في الجنايات: لأنها ذريعة إلى أن يمثل بعبده، ويدعي أنه سرق، قال هاهنا: فإن قطعة السيد دون الوالي، وكانت البينة عادلة، وأصاب وجه القطع؛ عوقب.
ولا يحد السيد عبده في الزنى إلا بأربعة شهداء سوى السيد، فإن كان السيد رابعهم فلا يحده هو، وليرفعه إلى الإمام فيقيم الإمام عليه الحد، ويكون السيد شاهدا، ألا ترى أن الإمام إذا شهد على حد فلم تتم الشهادة إلا به، أنه لا يقيم الحد في ذلك، ولكن يرفعه إلى من هو فوقه فيقيمه، ويكون هو شاهدا.
الأبهري: إنما قال: لا يقيم عليه السيد الحد بعلمه إلا بأربعة شهداء سواه؛ لأنه كالحاكم الذي لا يحكم بعلمه في رعيته.

قال: وقد قال: أن له أن يحده بعلمه؛ ووجه ذلك: بأنه لا يتهم في جلد عبده؛ لأن في ذلك إضرارا بماله، وإدخال النقص عليه، فصار في ذلك مخالفا للحاكم؛ لأن الحاكم لا يدخل عليه في ذلك ضرر في ماله فيتهم فيه.
[60 - فصل: فيمن زنت جاريته المتزوجة] ومن المدونة قال: ومن زنت جاريته ولها زوج فلا يقيم عليها الحد، وإن شهد عليها أربعة سواه، حتى يرفع ذلك إلى السلطان.
قال في المختصر، وكتاب ابن المواز: وهذا إذا كان زوجها حرا، أو مملوكا لغيره.
وأما إن كان الزوج عبدا له؛ فله أن يقيم عليها الحد.
الأبهري: إنما قال ذلك: لأن للزوج حقا في الفراش؛ وما يحدث له فيه من ولد فليس لسيد الأمة أن يفسده، ولا يدخل عليه فيه ضرر إلا بحكم، وجاز له ذلك في عبده؛ لأنه ليس بخصم لسيده.

قال أشهب: إلا أن يكون زوجها وغدا لا يلحقه عيب ذلك فله أن يقيمه عليها، قال: وكذلك المرأة في عبدها، وقد بلغني أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم "حدت مملوكها".
[61 - فصل: السيد لا يقيم القصاص على عبده] قال فيه وفي المدونة: ولا يقيم الرجل على عبده قصاصاً حتى يرفعه إلى الإمام، وكذلك إن كان العبدان له، فجرح أحدهما صاحبه فلا يقتص منه حتى يرفعه إلى الإمام.
وقال ناس: إن كان العبدان له فلا قصاص له عليهما؛ لأن ماله جرح ماله، وأبى ذلك مالك، قال: وله أن يقتص إن شاء بعد مطالعة الإمام، وثبات ذلك عنده.

الباب [الخامس عشر]

فيمن لا تجوز شهادته، وتجريح البينة، وقذفهم

ولا تجوز شهادة آكل ربا، أو شارب خمر، أو لاعب بالحمام، إذا كان يقامر عليها، ولا شهادة من يعصر الخمر ويبيعها، وإن كان لا يشربها.
وإذا طلب المشهود عليه تجريح البينة أمكن من ذلك فمن أقام البينة عليه بشيء أنه فيه مما لو شهد عند القاضي، فعلمه القاضي منه أبطل به شهادته، كان ذلك له تجريحا، وإذا ادعى الخصم بينة بعيدة في التجريح لم ينتظر؛ لأن الحق وجب، وإنما يتلوم له القاضي في التجريح بقدر ما يرى، فإن جرحهم وإلا مضى الحكم عليه.
وإن جرح واحداً من شهود الزنى وهم أربعة؛ حد جميعهم حد الفرية.

ومن شهدت عليه بينة بالزنى فقذفهم؛ حد للزنى، وحد لقذفهم حد الفرية، ولا تبطل شهادتهم بالزنى لطلبهم لحد القذف منه.
وأكثر هذا في كتاب الشهادات.

الباب [السادس عشر]

في شهادة الإمام أو القاضي، وكتبة قاض إلى قاض، ومن يقيم الحدود

[62 - فصل: في شهادة الإمام أو القاضي] قال مالك: وإذا شهد الإمام على حد، رفعه إلى من فوقه إذا كان معه غيره ممن يثبت الحد بهم، فإن لم يكن فوقه أحد رفعه إلى قاضيه، وشهد عنده.
محمد: روى ابن وهب أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: "لو رأيت رجلا على حد من حدود الله عز وجل ما أخذته ولا دعوت إليه أحداً حتى يكون معي غيري".
قال ابن شهاب: فيرى إن كان معه غيره ممن يجب بشهادتهم الحد، أن يرفعوه إلى السلطان.

قال ابن وهب: وأخبرني محمد بن عمرو، عن ابن جريج، أن سليمان بن عبد الملك في خلافته "رأى غلاماً له يزني، فهم بحده، فنهاه عمر بن عبد العزيز أن يأخذ بشهادته".
قال ابن وهب: وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "أن لا ياخذ الإمام بعلمه ولا بظنه"، وقال ربيعة نحوه.
الأبهري: وإنما لم يحكم الإمام بعلمه؛ لانفراده بما يدعيه من العلم الذي لا يشاركه فيه غيره، وقد يجوز عليه الهوى والميل، وقد (ترك النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بعلمه في تركه قتل المنافقين بعلمه، وإقامة الحد

على المرأة التي أتت بالولد على النعت المكروه).
[63 - فصل: كتابة القاضي إلى قاض في الشهادة على الحدود والحقوق] وإذا كتب قاضٍ إلى قاضٍ بما ثبت عنده من شهادة على رجل في حد أو قصاص، أو حق سواه، أو بقضاء نفذه في ذلك كله، فثبت ذلك عند المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضي الذي كتب إليه، وطابعه، أو كان له طابع فانكسر، أو ثبت أنه كتابه ولا طابع فيه، فذلك سواء، وينبغي لهذا الذي جاءه الكتاب إنفاذ ما فيه.
قال ابن المواز: وكذلك إذا ثبت ذلك عند القاضي الذي كتب

الكتاب في الزنى بأربعة عدول، فقبل شهادتهم، فعلى القاضي الذي جاءه الكتاب أن يقيم عليه الحد، وإن لم يشهد على الكتاب إلا شاهدان، قال: ويحضر له طائفة أربعة عدول فصاعدا يشهدون ضربه كما قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأقل الطائفة أربعة، فيجوز ذلك، ويتخلص بذلك من قال فيه بعد اليوم من حد القذف.
أبو محمد: وقال سحنون: إذا كتب قاض إلى قاض أنه شهد عندي أربعة على فلان بالزنى؛ فلا يقبل فيه إلا أربعة يشهدون على الكتاب الذي فيه شهادة الأربعة في الزنى؛ لأن بهذا الكتاب يتم الحكم.
وقال ابن القاسم: يجزئ فيه شهادة رجلين.
م: وقول سحنون عندي أبين، كالشهادة على الشهادة في الزنى.
قال في المدونة فإن عزل المكتوب إليه، أو مات، ووصل الكتاب إلى من ولي بعده؛ فلينفذه، وكذلك إن عزل الذي كتب به، أو مات قبل

وصوله، أو بعده؛ فلينفذه من وصل إليه، وإن لم تشهد البينة على ما في كتاب القاضي لم يلتفت إلى طابعه.
[64 - فصل: فيمن يجوز له أن يقيم الحدود من الولاة] ولا ينبغي أن يقيم الحدود ولاة المياه وليجلب إلى الأمصار، ومصر كلها لا يقام الحد فيها إلا بالفسطاط، او يكتب إلى والي الفسطاط، فيكتب إليه بأمره بإقامة ذلك.
وقد تقدم كثير من هذا الكتاب في كتاب الأقضية.

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله

جارٍ التحميل